Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أَوَدُّ أنْ أَعودَ إلى فِكرتِنا الرَّئيسيَّةِ في هذا المَقطع. فكيفَ يمكننا أنْ نُوَفِّقَ بينَ السِّيادةِ الإلهيَّةِ والمسؤوليَّةِ البشريَّةِ (مِنْ جِهَة) وواجِبِنا الكِرازِيِّ (مِنْ جِهَةٍ أُخرى) ... واجِبِنا الكِرازِيِّ؟ فنحنُ أوَّلًا وَأخيرًا، كَما تَعَلَّمنا، سُفَراء عَنِ المسيح. وقد أُعْطينا خِدمةَ المُصالحَة. وقد أُعطينا كلمةَ المُصالحَة، والرِّسالةَ المُختصَّةَ بالتَّصالُحِ معَ اللهِ الَّذي دَبَّرَ طَريقةً تُتيحُ للخُطاةِ أنْ يَتَصالَحُوا مِنْ خِلالِها مَعَه. فَمَحبَّةُ المسيحِ تُهَيْمِنُ علينا، وَتَحْصُرُنا، وَتُسَيْطِرُ علينا، وَتَدْفَعُنا، وَتُحَرِّكُنا. وهِيَ محبَّةٌ مُتاحَةٌ لجميعِ الَّذينَ ماتَ المَسيحُ عنهُم. ويجبُ علينا أنْ نَذْهَبَ إلى جَميعِ أنْحاءِ العالمِ، وأنْ نَكْرِزَ بالإنجيلِ للخَليقَةُ كُلِّها. ويجبُ علينا (كما قالَ بولُسُ في 2كورِنثوس 5: 11) أنْ نُقْنِعَ النَّاسَ لأنَّنا نَفْهَمُ مَخافَةَ الرَّبِّ، والدَّينونةَ الإلهيَّةَ، وَجَهَنَّمَ الأبديَّةَ، وكُلَّ هَذا. لذلكَ فإنَّنا نَعْلَمُ أنَّنا مُطالبونَ بأنْ نكونَ أُمَناءَ تُجاهَ مَسؤوليَّتِنا الكِرازِيَّة.

وفي الوقتِ نَفسِهِ، قَدْ نَتَصارَعُ أحْيانًا مَعَ هذا الواقِعِ المُخْتَصِّ بالسِّيادةِ الإلهيَّةِ ونَتساءَلُ عَمَّا يُمكنُنا أنْ نَفعلَهُ إنْ كانَ كُلُّ شَيءٍ مُعَيَّنًا سَابِقًا مِنَ اللهِ ومُنَفَّذًا بواسِطَةِ الرُّوحِ القُدُس. والحقيقةُ هي أنَّ الإجابَةَ البَسيطَةَ عَنْ هذا السُّؤالِ تَتَلَخَّصُ في أنَّ اللهَ لم يَقُمْ فَقَطْ باختيارِ الأشخاصِ الَّذينَ سيُخَلِّصهُمْ، بل إنَّهُ اختْارَ أيضًا أنْ نَكونَ نَحْنُ (مِنْ خِلالِ كِرازَتِنا الأمينَةِ) الأداةَ الَّتي سَيُخَلِّصُ بِها خَاصَّتَهُ. والغايةُ مِنْ تَحقيقِ خُطَّتِهِ السِّيادِيَّةِ هِيَ أنْ نَكونَ نافِعينَ لَهُ، وَأنْ نَكونَ أداةً يُمْكِنُهُ أنْ يَستخدِمَها، وأنْ نَكونَ آنِيَةً للكَرامَةِ نافِعينَ لاستِخْدامِ السَّيِّدِ، وأنْ نَكونُ مُطيعينَ لأنَّ ذلكَ يَجْلِبُ، دونَ شَكٍّ، البَرَكَة والمُكافأةَ في هذهِ الحَياةِ وَالمُكافأةَ الأبديَّةَ أيضًا.

ولكِنْ في أثناءِ مُحاوَلَةِ التَّوفيقِ بينَ السِّيادةِ الإلهيَّةِ والمَسؤوليَّةِ البَشريَّةِ (الَّتي هي في رأيي المسألة الكُبرى الَّتي تُحَيِّرُ الأشخاصَ الَّذينَ يَدْرُسونَ الكِتابَ المقدَّسَ)، في أثناءَ مُحاولةِ التَّوفيقِ بينَ هاتينِ النُّقْطَتَيْن، فإنَّ جَوابي على ذلكَ عَبْرَ السِّنين يَتَمَرْكَزُ ببساطَةٍ حَوْلَ توضيحِ هذهِ المسألةِ لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يُقَدِّمُ لنا إجابةً واضحةً عنها لأنَّها مَسألةٌ تَفوقُ استيعابَنا. فَهِيَ حَقيقةٌ خارِقَةٌ موجودةٌ بانسجامٍ تامٍّ في ذِهْنِ اللهِ، ولكنَّها مُعْضِلَةٌ بالنِّسبةِ إلينا. ومسؤوليَّتُنا هي أنْ نُعْطي المَجْدَ للهِ على الخَلاصِ، وأنْ نُكَرِّسَ حياتَنا لدَعْوَةِ الخُطاةِ إلى التَّوبةِ مِنْ خلالِ خِدمةِ المُصالَحَة. ونَجِدُ مَثَلًا تَوضيحيًّا رائعًا على تَداخُلِ هذَيْنِ الأمْرَيْنِ مَعًا بالرَّغْمِ مِنْ تَعارُضِهِما الظَّاهِرِيِّ في الأصحاحات 9 و 10 و 11 مِنْ رِسالَةِ رُومية. وقد تَلَقَّيْتُ في هذا الأسبوعِ عِتابًا كبيرًا لأنِّي لم أَتطرَّقْ إلَّا إلى آياتٍ قليلةٍ فقط. لذلكَ، دَعُونا نَرى إنْ كُنَّا سنَنْجَحُ في التَّأمُّلِ في هذهِ الأصحاحاتِ الثَّلاثةِ في خَمْسٍ وأرْبَعينَ دقيقة.

وكَما قالَ "جوناثان"، فإنَّ واحدًا مِنَ الأمورِ الَّتي أُحِبُّ القِيامَ بها هُوَ أنْ أُرِيَكُمْ وَحَسْب ما يَقولُهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَتَمَيَّزُ بأنَّهُ يَشْهَدُ عَنْ نَفسِهِ بنفسِه. فهُوَ أفْضَلُ كِتابِ تَفْسيرٍ لِلكتابِ المُقَدَّسِ. ويَكفي أحيانًا أنْ نَقرأَ فيهِ بِتَمَعُّنٍ لِتَتَّضِحَ الصُّورةَ أكْثَر. وأعتقدُ أنَّنا سَنَرى ذلكَ مِنْ خلالِ هذا النَّصِّ. ولأنَّنا لا نَملكُ الوقتَ الكافي للغَوْصِ في كُلِّ آيَةٍ ونُقْطَةٍ على حِدَة، فإنَّنا سَنَكتفي بالنَّظرِ إلى الصُّورةِ الكبيرةِ فقط هُنا.

في الأصحاحات مِنْ 9 إلى 11، يُعَبِّرُ الرَّسولُ بولسُ عَنْ مَكْنوناتِ قَلبِهِ فيما يَخْتَصُّ بتطبيقِ الإنجيلِ ... فيما يَخْتَصُّ بتطبيقِ الإنجيلِ على الخُطاة، ولا سِيَّما أولئكَ الأقْرَب إلى قَلْبِهِ (أيِ اليَهود). فهل يَفْهَمُ بولسُ الإنجيلَ. بِكُلِّ تأكيد! وقد رَأينا ذلكَ. وهل يَفْهَمُ مَسؤوليَّتَهُ؟ بِكُلِّ تَأكيد. ونحنُ نَفهمُ ذلكَ. وهل يَفْهَمُ أنَّ ذلكَ العَمَلَ يَحْدُثُ بِسِيادَةٍ إلهيَّةٍ؟ مِنَ الواضِحِ أنَّهُ بَيَّنَ ذلكَ لَنا. وهل يَفْهَمُ أنَّ الخُطاةَ مَسؤولونَ وَأنَّهُ يَنبغي لَهُمْ أنْ يَتوبوا وَيُؤمِنوا؟ لقد كانَ يَفْهَمُ ذلك.

وبعدَ أنْ أَعْطانا فِكْرَةً عَنِ الإنْجيلِ في الأصْحاحات 1-8 مِنْ رِسالةِ رُومية (في شَرْحٍ كَامِلٍ يُعَبِّرُ حَقًّا عَنْ فَهْمِهِ للإنجيلِ)، فإنَّهُ يُطَبِّقُ ذلكَ في الأصحاح 9 ... إنَّهُ يُطَبِّقُ ذلك. وهذهِ طَريقةٌ رائعةٌ لتَلخيصِ ما دَرَسْناهُ طَوالَ الأسبوعِ عَنْ إنجيلِ بولُس. وسوفَ نَتحدَّثُ عَنْ جانبٍ آخَرَ مِنْهُ صَباحَ يومِ الأحَد. ولكِنْ فيما يَختصُّ بهذا الجُزْءِ مِنْهُ، فإنَّ هذهِ خُلاصَةٌ جَيِّدة. ونَجِدُ هُنا اهْتِمامَ الرَّسولِ بولسَ بتطبيقِ إنْجيلِ المُصالَحَةِ المَجيدِ هَذا وَإنْجيلِ السِّيادةِ الإلهيَّةِ.

ونَقرأُ في الأصحاحِ التَّاسِعِ والعَدَدِ الأوَّل: "أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ، لاَ أَكْذِبُ، وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ". وهَذا كُلُّهُ لكي نَعْلَمَ أنَّهُ لا يَجوزُ لَنا أنْ نَشُكَّ في دَوافِعِ بولس، وأنَّهُ لا يَجوزُ لَنا أنْ نَشُكَّ في شَغَفِهِ، وَأنَّهُ لا يَجوزُ لَنا أنْ نَشُكَّ في نَزاهَتِهِ. فهذا المَقْطَعُ الكِتابِيُّ يُعَبِّرُ عَنْ قَلْبِهِ النَّازِفِ. فَهُوَ شَغوفٌ جِدًّا فيما يَخْتَصُّ بخلاصِ الخُطاةِ. وَهُوَ يُريدُ مِنَ الجَميعِ أنْ يَفْهَموا حَقيقَةَ هَذا الشَّغَف. فَهُوَ ليسَ شَغَفًا زَائِفًا. بل إنَّهُ مُرْتاحُ الضَّميرِ بهَذا الشَّأنِ أمامَ الرُّوحِ القُدُس. وَهَذا هُوَ مَا يُريدُ مِنَّا أنْ نَعْرِفَهُ: "إِنَّ لِي حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي قَلْبِي لاَ يَنْقَطِعُ".

والحقيقةُ هي أنَّ الضَّرورةَ تُحَتِّمُ عَلَيَّ أنْ أقولَ أنَّ هُناكَ أُناسًا كثيرينَ يَتَمَسَّكونَ باللَّاهوتِ المُصْلَحِ ولكنَّهُمْ (في رَأيي) لا يَشْعُرونَ بهذا الحُزْن. فأيْنَ هُوَ الحُزْن؟ وَأيْنَ هُوَ الوَجَعُ الَّذي لا يَنْقَطِع؟ أيْنَ هُوَ الحُزْنُ؟ وَأيْنَ هُوَ الألَمُ؟ وَأيْنَ هُوَ التَّوَجُّعُ على ضَلالِ النَّاسِ؟ فقد تكونُ واثِقًا ومُتَأكِّدًا مِنْ عقيدةِ السِّيادةِ الإلهيَّةِ إلى حَدٍّ لا تَعودُ تَشْعُرُ فيهِ البَتَّة بهذا الشَّغَفِ في قلبِكَ. ولكِنْ ما عُمْقُ هذا الشَّغَفِ عِنْدَ بولُس؟ العَدَد 3: "فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَد".

ولا أَظُنُّ أنِّي سَمِعْتُ نَفسي يومًا أقولُ هذهِ الكلماتِ للهِ – أيْ: "احْرِمْني مِنَ المَسيحِ إنْ كانَ حِرْماني مِنَ المَسيحِ يَعْني خَلاصَ شَخْصٍ آخَر". أوْ: "أرْسِلْني إلى جَهَنَّمَ إنْ كانَ ذَهابي إلى جَهَنَّمَ يَعْني ذَهابَ شخصٍ آخَرَ إلى السَّماء". فقد كانَ هذا الشَّغَفُ قَوِيًّا جِدًّا في حياةِ بولُس حَتَّى إنَّهُ كانَ يَوَدُّ أنْ يَكونَ هُوَ نَفْسُهُ مَحْرومًا مِنَ المَسيحِ إنْ كانَ ذلكَ يَعْني، بِطَريقةٍ ما، خَلاصَ الأشخاصِ الَّذي يَتَقَطَّعُ قَلْبُهُ على حَالِهِمْ. والمؤكَّدُ هُوَ أنَّهُ لا يوجدُ شَخْصٌ فَهِمَ عَقيدَةَ السِّيادةِ الإلهيَّةِ أَفْضَلَ مِنَ الرَّسولِ بولُس. أليسَ كذلك؟ وفي الوقتِ نَفسِهِ، فإنَّهُ كانَ يَمْلِكُ هذا الشَّغَفَ العَميقَ تُجاهَ الخُطاةِ. وَهُوَ يَقولُ تَحْديدًا في العَددِ الثَّالِثِ: "فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ، الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ، وَلَهُمُ الآبَاءُ [إبراهيمُ وإسْحاقُ وَيَعْقوب]، وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ".

والحقيقةُ هي أنَّنا هُنا أَمَامَ رَجُلٍ انْفَجَرَ حَمْدًا وَتَسْبيحًا فَجْأةً. فهذهِ تَسْبِحَةُ حَمْدٍ. فَهُوَ يَنْطِقُ باسْمِ المَسيحِ فَيَتَدَفَّقُ الحَمْدُ وَالتَّسْبيحُ مِنْ شَفَتَيْهِ: "الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ". ونحنُ هُنا أَمَامَ رَجُلٍ اخْتَبَرَ الحُزْنَ وَالوَجَعَ الَّذي لا يَنْقَطِعُ في قَلْبِهِ بسببِ حالِ النَّاسِ الَّذين كانَ يُحِبُّهُم.

ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ العاشِرِ وَالعَدَدِ الأوَّل: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنَّ مَسَرَّةَ قَلْبِي وَطَلِبَتِي إِلَى اللهِ لأَجْلِ إِسْرَائِيلَ هِيَ لِلْخَلاَصِ". وقَدْ تَسْألونَ بولسَ قائِلين: "إنْ كانَ اللهُ قَدِ اخْتارَ سَابِقًا مَنْ سَيَخْلُصُ، فَما الَّذي تُصَلِّي لأجْلِه؟ ما الَّذي تُصَلِّي لأجْلِه؟" وهُوَ سَيَجيبُكُمْ قائلًا: "إنَّ شَغَفي هُوَ الَّذي يَدْفَعُني إلى الصَّلاةِ لأنِّي أهْتَمُّ، ولأنِّي مُتَثَقِّلٌ جِدًا، ولأنِّي حَزينٌ جِدًّا، ولأنِّي أَعلمُ أنِّي مُطالَبٌ وَمَدْعُوٌّ للصَّلاةِ". وقد قالَ بولُسُ نَفْسُهُ لتيموثاوُسَ أنْ يُصَلِّي لأجْلِ خَلاصِ جَميعِ النَّاسِ. فقد كانَ بولسُ شَغوفًا جدًّا بشأنِ خَلاصِ الخُطاةِ حَتَّى إنَّهُ ضَحَّى بِكُلِّ ما لَدَيْهِ مِنْ أجْلِ هَذا الأمْرِ مِنْ خِلالِ الخِدْمَةِ العَلَنِيَّةِ وَأيضًا مِنْ خِلالِ الصَّلواتِ الشَّفاعِيَّةِ السِّرِّيَّةِ لأجلهم. فقد كانَتْ صَلاتُهُ إلى اللهِ مِنْ أجْلِهِمْ هِيَ أنْ يَخْلُصُوا.

وهُوَ يَكْتُبُ في الأصْحاحِ الحادي عَشَرَ والعَدَدِ الأوَّل: "فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا!" (وَهُوَ يَسْتَخْدِمُ هُنا التَّعبيرَ "مِي جِيْنُويْتو" [me genoito]، وَهُوَ أقْوى صِيْغَةِ نَفْيٍ في اللُّغَةِ اليُونانِيَّة). لا! لا! لا! لا! لا! فَهُوَ يَقولُ: "أنا حَزينٌ على حَالِ شَعْبي. وأنا أُصَلِّي مِنْ أجْلِ خَلاصِهِم. وأنا أَعلمُ أنَّ اللهَ لَمْ يَرْفُضْهُمْ رَفْضًا نِهائِيًّا". وهذا هُوَ حَقًّا الموقِفُ المَطلوبُ مِنَ المُبَشِّرِ لكي يَكونَ فَعَّالًا. فيجبُ عليكَ أنْ تَكونَ حَزينًا على حَالِ الخُطاة. ويجبُ عليكَ أنْ تَرْغَبَ في خَلاصِهِمْ لِدَرَجَةٍ تَدْفَعُكَ إلى الصَّلاةِ لأجلهِم. ويجبُ عليكَ أنْ تُؤمِنَ أنَّ اللهَ سَيُخَلِّصَ بَعْضًا مِنْهُم.

وَالآنْ، في هذهِ الأصحاحاتِ الثَّلاثةِ (أيْ: 9 و 10 و 11)، يَكْشِفُ بولُسُ عَنِ الشَّغَفِ الَّذي كانَ يُحَرِّكُهُ – وَهُوَ شَغَفٌ مِنْ أجْلِ خَلاصِ الخُطاة. وقد كانَ هَؤلاءِ مِنَ اليَهودِ وَالأُمَم (كَما نَعْلَمُ) لأنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّهُ كانَ يَمْلِكُ هذا الشَّغَفَ القَوِيَّ تُجاهَ اليَهودِ تَحديدًا، فإنَّهُ كانَ رَسولَ الأُمَم. وَمِنْ خِلالِ دِراسَتِنا لهذهِ الأصحاحاتِ، نَجِدُ أنَّها تَحْوي (إنْ جازَ القَوْلُ) أرْبَعَةَ عَناصِرَ أساسِيَّة، أوْ أرْبَعَةَ نِقاطٍ مُهِمَّةٍ، أوْ أرْبَعَ حَقائِقَ جَوْهَرِيَّة تَخْتَصُّ بالكِرازَة. وَهِيَ جَميعُها مُهِمَّة بالرَّغْمِ مِنْ أنَّها مُتَناقِضَة ظاهِرِيًّا. فَهِيَ تَجْعَلُنا نَشْعُرُ بهذا التَّناقُضِ الظَّاهِرِيِّ. لذلكَ، لِنُلْقِ نَظْرَةً على هذهِ الحَقائِقِ الواحِدَةَ تِلْوَ الأُخرى.

فالأصْحاحُ التَّاسِعُ يُرَكِّزُ على السِّيادةِ الإلهيَّةِ. الأصْحاحُ التَّاسِعُ يُرَكِّزُ على السِّيادةِ الإلهيَّةِ. فإذا نَظَرْتُمْ إلى العَدَدِ السَّادِس تَجِدونَ حَقيقَةَ أنَّ بَني إسرائيلَ لَمْ يُؤمِنوا، وحقيقةَ أنَّ بَني إسرائيلَ لَمْ يَخْلُصوا، وحقيقةَ أنَّهُمْ رَفَضوا المَسيح. فنحنُ نَقرأُ في العَدَدِ السَّادِس: "وَلكِنْ لَيْسَ هكَذَا حَتَّى إِنَّ كَلِمَةَ اللهِ قَدْ سَقَطَتْ". لِماذا؟ "لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ". وَهَلْ تَعْلَمونَ مَعْنى ذلك؟ أنَّ اللهَ لَمْ يَقْصِدْ يَوْمًا أنْ يُخَلِّصَ كُلَّ بَني إسرائيل. فَهَذا هُوَ ما يَقولُهُ هُنا. والتَّفسيرُ يُؤكِّدُ السِّيادةَ الإلهيَّةَ. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 7: "وَلاَ لأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعًا أَوْلاَدٌ (أيْ أولادُ اللهِ). بَلْ «بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ». أَيْ لَيْسَ أَوْلاَدُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلاَدَ اللهِ، بَلْ أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلاً. لأَنَّ كَلِمَةَ الْمَوْعِدِ هِيَ هذِهِ: «أَنَا آتِي نَحْوَ هذَا الْوَقْتِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ابْنٌ». وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ، بَلْ رِفْقَةُ أَيْضًا، وَهِيَ حُبْلَى مِنْ وَاحِدٍ وَهُوَ إِسْحَاقُ أَبُونَا. لأَنَّهُ وَهُمَا لَمْ يُولَدَا بَعْدُ، وَلاَ فَعَلاَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، لِكَيْ يَثْبُتَ قَصْدُ اللهِ حَسَبَ الاخْتِيَارِ، لَيْسَ مِنَ الأَعْمَالِ بَلْ مِنَ الَّذِي يَدْعُو، قِيلَ لَهَا: «إِنَّ الْكَبِيرَ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ». كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ».

والحقيقةُ هي أنَّ الأعدادَ الخمسةَ الأولى قد تَجْعَلُ المَرْءَ يَظُنُّ أنَّ كُلَّ شيءٍ لَمْ يَسِرْ كَما يَنْبَغي، وَأنَّ اللهَ كانَ يَعْتَزِمُ أوَّلَ الأمْرِ أنْ يُخَلِّصَ جميعَ اليهودِ، ولكنَّ الخُطَّةَ فَشِلَت. ولكنَّ بولسَ يُجيبُ قائلًا: "إنَّ عَدَمَ إيمانِ إسرائيل يَتَّفِقُ تمامًا مَعَ قَصْدِ اللهِ، وسيادَتِهِ، ووَعْدِه. فوعدُ اللهِ لم يَسْقُط. وقُدرةُ اللهِ لم تَسْقُط. فمُنذُ البداية، كانَ اللهُ هُوَ الَّذي يَخْتار – كما هُوَ واضحٌ حَتَّى قبلَ وِلادةِ يعقوب وعيسو".

وفي العدد 14، يَفترِضُ بولسُ الانتقادَ الَّذي يَلي ذلكَ فيقول: "فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَلَعَلَّ عِنْدَ اللهِ ظُلْمًا؟ حَاشَا! صحيحٌ أنَّ هذا قد لا يبدو عَدْلًا. فليسَ مِنَ العَدْلِ أنْ يَقومَ اللهُ بالاختيار. فهذا ليسَ إنْصافًا. لذلكَ هل يَدفَعُنا ذلكَ إلى القولِ إنَّ هُناكَ ظُلْمًا؟ لا، لا، لا!". فنحنُ نَقرأُ في المزمور 119 عنِ الله: "عَدْلُكَ عَدْلٌ إِلَى الدَّهْرِ، وَشَرِيعَتُكَ حَقٌّ". ونقرأُ في المزمور 7: 9 إنَّ اللهَ بارٌ، وإنَّهُ عادِلٌ. فاللهُ هُوَ مِعْيارُ العَدْلِ.

وَيُجيبُ (بولسُ) عن موضوعِ سِيادَةِ اللهِ فيقولُ في العدد 15: "لأَنَّهُ يَقُولُ لِمُوسَى: «إِنِّي أَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ، وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ». فَإِذًا لَيْسَ لِمَنْ يَشَاءُ وَلاَ لِمَنْ يَسْعَى، بَلْ ِللهِ الَّذِي يَرْحَمُ. لأَنَّهُ يَقُولُ الْكِتَابُ لِفِرْعَوْنَ: «إِنِّي لِهذَا بِعَيْنِهِ أَقَمْتُكَ، لِكَيْ أُظْهِرَ فِيكَ قُوَّتِي، وَلِكَيْ يُنَادَى بِاسْمِي فِي كُلِّ الأَرْضِ». فَإِذًا هُوَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُقَسِّي مَنْ يَشَاءُ". يا للعَجَب! فَمِنَ الواضِحِ تمامًا أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَخْتار. وقد تَقولُ: "هَل هَذا عَدْلٌ؟" ولكِنْ إلى أيْنَ تَأخُذُنا العَدالَةُ جميعًا؟ إلى جَهَنَّم. فهل تُريدُ العَدْلَ؟ لا أَظُنُّ ذلك. فلم يَكُنْ فَهْمُ بولسَ مُشَوَّشًا بشأنِ سِيادَةِ اللهِ ... البَتَّة!

ثُمَّ في العدد 19، يَتوقَّعُ بولسُ انتقادًا آخَرَ بخصوصِ هذا الموضوع: "فَسَتَقُولُ لِي: «لِمَاذَا يَلُومُ بَعْدُ؟ لأَنْ مَنْ يُقَاوِمُ مَشِيئَتَهُ؟»" فإنْ كانَ القَرارُ بِيَدِ اللهِ، كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَلومَني إنْ لَمْ أُوْمِن؟ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَفْعَلَ ذلك؟ ثُمَّ يَأتي الجَوابُ في العَدَد 20: "بَلْ مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تُجَاوِبُ اللهَ؟" بعبارة أُخرى: اصْمُت! ولا تُشَكِّكْ في عَدالَةِ اللهِ. "أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: «لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟» أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ، أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟"

ألا يَسْتَطيعُ الخَزَّافُ أنْ يَفْعلَ ما يَشاء؟ أليسَ اللهُ هُوَ صَاحِبُ السِّيادةِ المُطلَقةِ؟ لذلكَ لِماذا تَسْألَهُ؟ ولماذا تَسْتَجْوِبُهُ؟ والحقيقةُ هي أنَّ العدد 22 يَقول: "فَماذا؟" أيْ: "فَماذا إذًا؟" أوْ: "فَمَا شَأنُكَ أنْتَ؟" ... "إِنْ كَانَ اللهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ وَيُبَيِّنَ قُوَّتَهُ، احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ". وَقَدْ فَعَلَ ذلكَ "لِكَيْ يُبَيِّنَ غِنَى مَجْدِهِ عَلَى آنِيَةِ رَحْمَةٍ قَدْ سَبَقَ فَأَعَدَّهَا لِلْمَجْدِ". فلا يَحِقُّ لكَ أنْ تَقولَ للهِ ما يُمْكِنُهُ أنْ يَفعلَهُ، وما لا يُمكنُهُ أنْ يَفعَلَهُ. وماذا لو أرادَ اللهُ أنْ يُعْلِنَ غَضَبَهُ؟ ألا يَحِقُّ لهُ أنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ؟ وَألا يَحِقُّ لهُ أنْ يُظْهِرَ عَدالَتَهُ؟

ونَجِدُ هُنا استخدامًا مُدهشًا للفِعْلِ "مُهَيَّأ". فهُوَ "احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ". فالفِعْلُ "مُهَيَّأ" يَرِدُ بصيغَةِ المَفعولِ أوِ المَبني للمَجْهول. فَهُوَ احْتَمَلَ أولئكَ المُهَيَّأينَ للهَلاك. فاللهُ ليسَ هُوَ الَّذي هَيَّأَهُمْ للهَلاك، بل إنَّ الفِعْلَ يَرِدُ بِصيغَةِ المَبني للمَجهول. وهَذا ليسَ تَعليمًا عَنِ التَّعيينِ السَّابِقِ المُزْدَوِجِ، بل إنَّهُمْ مُهَيَّؤونَ للهَلاكِ بسببِ خَطِيَّتِهِم. ولا نَجِدُ هُنا ذِكْرًا للعَامِلِ الَّذي أَدَّى إلى هَلاكِهِمْ. فليسَ هُناكَ مَنْ قامَ بهذا العَمَلِ الَّذي تَمَّ التَّعبيرُ عنهُ بصيغةِ المَبني للمَجهول، بل إنَّ العامِلَ هُوَ الشَّخْصُ نَفْسُهُ، أوْ بالحَرِيِّ: الخَطِيَّةُ الَّتي تَسْكُنُ ذلكَ الشَّخص. ولكنَّ الأفعالَ في العَدَدَيْن 23 و 24 تَرِدُ بصيغَةِ المَبني للمَعلومِ. وَاللهُ هُوَ الفاعِلُ هُنا. فَهُوَ الَّذي "قَدْ سَبَقَ" فَأعَدَّ للمَجْدِ أولئكَ الذينَ دَعاهُمْ مِنَ اليَهودِ وَمِنَ الأُمَم. لذلكَ فإنَّنا نَجِدُ هُنا حَديثًا قَوِيًّا جِدًّا عَنْ أنَّ الخَلاصَ هُوَ عَمَلٌ يَقومُ بِهِ اللهُ بِمُقتَضى سِيادَتِهِ الإلهيَّةِ واختيارِهِ الأزَلِيِّ دُوْنَ أيِّ تَأثيرٍ خَارِجِيٍّ.

وَالآنْ، يَوَدُّ بولسُ أنْ يُثْبِتَ ذلكَ مِنَ العهدِ القديم. لذلكَ فإنَّهُ يَقتبسُ في العَدَد 25 مَا جاءَ في سِفْرِ هُوْشَع وَسِفْرِ إشَعْياء: "كَمَا يَقُولُ فِي هُوشَعَ أَيْضًا: «سَأَدْعُو الَّذِي لَيْسَ شَعْبِي شَعْبِي، وَالَّتِي لَيْسَتْ مَحْبُوبَةً مَحْبُوبَةً. وَيَكُونُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فِيهِ: لَسْتُمْ شَعْبِي، أَنَّهُ هُنَاكَ يُدْعَوْنَ أَبْنَاءَ اللهِ الْحَيِّ»". وَهُوَ يَقولُ في العَدَد 27: "وَإِشَعْيَاءُ يَصْرُخُ مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ: «وَإِنْ كَانَ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ، فَالْبَقِيَّةُ سَتَخْلُصُ. لأَنَّهُ مُتَمِّمُ أَمْرٍ وَقَاضٍ بِالْبِرِّ. لأَنَّ الرَّبَّ يَصْنَعُ أَمْرًا مَقْضِيًّا بِهِ عَلَى الأَرْضِ». وَكَمَا سَبَقَ إِشَعْيَاءُ فَقَالَ: «لَوْلاَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ أَبْقَى لَنَا نَسْلاً، لَصِرْنَا مِثْلَ سَدُومَ وَشَابَهْنَا عَمُورَةَ»".

إنَّهُ يَقْتَبِسُ أقوالَ النَّبِيِّ هُوشَع وَأقوالَ النَّبِيِّ إشَعْياء، وَهِيَ نُصوصٌ وَرَدَتْ في العَهْدِ القَديمِ وَتُرينا بِعَيْنِ النُّبوءَةِ عَدَمِ إيمانِ بَني إسرائيلَ في المُستقبلِ، وَتُرينا أيْضًا خَلاصَ البَقِيَّةِ ... خَلاصَ البَقِيَّةِ. والعَدَد 27 هُوَ العَدَدُ الرَّئيسيُّ: "وَإِنْ كَانَ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ، فَالْبَقِيَّةُ سَتَخْلُصُ". فاللهُ يُخَلِّصُ بَقِيَّةً. وهذا يُذَكِّرُنا بالأصحاحِ السَّادِسِ مِن سفرِ إشعياء إذْ يَرى إشعياءُ رُؤيا، واللهُ يَقولُ: "مَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟" أليسَ كذلك؟ فقالَ إشعياءُ: "هأَنَذَا أَرْسِلْنِي". فقد تَطَهَّرَ بجَمْرَةٍ مَسَّتْ شَفَتَيْهِ. وهُوَ سَيَذهَبُ بأمْرٍ مِنَ اللهِ إلى أُمَّةِ يَهُوذا لِيُعْلِنَ الدَّينونَةَ القادِمَةَ مِنْ خِلالِ البابِلِيِّين. فغَضَبُ اللهِ سَيَأتي. واللهُ يَقولُ: "مَنْ يَذْهَبُ لِتحْذيرِ هَذا الشَّعْبِ؟" وَهُوَ يَقولُ: "هأَنَذَا أَرْسِلْنِي". ثُمَّ يَقولُ اللهُ لَهُ إنَّ آذانَهُمْ سَتَتَوَقَّفُ عَنِ السَّمْعِ، لذلكَ فإنَّهُمْ لَنْ يَسْمَعُوا. وأعْيُنُهُمْ لَنْ تُبْصِر، لذلكَ فإنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا. فَهُمْ لن يَرْجِعُوا. وَهُمْ لَنْ يَتوبوا".

ثُمَّ يَطْرَحُ إشعياءُ السُّؤالَ الَّذي كُنْتُ سَأطْرَحُهُ لو كُنْتُ مَكانَهُ: "إِلَى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ (سَأفْعَلُ ذلك؟)" بعبارةٍ أُخرى، كيفَ سَتَشْعُرُ إنْ بَدَأتَ خِدْمَتَكَ وقالَ لَكَ المَسؤولُ عَنْكَ: "أنْتَ جاهِزٌ للذَّهابِ. ولَكِنْ، بالمُناسَبَة، لن يُصْغي أيُّ شخصٍ لِما سَتَقولُهُ"؟ لذلكَ فإنَّ إشَعْياءَ يَسْألُ: "إِلَى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ (سَأفْعَلُ ذلك؟)" وقد أَجابَ الرَّبُّ إشَعْياء في الأصحاحِ السَّادِسِ: "إِلَى أَنْ تَصِيرَ الْمُدُنُ خَرِبَةً بِلاَ سَاكِنٍ، وَالْبُيُوتُ بِلاَ إِنْسَانٍ، وَتَخْرَبَ الأَرْضُ وَتُقْفِرَ". ثُمَّ يَنْتَهي الأصْحاحُ بأنَّهُ سيكونُ هُناكَ عُشْرٌ، وَإنَّهُ سيكونُ هُناكَ زَرْعٌ مُقَدَّسٌ، وَإنَّهُ سيكونُ هُناكَ سَاقٌ. وهَذِهِ هِيَ عَقيدَةُ البَقِيَّةِ التَّقِيَّة.

وقد كانَ الأمرُ هكذا دائمًا. فحتَّى في اليومِ المستقبليِّ الَّذي سَيُؤمِنُ فيهِ بَنو إسرائيلَ بالمسيحِ، فإنَّ الَّذينَ سَيُؤمِنونَ هُمْ ثُلْثُ تَعْدادِ اليهودِ فقط. أمَّا الثُّلُثانِ الآخَرانِ فإنَّهُمْ سيكونونُ بحسبِ نُبوءاتِ العهدِ القديمِ مُتَمَرِّدين. وهُمْ سَيُستَأصَلون. ولكنَّ ثُلْثَهُمْ سيَخْلُص. فسوفَ يَنظرونَ إلى الَّذي طَعَنوه. وسوفَ يَنالونَ الفِداء. وسوفَ يُفْتَحُ يَنْبوعٌ لَهُمْ لِتَطهيرِهِم. وسوفَ يَدخُلونَ الملكوتَ الَّذي وُعِدُوا بِهِ في العهدِ القَديم.

ولا يُمكنُنا أنْ نُسيءَ فَهْمَ مَا يَقول. فهل لَمْ يَكُنْ بَنو إسرائيلَ مَسئولينَ، بِوَصْفِهِمْ بَشَرًا، عَنْ هذا؟ بَلى، لقد كانُوا مَسئولين. انظرُوا إلى العدد 30: "فَمَاذَا نَقُولُ؟ إِنَّ الأُمَمَ الَّذِينَ لَمْ يَسْعَوْا فِي أَثَرِ الْبِرِّ أَدْرَكُوا الْبِرَّ، الْبِرَّ الَّذِي بِالإِيمَانِ. وَلكِنَّ إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ يَسْعَى فِي أَثَرِ نَامُوسِ الْبِرِّ، لَمْ يُدْرِكْ نَامُوسَ الْبِرِّ!" لذلكَ فقدْ كانَ مِنَ الأفْضَلِ للمَرْءِ أنْ يَكونَ أُمَمِيًّا.

فنحنُ نَجِدُ هُنا أنَّ جميعَ هؤلاءِ اليَهودِ الذينَ كانُوا يَسْعَوْنَ جاهِدينَ في أَثَرِ البِرِّ مِنْ خِلالِ النَّاموسِ قَدْ هَلَكُوا، وَأنَّ الأُمَمَ الذينَ سَعَوْا في أَثَرِ البِرِّ بالإيمانِ قد نَالوا الخلاصَ الَّذي لم يَتَمَكَّنِ اليَهودُ مِنْ إدْراكِهِ مِنْ خِلالِ السَّعْيِ في إثْرِ النَّاموس. والسَّبَبُ في ذلكَ هو أنَّهُم لم يَسَعْوا في أَثَرِهِ بالإيمانِ، "بَلْ كَأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ". لذلكَ "فَإِنَّهُمُ اصْطَدَمُوا بِحَجَرِ الصَّدْمَةِ، أيْ بالمَسيح: "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ (في إشَعْياء): «هَا أَنَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ صَدْمَةٍ وَصَخْرَةَ عَثْرَةٍ، وَكُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى»".

والكَلامُ هُنا ليسَ مُبْهَمًا. فالأُمَمُ حَصَلُوا على البِرِّ بالإيمان. وبَنو إسرائيلَ لم يَحصلوا على البِرِّ لأنَّهُم سَعَوْا إليهِ بالأعمال. فقد سَعَوْا إليهِ بالأعمال. لذلكَ، مِنْ ناحِيَة فإنَّ القَرارَ المُخْتَصَّ بِمَنْ سَيَخْلُص يَعْتَمِدُ على السِّيادةِ الإلهيَّة. ومِنْ ناحية أُخرى، فإنَّ النَّاسَ واقعونَ تحتَ الدَّينونةِ لأنَّهُمْ يَسْعَوْنَ في أَثَرِ الخَلاصِ بالطَّريقةِ الخاطئةِ. هل تَفهمونَ ذلك؟ فبَنو إسرائيلَ لم يَنالوا التَّبريرَ الَّذي يَحْصُلُ المَرْءُ عليهِ بالإيمانِ لأنَّهُ مُتاحٌ فقط بالإيمانِ وليسَ بالنَّاموس، ولأنَّهُ مُتاحٌ فقط مِنْ خِلالِ المسيحِ. ولكنَّهُمْ عَثَروا بالمَسيح. أليسَ كذلك؟ فالإنجيلُ (كَما جاءَ في الرِّسالةِ الأولى إلى أهْلِ كورِنثوس، وَهُوَ أمْرٌ سَنَتَحَدَّثُ عَنْهُ صَباحَ يومِ الأحَد) ... الإنْجيلُ كانَ للأُمَمِ "جَهالَةً" ولليَهودِ "عَثْرَةً.

وقد قالَ يَسوعُ في إنجيل يوحنَّا 8: 24: "عندما تُؤمِنونَ أنِّي أنا هُوَ ... عندما تُؤمِنونَ أنِّي أنا هُوَ، سَيَتَغَيَّرُ كُلُّ شيء". فَهُوَ يَقولُ: "لأنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ". لذلكَ، يَنْبَغي لَكُمْ أنْ تُؤمِنوا. فيجبُ على الأُمَمِ واليَهودِ أنْ يُؤمِنوا. فقد كانَ الخلاصُ بالإيمان. وَهُوَ سيكونُ دائمًا بالإيمان. والإيمانُ يَنبغي أنْ يَكونَ بالمَسيحِ يَسوع. وقد رَفَضَ اليهودُ أنْ يَفعلوا ذلك. لذلكَ فقد عَثَرُوا بالمسيح وَضَلُّوا. ولكِنْ هل هذا يَعني أنَّ خُطَّةَ اللهِ قد فَشِلَت؟ لا! فاللهُ لم يَقْصِدْ أنْ يَكونَ جَميعُ بَني إسرائيلَ هُمْ إسرائيل الحَقيقيَّة، بل شَاءَ أنْ يُخَلِّصَ بَقِيَّةً مِنْهُم فقط. وإنْ شَاءَ اللهُ أنْ يُظْهِرَ نِعْمَتَهُ لبقيَّةٍ مِنْهُم فإنَّ مِنْ حَقِّهِ أنْ يَقومَ بذلك. وإنْ شَاءَ أنْ يَدينَ الخُطاةَ، وَأنْ يُنْزِلَ غَضَبَهُ وَيَسْتَخْدِمَ مِعْيارَ قَداسَتِهِ في مُعاقَبَةِ الأشرارِ، فإنَّ مِنْ حَقِّهِ أنْ يَقومَ بذلك. لذلكَ فإنَّكُمْ تَجِدونَ هُنا مَوضوعَ السِّيادةِ الإلهيَّة.

ونَأتي الآنَ إلى الأصحاحِ العاشِرِ. وفي الأصحاحِ العاشِرِ نَجِدُ تَغييرًا كبيرًا ... أجل، تَغييرًا كبيرًا لأنَّ الموضوعَ هُنا هوَ المسؤوليَّة البشريَّة. ونَجِدُ تَلميحًا لذلكَ في نهايةِ الأصحاحِ التَّاسِعِ. "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنَّ مَسَرَّةَ قَلْبِي وَطَلِبَتِي إِلَى اللهِ لأَجْلِ إِسْرَائِيلَ هِيَ لِلْخَلاَصِ". وهذهِ المَسَرَّةُ تَعني التَّضَرُّع القَلبِيّ الشَّغوف وَالتَّوَسُّل. فَهُوَ لَمْ يَصِرْ عَديمَ المُبالاةِ بسببِ عقيدةِ السِّيادةِ الإلهيَّةِ في الأصحاحِ التَّاسِعِ. فَمَعَ أنَّهُ انْتَهى مِنْ كِتابةِ ذلكَ الأصْحاحِ فإنَّهُ لَمْ يَصِرْ عَديمَ المُبالاةِ بسببِ عقيدِة الاختيارِ أوِ التَّعيينِ السَّابِقِ لأنَّهُ كانَ يَفْهَمُ الحَقَّ المُوازي لَهُ وَالمُتَمَثِّل في المَسؤوليَّةِ البشريَّة. ونَجِدُ هذا الحَقَّ واضِحًا جِدًّا في الأصْحاحِ العاشِرِ. وما أَعنيه هُوَ أنَّهُ مِنَ المُدهشِ حقًّا أنَّ هَذَيْنَ الحَقَّيْنِ يَبْدوانِ مُتعارِضَيْنِ ظَاهِرِيًّا، وَلَكِنَّهُما ليسَا كذلكَ في حقيقةِ الأمْرِ، بل أنَّهُما يَسيرانِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ.

ما المشكلةُ؟ وما القضِيَّةُ هُنا؟ إنَّهُ يَقولُ: "أنا أَتَمَنَّى أنْ يَخْلُصوا". هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ في العَدَدِ الأوَّلِ: "إنَّ مَسَرَّةَ قَلبي هِيَ أنْ يَخْلُصوا. وأنا أُصَلِّي مِنْ أعماقِ قَلبي لأجْلِ خلاصِهِم حتَّى إنِّي مُستَعِدٌّ لاحْتِمالِ اللَّعْنَةِ إنْ كانَ ذلكَ سَيَؤولُ إلى خَلاصِهِم". ولكِنْ ما المُشكلة؟

حسنًا، إنَّهُ يُوَضِّحُ ذلكَ في العددِ الثَّاني. فهُوَ لا يَقولُ: "إنَّ المُشكلةَ هِيَ أنَّهُمْ ليسوا مُخْتارين". بل يَقول: "لأَنِّي أَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً ِللهِ، وَلكِنْ لَيْسَ حَسَبَ" ماذا؟ إنَّ المُشكلةَ الأولى هِيَ عَدَمُ الْمَعْرِفَةِ. فَهُمْ يَفْتَقِرونَ إلى المَعرِفَة. وَلَكِنْ عَنْ أيِّ مَعْرِفَةٍ يَتَحَدَّث؟

العَدَد 3: لَقَدْ كانُوا "يَجْهَلُونَ بِرَّ اللهِ". إذًا، الأمرُ الأوَّلُ الَّذي كانُوا يَفتقرونَ إليهِ (وَهُوَ أمْرٌ مُهِمٌّ جدًّا) هو الفهمُ السَّليمُ للهِ – ولا سِيَّما الفَهْمُ السَّليمُ لِبِرِّ اللهِ، وَقَداسَتِهِ، وَكَمالِهِ المُطْلَقِ. فقدْ كانُوا يَظُنُّونَ ... (اسْتَمِعُوا جَيِّدًا) ... كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ أَقَلّ بِرًّا مِمَّا هُوَ عليهِ. لقد كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ أَقَلّ بِرًّا مِمَّا هُوَ عليهِ. وكيفَ تَعْلَمونَ ذلك؟ لأنَّهُ يَقولُ: "وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ". فقدْ كانَتْ المُشْكِلَةُ كَالتَّالي: لقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ أَقَلّ بِرًّا مِمَّا هُوَ عليهِ وَأنَّهُمْ قادرونُ على تَحقيقِ مَطاليبِ البِرِّ الَّتي يُطالِبُهُمُ اللهُ بِها. هل فَهِمْتُمْ ذلك؟ فقد كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ بِمَقدورِهِمْ أنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أنْفُسِهِمْ وَأنْ يُرْضُوا مَطاليبَ البِرِّ الإلهيِّ. لذلكَ فقد كانُوا يَجْهَلونَ بِرَّ اللهِ ويَجْهَلونَ بَشاعَةَ خَطِيَّتِهِمْ. فقد كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ أَقَلّ بِرًّا مِمَّا هُوَ عليهِ. وقد كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُمْ أكْثَرُ بِرًّا مِمَّا هُمْ عليهِ. لذلكَ فقد كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ بِمَقدورِهِمْ أنْ يُبَرِّروُا أنفُسَهُم أمامَ اللهِ بدلًا مِنْ أنْ يَخْضَعُوا لِبِرِّ اللهِ وَبَدَلًا مِنْ أنْ يَصْرُخُوا طَلَبًا للرَّحْمَة.

لقد كانَتْ مَعْرِفَتُهْم ناقِصَةً عَنِ اللهِ. وقدْ كانَتْ مَعرِفتُهم ناقصةً عَنِ الخَطِيَّةِ. وقد كانتْ مَعرفَتُهُمْ ناقصةً عَنِ المَسيحِ (كَما نَرى في العَدَد 4). فَهُمْ لا يَفهمونَ أنَّ المسيحَ هُوَ غايَةُ النَّاموسِ. "لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ: الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ". بعبارةٍ أُخرى، فإنَّنا نَعودُ هُنا إلى بِرِّ المَسيحِ الفاعِلِ، وَإلى شَخْصِ يَسوعَ المسيح. فَهُمْ لا يَفهمونَ أنَّ الشَّخصَ الوحيدَ الَّذي يَستطيعُ أنْ يُتَمِّمَ النَّاموسَ، والذي تَمَّمَهُ بالفِعْل، هُوَ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ، وَأنَّ اللهَ يَحْسِبُ بِرَّ المَسيحِ لِكُلِّ مَنْ يُؤمِنُ بِهِ. ولكنَّهُمْ لا يَفهمونَ ذلك. وهُمْ لا يَفهمونَ طَبيعةَ اللهِ. وهُمْ لا يَفهمونَ طَبيعةَ سُقوطِهِمْ. وهُمْ لا يَفهمونَ بِرَّ اللهِ الَّذي يَأتي مِنْ خِلالِ المَسيح. وَهُمْ لا يَفهمونَ أيضًا أنَّ الخلاصَ هُوَ بالإيمان إذْ نَقرأُ في نِهايَةِ العَدد 4: "لِكُلِّ مَنْ يُؤمِن".

ثُمَّ يَعودُ (بولسُ) للحديثِ عَنْ ذلكَ في العَدَدِ الخامِس. "لأَنَّ مُوسَى يَكْتُبُ فِي الْبِرِّ الَّذِي بِالنَّامُوسِ: «إِنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يَفْعَلُهَا سَيَحْيَا بِهَا»". حَسَنًا! هَلْ تُريدُ أنْ تَحْيا بالنَّاموسِ؟ إذًا، سَتَكونُ مَسؤولًا عَنْ تَطْبيقِ النَّاموسِ بِحَذافيرِهِ، وَسَتُدانُ بِحَسَبِ ذلك. ولكِنَّنا نَقرأُ في العَدَدِ السَّادِسِ أنَّ التَّبريرَ هُوَ بالإيمان. فَهَذا هُوَ ما يُريدُ أنْ يَقولَهُ بولُسُ. "لاَ تَقُلْ فِي قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟» أَيْ لِيُحْدِرَ الْمَسِيحَ، «أَوْ: مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟» أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ". فَمَنْ تَظُنُّ نَفسَكَ؟ هل تَظُنُّ أنَّكَ تَستطيعُ أنْ تُنْزِلَ المَسيحَ مِنَ السَّماءِ؟ وهلْ تَظُنُّ أنَّكَ تَستطيعُ أنْ تُصْعِدَ المَسيحَ مِنْ أسْفَلْ إلى أعْلى، وَأنْ تَجْعَلَهُ يَأتي لإنقاذِكَ وَنَجْدَتِكَ بِسَبَبِ بِرِّكَ الذَّاتِيِّ؟ إذًا أنْتَ لا تَفْهَمُ الأمْرَ. فَلا يُمكنُكَ أنْ تَصْعَدَ إلى السَّماءِ لإنْزالِ المَسيحَ. ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَهْبُطَ إلى الهاوِيَةِ لإصْعادِ المَسيحِ مِنَ الأمْواتِ. فَهَذا الكَلامُ لا يَصْدُرُ إلَّا عَنِ الأشخاصِ الذينَ يَتَّكِلونَ على بِرِّهِمِ الذَّاتِيِّ.

إنَّ الخَطَأَ الفَادِحَ في هذا التَّفْكيرِ هُوَ أنَّ الخاطِئَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ أَقَلُّ بِرًّا مِمَّا هُوَ عليهِ، وَأنَّهُ يَظُنُّ نَفْسَهُ أكْثَرَ بِرًّا مِمَّا هُوَ عليهِ. لذلكَ فإنَّهُ يَظُنُّ أنَّهُ يَستطيعُ أنْ يَأتي باللهِ إلى عَالَمِهِ لِكَيْ يُبَرِّرَهُ. ولكِنَّ هَذا الأمْرَ مُسْتَحيلٌ. فَهُوَ وَهْمٌ رُوْحِيٌّ، وَحُلْمٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَحَقَّق.

ثُمَّ يَقولُ (بولسُ) في العَدَدِ الثَّامِنِ: "لكِنْ مَاذَا يَقُولُ؟ «اَلْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ»". وَهِيَ ليسَتْ رِسالَة جَديدة. بل إنَّهُ يَقْتَبِسُ ما جاءَ في الأصْحاح 30 مِنْ سِفْرِ الثَّثْنِيَة. "أَيْ كَلِمَةُ الإِيمَانِ الَّتِي نَكْرِزُ بِهَا". فَهَذا هُوَ ما يَعِظُ بِهِ إذْ يَقول: "لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ". ولا نَجِدُ هُنا ذِكْرًا للسِّيادةِ الإلهيَّةِ. بل نَجِدُ حَديثًا عَنْ دَعْوَةِ الخَاطِئِ للاعترافِ بِفَمِهِ أنَّ يَسوعَ رَبٌّ، وَللإيمانِ في قَلبِهِ أنَّ اللهَ أَقامَهُ مِنَ الأمواتِ. لذلكَ، بَعْدَ أَقْوى جُمْلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ في الكِتابِ المُقَدَّسِ عَنْ عَقيدَةِ السِّيادَةِ الإلهيَّةِ المُطْلَقَةِ فيما يَخْتَصُّ بالخَلاصِ، في الأصْحاحِ التَّاسِعِ، يَأتي الأصْحاحُ العاشِرُ الَّذي يَقولُ فيهِ الرَّسولُ إنَّ الخاطِئَ الَّذي يَعْتَرِفُ بِفَمِهِ أنَّ يَسوعَ رَبٌّ ويَعتَرِفُ بقلبِهِ أنَّ اللهَ أَقامَهُ مِنَ الأمواتِ (وَهَذا تَأكيدٌ إلَهِيٌّ عَلى كَمالِ حَياتِهِ وَعَمَلِهِ)، فإنَّهُ يَخْلُص. ونَقرأُ في العَدَدِ العاشِرِ: "لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ". فإنْ أرَدْتَ أنْ تَتَبَرَّرَ، لا يُمكِنُكَ أنْ تُحَقِّقَ ذلك بنفسك. فلا يُمْكِنُكَ إنْزالُ البِرِّ مِنْ فَوْق. ولا يُمْكِنُكَ إصْعادُ البِرِّ مِنْ تَحْت. بَلْ هُوَ هِبَةٌ مِنَ اللهِ للذينَ يُؤمِنون.

وَهُوَ يَمْضِي إلى ما هُوَ أَبْعَدُ مِن ذلك. انْظُروا إلى العَدَد 11: "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ... كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ... كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى»". وَهُوَ يُرَدِّدُ هُنا صَدَى ما جاءَ في العَدَد 33 مِنَ الأصحاحِ السَّابِقِ. "لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ»". والآنْ، يجبُ على كُلِّ كَارِزٍ أنْ يُؤمِنَ بهذا. أليسَ كذلك؟ ويجبُ على كُلِّ مُؤمِنٍ مَسيحيٍّ أنْ يُؤمِنَ بذلك. فلا يُمكِنُنا أنْ نَقَعَ في فَخِّ أيِّ استِنْتاجٍ خاطِئٍ يَخْتَصُ بعَقيدَةِ السِّيادَةِ الإلهيَّةِ فَنَصيرَ غَيْرَ مُبالِيْنَ تُجاهَ الخُطاةِ. فنحنُ هُنا أَمامَ رَجُلٍ يَنْزُفُ قَلْبُهُ، ويَتألَّمُ، وَيَبْكي، وَيَتَوَجَّعُ وَيَحْزَنُ دَائِمًا على حَالِ الخُطاة. وَهُوَ لا يَنْظُرُ إلى أيِّ إنْسانٍ نَظرةً سَطحيَّةً. وقد رَأينا يَوْمَ أمْس أنَّهُ لا يَنْظُرُ إلى أيِّ رَجُلٍ نَظرةً خارِجيَّةً، ولا يَنْظُرُ إلى أيِّ امرأةٍ نَظرةً خارجيَّةً. بل هُوَ يَنْظُرُ إليهِمْ في حَالَتِهِمِ الخاطِئَةِ. وَقَلْبُهُ يَتَقَطَّعُ عليهم. فَهُوَ اخْتَبَرَ محبَّةَ المسيح. وهُوَ يَعْرِفُ أنَّ المسيحَ ماتَ عَنْ جميعِ الَّذينَ سَيُؤمِنونَ بِهِ. وَهُوَ يَرْغَبُ في تَوصيلِ الرِّسالةِ إليهم. وَهَذا هُوَ قَلْبُ الكَارِزِ الشَّغوف. وَهُنا تَأتي الكَلِمَةُ "كُلّ": "لأنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ".

ثُمَّ يَأتي هذا المَقْطَعُ المُهِمُّ جِدًّا مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ، ابتداءً مِنَ العَدَد 14. وَهُوَ يَقودُنا إلى النُّقطةِ الثَّالِثَةِ الَّتي أُريدُكُمْ أنْ تَرَوْها في هَذا الصَّباح. فبولسُ يَتَحَدَّثُ أوَّلًا عَنِ السِّيادَةِ الإلهيَّةِ. ثُمَّ يَتَحَدَّثُ عَنِ مَسؤوليَّةِ الإنْسانِ في أنْ يُؤْمِن. ثُمَّ يَتَحَدَّثُ هُنا عَنِ الوَاجِبِ تُجاهَ الإنْجيل ... عَنِ الواجِبِ تُجاهَ الإنْجيل.

انْظُروا إلى العَدَد 14. فَهَلْ هُوَ يَقولُ: "كَيْفَ يَدْعُوْنَ النَّاسَ إليهِ إنْ لَمْ يَكونُوا مِنَ المُخْتارين"؟ ما الَّذي يَقولُهُ؟ "فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟" يا للرَّوْعَة! "كَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ (في سِفْرِ إشَعْياء): «مَا أَجْمَلَ أَقْدَامَ الْمُبَشِّرِينَ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِينَ بِالْخَيْرَاتِ»". ألا تَشْعُرونَ بهذهِ المَشاعِرِ تُجاهَ الشَّخْصِ الَّذي بَشَّرَكُمْ بالإنْجيل؟ صَحيحٌ أنَّنا لا نَسْتَحِقُّ أيَّ شُكْرٍ. ومَعَ ذلكَ فإنَّ قُلوبَ الأشخاصِ الذينَ بُشِّرُوا بالإنْجيلِ مُفْعَمَةٌ بالفَرَحِ وَالمَحَبَّةِ تُجاهَ الأشخاصِ الذينَ بَشَّروهُمْ بِهِ.

ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 16: "لكِنْ لَيْسَ الْجَمِيعُ قَدْ أَطَاعُوا الإِنْجِيلَ" ... "لَيْسَ الجَميع". ولكَنْ ما الخَطْبُ؟ الحَقيقَةُ هِيَ أنَّ بَعْضًا مِنْهُمْ قَدْ شَكُّوا: "لأَنَّ إِشَعْيَاءَ يَقُولُ: «يَا رَبُّ مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟»" ولكنَّ العَدَد 17 يُلَخِّصُ الأمْرَ. فَلِماذا لَمْ يُؤمِنوا؟ وَما أَعْنيهِ هُوَ: لِماذا لم يَخْلُصْ هؤلاء؟ لأنَّ الإيمانَ بالخَبَر، والخَبَرُ بِكَلِمَةِ المَسيح. ونحنُ لا نَتَحَدَّثُ هُنا عَنْ مُجَرَّدِ السَّماعِ، بَلْ نَتَحَدَّثُ عَنِ الإصْغاءِ القَلْبِيِّ. فالمُشكلةُ تَكْمُنُ في عَدَمِ إصْغائِهِمْ بعُمْق. فَهُمْ لَمْ يُصْغوا بِعُمْقٍ. فالإيمانُ بالخَبَرِ، والخَبَرُ بِكَلِمَةِ المَسيح.

لذلكَ فإنَّ هَذا الكَلامَ يُوَضِّحُ الأمْرَ لنا فيما يَخْتَصُّ بواجِبِنا تُجاهَ الإنْجيل. أجل، نحنُ نَفهمُ السِّيادةَ الإلهيَّةَ. وأجل، نحنُ نَفهمُ المسئوليَّةَ البشريَّةَ كما رَأينا في الجُزءِ الافتتاحِيِّ مِنَ الأصحاحِ العاشِرِ. والآنْ، نحنُ نَفهمُ واجِبَنا تُجاهَ الإنْجيلِ إذْ كَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ فلا يُمكنُهُمْ أنْ يُؤمِنوا بِمَنْ لم يَسْمَعُوا بِهِ. ولا يُمْكِنُهُمْ أنْ يَعْرِفُوا بِلا كَارِزٍ. ولا يُمكنُهُمْ أنْ يَكْرِزُوا إنْ لم يُرْسَلُوا لأنَّ الإيمانَ يَأتي بِسَماعِ الحَقِّ المُختَصِّ بالمَسيح. إنَّهُ يأتي بِسَماعِ الحَقِّ المُختَصِّ بالمَسيح. "لكِنَّنِي أَقُولُ (في العَدَد 18): أَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا؟ بَلَى! «إِلَى جَمِيعِ الأَرْضِ خَرَجَ صَوْتُهُمْ، وَإِلَى أَقَاصِــي الْمَسْكُونَةِ أَقْوَالُهُمْ». لكِنِّي أَقُولُ: أَلَعَلَّ إِسْرَائِيلَ لَمْ يَعْلَمْ؟ أَوَّلاً مُوسَى يَقُولُ: «أَنَا أُغِيرُكُمْ بِمَا لَيْسَ أُمَّةً. بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُكُمْ». "ثُمَّ إِشَعْيَاءُ يَتَجَاسَرُ وَيَقُولُ: «وُجِدْتُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَطْلُبُونِي، وَصِرْتُ ظَاهِرًا لِلَّذِينَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنِّي». أَمَّا مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ فَيَقُولُ: «طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ»".

ما الَّذي يَتَحَدَّثُ عنهُ هُنا؟ إنَّ مَا يَقولُهُ بُولُسُ هُنا هُوَ الآتي: "أنْتُمْ جَميعًا أيُّها اليَهودُ رَفَضْتُمْ أنْ تَسْمَعوا، ورَفَضْتُمْ رِسالَةَ المَسيحِ، الرِّسالةَ الَّتي انتَشَرَتْ في كُلِّ العالَمِ، مَعَ أنَّ الأُمَمَ يَسْمَعونَها وَيُؤمِنونَ بها. فقد سَمِعْتُموها أوَّلًا ولَكِنَّكُمْ رَفَضْتُموها". لذلكَ فَقَدْ وَضَّحَ بولسُ لَنا هَذا الوَاجِبَ تُجاهَ الإنْجيلِ، وهذِهِ المَسؤوليَّةَ تُجاهَ الإنْجيلِ في مُنْتَصَفِ حَديثِهِ عَنْ هَذَيْنِ الحَقَّيْنِ العَظيمَيْنِ المُخْتَصَّيْنِ بالسِّيادةِ الإلهيَّةِ والمَسؤوليَّةِ البشريَّة.

وَإذْ نَأتي إلى الأصْحاحِ الحادي عَشَر، أَذْكُرُ (في عُجَالَةٍ) بِضْعَ مُلاحَظاتٍ. وسوفَ نَرْجِعُ إلى موضوعِ العِنايَةِ الإلهيَّةِ. ولا يُمْكِنُني أنْ أُغَطِّي هَذا الأصْحاحَ بِمُجْمَلِه. فالوقتُ المُتاحُ لدينا لا يَكفي للقيامِ بذلك. لذلكَ سنَكتفي بإلقاءِ نَظْرَةٍ عامَّةٍ عليهِ فقط. فنحنُ نَقرأُ في العَدَدِ الأوَّل: "فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا!" وَنَحْنُ نَعودُ هُنا إلى السِّيادةِ الإلهيَّةِ. "لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِيٌّ". وهَذا دَليلٌ على أنَّ اللهَ لَمْ يَرْفُضْ شَعْبَهُ لأنَّ اليَهودَ الأفْرادَ كانُوا يَخْلُصونَ في عَصْرِ الكَنيسَةِ. "مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ. لَمْ يَرْفُضِ اللهُ شَعْبَهُ الَّذِي سَبَقَ فَعَرَفَهُ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ فِي إِيلِيَّا؟ كَيْفَ يَتَوَسَّلُ إِلَى اللهِ ضِدَّ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: «يَا رَبُّ، قَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ، وَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي!»" وَما هُوَ رَدُّ اللهِ عليهِ؟ "«أَبْقَيْتُ لِنَفْسِي سَبْعَةَ آلاَفِ رَجُل لَمْ يُحْنُوا رُكْبَةً لِبَعْل». فَكَذلِكَ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ أَيْضًا قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ".

إذًا، هَذا هُوَ الجَواب. وفي النِّهايَة، فإنَّنا نَرى عَدَمَ إيمانِ إسرائيل. ولكنَّ هَذِهِ ليسَتْ نِهايَة القِصَّة. وأعتقِدُ أنَّ النُّقطةَ الرَّابعَةَ الَّتي يُمكِنُنا أنْ نَذْكُرَها هُنا هِيَ الوَعْدُ الإلَهِيُّ ... الوَعْدُ الإلَهِيُّ. فسوفَ يَكونُ هُناكَ خَلاصٌ مُستقبَلِيٌّ لإسرائيلَ. وَهَذا هُوَ الوَعْدُ المَذكورُ في الأصحاحِ الحادي عَشَر. وَهُوَ أمْرٌ لا شَكَّ فيه، بَلْ هُوَ أمْرٌ جَلِيٌّ. فلا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَهْرُبوا مِنْ هذِهِ الحَقيقَةِ، ولا يُمْكِنُكُمْ أنْ تُنْكِروها. فنحنُ نَقرأُ في العَدَدِ الخامِسِ: "قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ".

وقد كانَ يَنبغي لَهُ أنْ يُجيبَ عَنِ السُّؤالِ: "وَماذا عَنْ إسرائيل؟" فقد أَنْهَيْتَ للتَّوِّ الأصْحاحَ العاشِرَ بالقولِ إنَّ اليَهودَ رَفَضُوا الإنجيلَ، وَأنَّ الأُمَمَ الذينَ سَمِعُوا بِهِ لاحِقًا قَدْ آمَنُوا بِهِ. والكَنيسَةُ تَنْمو وَتَزْدَهِرُ، ولكنَّ اليَهودَ ما زَالُوا مُعادينَ وَرافِضين.

ولكِنْ ماذا عَنْ إسرائيل؟ فَهَلْ هَذِهِ هِي نِهايَةُ إسرائيل؟ هَلْ هذِهِ هِيَ النِّهاية؟ الحقيقةُ هِيَ أنَّ هُناكَ أُناسًا يَقولونَ لَنا ذلك، أيْ أنَّ الكَنيسَةَ هِيَ إسرائيلُ اللهِ، وَأنَّهُ لَنْ يَكونَ هُناكَ مُستقبَلٌ لإسرائيل. والحقيقةُ هِيَ أنَّهُ مِنَ الصَّعْبِ أنْ نَشْرَحَ مَا يَحْدُثُ في أرْضِ إسرائيلَ اليوم. فإنْ لَمْ يَفْعَلِ اللهُ شَيئًا لِبَني إسرائيلَ في المُستقبَل، فما الَّذي يَفْعَلونَهُ بِحَقِّ السَّماءِ؟ فَهَلْ قابَلْتُمْ يومًا شَخْصًا مِنَ الحِوِيِّينَ، أوِ اليَبوسِيِّينَ، أوِ الأمورِيِّينَ، أوِ الحِثِّيِّينَ؟ أنا لَمْ ألْتَقِ أيًّا مِنْهُم. فَقَدِ انْخَرَطُوا وانْدَمَجُوا مَعًا مُنْذُ آلافِ السِّنين. أمَّا اليَهودُ فَحافَظُوا عَلى نَقاءِ نَسْلِهِمْ مُنْذُ أزْمِنَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ وَمُنْذُ أزْمِنَةِ العَهْدِ القَديمِ. إذًا مَا الَّذي يَفْعَلُهُ اللهُ؟

سوفَ يَأتي وَقْتٌ. فَهُناكَ بَقِيَّةٌ الآنَ. وبالمُناسَبَةِ، فإنَّ كَنيسَتَنا تَضُمُّ العَديدَ والعَديدَ وَالعَديدَ مِنَ اليَهودِ، أيْ تَضُمُّ البَقِيَّةَ، أوْ جُزْءًا مِنَ البَقِيَّةِ اليومَ – وَهُوَ أمْرٌ نَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهِ جِدًّا. ولَكِنْ سَيأتي يومٌ في المُستقبَلِ تَخْلُصُ فيهِ إسرائيلُ كَأُمَّة.

اذهبوا إلى العَدَد 11: "فَأَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ عَثَرُوا لِكَيْ يَسْقُطُوا؟ حَاشَا! بَلْ بِزَلَّتِهِمْ صَارَ الْخَلاَصُ لِلأُمَمِ". لذلكَ فإنَّ ما حَدَثَ هُوَ أنَّهُ بِسَبَبِ رَفْضِ إسرائيلَ، فإنَّ اللهَ يَذْهَبُ إلى الأُمَم. وَيُتابِعُ بولسُ حَديثَهُ مُوَضِّحًا إنَّ خَلاصَ الأُمَمِ هُوَ بِهَدَفِ إثارَةِ غَيْرَةِ اليَهودِ عَسَى أنْ تَكونَ غَيْرَتُهُمْ هَذِهِ سَبَبًا في رُجوعِهِمْ وَحُصولِهِمْ على الوُعودِ الَّتي كانَتْ قَدْ أُعْطِيَتْ لَهُمْ في الأصْل. ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 15: "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَفْضُهُمْ هُوَ مُصَالَحَةَ الْعَالَمِ، فَمَاذَا يَكُونُ اقْتِبَالُهُمْ إِلاَّ حَيَاةً مِنَ الأَمْوَاتِ؟" فَإنْ كانَ رَفْضُ إسرائيلَ ... إنْ كانَ رَفْضُ بَني إسرائيلَ للمَسيحِ سَيَؤولُ إلى وُصولِ الإنْجيلِ إلى كُلِّ العَالَمِ الأُمَمِيِّ، وَإنْ كانَ رَفْضُهُمْ سَيُؤثِّرُ تأثيرًا إيجابيًّا وهائلًا في الكِرازَةِ إلى الأُمَمِ، فَماذا سَيَكونُ تَأثيرُ قُبولِهِمْ؟ سأَقولُ لَكُمْ ما سَيَكونُ تَأثيرُ ذلك. اقرأوا سِفْرَ الرُّؤيا. أوَّلًا، سوفَ يَصيرُ مِئَةٌ وَأرْبَعَةٌ وَأرْبَعونَ مِنْهُمْ (أيِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ) سَيَصيرونَ مُبَشِّرين. فسوفَ يَذهبونَ إلى أَقاصي الأرْضِ ويَكْرِزونَ بالإنْجيلِ في كُلِّ مَكان. وسوفَ يَخْلُصُ أُناسٌ كَثيرونَ حَتَّى إنَّ تِلْكَ ستَكونُ أعْظَم فَترَةِ نَهْضَةٍ في تاريخِ العالَمِ. ثُمَّ سَيَأتي الرَّبُّ لتأسيسِ مَلَكوتِهِ الَّذي وَعَدَهُمْ بِهِ. فقدْ كانُوا مَقْطوعينَ. أليسَ كذلك؟

ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 17: "فَإِنْ كَانَ قَدْ قُطِعَ بَعْضُ الأَغْصَانِ، وَأَنْتَ زَيْتُونَةٌ بَرِّيَّةٌ طُعِّمْتَ فِيهَا، فَصِرْتَ شَرِيكًا فِي أَصْلِ الزَّيْتُونَةِ وَدَسَمِهَا، فَلاَ تَفْتَخِرْ عَلَى الأَغْصَانِ. وَإِنِ افْتَخَرْتَ، فَأَنْتَ لَسْتَ تَحْمِلُ الأَصْلَ، بَلِ الأَصْلُ إِيَّاكَ يَحْمِلُ! ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 19: فَسَتَقُولُ: «قُطِعَتِ الأَغْصَانُ لأُطَعَّمَ أَنَا!» حَسَنًا! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ، وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ. لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضًا!"

ولِعِلْمِكُمْ فإنَّ الكَنيسَةَ قَدْ تَنتَهي نِهايَةً مُحْزِنَةً. فنحنُ نَرى هُنا إشارَةً إلى كَنيسَةٍ زائِفَةٍ رُبَّما. فَهُوَ يَقولُ في العَدَد 22: "وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ". ولكنَّ اليومَ سيَأتي حينَ تَخْلُصُ إسرائيل. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 25: "فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا هذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ: أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ". وَهِيَ جُزْئِيَّةٌ فَقَطْ لأنَّ هُناكَ بَقِيَّة. "إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ (وَهَذا يَعْني أنَّ الكَنيسَةَ سَتَكْتَمِلُ)، وَهكَذَا ماذا سَيَحْدُثُ؟ "سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «سَيَخْرُجُ مِنْ صِهْيَوْنَ الْمُنْقِذُ وَيَرُدُّ الْفُجُورَ عَنْ يَعْقُوبَ. وَهذَا هُوَ الْعَهْدُ مِنْ قِبَلِي لَهُمْ مَتَى نَزَعْتُ خَطَايَاهُمْ»".

ولكِنْ لِماذا سَيَحْدُثُ هَذا؟ العَدَد 29: "لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ" ماذا؟ "بِلاَ نَدَامَةٍ". فوُعودُ اللهِ لا يُمْكِنُ أنْ تُنْقَض ... لا يُمْكِنُ أنْ تُنْقَض. فاللهُ سَيُخَلِّصُ في نِهايَةِ المَطافِ شَعْبَهُ إسرائيل.

لذلكَ فإنَّ الحَديثَ كُلَّهُ يُشيرُ إلى وَعْدِ اللهِ. والآنْ، يُشيرُ الحَديثُ كُلُّهُ إلى قُدْرةِ اللهِ. وفي النِّهايَةِ، سَيَؤولُ هَذا كُلُّهُ إلى مَجْدِ اللهِ. وبعدَ كُلِّ ذلكَ، إليكُمُ الخُلاصَة: "يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!"

هَلْ تَعلمونَ مَا مَعنى هذا الكَلامَ الآن؟ إنَّهُ يَفوقُ قُدْرَتَنا على الاستيعابِ الكامِلِ. "«لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟" فأنْتُمْ لا تَعتقدِونَ أنَّكُمْ تَعْرِفونَهُ. أليسَ كذلك؟ "أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟" فَهُوَ لَيْسَ لَهُ مُشيرونَ. "أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ؟»". فاللهُ لا يَدينُ لَنا بأيِّ تَفسيرٍ لأيِّ شَيءٍ. "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ". والكُلُّ يَقولُ؟ آمين. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize