Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ وَما أَعْلَنَهُ اللهُ عَنْ ذاتِهِ هِيَ أَسْمَى غَايَةٍ في الحَياة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الأمْثال 9: 10: "بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ". فالإنْسانُ لا يَبْتَدِئُ أنْ يَكونَ حَكيمًا إلَّا حينَ يَعْرِفُ اللهَ. والإنْسانُ لا يَبْتَدِئُ في اكْتِسابِ أيِّ مَعرفةٍ إلَّا حينَ يَعْرِفُ القُدُّوسَ. فَمَعْرفَةُ اللهِ هِيَ أسْمَى غَايَةٍ في حَياةِ الإنْسان. في إنْجيل يُوحَنَّا 17: 3، قالَ رَبُّنا في صَلاتِهِ الشَّفاعِيَّةِ (بِصِفَتِهِ رَئيسَ كَهَنَتِنا) إنَّهُ جاءَ لِيُعْطينا حَياةً أبديَّةً، "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ". فَمَعْرِفَةُ اللهِ هِيَ أَسْمَى هَدَفٍ في حَياةِ الإنْسانِ. وقد جاءَ يَسوعُ إلى العالَمِ لِتَحْقيقِ هذا الهَدَف – أيْ لِكَيْ نَعْرِفَ اللهَ. وَهَذا مُرادِفٌ للحَياةِ الأبديَّةِ. فالنَّاسُ يَسْألونَ غالِبًا عَنْ مَاهِيَّةِ الحَياةِ الأبديَّةِ. وَهِيَ بِبَساطَةٍ مُتناهِيَةٍ: أنْ نَعْرِفَ اللهَ. أنْ نَعْرِفَهُ مَعْرِفَةً حَميمَةً. وَأنْ نَشْتَرِكَ في طَبيعَتِهِ وَحَياتِهِ.

لَقَدْ حَصَلَ أَحْكَمُ إنْسانٍ عَاشَ على وَجْهِ الأرْضِ على نَصائِحَ جَيِّدَةٍ مِنْ رَجُلٍ بَرْهَنَ أحْيانًا على أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَكيمًا جِدًّا. وَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ هُنا عَنْ دَاوُدَ الَّذي أَعْطَى النَّصائِحَ لِسُلْيمان. وَلَكِنَّ مَا قالَهُ داودُ أحْيانًا كانَ حَكيمًا جِدًّا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ أخْبارِ الأيَّامِ الأوَّل 28: 9 أنَّ داوُدَ قالَ لابْنِهِ: "وَأَنْتَ يَا سُلَيْمَانُ ابْنِي، اعْرِفْ إِلهَ أَبِيكَ وَاعْبُدْهُ بِقَلْبٍ كَامِل وَنَفْسٍ رَاغِبَةٍ". وَهَذِهِ نَصيحَةٌ جَيِّدَةٌ: اعْرِفِ اللهَ يا سُلَيْمان. وَعِنْدَما تَعْرِفُهُ، اعْبُدْهُ بِقَلْبٍ كامِلٍ وَنَفْسٍ رَاغِبَةٍ "لأَنَّ الرَّبَّ يَفْحَصُ جَمِيعَ الْقُلُوبِ، وَيَفْهَمُ كُلَّ تَصَوُّرَاتِ الأَفْكَارِ. فَإِذَا طَلَبْتَهُ يُوجَدُ مِنْكَ، وَإِذَا تَرَكْتَهُ يَرْفُضُكَ إِلَى الأَبَدِ".

وَقَدْ قَالَ بُطْرُسُ: "انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ". وَنَقْرَأُ في الرِّسالَةِ الثَّانيةِ إلى أهْلِ تَسالونيكي 1: 8 إنَّ الرَّبَّ سَيَأتي "فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ". وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ هِيَ جَوْهَرُ الوُجودِ. وَمَعْرِفَةُ اللهِ هِيَ أَسْمَى غَايَةٍ في الحَياةِ. وَمَعْرِفَةُ اللهِ هِيَ كُلُّ شَيءٍ. وكذلكَ هِيَ مَعْرِفَةُ كُلّ ما هُوَ مُعْلَنٌ عَنْهُ في صَفَحاتِ هذا الكِتاب. ومَعْرِفَةُ اللهِ هيَ لَيْسَتِ الغَايَة الأسْمَى للإنْسانِ فقط، بل إنَّها أَسْمَى قَصْدٍ لَدى اللهِ. فَهُوَ لا يُريدُ مِنَّا فقط أنْ نَعْرِفَهُ، بَلْ إنَّهُ يُساعِدُنا في ذلكَ أيضًا. فاللهُ يُريدُ مِنَّا أنْ نَعْرِفَهُ. والكِتابُ المُقَدَّسُ واضِحٌ كُلَّ الوُضوحِ في هذا الخُصوص. فَفي الأصْحاحِ السَّادِسِ مِنْ سِفْرِ هُوْشَع، وفي سِياقٍ آخَرَ، حيثُ اسْتَخْدَمَ اللهُ النَّبِيَّ هُوْشَعَ لِتَوْبيخِ بَني إسْرائيلَ على رِيَائِهِمْ لأنَّهُمْ كانُوا يُقَدِّمونَ الذَّبائِحَ لَهُ مِنْ قُلوبٍ بَعيدَةٍ عَنِ اللهِ، فإنَّهُ يَقولُ الآتي في سِفْرِ هُوْشَع 6: 6: "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ". فاللهُ يُريدُ مِنَّا أنْ نَعْرِفَهُ أكْثَرَ مِمَّا يُريدُ أيَّ شَيءٍ خَارِجِيٍّ. فيجبُ على البَشَرِ أنْ يَعْرِفُوا اللهَ. واللهُ يُريدُ مِنَ النَّاسِ أنْ يَعْرِفوه. فَهذا هُوَ مَعْنى الحَياة. وَهَذا هُوَ الهَدَفُ مِنْ وُجودِنا. وَهَذِهِ هِيَ الغايَةُ الأَسْمَى لِحَياتِنا وقَصْدُ اللهِ الأَسْمَى لَنا.

لقد كُنْتُ أُفَكِّرُ في طَريقَةٍ تُوَضِّحُ أهميَّةَ أنْ نَعْرِفَ اللهَ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ اللهِ. وقد خَطَرَ بِبالي أنَّ النَّبِيَّ حِزْقِيال عَقَدَ العَزْمَ على الكَشْفِ عَنْ مَجْدِ اللهِ. ونَقْرَأُ في الأصْحاح الأوَّلِ مِنْ سِفْرِ حِزْقيال رُؤيا الله. أرْجو أنْ تَفْتَحوا عليها قليلًا – حِزْقيال، الأصْحاح الأوَّل. وَهُوَ يَبْتَدِئُ بالحَديثِ عَنْ رُؤيا اللهِ إذْ نَقْرَأُ: "كَانَ فِي سَنَةِ الثَّلاَثِينَ، فِي الشَّهْرِ الرَّابعِ، فِي الْخَامِسِ مِنَ الشَّهْرِ، وَأَنَا بَيْنَ الْمَسْبِيِّينَ عِنْدَ نَهْرِ خَابُورَ، أَنَّ السَّمَاوَاتِ انْفَتَحَتْ، فَرَأَيْتُ رُؤَى اللهِ". فَحِزْقيالُ يَبْتَدِئُ نُبوءَتَهُ بالحَديثِ عَنْ هذهِ الرُّؤيا الَّتي أَعْطاهُ اللهُ أنْ يَراها. وحينَ تَصِلونَ إلى نِهايَةِ سِفْرِ حِزْقيال (ولا حَاجَةَ لأنْ تَفْتَحوا عليهِ)، ولَكِنَّهُ يَقولُ بِبَساطَة في الأصْحاح 48 والعَدَد 35، وَهِيَ آخِرُ عِبارَةٍ في السِّفْر: "يَهْوَهْ شَمَّهْ" (أيْ: "الرَّبُّ هُناكَ"). فالسِّفْرُ يَبْتَدِئُ بِرُؤيا حِزْقيال الَّتي أَعْطاها لَهُ اللهُ. وَهُوَ يَنْتَهي باللهِ الأبدِيِّ يَجْلِسُ على عَرْشِهِ الأبديِّ في مَمْلَكَتِهِ الأبديَّةِ. فَحِزْقيالُ يَبتدئُ السِّفْرَ بالحَديثِ عَنِ اللهِ في الأصْحاحِ الأوَّلِ والعَدَدِ الأوَّلِ، وَهُوَ يَخْتِمُ السِّفْرَ بالحَديثِ عَنِ اللهِ في الأصْحاح 48 والعَدَد 35. وَكَما تَعْلَمونَ، فإنَّ كُلَّ ما جَاءَ بينَ المُقَدِّمَةِ والخَاتِمَةِ هُوَ تَأكيدٌ على طَبيعَةِ اللهِ.

وحينَ نَظَرْتُ إلى بِدايَةِ سِفْرِ حِزْقيال وَنِهايَتِهِ، قُلْتُ في نَفْسي: "إنِّي أَتَساءَلُ عَنِ الشَّيءِ المَوجودِ في الوَسَطِ والَّذي ظَلَّ يُوَجِّهُ فِكْرَ حِزْقيال إلى اللهِ". لذلكَ فقد قُمْتُ بِدراسَةٍ صَغيرَةٍ شَخْصِيَّةٍ عَنْ سِفْرِ حِزْقيال فَوَجَدْتُ شَيئًا مُهِمًّا جِدًّا عَمَّا يُريدُ مِنَّا اللهُ (أنا وَأنْتَ) أنْ نَعْرِفَهُ. فَلْنَنْظرْ إلى الأصْحاحِ السَّادِسِ مَعًا. والآنْ، أُريدُ مِنْكُمْ أنْ تُرَكِّزوُا مَعي. حزقيال 6: 7. وسوفَ أَقْرَأُ جُمْلَةً واحِدَةً مِنْ هذهِ الآياتِ. وقد تَجِدونَها في بِدايَةِ الآيَةِ أحْيانًا، أوْ في مُنْتَصَفِها أحْيانًا، أوْ في نِهايَتِها أحْيانًا أُخرى. وسوفَ أَبْتَدِئُ القِراءَةَ الآنْ. العَدَد 7: "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". العَدَد 10: "وَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". العَدَد 13: "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". الأصْحاح 7 والعَدَد 4 (في نِهايَةِ العَدَد): "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". العَدَد 9: فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". كذلكَ، سوفَ نَتَخَطَّى بِضْعَةَ أصْحاحاتٍ وَنَنْتَقِلُ إلى الأصْحاح 11 والعَدَد 12: "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". الأصْحاح 12 والعَدَد 16: "فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". العَدَد 20: "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". الأصْحاح 13 والعَدَد 9: "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا السَّيِّدُ الرَّبُّ". العَدَد 14: "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". العَدَد 21: "فَتَعْلَمْنَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". الأصْحاح 14 والعَدَد 8: "فَتَعْلَمْنَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ".

فَهُناكَ رِسالَةٌ في مَكانٍ ما، يا أحِبَّائي. هَلْ تُدْرِكونَ ذلك؟ الأصْحاح 15 والعَدَد 7: "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". ثُمَّ نَنْتَقِلُ إلى الأصْحاح 20 والعَدَد 12: "لِيَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". العَدَد 20: "لِتَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ". العَدَد 26: "حَتَّى يَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". العَدَد 38: "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". العَدَد 42: "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". العَدَد 44: "فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". ثُمَّ نَتَخَطَّى الأصْحاح 21 وَنَأتي إلى الأصْحاح 22 والعَدَد 16: "وَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". وفي الأصْحاح 24 والعَدَد 24: "تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا السَّيِّدُ الرَّبُّ". وفي الأصْحاح 24 والعَدَد 27: "فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ". والحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ لا حاجَةَ لأنْ أُكَرِّرَ ذلكَ أكْثَرَ مِنْ هذا. فَهِيَ تَسْتَمِرُّ، وَتَسْتَمِرُّ، وتَستمِرُّ حَتَّى نِهايةِ السِّفْر. وأنا لَمْ أَتَمَكَّنْ حَتَّى مِنْ عَدِّها. ولكِنْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلى الأصْحاح 39، أَرى أنَّها تَرِدُ مَرَّتَيْن، وَمَرَّة في الأصْحاح 38. وَهِيَ تَرِدُ مِرارًا وَتَكْرارًا إلى أنْ نَصِلَ إلى الأصْحاح 40. ثُمَّ يَظْهَرُ اللهُ في مَمْلَكَتِهِ الألْفِيَّةِ العَظيمَةِ والمَجيدَةِ. فَهِيَ نُبوءَةٌ واحِدَةٌ تُرَكِّزُ على العِبارَة: "تَعْلَمونَ أَنِّي أَنا الرَّبُّ.

والآنْ، ما الَّذي يُحاوِلُ اللهُ أنْ يَقولَهُ لَنا؟ إنَّهُ يُريدُ مِنَّا أنْ نَعْرِفَهُ. فَهَذِهِ هِيَ مَشيئَةُ اللهِ للإنْسان. فاللهُ لا يَخْتَبِئ. وَاللهُ ليسَ أَرْنَبَ الفِصْحِ الَّذي يَخْتَبِئُ بينَ الشُّجيراتِ بينَما نَحْنُ نَبْحَثُ عَنْهُ، وَهُوَ يَقولُ لَنا: "أنْتُمْ تَقْتَرِبون". فاللهُ لا يُحاوِلُ أنْ يُخْفي نَفْسَهُ. بل إنَّ اللهَ أَظْهَرَ نَفْسَهُ. وَهُوَ يُريدُ مِنَّا أنْ نَعْرِفَهُ. وَهَذِهِ هِيَ أَسْمَى غَايَةٍ لِحَياةِ الإنْسان.

ولَكِنْ كَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَعْرِفَهُ؟ كيفَ يُمْكِنُنا أنْ نَعْرِفَ الله؟ حَسَنًا، أنْتُمْ تَعْرِفونَ أنَّ النَّبِيَّ قال: "تَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ". أليسَ كذلك؟ وقد قَدَّمَ سُلَيْمانُ بَعْضَ الوَصَايا الحَكيمَةِ في أمْثال 2: 3 إذْ نَقرأُ: "إِنْ دَعَوْتَ الْمَعْرِفَةَ، وَرَفَعْتَ صَوْتَكَ إِلَى الْفَهْمِ، إِنْ طَلَبْتَهَا كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَالْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ الرَّبِّ، وَتَجِدُ مَعْرِفَةَ اللهِ". فَقَدْ قالَ سُلَيْمان: "هُناكَ طَريقَةٌ واحِدَةٌ لِكَيْ تَعْرِفَ اللهَ مَعْرِفَةً حَقيقيَّةً، وَلِكَيْ تَعْرِفَ كُلَّ ما هُوَ مُعْلَنٌ عَنِ اللهِ، وهِيَ أنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ غَايَة حَياتِكَ. فإنْ كُنْتَ تَبْحَثُ عَنِ المالِ، وَإنْ كُنْتَ تَبْحَثُ عَنِ النَّجاحِ، وَإنْ كُنْتَ تَبْحَثُ عَنْ أيِّ شَيءٍ آخَر، لَنْ تَكْتَشِفَ كُلَّ ما يَخْتَصُّ باللهِ". ولَكِنَّهُ يَقولُ: "يَا ابْنِي ... إِنْ طَلَبْتَ اللهَ كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهُ كَالْكُنُوزِ المُخَبَّأَةِ، فَحِينَئِذٍ تَجِدُ مَعْرِفَتَهُ". فاللهُ يُريدُ مِنَّا أنْ نَعْرِفَهُ. واللهُ يُريدُ مِنَّا أنْ نَبْحَثَ عَنْهُ. وهذا هُوَ سَبَبُ دِراسَتِنا الصَّغيرَةِ هَذِهِ: لِكَيْ نَعْرِفَهُ مَعْرِفَةً أَفْضَل، وَلِكَيْ أُساعِدَكُمْ على مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَةً أَفْضَل.

والآنْ، لِنَنْظُرْ إلى المُخَطَّطِ الَّذي بينَ أيْدينا. فَقَدْ أَجَبْنا للتَّوِّ عَنِ السُّؤالَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني وَهُما: "هَلْ هُوَ مَوْجودٌ؟" وَ "مَنْ يَكون؟" والآنْ، نَنْتَقِلُ إلى السُّؤالِ الثَّالِثِ عَنْ صِفاتِهِ. فَما هِيَ صِفاتُ اللهِ؟

وقد قُلْنا إنَّ اللهَ مُبَيَّنٌ لَنا في الكِتابِ المُقَدَّسِ مِنْ خِلالِ صِفاتٍ أوْ أوْصافٍ مُعَيَّنَةٍ. وَإليكُمْ تَعْريفُ الصِّفَة: الصِّفَةُ هِيَ أيُّ شَيءٍ يَصحُّ على اللهِ – أيُّ شَيْءٍ يَصحُّ على اللهِ. والصِّفاتُ الوَحيدَةُ الَّتي يُمْكِنُنا أنْ نَتَحَدَّثَ عَنْها هِيَ تِلْكَ المَذكورَة في الكِتابِ المُقَدَّس. وَكَمْ عَدَدُ صِفاتِ اللهِ الَّتي ذَكَرْتُها لَكُمْ؟ أَتَذْكُرون؟ كَمْ عَدَدُها؟ إنَّها غَيْرُ مَحْدودَة. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تُحْصِيها. وَقَدْ أَعْلَنَ لَنا الكِتابُ المُقَدَّسُ عَنْ بَعْضٍ مِنْها. وَمِنْ بَيْنِ جَميعِ الصِّفاتِ المَذْكورَة هُنا، اخْتَرْنا عَدَدًا قَليلًا مِنْها فقط لِكَيْ نَفْهَمَ اللهَ فَهْمًا أَفْضَل.

والآنْ، ما الَّذي تَعَلَّمْناهُ حَتَّى الآنْ؟ أوَّلًا، لقد تَعَلَّمْنا أنَّ اللهَ ثابِتٌ. وَهَذا يَعْني أنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ وَلا يَتَبَدَّلُ. فاللهُ لا يَتَغَيَّرُ مُطْلَقًا. ثانيًا، لقد تَعَلَّمْنا أنَّ اللهَ كُلِّيُّ الحُضورِ. وَهَذا يَعْني أنَّهُ مَوْجودٌ في كُلِّ مَكانٍ في الوقتِ نَفْسِهِ دُوْنَ أنْ يَفْقِدَ أيَّ صِفَةٍ مِنْ صِفاتِهِ. والنُّقطَةُ الثَّالِثَةُ الَّتي تَعَلَّمْناها يومَ الأحَدِ الماضي هِيَ أنَّ اللهَ كُلِّيُّ القُدْرَةِ. وَهَذا يَعْني أنَّهُ قادِرٌ على كُلِّ شَيءٍ. فَهُوَ يَسْتَطيعُ أنْ يَفْعَلَ أيَّ شَيءٍ. فَهُوَ قادِرٌ على القِيامِ بأيِّ شَيءٍ بالسُّهولَةِ الَّتي يَقومُ بها بأيِّ شَيءٍ آخَر. وَهُوَ يَسْتَطيعُ القِيامَ بِأيِّ شَيءٍ يُريد. إذًا، اللهُ لا يَتَغَيَّرُ. وَهُوَ مَوْجودٌ في كُلِّ مَكانٍ في كُلِّ الأوقاتِ. وَهُوَ كُلِّيُّ القُدْرَةِ.

واليوم، أُريدُ أنْ أُشارِكَ مَعَكُمْ صِفَتَيْنِ إضافِيَّتَيْنِ مِنْ صِفاتِ اللهِ. الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ هِيَ: اللهُ مُطْلَقُ العِلْمِ. وهذا يَعني ببساطَةٍ أنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. فاللهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ ... كُلَّ شَيءٍ. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ (في المَزْمور 147: 5): "لِفَهْمِهِ لاَ إِحْصَاءَ". وهذا يَعْني أنَّهُ ليسَ لِمَعْرِفَتِهِ حُدود. فَفَهْمُهُ مُطْلَقٌ. فَهُوَ لا يَعْرِفُ فَقَطْ الأُمورَ القابلةَ للمَعْرِفَةِ، بل إنَّهُ يَعْرِفُ ما لا يُعْرَف. فنحنُ نَقرَأُ عُنْهُ في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوُس 1: 17: "الإِلهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ". ونَحنُ نَقرأُ عَنْهُ في رِسالَةِ يَهوذا 25: "الإِلهُ الْحَكِيمُ الْوَحِيدُ". وَبولسُ يَقولُ عَنْهُ في رِسالَةِ رُومية 16: 27: "اللهُ الْحَكِيمُ وَحْدُهُ". فَهُوَ ليسَ حَكيمًا وحسب، وَهُوَ لا يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ وَحَسْب، بل إنَّهُ الوَحيدُ الَّذي يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. فالمَلائِكَةُ تَعْرِفُ الكَثيرَ، ولَكِنَّها لا تَعْرِفُ كُلَّ ما يَعْرِفُهُ اللهُ. وَأنا وَأنْتَ نَعْرِفُ بعضَ الأشياءِ، ولكِنْ لا أَحَدَ يَعْرِفُ ما يَعْرِفُهُ اللهُ. فَهُوَ فَريدٌ وَمُطْلَقٌ في الحِكْمَةِ، والفَهْمِ، والمَعْرِفَة.

وَهَلْ تَعْلَمُ أنَّ اللهَ لم يَتَعَلَّمْ أيَّ شَيءٍ؟ فَحينَ تُصَلِّي فإنَّكَ لا تَقولُ: "والآنْ، يا رَبّ، أريدُ أنْ أُعْلِمَكَ شَيْئًا عَنْ حَماتي المَريضَة". وَهُوَ لا يَقولُ: "آه، دَعْني أُدَوِّنُ ذلك". لا! لا! فَلا يُمْكِنُكَ أنْ تُقَدِّمَ لَهُ أيَّ مَعْلوماتٍ لا يَعْرِفُها. بَلْ هُوَ يُريدُ أنْ يَرى أنَّكَ تَهْتَمُّ. وَقَدِ اخْتارَ أنْ يَعْمَلَ مِنْ خِلالِ صَلَواتِكَ. ولكِنْ لا يُمْكِنُكَ أنْ تُفاجِئَ اللهَ بأيِّ شَيءٍ. فَهُوَ لا يَتَعَلَّمُ أيَّ شَيْءٍ. فَمَنِ الَّذي سَيُعَلِّمُهُ؟ فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 40: 13: "مَنْ قَاسَ رُوحَ الرَّبِّ، وَمَنْ مُشِيرُهُ يُعَلِّمُهُ؟" فَمَنِ الَّذي عَلَّمَ اللهَ؟ الجَوابُ بِكُلِّ تَأكيدٍ هُوَ: لا أَحَد. وَقَدْ قالَ بولُسُ في رِسالَةِ رُومية 11: 34: "لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟" لا أَحَد. مَنْ عَلَّمَ اللهَ؟ لا أَحَد. فاللهُ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ.

والآنْ، يا أحِبَّائي، عندما تَتوقَّفونَ قليلًا وتُفَكِّرونَ في ذلك، سَتَرَوْنَ أنَّنا نَجْلِسُ هُنا، وَأنَّ الأغلبيَّةَ مِنَّا يَعْرِفونَ الربَّ يَسوعَ المَسيحَ وَيُحِبُّونَهُ. فالأغلبيَّةُ مِنَّا يَعْرِفونَ اللهَ. ولكِنْ هل فَكَّرْتُمْ يومًا في أنَّ أَغْرَبَ حَقيقَةٍ بِخُصوصِ عِلْمِ اللهِ بِكُلِّ شَيءٍ هِيَ أنَّهُ يَعْرِفُنا وَأنَّنا مَا زِلْنا هُنا؟ أَجَلْ، فهذا أمْرٌ مُدْهشٌ! فاللهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ عَنَّا، وَمَعَ ذلكَ فإنَّهُ ما يَزالُ يُحِبُّنا! هذا أمْرٌ مُذْهِلٌ. وعندما تَضَعُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَأذْكُرُهُما بعدَ قَليلٍ جَنْبًا إلى جَنْبِ، أيْ قَداسَتَهُ (إذْ إنَّ اللهَ يُبْغِضُ الخَطِيَّةَ)، وَعِلْمَهُ بِكُلِّ شَيءٍ، وَتُحاوِلُ أنْ تُفَكِّرَ في كَيْفِيَّةِ مُثولِكَ في حَضْرَتِهِ، فإنَّكَ تَخْرُجُ بِصِفَةٍ أُخرى وَهِيَ: المَحَبَّة. فبالرَّغْمِ مِنْ أنَّ اللهَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، فإنَّهُ ما زَالَ يَفْدينا.

وقد تَقول: "لماذا؟" وَنَجِدُ الإجابَةَ عَنْ هذا السُّؤالِ في الأصْحاح 48 مِنْ سِفْرِ إشَعْياء. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 48: 8: "لَمْ تَسْمَعْ" [فأنْتُمْ لم تَسْمَعوا لي] "وَلَمْ تَعْرِفْ، وَمُنْذُ زَمَانٍ لَمْ تَنْفَتِحْ أُذُنُكَ" [فأنْتُمْ لَمْ تَسْمَعُوا لي يَوْمًا. مُنْذُ البِدايَة حينَ خَلَقْتُ الإنْسانَ لم يَسْمَعوا]، "فَإِنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ تَغْدُرُ غَدْرًا، وَمِنَ الْبَطْنِ سُمِّيتَ عَاصِيًا". فاللهُ يَقولُ: "أنا أَعْلَمُ أنَّكَ خَاطِئٌ مُنْذُ أنْ كُنْتَ في بَطْنِ أُمِّكَ". وَقَدْ تَسْألُ مَتى يَصيرُ الإنْسانُ إنْسانًا في عَيْنَيِّ الرَّبِّ؟ إنَّ هذا وَاضِحٌ تَمامًا في الكِتابِ المُقَدَّسِ: مُنْذُ أنْ يَكونَ في الرَّحْمِ. "مِنْ أَجْلِ اسْمِي أُبَطِّئُ غَضَبِي، وَمِنْ أَجْلِ فَخْرِي أُمْسِكُ عَنْكَ حَتَّى لاَ أَقْطَعَكَ. هأَنَذَا قَدْ نَقَّيْتُكَ وَلَيْسَ بِفِضَّةٍ. اخْتَرْتُكَ فِي كُورِ الْمَشَقَّةِ. مِنْ أَجْلِ نَفْسِي، مِنْ أَجْلِ نَفْسِي أَفْعَلُ". فاللهُ يَنْظُرُ إلى أَسْفَل، وَهُوَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. "أنا أَعْرِفُكَ. أنا أَعْرِفُ أنَّكَ كُنْتَ خَاطِئًا مُنْذُ البِدايَة. وَأنا أَعْرِفُ أنَّكَ كُنْتَ عَاصِيًا مُنْذُ أنْ كُنْتَ في الرَّحْمِ. وَأنا أُبْغِضُ الخَطِيَّةَ، ولكِنِّي خَلَّصْتُكَ. لماذا؟ لا مِنْ أجْلِكَ، بَلْ لأنِّي أَرَدْتُ أنْ أُبَيِّنَ للعَالَمِ صِفَةً أُخرى مِنْ صِفاتي وَهِيَ صِفَة المَحَبَّةِ. وَلأنِّي أَرَدْتُ أنْ أُبَيِّنَ للمَلائِكَةِ صِفَةً أُخرى وهِيَ صِفَة الحِكْمَة، مِنْ أجْلِ نَفْسي".

يا أحِبَّائي، إنَّ مُعْجِزَةَ المُعْجِزاتِ بالنِّسْبَةِ إلَيَّ هِيَ أنَّ اللهَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ عَنِّي وَأنَّهُ ما زَالَ يُحِبُّني. فلا شَيءَ مُخْفَى عَنِ اللهِ. وَهَلْ تَعْلَمُ أنَّ اللهَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ عَنْ جَسَدِكَ، وَأنَّ شُعُورَ رُؤُوسِكُمْ أَيْضًا جَمِيعَهَا مُحْصَاة؟ وبالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ مِنْكُمْ، فإنَّ هذا الأمْرَ سَهْلٌ. ولكِنَّ اللهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيءٍ عَنْكَ. وَقَدْ تَقول: "مَا الَّذي يَجْعَلُ اللهَ ... ما الَّذي يَجْعَلُ اللهَ مُهْتَمًّا بإحْصاءِ شَعْرِ رَأسي؟" إنَّهُ ليسَ مُضْطَرًّا لإحْصائِها، بل هُوَ يَعْرِفُ عَدَدَها لأنَّهُ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ. فاللهُ لا يَفْعَلُ ذلكَ لِكَيْ يُثْبِتَ وُجْهَةَ نَظَرِهِ، أوْ لِكَيْ يُدَوِّنَ عَدَدَ الشَّعْرِ في سِجِلٍّ خَاصٍّ. بل إنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ وَلا يَحْتاجُ إلى تَعَلُّمِ أيِّ شَيءٍ أوِ اكْتشافِ أيِّ شَيءٍ. فَهُوَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ بِطَبيعَتِهِ. فَهُوَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ عَنْ جَسَدِكَ. وَلَكِنْ أتَدْري ماذا أيضًا؟ إنَّهُ يَعْرِفُ ما هُوَ أكْثَر مِنَ الأشْياءِ المُخْتَصَّةِ بِجَسَدِكَ. فَجَسَدُكَ شَفَّافٌ بالنِّسْبَةِ إلى الله. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 2: 23: "أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ". فَجَسَدُكَ لا يُغَطِّي كُلَّ شَيءٍ. وَلَكِنَّهُ يَرى قَلْبَكَ وَعَقْلَكَ كَما يَراكَ مِنَ الخَارِج. فالغُيومُ والظَّلامُ واللَّيْلُ لا تَحْجُبُ الرُّؤيَةَ عَنْهُ. فاللَّيْلُ ليسَ سِتارَةً تَحْجُبُ عَنْهُ الرُّؤيَة. ونحنَ نَقرأُ في المَزْمور 139: 12: "الظُّلْمَةُ أَيْضًا لاَ تُظْلِمُ لَدَيْكَ". وَلَكِنِّي أعْتَقِدُ أنَّ الآيَةَ الَّتي تَقولُ: "وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً" تَتَحَدَّثُ عَنْ حَقيقَةِ أنَّ أغلبيَّةَ الخَطايا تُقْتَرَفُ في الظَّلام. وَلَكِنْ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّها تَحْدُثُ أمامَ عَيْنَيِّ اللهِ لأنَّهُ كُلِّيُّ العِلْمِ. فالظَّلامُ لا يُخْفي شَيْئًا عَنِ الله.

كذلكَ فإنَّ الهَمْسَ مَسْموعٌ تمامًا لأُذُنَيِّ اللهِ. فنحنُ نَقرأُ في المَزْمور 139: 4: "لأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي، إِلاَّ وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا". فاللهُ يَسْمَعُ هَمَساتِكَ كَما لو كُنْتَ تَتَحَدَّثُ بالميكروفون. وقد تَقولُ: "وماذا عَنْ أفْكاري؟" اسْمَع: إنَّ عَقْلَكَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يَعْرِفَ أيَّ شَيءٍ لا يَعْرِفُهُ اللهُ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 66: 18 أنَّهُ يَعْرِفُ أفْكارَنا. وفي الأصْحاحِ الثَّاني مِنْ إنْجيل يُوحَنَّا، قَدَّمَ يَسوعُ الدَّليلَ على أنَّهُ الله عِنْدَما قالَ إنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مَنْ يُخْبِرهُ بِما في قَلْبِ الإنْسانِ لأنَّهُ يَعْلَمُ ما في قَلْبِ الإنْسان. وعندما تَحَدَّثَ يَسوعُ مَعَ نيقوديموس، سَألَهُ نيقوديموس سُؤالًا واحِدًّا بِفَمِهِ، وسُؤالًا آخَرَ بِعَقْلِهِ. وقد أَجابَ يَسوعُ عَنِ السُّؤالِ الَّذي سَألَهُ بِعَقْلِهِ ولم يَسْألْهُ بِفَمِهِ. فلا يُوْجَدُ مَكانٌ سِرِّيٌّ في بَيْتِكَ، ولا يُوْجَدُ مَكانٌ سِرِّيٌّ في العالمِ يُمْكِنُكَ أنْ تَخْتَبِئَ فيه بَعيدًا عَنْ عَيْنَيِّ اللهِ. فنحنُ نَقرأُ في السِّفْرِ نَفْسِهِ (أيْ في إشَعْياء 66) والآيَةِ نَفْسِها إنَّهُ يَعْرِفُ أعْمالَنا. فَهُوَ يَعْرِفُ كُلَّ شيء. اسْمَعوني جَيِّدًا: إنَّ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ اللهُ حَقٌّ لأنَّهُ بِحَسَبِ ما جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَة 32: 4، فإنَّهُ إلَهٌ صَادِقٌ. فَمِنَ المُسْتَحيلِ أنْ يَكْذِبَ اللهُ. وَهُوَ لَمْ يُخْطِئ يومًا. وَهُوَ لا يَسْهو. بَلْ هُوَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. وَهُوَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ مَعْرِفَةً صَحيحَةً وَدَقيقَةً – كُلَّ شَيءٍ.

وقد تَقول: "وماذا عَنِ اتِّكالي على ما جاءَ في سِفْرِ هُوْشَع 13: 12. فَهِيَ آيَتي المُفَضَّلة. وَهِيَ تَقول: ’إِثْمُ أَفْرَايِمَ مَصْرُورٌ. خَطِيَّتُهُ مَكْنُوزَةٌ‘. فَرَجائي قائمٌ على هذهِ الآيَة لأنِّي أرْجو أنْ تكونَ هُناكَ بعضُ الأُمورِ الخَفِيَّةِ الَّتي لا يَعْرِفُ اللهُ عَنْها". إنَّني آسفٌ مِنْ أجْلِكَ. فقد تَقول: "حَسَنًا، ما المَقصودُ بهذهِ الآيَة؟ فهُناكَ أُناسٌ يَقولونَ إنَّها تَعْني أنَّ اللهَ لا يَعْرِفُ عَنْ كُلِّ الخَطايا". إنَّ اللهَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيء. والكِتابُ المُقَدَّسُ وُاضِحٌ في هذا الخُصوص. فأيْنَما قَرَأتَ عَنْ صِفاتِ اللهِ، مِنَ الواضِحِ أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيء. وقد تَقول: "إذًا، ما المَقْصودُ بهذهِ الآيَة؟" إنَّها، بِكُلِّ تَأكيدٍ، لَيْسَتْ تَناقُضًا. فَالمَعْنى المَقْصودُ بالآية "إِثْمُ أَفْرَايِمَ مَصْرُورٌ. خَطِيَّتُهُ مَكْنُوزَةٌ" هُوَ أنَّ خَطيئَتَهُ في الوَقْتِ الحالِيِّ مُدَّخَرَة إلى يومِ الدَّينونَةِ المُستقبليَّة. فَهَذِهِ هِيَ خُطَّةُ الدَّفْعِ الإلهيَّة: اقْتَرِفِ الخَطيئَةَ الآن وادْفَعْ لاحِقًا.

أَجَل! فإذا فكَّرْتُمْ في الأمْر تَجِدونَ أنَّ الأبرارَ يَشْعُرونَ بالضَّغْطِ أكْثَرَ مِنَ الأشرار. أليسَ كذلك؟ ولكِنْ لماذا يَزْدَهِرُ الأشرارُ أحيانًا؟ تَذَكَّروا أنَّهُمْ لم يَزْدَهِروا دائِمًا. فَرُبَّما سيكونُ حالُهُمْ كَحالِ أَفرايِم في أنَّ خَطاياهُمْ مَخْفِيَّة الآنْ، وَمُدَّخَرَة إلى يومِ الدَّينونَةِ في المُستقبَل. وهذا هُوَ مَعْنى ما جاءَ في رِسالَةِ رُوْمية 2: 5 و 6 إذْ يَقولُ بولُسُ: "وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ". بعبارةٍ أُخرى، أنْتَ تُخْطِئُ وَتُكَدِّسُ الخَطايا إلى يومٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ. "وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ". فسوفَ يَأتي يَوْمٌ تَحِلُّ فيهِ تلكَ الدَّينونَة. وحينئذٍ فإنَّ تلكَ الخَطايا الخَفِيَّة الآن، أوِ المُدَّخَرَة إلى يومٍ مُستقبليٍّ، سَتُكْشَفُ وَتُعاقَبُ.

إنَّ اللهَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ ... كُلَّ شَيء. وهذا يَقودُنا إلى مُلاحَظَةٍ هامِشِيَّةٍ. فَهُناكَ صِفَةٌ أُخرى للهِ سَنَذْكُرُها في عُجالَةٍ لأنَّنا لا نَمْلِكُ الوقتَ الكافي للحَديثِ عَنْ كُلِّ صِفاتِهِ. إنَّها صِفَةُ الحِكْمَة. والآنْ، اسْتَمِعُوا إلَيَّ: ما هِيَ الحِكْمَة؟ سَأُقَدِّمُ لَكُمْ تَعريفًا بَسيطًا: الحِكْمَةُ هِيَ عِلْمُهُ المُطْلَقُ العامِلُ مَعَ مَشيئَتِهِ المُقَدَّسَةِ. إنَّها عِلْمُهُ المُطْلَقُ العامِلُ مَعَ مَشيئَتِهِ المُقَدَّسَةِ. فإنْ كانَ اللهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيءٍ، فإنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ حَكيمٌ تَمامًا. فإنْ كانَ يَعْلَمُ النِّهايَةَ مُنْذُ البِدايَةِ، فإنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ خُطْوَةٍ في الوَسَط. وَإنْ كانَ اللهُ يَعْلَمُ أنَّكَ هَكَذا الآنْ، وَأنَّكَ سَتَكونُ هَكَذا في المُستقبَل، فإنَّكَ قَدْ لا تَفْهَمُ ما يَجْري في الوَسَط. ولكِنَّهُ يَعْرِفُ ذلك. ولا بَأسَ في ذلك. فإنْ كانَ اللهُ كُلِّيَّ المَعْرِفَةِ، فإنَّهُ كُلِّيُّ الحِكْمَةِ. وهذا هُوَ العِلْمُ المُطْلَقُ العَمَلِيُّ. فَهُوَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيءٍ ... كُلَّ شَيء.

وهُناكَ الكَثيرُ مِنَ الأمثلةِ التَّوضيحيَّةِ على حِكْمَةِ اللهِ. فَيُمْكِنُكَ أنْ تَنْظُرَ إلى الخَليقَةِ. فَيُمْكِنُكَ أنْ تَرى حِكْمَتَهُ في كُلِّ شَيءٍ - مِنَ الكَوْنِ الكَبيرِ إلى التَّفاصيلِ الدَّقيقَةِ في الحَياة. فَحِكْمَةُ اللهِ مُدْهشَةٌ جِدًّا، ومُذْهِلَةٌ. إنَّها حِكْمَة. فهل يُمْكِنُكَ أنْ تَتَخَيَّلَ كَيْفَ خَلَقَ اللهُ الكَوْنَ كُلَّهُ، والأجْزاءَ الَّتي لا يُمْكِنُنا أنْ نُحْصِيها، وكيفَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ يَعْمَلُ بانْسِجامٍ تامٍّ مَعَ الأجزاءِ الأُخرى لِتَحْقيقِ مَقاصِدِ اللهِ تَمامًا؟ مُذْهِلٌ! وَكُلُّ نَتيجَةٍ على طُوْلِ الطَّريقِ تَنْسَجِمُ تَمامًا مَعَ حِكْمَتِهِ. فَخَليقَةُ اللهِ هِيَ دَليلٌ سَاطِعٌ على حِكْمَتِهِ. ونحنُ نَقرأُ في المَزْمور 104: 24: "مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ". وبِمَقْتَضى حِكْمَةِ اللهِ فإنَّنا نَرى أنَّهُ يَعْمَلُ كُلَّ شَيءٍ (وَفْقًا لِما جَاءَ في رِسالَةِ أَفَسُس 1: 11): "حَسَبَ رَأيِ مَشِيئَتِهِ".

ويجبُ عليكُمْ أنْ تُقِرُّوا بأنَّ الفِداءَ عَمَلٌ حَكيمٌ. فاللهُ أَخَذَ أشْخاصًا ليسوا أقوياءَ، وليسوا شُرَفاء، وليسوا أذْكياءَ، وَجَعَلَهُمْ شَعْبًا لَهُ. وَقَدْ أَخْزى الأقوياءَ، وَأَخْزى الحُكَماءَ، وَأَخْزى الشُّرَفاءَ في هذا العَالَمِ. وقد دَرَسْنا ذلكَ في الأصْحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى. ثُمَّ أَخَذَ اللهُ الكَنيسَةَ، (بحسبِ ما جاءَ في رِسالَةِ أَفَسُس 3: 10) وَعَرَضَها أمامَ المَلائِكَةِ لكي تَرى المَلائِكَةُ حِكْمَتَهُ المُطْلَقَة. فَحِكْمَةُ اللهِ، يا أصْدقائي، تُرى في فِدائِنا نَحْنُ بِوَصْفِنا كَنيسَتَهُ.

إنَّ اللهَ حَكيمٌ. وَهُوَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. وَما هِيَ الفوائِدُ العَمليَّةُ الَّتي نَجْنيها مِنْ هذهِ الحَقيقة؟ اسْمَحوا لي أنْ أَذْكُرَها لَكُمْ. فما هِيَ الفَوائِدُ العَمليَّةُ المُهِمَّةُ للمُؤمِنِ المَسيحِيِّ؟ أو مَا أهميَّةُ أنْ أَعْرِفَ أنَّ اللهَ حَكيمٌ وأنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ؟ أوَّلًا، إنَّهُ مِنَ المُعَزِّي جِدًّا أنْ أَعْلَمَ أنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. وقد تَقولُ: "لماذا؟" قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ آخَر، مِنَ الجَيِّدِ أنْ أَعْلَمَ أنَّهُ يَعْرِفُني. فَلا بُدَّ أنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ لكي يَعْرِفَني. فأنا لَسْتُ شَخْصًا مُهِمًّا في الكَوْن. فَهَلْ تَساءَلتَ يومًا قائلًا: "أنا أَتساءَلُ إنْ كانَ يَعْلَمُ أنِّي مَوْجود"؟ وَأنا أَتَخَيَّلُ أنَّ هُناكَ أُناسًا يَعيشونَ في هذا العالَمِ، وَهُمْ ليسوا مَشْهورينَ، وَهُم يَتساءَلونَ بينَ الحينِ والآخَرَ قائِلين: "أنا أتساءَلُ إنْ كانَ اللهُ يَعْرِفُ أنِّي مَوْجود!" فأنا لا أُصْدِرُ أصْواتًا ولا أيَّ شَيء".

وقد كانَ هُناكَ أُناسٌ يَسْألونَ هذا السُّؤالَ في زَمَنِ مَلاخي. فقد كانَ اللهُ يَنْفُثُ دَينونَةً حَقًّا على الشَّعْبِ. وكانَ مَلاخي النَّبِيُّ يُوَبِّخَهُمْ تُوْبيخًا عَنيفًا. وقَدِ خَافَ أُناسٌ مِنَ الشَّعْبِ فَاجْتَمَعُوا وقالوا: "أَتَدْرونَ أنَّنا قَدْ نُعاقَبْ في هذهِ الدَّينونَة. فَرُبَّما نَسِيَ اللهُ وَعاقَبَ الجَميع. إنَّنا نَتَساءَلُ إنْ كَانَ يَذْكُرُنا!" وَنَقْرَأُ في مَلاخي 3: 16: "حِينَئِذٍ كَلَّمَ مُتَّقُو الرَّبِّ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ". فقد كانُوا يَتَكَلَّمونَ كَثيرًا قائِلين: "أَتَدْرونَ أنَّ الأمْرَ قَدْ يَسوءُ كَثيرًا. فَهَلْ تُرى يَعْلَمُ اللهُ أنَّنا هُنا؟" "وَالرَّبُّ أَصْغَى وَسَمِعَ، وَكُتِبَ أَمَامَهُ سِفْرُ تَذْكَرَةٍ لِلَّذِينَ اتَّقُوا الرَّبَّ وَلِلْمُفَكِّرِينَ فِي اسْمِهِ. «وَيَكُونُونَ لِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَنَا صَانِعٌ خَاصَّةً، وَأُشْفِقُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُشْفِقُ الإِنْسَانُ عَلَى ابْنِهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ»".

هُناكَ سِفْرٌ عِنْدَ اللهِ، يا أصدقائي. وَهُوَ لا يَنْسى أَسْماءَ المَكْتوبينَ فيه. أليسَ مِنَ الجَيِّدِ أنْ نَعْلَمَ ذلك؟ فأنا مَسْرورٌ لأنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. فَهُوَ يَعْرِفُ "جُون مَاك آرْثَر"، وَهُوَ يَعْرِفُ أنِّي أَعْرِفُ يَسوعَ المَسيحَ. لذلكَ فإنَّهُ يَعْرِفُ أنَّ اسْمِي مَكْتوبٌ في هذا السِّفْر. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ يَعْرِفُ ذلكَ قبلَ وَقْتٍ طَويلٍ لأنَّهُ كَتَبَ اسْمي فيه قَبْلَ تَأسيسِ العَالَم. لذلكَ مِنَ المُعَزِّي بالنِّسبةِ إلَيَّ أنْ أَعْلَمَ أنَّ اللهَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ، وَأنْ أَعْلَمَ أنَّهُ ما مِنْ شَيءٍ خَارِجَ نِطاقِ مَعْرِفَةِ اللهِ. فَهُوَ يَعْرِفُني. وَهُوَ يَعْرِفُ أنِّي أنْتَمي إليهِ. وَهذا أمْرٌ مُطَمْئِنٌ. وَنَحْنُ نَقرأُ في المَزْمور 56: 8 هذهِ الكلماتِ الَّتي أُحِبُّها: "تَيَهَانِي رَاقَبْتَ. اجْعَلْ أَنْتَ دُمُوعِي فِي زِقِّكَ". وَهِيَ جُمْلَة وليسَتْ سُؤالًا. " اجْعَلْ أَنْتَ دُمُوعِي فِي زِقِّكَ". ففي الشَّرْقِ، حينَ تَأتي النَّائِحاتُ (وَهُوَ أمْرٌ شائِعٌ جِدًّا آنَذاك)، كانَ الجَميعُ يَبْكون. وكانَتْ بَعْضُ النَّائِحاتِ يَجْمَعْنَ دُموعَهُنَّ في زُجاجَة. فقد كُنَّ نائِحاتٍ بالأُجْرَة. وَأعْتَقِدُ أنَّهُنَّ كُنَّ يَفْعَلْنَ ذلكَ لإثْباتِ قِيامِهِنَّ بِعَمَلِهِنَّ. فقد كُنَّ يُسَلِّمْنَ زُجاجَةَ الدُّموعِ وَيَقْبُضْنَ أَجْرَهُنَّ. وعلى أيِّ حَالٍ، فقد كانَتْ هُناكَ نَائِحاتٌ مَأجوراتٍ. وَقَدْ كُنَّ يَجْمَعْنَ دُموعَهُنَّ في زُجاجَةٍ وَيَتْرُكْنَ زُجاجاتِ الدُّموعِ كتَذْكارٍ.

ويَقولُ داودُ إنَّ اللهَ يَجْمَعُ دُموعَهُ في قَارورَةٍ، أيْ إنَّ اللهَ يَتَذَكَّرُ دُموعي. فاللهُ لا يَعْرِفُني فقط، بل إنَّهُ يَعْرِفُ دُموعي. وَهَلْ مِنَ الجَيِّدِ أنْ نَعْرِفَ ذلك؟ وَهَلْ مِنَ المُعَزِّي بالنِّسْبَةِ إلَيكَ أنْ تَعْلَمَ أنَّ اللهَ يَعْرِفُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ مَرَرْتَ بِها يَوْمًا؟ وَأنَّ اللهَ يَجْمَعُ دُموعَكَ في زُجاجَة؟ فلا بُدَّ أنَّ لَدَيْهِ زُجاجَة كَبيرَة جِدًّا. بل إنَّهُ رُبَّما يَمْلأُ المُحيطات بها. لذلكَ فإنَّها مَالِحَة. لا أَدْري. ولكِنَّ اللهَ يَجْمَعُ دُموعَكَ في قَارُورَةٍ لديه. وهذا يَعْني في نَظَري أنَّ اللهَ يَهْتَمُّ بي. وَأنا مَسْرورٌ بِمَعْرِفَةِ ذلك.

ونَحْنُ نَقرأُ في الأصْحاحِ السَّادِسِ مِنْ إنْجيلِ مَتَّى أنَّ اللهَ لا يَعْرِفُ فقط مَا يُقْلِقُني أوْ ما يُؤلِمُني، وأنَّهُ لا يَعْرِفُ فقط مَنْ أَكون، بل إنَّهُ يَعْرِفُ أيْضًا كُلَّ احْتياجاتي. فنحنُ نَقرأُ في إنْجيل مَتَّى 6: 25: "لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟" فأنْتُمْ أَفْضَلُ مِنَ الطُّيور. "وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟" فلا فائِدَةَ تُرْجَى مِنَ القَلَقِ لأنَّ ذلكَ لَنْ يُساعِدَكَ البَتَّة. "وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِــي الإِيمَانِ؟ فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ" وَماذا؟ "وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ".

إنَّ أبي يَعْرِفُني. واسْمي مَكْتوبٌ في سِفْرِهِ. وَأبي يَعْرِفُ دُموعي. وَأبي يَعْرِفُ حَاجاتي. وَهُوَ يَعْتَني بِها جَميعًا. وَأنا أَفْضَلُ مِنَ العُصْفور. وَأنا أَهَمُّ مِنَ الزَّنْبَقَة. فالزَّنابِقُ جَميلَة، والعَصافيرُ رائِعَة. وَأنا أَفْضَلُ مِنَ العُشْبِ الَّذي يُوْجَدُ اليومَ ويَجفُّ غَدًا لأنَّ اللهَ يَعْتَني بي. ومِنَ المُطَمْئِنِ، يا أحبَّائي، أنْ نَعْلَمَ أنَّ اللهَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيء. فَهُوَ يَعْرِفُني، ويَعْرِفُ قَلَقي، وَتَجارِبي، وَدُموعي، وَحاجاتي. وَاسْمَعوني جَيِّدًا: في وَسَطِ كُلِّ هذهِ فإنَّهُ لا يَقْتَرِفُ أيَّ خَطَأٍ البَتَّة ... البَتَّة ... البَتَّة. واسْمَعوني جَيِّدًا: ما دَامَ اللهُ يَمْلِكُ صِفاتٍ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، وَمَعْرِفَةً مُطْلَقَةً، وَأنْتَ لا تَفْهَمُ شَيئًا ما، لا تَقُلْ إنَّ اللهَ أَخْطَأ. بَلْ عَلَيْكَ أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ لا تَعْرِفُ الكَثير. وَلا تُلْقي باللَّوْمِ على اللهِ، بَلِ اعْلَمْ أنَّكَ أنْتَ المُخْطِئ. فاللهُ لا يُخْطِئ.

وَعَلاوَة على أنَّ عِلْمَ اللهِ المُطْلَق يَعْني بالنِّسْبَةِ إلى المُؤمِنِ المَسيحِيِّ: "الطُّمَأنينَة"، فإنَّهُ يَعْني أيْضًا: "الثِّقَة". ولم يَخْطُرْ ببالي يومًا أنْ يَكونَ لِعِلْمِ اللهِ المُطْلَقِ أيُّ شَأنِ بالثِّقَة. فعندما كُنْتُ طِفْلًا، كانَ أبي وَأُمِّي يَقولان: "نَحْنُ قَدْ لا نَراكَ، ولكِنَّ اللهَ يَراك. فَهُوَ يَرى كُلَّ شَيءٍ". أَتَذْكُرونَ تلكَ الرَّوْعَة؟ فقد كُنْتُ أُفَكِّرُ في ذلك قائلًا: "إنَّهُ يَعْرِفُ". وَقَدْ كُنْتُ أُفَكِّرُ في عَقيدَةِ عِلْمِ اللهِ المُطْلَقِ كَمُعْضِلَةٍ حَقيقيَّةٍ. وَما أَعْنيهِ هُوَ أنَّ هذا مُخيف. ثُمَّ دَرَسْتُ الأصْحاح 21 مِنْ إنْجيل يُوحَنَّا وَنَضَجْتُ قَليلًا. وَأَذْكُرُ بُطْرُسَ هُناكَ. فقد ظَلَّ بُطْرُسُ يُحاوِلُ إقْناعَ الرَّبِّ بأنَّهُ يُحِبُّهُ. أتَذْكُرونَ ذلك؟ "نَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ". وقدِ اسْتَمَرَّ الرَّبُّ في طَرْحِ السُّؤالِ عَلَيْهِ. وَأخيرًا، قالَ بُطْرُس: "يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ". فما الشَّيءُ الَّذي اسْتَنَدَ إليه، أوِ العَقيدَةُ المُخْتَصَّةُ باللهِ، أوِ الصِّفَةُ المُخْتَصَّةُ باللهِ؟ لَقَدِ اسْتَنَدَ إلى عِلْمِهِ المُطْلَقِ.

إنَّ عِلْمَ اللهِ بِكُلِّ شَيءٍ هُوَ أمْرٌ عَظيمٌ، يا أحِبَّائي. فالأمْرُ لا يَقْتَصِرُ على نَظَرِ اللهِ إلى أَسْفَل وَمَعْرِفَتِهِ بِكُلِّ شَيءٍ عَنْكَ. فهذهِ نَصْفُ الحَقيقَةِ فقط. فَهَلْ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْلا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيءٍ، فإنَّهُ لَنْ يَعْرِفَ أحْيانًا أنَّنا نُحِبُّهُ لأنَّ مَحَبَّتَنا لَهُ ليسَتْ وَاضِحَةً؟ ولولا أنَّهُ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ فإنَّهُ لَنْ يَعْلَمَ بأنَّكَ مُهْتَمٌّ. فَهُناكَ أوقاتٌ كَثيرةٌ في حَياتي لا يُمْكِنُ فيها تَمْييزي عَنْ أيِّ شَخْصٍ غَيْرِ مُؤمِنٍ. وَهَلْ تُوافِقوني الرَّأيَ بِخُصوصِ حَياتِكُمْ أنْتُمْ أيْضًا؟ فَكَيْفَ سَيَعْلَمُ اللهُ أنَّنا نَهْتَمُّ؟ يَنْبَغي أنْ يَعْرِفَ الكَثير. بَلْ يَنْبَغي أنْ يَعْرِفَ كُلَّ شَيءٍ. وينبَغي أنْ يَعْرِفَ قَلْبي. وَهذا يُعْطيني ثِقَةً في أنَّهُ حَتَّى عِنْدما أُخْفِقُ، فإنَّ مَحَبَّتي لَهُ مَضْمونَةٌ لأنَّهُ يَعْرِفُ قَلْبي.

وهُناكَ نُقْطَةٌ ثالثَةٌ أَشَرْتُ إليها سَابِقًا وَهِيَ "التَّقويم". اسْمَعوني جَيِّدًا: إذا كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللهَ لا يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ، ما الَّذي قَدْ تَفْعَلُهُ مَعَ أنَّكَ لا تَفْعَلُهُ الآن؟ فَكِّروا في هذا السُّؤال. فَهُوَ سُؤالٌ مُهِمٌّ. فإذا كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللهَ لا يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ، وَأنَّهُ لَنْ يَكْتَشِفَ الحَقيقَة، ما الَّذي قَدْ تَفْعَلُهُ؟ "يا للهَوْل!" إنَّ الوَرَقَةَ الَّتي مَعي لا تَكْفي لِكتابَةِ كُلِّ الأشياءِ الَّتي قَدْ أَفْعَلُها. لذلكَ، فإنِّي أقولُ إنَّ الفائِدَةَ العَمليَّةَ الثَّالِثَةَ لِعَقيدَةِ عِلْمِ اللهِ بِكُلِّ شَيءٍ هِيَ التَّقْويم. فاللهُ هُوَ المُعَلِّمُ الوَحيدُ الَّذي لا يُغادِرُ الصَّفَّ. وَمَعَ ذلكَ فإنَّهُ يَفْعَلُ ذلكَ بِمَحَبَّة. أليسَ كذلك؟

فَهُوَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. وَالآنْ فَكِّرْ في هذا الأمْر: إذا أَرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ الحالَةَ الحَقيقيَّةَ لِقَلْبِكَ، وَإذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ حَالَتَكَ الخَاطِئَةَ، وَإذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ مَدى اسْتِفْحالِ الخَطِيَّةِ فيكَ، تَخَيَّلْ فَقَطْ مَا يُمْكِنُ أنْ تَفْعَلَهُ إنْ عَلِمْتَ أنَّ اللهَ لَنْ يَعْرِفَ ذلك. وحينئذٍ سَتَعْرِفُ نَفْسَكَ على حَقيقَتِها. ولكِنَّهُ يَعْرِفُ. وكَما قُلْتُ لَكُمْ في المَرَّةِ السَّابقةِ، لأنَّهُ مَوْجودٌ في كُلِّ مَكانٍ، فإنَّ كُلَّ خَطيئَةٍ اقْتَرَفْتَها يَوْمًا هِيَ كَأنَّكَ ذَهَبْتَ إلى عَرْشِ اللهِ وَفَعْلَتها عِنْدَ كُرْسِيِّهِ أمامَ عَيْنَيْهِ. ولكِنَّ العهدِ الجَديدَ يَقولُ لَنا إنَّنا سَنُحاسَبُ على كُلِّ الأشياءِ الَّتي عَمِلْناها في الجَسَد (وَفْقًا لِما جاءَ في الأصْحاحِ الخامِسِ مِنْ رِسالةِ كورِنثوسَ الثَّانية). وَهُوَ يُخْبِرُنا أيْضًا (في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 4: 5) أنَّ اللهَ سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ في ذلكَ اليوم. فاللهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ: كُلَّ طُرُقِنا، وَأفْكارِنا، وَمَواقِفِنا، وَكُلَّ شَيءٍ. وبالنِّسْبَةِ إلى المُؤمِنِ المَسيحِيِّ فإنَّ هذا تَقْويمٌ. فإنْ كانَ يَعْرِفُ ذلكَ، فإنِّي لا أُريدُ القِيامَ بِهِ، ولا أريدُ أنْ أُعانِدَهُ، ولا أُريدُ أنْ أُسِيءَ إليه. وَهذا تَقْويمٌ. لذلكَ فإنَّ لَدَيَّ ثِقَة لأنَّهُ يَعْرِفُ قَلْبي، ولَدَيَّ طُمَأنينَة لأنِّي أَعْلَمُ أنَّهُ يَعْرِفُ أنِّي خَاصَّتهُ، وَأنَّهُ يَعْرِفُ دُموعي، ويَعْرِفُ حَاجاتي، وَأنَّهُ لا يُخْطِئ.

ولكِنْ ماذا عَنْ غيرِ المُؤمِنين؟ وما الَّذي تَعْنيهِ عَقيدَةُ عِلْمِ اللهِ بِكُلِّ شَيءٍ بالنِّسْبَةِ إليكَ؟ فإذا كُنْتَ حاضِرًا هُنا ولا تَعْرِفُ اللهَ، ولا تَعْرِفُ المَسيحَ، ولكِنَّكَ تَنْظُرُ إلينا، وَتَسْتَمِعُ إلينا، ما الَّذي يَعْنيهِ هَذا بالنِّسبةِ إليكَ؟ أوَّلًا، اسْمَحوا لي أنْ أقولَ هذا: سَوْفَ يَكْشفُ لَكَ هذا غَباوَةَ الرِّياءِ. فإذا كُنْتَ تَظُنُّ أنَّهُ بِمَقْدورِكَ أنْ تَفْعَلَ مَا يَحْلو لَكَ وَأنْ تَنْجو بأفْعالِكَ، فأنْتَ مُخْطِئٌ. فاللهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. لذلكَ، لا تَظُنَّ وَلَوْ قَليلًا أنَّ اللهَ قَدْ يَتَغاضَى عَنْ أفعالِكَ. فَهُوَ لَنْ يَفْعَل. فَهُوَ لَنْ يَتغاضَى عَنْها. فَرِياؤُكَ لَيْسَ مَحْجوبًا عَنْهُ. فَعِنْدَما تَحَدَّثَ يَسوعُ في العِظَةِ على الجَبَلِ عَنْ بَني إسْرائيلَ، عَرَّاهُمْ تَمامًا. أليسَ كذلك؟ فَقَدْ نَزَعَ الأقْنعَةَ عَنْ وُجوهِهِمْ وقالَ لَهُمْ: "يا مُراؤُون!" وَصَدِّقوني أنَّهُ في الوَقْتِ الَّذي فَرَغَ فيهِ مِنَ الحَديثِ، كانُوا يَرْكُضونَ بَحْثًا عَنْ مَكانٍ يَخْتَبِئونَ فيه. واسْتَمِعُوا إلى ما جاءَ في سِفْرِ الجَامِعَةِ. إلَيْكُمْ كَلامَ حِكْمَةٍ مِنْ سِفْرِ الجامِعَةِ 12: 14 إذْ نَقْرَأُ: "أَنَّ اللهَ يُحْضِرُ كُلَّ عَمَل إِلَى الدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا". اسْمَعْ: إنَّ اللهَ لا يَتَغاضَى عَنْ خَطاياك. واللهُ لا يَرى قِناعَكَ وَيَقول: "آه". فاللهُ ليسَ كَالبَشَر. "لأَنَّ الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى" ماذا؟ "إلى الْقَلْبِ". وَهُوَ يَراكَ بوضوحٍ تَامٍّ. لذلكَ اسْتَمِعْ إليَّ يا صَديقي: إذا لم تَكُنْ تَعْرِفُ المَسيحَ، يجبُ عليكَ أنْ تُدْرَكَ أنَّكَ لا تَعْرِفُ اللهَ. وَأيًّا كانَتِ الحِيَلُ الَّتي تُحاوِلُ القِيامَ بِها للظُّهورِ بِمَظْهَرِ الشَّخْصِ الطَيِّبِ أمامَ اللهِ فإنَّ اللهَ لا يَنْخَدِعُ بذلك. وَهذِهِ هِيَ غَباوَةُ الرِّياءِ. فمَا دامَ اللهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ، فإنَّهُ يَعْرِفُ أكْثَرَ بِكَثير مِمَّا تَعْتَقِدُ أنَّهُ يَعْرِف.

والنُّقطةُ الثَّانيةُ الَّتي أُريدُ أنْ أقولَها لِغَيْرِ المُؤمِن، أوْ للشَّخْصِ الَّذي لا يَعْرِفُ اللهَ، هِيَ أنَّ هُناكَ وَعْدًا بالدَّينونَةِ العادِلَةِ. فنحنُ نَقرأُ في رِسالَةِ رُومية 2: 2 على لِسانِ بولُس: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ هِيَ حَسَبُ الْحَقِّ". فعندما يَختصُّ الأمْرُ بالدَّينونةِ الأخيرةِ، وبُحيرةِ النَّارِ، وَمِنْ سَيَذْهَبُ إلى جَهَنَّمَ، صَدِّقوني أنَّ تلكَ الدَّينونَةَ ستكونُ دَينونَة عادِلَة. فاللهُ سَيَدينُ بِحَسَبِ الحَقِّ لأنَّهُ يَعْرِفُ الحَقيقَةَ كامِلَةً، ولأنَّهُ لا يُمْكِنُ لأيِّ شَخْصٍ أنْ يَخْدَعَ اللهَ. ونَحْنُ نَقرَأُ في سِفْرِ إرْميا 16: 17: "وَلَمْ يَخْتَفِ إِثْمُهُمْ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيَّ". فلا مَجالَ للاخْتِباء. ونَقرأُ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل 16: 7 أنَّ: "الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ". لذلكَ فإنَّ الدَّينونَةَ ستَكونُ بحسبِ الحَقِّ، ولا مَجالَ لإخْفاءِ أيِّ شَيءٍ عَنِ اللهِ. فَهُوَ يَعْلَمُ إنْ كُنْتَ خاطِئًا. وَهُوَ يَعْلَمُ إنْ كانَتْ خَطاياكَ قَدْ غُفِرَتْ. وَهُوَ يَعْلَمُ إنْ كانَتْ مَسيحِيَّتُكَ تَقْتَصِرُ على الذَّهابِ إلى الكَنيسَةِ فقط. وَهُوَ يَعْلَمُ إنْ كُنْتَ تَتَّكِلُ على أعْمالِكَ الصَّالِحَةِ. وَهُوَ يَعْلَمُ إنْ كَانَ اسْمُكَ مَكْتوبًا في السِّفْر. وَهُوَ يَعْلَمُ إنْ كُنْتَ قَدْ تُبْتَ وَقَبِلْتَ المَسيح. فَهُوَ يَعْلَمُ. بَلْ هُوَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيءٍ. وَأيًّا كانَ دَهَاؤُكَ فإنَّكَ لَنْ تَقْدِرَ أنْ تَخْدَعَ اللهَ. ولا يُمْكِنُني أنا أيضًا أنْ أَفْعَلَ ذلك.

وَهُناكَ أَمْرٌ آخَرُ أُريدُ أنْ أَقولَهُ لِغَيْرِ المُؤمِنينَ وَهُوَ الآتي: إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللهَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ، يَجِبُ أنْ يُساعِدَكَ ذلكَ في مَعْرِفَةِ بُطْلِ الحِكْمَةِ البَشريَّةِ. فاللهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. لذلكَ، إذا أَرَدْتَ أنْ تَكونَ حَكيمًا حَقًّا، يجبُ عليكَ أنْ تُقِرَّ بِمَعْرِفَتِهِ. وَكما قالَ سُلَيْمانُ لابْنِهِ: "اطْلُب المَعْرِفَة" ... "اطْلُبْ المَعْرِفَة". وَهُوَ يُكَرِّرُ ذلكَ مِرارًا، ولا سِيَّما في الأصْحاحِ الثَّامِنِ مِنْ سِفْرِ الأمْثال. فَهُوَ يُكَرِّرُ ذلكَ في الآيات مِنْ 1 إلى 36: "جِدِ المَعْرِفَة" ... "جِدِ المَعْرِفَة". والمَعْرِفَةُ هِيَ مَعْرِفَةُ اللهِ. فالإنْسانُ الجاهِلُ يَطْلُبُ مَعْرِفَةَ العَالَمِ. ونحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ الأولى إلى أهْلِ كورِنثوس 1: 19: "سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ". فَهُوَ يَقولُ إنَّ حِكْمَةَ الحُكَماءِ سَتَصيرُ كَلا شَيء. وَأنا أَقولُ للمُؤمِنِ: "هُناكَ حَماقَةٌ في الرِّياء. واللهُ سَيَحْكُمُ عليكَ بحسبِ الحَقِّ. لذلكَ لا تَتَّكِلْ على الحِكْمَةِ البَشَرِيَّةِ". فاللهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ. وهذا يُطَمْئِنُنا. وَلِكْنْ يَجِبْ أنْ تكونَ هذِ الحَقيقَةُ تَحْذيرًا صَارِمًا للآخرين. فاللهُ لا يَتَغَيَّر. واللهُ مَوْجودٌ في كُلِّ مَكان. واللهُ كُلِّيُّ القُدْرَةِ. واللهُ كُلِّيُّ المَعْرِفَةِ.

وأخيرًا، أُريدُ أنْ أُحَدِّثَكُمْ (خَامِسًا) عَنْ قَداسَةِ اللهِ ... عَنْ قَداسَةِ الله. فاللهُ قُدُّوسٌ. وفي رَأيي فإنَّ هذِهِ الصِّفَةَ أَهَمُّ مِنْ كُلِّ صِفاتِهِ الأُخرى. فَهَذِهِ الصِّفَةُ، في نَظَري، هِيَ الجَوْهَرَةُ المُتَلألِئَةُ على التَّاجِ المَلَكِيِّ الَّذي فوقَ رَأسِهِ. فَهذِهِ هِيَ الصِّفَةُ الجَوهريَّةُ. فاللهُ قُدُّوسٌ. فَعِنْدَما كانَ المَلائِكَةُ يُنْشِدونَ، فإنَّهُمْ لم يَقولوا: "أبَدِيُّ، أبَدِيٌّ، أَبَدِيٌّ". وَهُمْ لَمْ يَقولوا: "أَمينٌ، أَمينٌ، أَمينٌ". وَهُمْ لَمْ يَقولوا: "حَكيمٌ، حَكيمٌ، حَكيمٌ" أوْ "قَديرٌ، قَديرٌ، قَديرٌ". فما الَّذي قالوه؟ "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". فَهَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ دُرَّةُ جَميعِ صِفاتِهِ الأُخرى. فَهُوَ قُدُّوسٌ. وَنَحْنُ نَقرأُ في سِفْرِ الخُروج 15: 11: "مَنْ مِثْلُكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ؟ مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي الْقَدَاسَةِ، مَخُوفًا بِالتَّسَابِيحِ، صَانِعًا عَجَائِبَ؟" ... "مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي الْقَدَاسَةِ؟" لا أَحَد. وَهَلْ تَعْلَمونَ أنَّ هَذا هُوَ اسْمُهُ؟ فنحنُ نَقرأُ في المَزْمور 111: 9: "قُدُّوسٌ وَمَهُوبٌ اسْمُهُ". ... "قُدُّوسٌ اسْمُهُ". ونَقْرَأُ في سِفْرِ أيُّوب 6: 10 أنَّهُ يُدْعى "القُدُّوس". وَقَدْ سَمِعَ إشَعْياءُ المَلائِكَةَ تُنادي: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ". وَنَقْرَأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 4: 8 أنَّ المَخلوقاتِ الحَيَّةَ قالَتْ: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ". وَنَقْرَأُ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل 2: 2 عَنْ قَداسَتِهِ، ثُمَّ نَقْرَأُ: "لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ الرَّبِّ".

فاللهُ قُدُّوسٌ. وأنا لا أَعْرِفُ طَريقَةً أُخرى لِفَهْمِ قَداسَةِ اللهِ إلَّا مِنْ خِلالِ مُبايَنَتِها مَعَ الخَطِيَّة. ويُمْكِنُني أنْ أقولَ إنَّ أكْثَرَ مَقْطَعٍ كِتابِيٍّ، في رَأيي على الأقل، يُشيرُ إلى قَداسَةِ اللهِ هُوَ الأصْحاحُ السَّادِسُ مِنْ سِفْرِ إشَعْياء. ولا حَاجَةَ إلى أنْ تَفْتَحوا عليه. ولكِنِ اسْمَحوا لي أنْ أَقْرَأَ هذا المَقْطَعَ لَكُمْ. فَإشَعْياءُ يَقول: "فِي سَنَةِ وَفَاةِ عُزِّيَّا الْمَلِكِ، رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ". فَقَدْ أَعْطاهُ اللهُ رُؤيا. وَهُوَ يُتابِعُ قائلًا: "السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ". وَلَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ أنَّ وَاحِدًا مِنَ السَّرَافِيمِ طَارَ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ قَدْ أَخَذَهَا بِمِلْقَطٍ مِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَمَسَّ بِهَا فَمَ إشَعْياء. ولَكِنْ قَبْلَ أنْ يَحْدُثَ ذلكَ، مَا النُّقطَةُ الرَّئيسيَّةُ في هذا المَقْطَعِ؟ يَقولُ إشَعْياءُ: "رَأيْتُ السَّيِّدَ فَقُلْتُ: «وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، ... لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ»". فَقَدِ اهْتَزَّ في أعْماقِ كِيانِهِ. وَقَدِ اهْتَزَّ بِعُنْفٍ. وَقَدِ ارْتَعَشَتْ أَوْصَالُهُ بِشدَّة. لِماذا؟ لأنَّهُ رَأى قَداسَةَ اللهِ. وحينَ رَأى قَداسَةَ اللهِ أَدْرَكَ في أعْماقِ أعْماقِهِ عُمْقَ خَطيئَتِهِ. أَتَرَوْنَ ما حَدَث؟

واسْمَحوا لي أنْ أَقولَ لَكُمْ شَيئًا، يا أحِبَّائي: لا يُمْكِنُ للإنْسانِ أنْ يَفْهَمَ قَداسَةَ اللهِ إلَّا إذا بَايَنَها مَعَ خَطيئَتِهِ. فما لَمْ تَفْهَمْ طَبيعَتَكَ الخاطِئَةَ، لَنْ تَعْرِفَ قَداسَةَ اللهِ. فهذانِ الأمْرانِ يَسيرانِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَ حَالَتَكَ الخاطِئَةَ إلَّا إذا عَرَفْتَ قَداسَتَهُ. ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَ قَداسَتَهُ إلَّا إذا أَدْرَكْتَ حَالَتَكَ الخاطِئَةَ. وَقَدْ رَأى إشَعْياءُ اللهَ مُرْتَفِعًا، ثُمَّ رَأى نَفْسَهُ. وَقَدْ سَكَبَ قَلْبَهُ قائِلًا: "وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ". فَهُناكَ بَيْنَكَ وبينَ اللهِ هُوَّةٌ عَميقَةٌ مِنَ القَداسَةِ والنَّجاسَةِ. فَأنْتَ نَجِسٌ. وَهُوَ قُدُّوسٌ. ويجبُ علينا (أنا وَأنْتَ) أنْ نَرْتَعِدَ بِشِدَّة في أعْماقِ كِيانِنا حينَ نُبايِنُ بَيْنَنا وَبَيْنَهُ. فاللهُ قُدُّوسٌ.

والآنْ، اسْتَمِعُوا إلَيَّ: إنَّ اللهَ لا يَحْتَكِمُ إلى مِعْيارٍ مُعَيَّنٍ للقَداسَةِ. بَلْ هُوَ المِعْيارُ. فَهُوَ مُطْلَقُ القَداسَةِ. وَهُوَ لا يَفْعَلُ شَيئًا خاطِئًا. وَهُوَ لا يُخْطِئُ. وَهُوَ لا يَظْلمُ أَحَدًا. وَهُوَ لا يَقْتَرِفُ الأخْطاءَ. وَهُوَ لا يَسْمَحُ بِحُدوثِ أيِّ شَيءٍ في حَياتِكَ لا يَنْبَغي أنْ يَحْدُثَ في حَياتِكَ، أوْ دُوْنَ أنْ تَكونَ لَدَيْهِ نِهايَةٌ صَحيحَةٌ في فِكْرِهِ. فَهُوَ يَفْعَلُ الصَّوابَ دائمًا. ولا تُوْجَدُ دَرَجَةٌ لِقَداسَتِهِ. بل هُوَ قُدُّوسٌ بالمُطْلَق. ولأنَّ اللهَ قُدُّوسٌ، كَمَا تَرَوْنَ، فإنَّ هَذِهِ هِيَ حَالَتُهُ بالنِّسْبَةِ إلى أيِّ شَخْصٍ يُريدُ أنْ يَمْثُلَ في حَضْرَتِهِ. فعندما أَخْطَأتِ المَلائِكَةُ، ما الَّذي فَعَلَهُ بِها؟ ما الَّذي فَعَلَهُ حالًا؟ لقد طَرَدَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ مَكانًا مُنْفَصِلًا عَنْ حَضْرَتِهِ. وَعِنْدما اخْتارَ الإنْسانُ ألَّا يَأتي إلى اللهِ، وَعِنْدما اخْتارَ البَشَرُ أنْ يَرْفُضوا يَسوعَ المَسيحَ، ما الَّذي حَدَثَ لَهُمْ في نِهايَةِ المَطافِ؟ لَقَدْ أُرْسِلُوا إلى المَكانِ نَفْسِهِ المُعَدِّ للشَّيْطانِ وَمَلائِكَتِهِ، بَعيدًا عَنْ حَضْرَةِ اللهِ. لماذا؟ لأنَّهُ إنْ أَرَدْتَ أنْ تَكونَ في حَضْرَةِ اللهِ، وَفي كَوْنِهِ، يَجِبُ عليكَ أنْ تَكونَ ماذا؟ قِدِّيسًا.

وقد تَقول: "ولَكِنْ، يا جُوْن، كيفَ يُمْكِنُني أنْ أكونَ قِدِّيسًا؟" يُمْكِنُكَ ذلكَ مِنْ خِلالِ الإيمانِ بالربِّ يَسوعَ المَسيح. وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّهُ مِنْ خِلالِ المَسيحِ فإنَّ اللهَ يُسْبِغُ عَلَيْنا قَداسَةَ المَسيحِ وَيَرانا قِدِّيسين – مِنْ ناحِيَةِ المَقام. فاللهُ جَعَلَنا قِدِّيسينَ في المَسيح. وقد قالَ الرَّسولُ بولُسُ لأهْلِ كورِنثوس: "بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ". فَضْلًا عَنْ ذلكَ، فَكِّروا في هذا الأمْر: إنَّ الطَّريقَةَ الوَحيدَةَ لِفَهْمِ قَداسَةِ اللهِ هِيَ مِنْ خِلالِ المُفارَقَةِ. فيجبُ علينا أنْ نَرى بُغْضَهُ للخَطِيَّةِ. فلا يُمْكِنُنا أنْ نَفْهَمَ قَداسَتَهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ كَراهِيَّتِهِ للخَطِيَّةِ لأنَّهُ يَنْبَغي لَنا أنْ نَنْظُرَ إلى الأمْرِ مِنْ زاوِيَةِ الخَطِيَّةِ لأنَّ هذا هُوَ ما نَفْهَمُهُ تَمامًا. فاللهُ يُبْغِضُ الخَطِيَّة – إنَّهُ يَكْرَهُها. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ حَبَقُّوق 1: 13: "عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ". فاللهُ لا يُطيقُ الخَطِيَّة. وَهُوَ لا يُطيقُ الشَّرَّ. وَهُوَ مُنْفَصِلٌ تَمامًا عَنِ الخَطِيَّةِ. وَلا يُمْكِنُ للخَطِيَّةِ أنْ تُوْجَدَ في حَضْرَتِهِ. ولا يُمْكِنُها أنْ تَسْكُنَ مَعَه.

ولَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ أنَّهُ عِنْدَما تَفاقَمَتْ خَطايا سَنْحاريب، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ قال: "مَنْ عَيَّرْتَ وَجَدَّفْتَ، وَعَلَى مَنْ عَلَّيْتَ صَوْتًا، وَقَدْ رَفَعْتَ إِلَى الْعَلاَءِ عَيْنَيْكَ؟ عَلَى قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ!" وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ خَطيئَةَ سَنْحاريب كانَتْ جَلِيَّةً بسببِ قَداسَةِ اللهِ.

وعندَما غَرِقَ المِصْرِيُّونَ الأشْرار (في الأصْحاح 15 مِنْ سِفْرِ الخُروج)، هَلْ تَعْلَمونَ ما سَبَبُ غَرَقِهِمْ؟ هُناكَ مَنْ يَقولونَ إنَّها قُوَّةُ اللهِ. لا، ليسَ تَمامًا. اسْتَمِعوا إلى ما جاءَ في خُروج 15: "فَغَطَّاهُمُ الْبَحْرُ. غَاصُوا كَالرَّصَاصِ فِي مِيَاهٍ غَامِرَةٍ". ثُمَّ نَقْرَأُ: "مَنْ مِثْلُكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ؟ مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي الْقَدَاسَةِ". فَهَلْ تَعْلَمونَ سَبَبَ غَرَقِهِمْ؟ ليسَ بِسَبَبِ قُدْرَةِ اللهِ، بل بِسَبَبِ قَداسَةِ اللهِ. فَهُوَ لَمْ يَحْتَمِلْ شَرَّهُمْ. وَأفْضَلُ طَريقَةِ لِرُؤيَةِ قَداسَةِ اللهِ هِيَ مِنْ خِلالِ كَراهِيَّتِهِ للخَطِيَّةِ. ونَقْرَأُ في الأصْحاحِ الخامِسِ مِنْ سِفْرِ عَامُوس هذهِ الكلماتِ القَوِيَّةِ: "بَغَضْتُ، كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ. إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لاَ أَرْتَضِي، وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لاَ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. أَبْعِدْ عَنِّي ضَجَّةَ أَغَانِيكَ، وَنَغْمَةَ رَبَابِكَ لاَ أَسْمَعُ". فاللهُ يُحِبُّ كُلَّ هذهِ الأشياء لأنَّهُ هُوَ الَّذي أَسَّسَها. ولكِنْ عِنْدما لا تَخْرُجُ هذهِ الأعْمالُ الصَّالِحَةُ مِنْ قُلوبٍ طَاهِرَةٍ، فإنَّ اللهَ يُبْغِضُها. فاللهُ لا يُريدُ أُناسًا يَفْعَلونَ أُمورًا صَالِحَةً بِدَوافِعَ خاطِئَة. فاللهُ يَقولُ: "أنا أُبْغضُ هذا كُلَّهُ. تَوَقَّفوا عَنِ القِيامِ بِهِ". فالخَطِيَّةُ شَيْءٌ بَغيضٌ بالنِّسْبَةِ إليه. فاللهُ يُحِبُّ القَداسَة. ونحنُ نَقرأُ في المَزْمور 11: 7: "لأَنَّ الرَّبَّ عَادِلٌ وَيُحِبُّ الْعَدْلَ". ويا لَها مِنْ كَلِماتٍ رائِعَةٍ. فاللهُ يُحِبُّ القَداسَةَ.

والآن، لَقَدْ رَأيْنا قَداسَةَ اللهِ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرٍ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ كَراهِيَّتُهُ للخَطِيَّةِ. ولَكِنَّ الشَّيءَ المُدْهِشَ هُنا، وَهُوَ شَيءٌ يَنْبَغي أنْ تُدْرِكوه، هُوَ مَحَبَّةُ اللهِ. فَمَعَ أنَّهُ قُدُّوسٌ وَيُبْغِضُ الخَطِيَّة تَمامًا، وَمَعَ أنَّهُ (كَما ذَكَرْتُ لَكُمْ سابِقًا): كُلِّيُّ العِلْمِ وَيَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ، أليسَ مِنَ المُدْهِشِ أنَّهُ فَداك؟ فَمِنَ المُدْهِشِ أنَّهُ يَعْرِفُني، وَأنَّهُ يُبْغِضُ الخَطِيَّة. وَمَعَ ذلكَ فَقَدْ أَحَبَّني. وَكَما تَرَوْنَ، هُنا تَأتي المَحَبَّة. فَقَداسَةُ اللهِ، وَعِلْمُ اللهِ المُطْلَق، وَمَحَبَّةُ اللهِ تَعْمَلُ جَميعُها في الوقتِ نَفْسِهِ. ويا لَها مِنْ حَقيقَةٍ مُذْهِلَةٍ! فَاللهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ عَنِّي. وَهُوَ يَكْرَهُ كُلَّ ذَرَّةِ خَطِيَّةٍ فِيَّ. وَبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ فَقَدْ أَحَبَّني! وقد حاوَلْتُ أنْ أُفَكِّرَ في مَثَلٍ تَوضيحِيٍّ على ذلكَ فَارْتَأيتُ أنَّ هذا يُشْبِهُ السَّرَطان. فَأنْتَ تُحِبُّ جَسَدَكَ، ولكِنَّكَ تَكْرَهُ السَّرَطان. وأنْتَ مُسْتَعِدٌّ للقيامِ بأيِّ شَيءٍ للحِفاظِ على جَسَدِكَ وَإبْقائِهِ سَليمًا وَقَوِيًّا، وَتَلْبِيَةِ كُلِّ حَاجاتِهِ. وَأنْتَ مُستعدٌّ في الوَقْتِ نَفْسِهِ للقيامِ بِكُلِّ ما تَقْدِرُ عليهِ لِلقضاءِ على السَّرَطان. فأنْتَ تَكْرَهُ ذلكَ الجُزْءَ، ولكِنَّكَ لا تَكْرَهُ كُلَّ جَسَدِكَ. وبطريقةٍ ما، فإنَّ اللهَ يَنْظُرُ إلى الإنْسانِ فَيُحِبُّهُ، ولَكِنَّهُ يُبْغِضُ الخَطِيَّة.

وَأيْنَ نَرى قَداسَةَ اللهِ مَعْلَنَةً؟ حَسَنًا! نحنُ نَراها بِطُرُقٍ عَديدَة. فاللهُ لا يَشاءُ أنْ نُخْطِئ. لا، لا، أبدًا. ولَكِنَّهُ قَدْ يَسْمَحَ لَكَ أنْ تُخْطِئَ إنِ اخْتَرْتَ ذلك. ولكِنَّهُ لا يَشاءُ أنْ نُخْطِئ. واللهُ لا يُجَرِّبُ أَحَدًا لِيُخْطِئ. فاللهُ لا يُريدُ مِنْكَ أنْ تُخْطِئ. فَهُناكَ أُناسٌ يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ يُريدُ مِنْهُمْ أنْ يُخْطِئوا. وَهُناكَ أُناسٌ قالوا ذلكَ لي: "أَتَدْري أنَّ ما يَنْبَغي للمَرْءِ أنْ يَفْعَلَهُ هُوَ أنْ يَعيشَ حَياةً خاطِئَةً تَمامًا وَأنْ يُخْبِرَ الجَميعَ عَنْ ذلك. ثُمَّ عِنْدَما تَقولُ لَهُمْ عَنِ اهْتِدائِكَ فإنَّ كَثيرينَ سَيُصَدِّقونَ ذلكَ وَيقولون: ’يا لَهُ مِنْ تَغْيير! أليسَ هذا رَائِعًا؟‘ لذلكَ، لا بُدَّ أنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا أنْ نَصِلَ إلى الحَضيضِ لكي يَكونَ لَدينا مَا نَقولُهُ للآخَرين!" ويا لَها مِنْ حُجَّةٍ مُقْنِعَةٍ! ولكِنْ لا. فاللهُ لا يَفْرَحُ بِخَطيئَةِ أيِّ إنْسانٍ، البَتَّة! واللهُ لا يُجَرِّبُ الإنْسانَ لِكَيْ يُخْطِئ. فنحنُ نَقرأُ في رِسالَةِ يَعْقوب 1: 13 و 14 إنَّ اللهَ: "لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا".

ولكِنَّ قَداسَةَ اللهِ تُرى بِطُرُقٍ إيجابيَّةٍ جِدًّا. فمَثَلًا، فإنَّ قَداسَتَهُ تُرى، أوَّلًا، في الخَليقَةِ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الجَامِعَةِ 7: 29 (وَسَوْفَ نَخْتِمُ الحَديثَ بهذهِ الأفكارِ)، نَقْرَأُ في سِفْرِ الجامِعَةِ 7: 29 أَنَّ "اللهَ صَنَعَ الإِنْسَانَ مُسْتَقِيمًا، أَمَّا هُمْ فَطَلَبُوا اخْتِرَاعَاتٍ كَثِيرَةً". فاللهُ خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَقيمًا. فعندما خَلَقَ اللهُ الإنْسانَ، كانَ الإنْسانُ قِدِّيسًا. فَقَداسَةُ اللهِ تُرى في الخَليقَةِ.

ثانِيًا، إنَّ قَداسَةَ اللهِ تُرَى في الشَّريعَةِ الأخلاقِيَّةِ. فالشَّريعَةُ الأخلاقيَّةُ ما تَزالُ قائِمَةً، مَعَ أنَّ الإنْسانَ يُحاوِلُ أنْ يُفْسِدَها وَأنْ يَقْضي عَلَيها. ولَكِنَّ الشَّريعَةَ الأخلاقيَّةَ الَّتي ما تَزالُ قائِمَةً في العالَمِ تُبَيِّنُ أنَّ اللهَ قُدُّوسٌ. فبولُسُ يَقولُ في رِسالَتِهِ إلى أهْلِ رُومية 7: 12: إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ". فَشَريعَةُ اللهِ الأخلاقيَّة تُبَيِّنُ أنَّ اللهَ إلَهٌ قُدُّوسٌ. فعندما وَضَعَ اللهُ شَريعَةً أخلاقيَّةً صَالِحَةً، فَقَدْ بَرْهَنَ على أنَّهُ إلَهٌ بارٌّ وَقُدُّوسٌ أخلاقِيًّا.

وَأعْتَقِدُ أيضًا أنَّ قَداسَةَ اللهِ لا تُرى فَقَطْ في خَليقَتِهِ، ولا تُرى فقط في شَريعَتِهِ الأخلاقيَّةِ، بل أنا أَرى قَداسَةَ اللهِ في شَريعةِ الذَّبائِحِ. فعندما أَرى اللهَ يَسْمَحُ بِتَقْديمِ كُلِّ تلكَ الحَيَواناتِ ذَبيحَةً، فإنَّني أَرى أنَّ اللهَ يَقولُ إنَّ الموتَ هُوَ النَّتيجَةُ الحَتْمِيَّةُ للخَطِيَّة. وَأنا أُريدُكُمْ أنْ تَرَوْا ذلكَ، وَأُريدُ أنْ تَروا أنَّ ذلكَ الأمْرَ جَيِّدٌ. ففي كُلِّ مَرَّةٍ قَدَّمَ فيها هؤلاءِ النَّاسُ ذَبيحَةً، فإنَّهُمْ رَأَوْا التَّأثيرَ المُميتَ للخطيَّةِ. وهذا يُبَرْهِنُ على الطَّبيعَةِ الأخلاقِيَّةِ للهِ وَعلى قَداسَتِهِ. فَقَداسَةُ اللهِ تُرى في الخَليقَةِ، وَفي الشَّريعَةِ الأخلاقِيَّةِ، وفي شَريعَةِ الذَّبائِحِ. كذلكَ فإنَّ قَداسَةَ اللهِ تُرى مِنْ خِلالِ إدانَةِ الخَطِيَّةِ ... مِنْ خِلالِ إدانَةِ الخَطِيَّةِ. فعندما تَدْرُسُ الكِتابَ المقدَّسَ، تَرى (على سَبيلِ المِثالِ في الأصْحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسَالةِ تَسالونيكي الثَّانية) أنَّ يَسوعَ سَيَأتي فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ الإِنْجِيل. وحينَ تَرى في العَدَدِ الرَّابِعِ مِنْ رِسالَةِ يَهوذا أولئكَ الأشرارَ الذينَ دِيْنُوا وَعُوْقِبوا بسببِ أعْمالِهِمِ الشِّرِّيرَةِ الَّتي قامُوا بها ضِدَّ اللهِ، فإنَّكَ تَرى كيفَ أنَّ اللهَ يُبْغِضُ الخَطِيَّةَ. وَإدانَتُهُ للخَطِيَّةِ تَعْكِسُ قَداسَتَهُ. فَلا بُدَّ أنْ يَدينَ الخَطِيَّة.

ورُبَّما كانَ الأَهَمُّ منْ هذا كُلِّهِ هُوَ أنَّ قَداسَةَ اللهِ تُرى في الصَّليب. أَجَل. فَقَداسَةُ اللهِ تُرى في الصَّليب. وقد تَقولُ: "ولَكِنْ هُناكَ وُضِعَتْ كُلُّ الخَطايا عليه". أَجل. وهذا هُوَ أَعْظَمُ دَليلٍ على قَداسَتِهِ. اسْتَمِعوا إِلَيَّ: إنَّ اللهَ قُدُّوسٌ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ الغالي جِدًّا الَّذي كانَ لازِمًا للوَفاءِ بِمَعاييرِ قَداسَتِهِ. وفي الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 9: 26 (وَقَدْ تَخَطَّيْنا ذلكَ)، ولكِنَّها كَلِماتٌ جَديرَةٌ بالمُلاحَظَةِ. اسْتَمِعوا إلى ما تَقول: "فَإِذْ ذَاكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَارًا كَثِيرَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ". بعبارةٍ أُخرى، إذا كانَ ذلكَ نِظامَ ذَبائِحٍ، كانَ يَنْبَغي للمسيحِ أنْ يَموتَ مِرارًا كَثيرَةً. ولكِنِ اسْمَعوا: "وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُورِ". اسْمَعوا: إنَّ اللهَ نَفْسَهُ أُظْهِرَ. اللهُ نَفْسُهُ قَدْ أُظْهِرَ "لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ" مَنْ؟ "نَفْسِهِ". فَقَداسَةُ اللهِ كانَتْ مُطْلَقَةً حَتَّى إنَّهُ دَفَعَ ثَمَنِ المَوْتِ بِنَفْسِهِ، حَامِلًا الخَطِيَّةَ، لأنَّ الثَّمَنَ كانَ يَنْبَغي أنْ يُدْفَعَ حَتَّى لو كَلَّفَهُ ذلكَ حَياتَهُ شَخْصِيًّا. وهذهِ هِيَ القَداسَة. فَقداسَتُهُ تُرى مِنْ خِلالِ مَوْتِ المسيح. وَقَداسَةُ اللهِ تَطَلَّبَتْ دَفْعَ الثَّمَن، حَتَّى لوِ كانَ هَذا يَعْني أنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ بِنَفْسِهِ. فَهُوَ قُدُّوسٌ – قُدُّوس.

إذًا، مَا هِيَ الفَوائِدُ العَمليَّةُ للقَداسَةِ؟ بالنِّسبةِ إلى غيرِ المُؤمِنِ، فَقَطْ ما يلي: قَداسَةُ اللهِ تَسْتَدْعي أنْ تَكونَ حَياتُكَ مُقَدَّسَةً. وهذا غَيْرُ مُمْكِنٍ إلَّا مِنْ خِلالِ يَسوعَ المسيح. ونَقْرَأُ في الأصْحاحِ الرَّابِعِ مِنْ رِسالةِ أَفَسُس عَنْ ضَرورةِ أنْ نَلْبَسَ "الإنْسانَ الجَديدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ". فاللهُ يُريدُ مِنْكَ أنْ تَكونَ قِدِّيسًا. والطَّريقَةُ الوَحيدةُ الَّتي يُمْكِنُكَ مِنْ خِلالِها أنْ تَكونَ قِدِّيسًا هِيَ أنْ تَكونَ في المَسيح وَأنْ تَكْتَسي بِبِرِّهِ المُعْطَى إليكَ. مِنْ جِهَةٍ أُخرى، إنْ لم تَكُنْ مُؤمِنًا مَسيحيًّا، وكُنْتَ تَرْفُضُ قَداسَةَ اللهِ المُقَدَّمَة لَكَ في يَسوعَ المسيح، هُناكَ صِفَةٌ أُخرى مِنْ صِفاتِ اللهِ سَتَعْمَلُ وَهِيَ: العَدْل. فإنْ رَفَضْتَ اللهَ، سَتَلْقى الجَزاءَ الَّذي تَسْتَحِقُّهُ. وهذهِ هِيَ العَدالَةُ. واللهُ عَادِلٌ. وبالنِّسبةِ إلى الشَّخصِ غيرِ التَّائِبِ، فإنَّ قَداسَةَ اللهِ تَتَطَلَّبُ العَدْلَ.

ومَاذا عَنِ المُؤمِنِ المَسيحِيِّ؟ مَا الَّذي تَعْنيهِ القَداسَةُ للمُؤمِنِ المَسيحِيِّ؟ ما هِيَ الفوائدُ العَمليَّةُ لقَداسَةِ اللهِ في حَياتي؟ نَجِدُ الإجابَةَ الواضِحَةَ عَنْ هذا السُّؤالِ في رِسالةِ بُطْرُسَ الأولى. لذلكَ، أرْجو أنْ تُصْغوا إلى ما جاءَ في الأصْحاحِ الأوَّلِ والعَدد 15: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ»". فَما دامَ اللهُ قُدُّوسًا، مَا الَّذي يُريدُهُ مِنَّا؟ القَداسَة. والآنْ، اسْتَمِعوا إلى ما سَأقول: لَقَدْ جَعَلَنا اللهُ قِدِّيسينَ مِنْ جِهَةِ المَقام. فَمِنْ جِهَةِ المَقامِ، نَحْنُ قِدِّيسينَ في المَسيح. ولكِنَّهُ يُريدُ أنْ تكونَ حَياتُنا العَمليَّةُ مُطابِقَةً لِمَقامِنا. فَهُوَ يُريدُنا أنْ نَعيشَ بِقَداسَة. فَهُوَ لا يُريدُنا أنْ نَكونَ قِدِّيسينَ مِنْ جِهَةِ المَقامِ فقط، بل أنْ نَعيشَ حَياةً مُقَدَّسَةً لأنَّهُ عِنْدَما نَكونُ قِدِّيسينَ فإنَّ هذا يُمَيِّزَنا عَنِ العالَمِ. وهذا يَجْعَلُ العالَمَ يُدْرِكُ الفَرْقَ. لذلكَ فإنَّنا نَقْرَأُ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوُس 2: 19: "وَلْيَتَجَنَّبِ الإِثْمَ كُلُّ مَنْ يُسَمِّي اسْمَ الْمَسِيحِ". فإنْ كُنْتَ تُسَمِّي نَفْسَكَ مَسيحيًّا، يَنْبَغي أنْ تَحْيا حَياةً تَليقُ بهذا الاسْم. واجْعَلِ العالَمَ يَعْرِفُ أنَّ هُناكَ فَرْقًا.

وسوفَ أُخْبِرُكُمْ شَيئًا آخَر. فالقَداسَةُ في حَياتِكَ تُعْطيكَ جَراءَةً أمامَ اللهِ. فإذا كُنْتَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا وَتَعيشُ حَياةً مُقَدَّسَةً، وَتَتوبُ عَنِ الخَطِيَّةِ، وَتَفْعَلُ الأشياءَ البارَّةَ وَالأشياءَ المُقَدَّسَةَ، وَتَعيشُ حَياةً مُسْتَقيمَةً، فَإنَّ ذلكَ سَيَمْنَحُكَ جَراءَةً قُدَّامَ اللهِ. اسْتَمِعْ إلى هذا التَّصْويرِ الجَميلِ مِنَ الأصْحاحِ الثَّاني والعِشْرين مِنْ سِفْرِ أيُّوب. وسوفَ أكْتَفي بِقراءَةِ الآيَةِ على مَسامِعِكُمْ: "إِنْ رَجَعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ تُبْنَى. إِنْ أَبْعَدْتَ ظُلْمًا مِنْ خَيْمَتِكَ". اسْمَعْني جَيِّدًا: هَلْ تُريدُ أنْ تَرْجِعَ إلى اللهِ وَأنْ تُصَحِّحَ الأمْرَ مَعَهُ؟ إنَّ أوَّلَ شَيءٍ يَنْبَغي أنْ تَفْعَلَهُ قَبْلَ أنْ تَرْجِعَ إليهِ هُوَ أنْ تَطْرَحَ كُلَّ خَطِيَّة. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 26: "لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالْقَدِيرِ وَتَرْفَعُ إِلَى اللهِ وَجْهَكَ". فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَقِفَ في حَضْرَةِ اللهِ، وَلا أنْ تَرْفَعَ إلى اللهِ وَجْهَكَ، وَلا أنْ تَتَلَذَّذَ بِهِ إنْ كانَتْ هُناكَ خَطِيَّةٌ في حَياتِكَ. فَهَلِ اخْتَبَرْتَ ذلكَ يَوْمًا؟ وَهَلْ وَجَدْتَ في حَياتِكَ ما وَجَدْتُهُ أنا؟ فَعِنْدَما تَكونُ هُناكَ خَطِيَّةٌ في حَياتي، أَجِدُ صُعوبَةً في الصَّلاةِ. فَأيُّوبُ يَقولُ في الأصْحاح 22 إنَّكَ إنْ تُبْتَ عَنْ خَطاياكَ فإنَّكَ سَتَرْفَعُ وَجْهَكَ إلى اللهِ لأنَّكَ لَنْ تَشْعُرَ بالذَّنْبِ.

اسْتَمِعُوا إلَيَّ: إنَّ القَداسَةَ تُمَيِّزُنا عَنْ أهْلِ العالَمِ. والقَداسَةُ تُعْطينا جَراءَةً. والقَداسَةُ تُعْطينا سَلامًا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 57: 21: "لَيْسَ سَلاَمٌ لِلأَشْرَارِ". فاللهُ يُريدُنا أنْ نَكونَ قِدِّيسينَ حَتَّى لو تَطَلَّبَ ذلكَ أنْ يُؤدِّبَنا. فَبِحَسَبِ ما جاءَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 12: 10، فإنَّ اللهَ يُؤدِّبُنا لكي يَجْعَلَنا قِدِّيسين. إذًا، ما الَّذي يَنْبَغي للمُؤمِنِ المَسيحيِّ أنْ يَفْعَلَهُ؟ رُبَّما ما فَعَلَهُ داودُ في المَزْمور 51. لذلكَ احْرِصْ على أنْ تَطْلُبَ مِنَ اللهِ أنْ يُعْطيكَ قَلْبًا نَقِيًّا. ثُمَّ افْعَلْ ما جاءَ في أمْثال 13: 20، أيْ أنْ تُسايِرَ الحُكَماءَ. "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ".

دَعونا نُصَلِّي: نَشْكُرُكَ، يا أبانا، في هذا الصَّباحِ لأنَّكَ أَعْلَنْتَ ذاتَكَ لَنا. نَحْنُ نَسْتَوْدِعُ هذهِ الكلماتِ والأفْكارَ بينَ يَدَيْكَ لِكَيْ تَجْعَلَها تُعْطي ثَمَرًا في حَياتِنا. ثَبِّتَ هذهِ الحَقائِق في قُلوبِنا، أيُّها الآبُ. واصْرِفْنا مِنْ هذا المَكانِ بِبَرَكَتِكَ، وَاجْعَلْنا نَعودُ في هذا المَساءِ بِمِلْءِ الرَّجاءِ في أنَّنا سَنَتَعَلَّمُ المَزيدَ عَنِ العَدُوِّ، وفي أنَّنا سَنَكونُ مُنْتَصِرينَ بِقُوَّتِكَ. نُسَبِّحُكَ باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize