Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لدينا أسبوعان قبل نهاية الصَّيف، وابتداء جدول فصل الخريف، وعودة الجميع مِن إجازاتهم. وقد كنت متردِّدًا بخصوص البدء بسلسة دراسة رسالتي يوحنَّا الثانية والثالثة مساء أيَّام الأحد. لذلك، قرَّرت البدء بسلسلة قصيرة صباح أيَّام الأحد عن موضوع "الله: هل موجود؟ مَنْ هو؟ وما هي صِفاتُه؟" وفي المساء سندرس عن "الشَّيطان: هل هو موجود؟ من هو؟ وما هي صِفاتُه؟" لذلك، سوف نقوم هذه اللَّيلة وعلى مدار الأسبوعين القادمين بدراسة شخصيَّة الشَّيطان. وأعتقد أنَّه مِن المهم جدًّا أن يكون لدينا فهم جيِّد للشيطان. وما زلت أذكُر أنَّه عندما كنت في الجامعة، كانت هناك الكثير مِن الأشياء المجنونة الَّتي نقوم بها استعدادًا لألعاب كرة القدم. ولكنَّ الشيء الوحيد الَّذي كنَّا نقوم به دائمًا هو أن نستدعي لاعبي الاحتياط. وعادةً، فإنَّ أناسًا كثيرين يقضون حياتهم الكُرويَّة بأسرها هكذا إنِ استمرُّوا في اللعب بصفتهم لاعبي احتياط. وعلى أيِّ حالٍ، فقد كنا نستدعي لاعبي الاحتياط ونطلب منهم أن يُقَلِّدوا في شكلهم وحركاتهم وطريقة لعبهم الفريق الَّذي سنلعب معه يوم السَّبت. وكُنَّا نتدرَّب مع لاعبي فريقنا ونفعل كل ما قد يفعله خصمُنا لكي نَعرف خصمَنا معرفةً أفضل.

فالقدرة على التنبُّؤ بما قد يفعله الخصم مهمٌّ جدًّا. وفي مباريات كرة القدم الاحترافيَّة، وحتَّى في مباريات الجامعات الآن، صارت الفرق الرياضيَّة تلتجئ إلى علم الحاسوب للتكهُّنِ بما سيفعله الخصم في أغلب الأحيان مِن خلال الحاسوب. فهُمْ يَعرفون عدد المرات الَّتي يقوم فيها فريقٌ ما بتطبيق حركة ما في نُقطة مُعيَّنة مِنَ المباراة مِنْ على بُعد مسافةٍ مُعيَّنة. والحاسوب يُخبرهم ما ينبغي لهم أن يفعلوه. لذلك، فهم يَدرسون المباراة قبل المشاركة فيها. والشيء الوحيد الَّذي قد يتغيَّر هو الخطأ البشريُّ. وهذهِ حِكمة في المباريات الرياضيَّة. فالمُلاكم الَّذي سيلعب مباراةً يَعرف نقطة ضعف خصمه ويُهاجمه في تلك النقطة. وهذا يَصحُّ على كل شيء نفعله في مجال منافسة خصمٍ ما.

والأمر نفسه يَصُحُّ في النطاق الروحيِّ. فإن أردنا أن نفهم كيف نُحرز النَّصرَ، يجب علينا أن نَعرف كل شيء عن عدوِّنا. فكلما زاد فهمنا لخصمنا، زاد فهمنا لجوانب ضعفه. وهذا هو ما نريد أن نفعله مِن خلال الدراسة عن الشيطان. والشيء المؤكد هو أننا لا نريد أن نُعَظِّمَه، بل نريد أن نُزيل القناع عنه لكي نراه على حقيقته الفاسدة والمهزومة. والآنْ، نحن نعرف قصَّة الخليقة في تكوين 1 و 2: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ". ثم ابتدأت الخليقة. نحن جميعنا نَعرف هذه القصَّة.

إذًا، فقد كانت هناك كائناتٌ حيَّةٌ في الكون. وقد تقول: "وَمَنْ تَكونُ هذهِ؟" افتحوا كُتُبَكم المقدَّسة على أيُّوب 38، ولنرَ مَنْ كان هناك عندما خَلَقَ اللهُ العالم – أيُّوب 38: 4. فنحن نجد هنا أنَّ الله يَقول أمورًا مدهشةً لأيُّوب. فهو يقول له في العدد 4 مِنَ الأصحاح 38: "أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟ أَخْبِرْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ فَهْمٌ". والمعنى المقصود، بكل تأكيد، هو أنَّ أيُّوب لم يكون موجودًا بعد. ولم يكن أيُّوب يملك أيَّ إجاباتٍ لأنه لم يكن هناك ولم يَرَ أيَّ شيء. "أَيْنَ كُنْتَ، يا أيُّوب، حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟" أنتَ لم تكن موجودًا. "مَنْ وَضَعَ قِيَاسَهَا؟ لأَنَّكَ تَعْلَمُ! أَوْ مَنْ مَدَّ عَلَيْهَا مِطْمَارًا؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قَرَّتْ قَوَاعِدُهَا؟ أَوْ مَنْ وَضَعَ حَجَرَ زَاوِيَتِهَا؟" أخبرني يا أيُّوب؛ أخبرني عن عمليَّة الخلق. هل كُنْتَ هناك؟ لا! مِنَ الواضح أنَّه لم يكن هناك. ولكنَّنا نقرأ في العدد 7: أيْنَ كُنْتَ "عِنْدَمَا تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي اللهِ؟" لاحِظُوا هُنا أنَّ الله يقول إنَّ كواكبَ الصُّبْحِ تَرَنَّمَتْ معًا، وإنَّ جميع بني الله هَتَفوا عند الخليقة. هل تَرونَ ذلك؟

"أيْنَ كُنْتَ حينَ خَلقتُ الكونَ؟ وأينَ كُنْتَ عِنْدَمَا تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي اللهِ؟" ولا يمكن أن تكون كواكب الصُّبح نجومًا حقيقيَّة. لذلك، ما هي؟ إنها تعبيرٌ آخر لوصف بَني الله. ومَنْ يكون هؤلاء؟ إنهم الملائكة. فالملائكة كانوا مخلوقين حين خَلَقَ اللهُ العالم. فهذا هو ما يُشيرُ إليه النَّصُّ. والملائكةُ تُدعى "بَنو إلوهيم" في سِفْر أيُّوب 1: 6 (أيْ: "بَنو الله"). وكذلك الحال في أيُّوب 2: 1، وهُنا في أيُّوب 38: 7. وكما رأينا في هذا الصباح، فإنَّ العبارة "بَنو الله" تُستخدم فقط لوصف الكائنات الَّتي خُلقت بعملٍ مباشرٍ مِن الله. ونحن لا نعلم متى خُلقت الملائكة، ولكنِّي أعتقد أنَّنا نكون في مأمنٍ إنْ قُلنا إنهم كانوا مخلوقين عندما خَلَقَ اللهُ العالم. ولكنَّنا لا نَعلم كم كان قد مضى على وجودهم لأنَّ الكتاب المقدَّسَ لم يُعلن ذلك. ولكِنَّ النُّقطة المهمة هي أنهم كانوا موجودين آنذاك.

ونقرأ في الأصحاح الأول من رسالة كولوسي: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ". والآنْ لاحِظوا أنَّ العروشَ والسِّياداتِ والرِّياساتِ والسَّلاطينَ هي جميعُها ألقابٌ للملائكة. فهي جميعها ألقابٌ للكائناتِ الملائكيَّة. ونقرأ في رسالة كولوسي 1: 16 أنَّ الله خلقَ ملائكةً. ويرد الفعل بصيغة الماضي البسيط للدَّلالة على أنَّه في نُقطة مُعيَّنة من التاريخ القديم، خَلَقَ اللهُ الملائكةَ. ومِنَ الواضح بالنسبة إليَّ، مِن خلال كلمة الله، أنَّ جميع الملائكة قد خُلقوا في الوقت نفسه. وجميعهم خُلقوا بفعلٍ مُباشرٍ مِن الله. والحقيقة هي أنَّ كلمته هي الَّتي فعلت ذلك. فكلمته هي الَّتي خَلقت كُلَّ شيء. والملائكة لم تكن استثناءً.

ونحن نقرأ في المزمور 148: 2: "سَبِّحُوهُ يَا جَمِيعَ مَلاَئِكَتِهِ. سَبِّحُوهُ يَا كُلَّ جُنُودِهِ. سَبِّحِيهِ يَا أَيَّتُهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. سَبِّحِيهِ يَا جَمِيعَ كَوَاكِبِ النُّورِ. سَبِّحِيهِ يَا سَمَاءَ السَّمَاوَاتِ، وَيَا أَيَّتُهَا الْمِيَاهُ الَّتِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ. لِتُسَبِّحِ اسْمَ الرَّبِّ لأَنَّهُ أَمَرَ فَخُلِقَتْ". فكل شيء، بما في ذلك الملائكة، ينبغي أن يُسَبِّحَ الله لأنها خُلِقَت بأمرٍ منه. وكما أنَّ اللهَ خَلَقَ كُلّ شيء حالًا في سِفْر التَّكوين، فقد خلق جميع الملائكة حالًا أيضًا. وقد تقول: "كيف تَعلم أنَّه لم يَخلق ملاكَيْن فقط ثُمَّ ابتدأا بالتَّناسُل؟" لأنَّ الملائكة لا تقدر أن تفعل ذلك. فالملائكة لا تتناسل. وقد تقول: "مِن أين جئت بهذه المعلومات؟"

والجواب هو: مِن إنجيل مَتَّى 22: 28. ونحن لن نَتعمَّقَ في دراسة هذا النَّص الآن. ولكننا نقرأ: "فَفِي الْقِيَامَةِ لِمَنْ مِنَ السَّبْعَةِ تَكُونُ زَوْجَةً؟" وكما تَعلمون، فقد طرحوا على يسوع سؤالاً يختصُّ بشخصٍ مات، وكان ينبغي لأخيه أن يتزوَّج بامرأته. فإنْ لم يكن أخوه مُتزوجًا، كان ينبغي له أن يتزوَّج امرأته ويقيم نسلًا لأخيه. إذًا فقد مات الزوجُ، ثم تَزَوَّج أخوه بامرأته ومات أيضًا، وتزوَّج أخوه الآخر بها إلى أن تزوَّجها الإخوة السَّبعة. والسؤال الَّذي طرحوهُ على الربِّ هو: "فَفِي الْقِيَامَةِ لِمَنْ مِنَ السَّبْعَةِ تَكُونُ زَوْجَةً؟" ولا شكَّ أن الموقفَ غريبٌ في مُطلق الأحوال. فعندما يصل الأمر إلى الأخ الثالث أو الرابع، لا بُدَّ أن تَحُوْمَ الشُّكوكُ حول الزَّوجة إن استمرُّوا في الموت هكذا. ولكِنْ إن تزوَّجها الإخوة السبعة، فإن السؤال الَّذي طرحه الصَّدُّوقِيُّونَ على يسوعَ في محاولة لإيقاعه في الفخِّ بسبب عدم إيمانهم بالقيامة هو: "فَفِي الْقِيَامَةِ لِمَنْ مِنَ السَّبْعَةِ تَكُونُ زَوْجَةً؟"

فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ (في العدد 29): "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ. لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ". لذا فإنَّ الملائكة لا يتزوجون، ولا يتناسلون. فقد خُلِقُوا جميعًا في آنٍ واحدٍ بكلمة واحدة مِنَ الله في وقتٍ في الماضي إذْ إنَّ الله خَلَقَهُم. ومِن الواضح أنَّه فعل ذلك قبل خلق العالم لكي يُرَنِّموا معًا. ويبدو أنهم كانوا يُشَكِّلون فريق ترنيمٍ كبيرٍ جدًّا عند خلق العالم. وقد خُلِقُوا لكي يَخدموا الله ويُمَجِّدوه. فهذا هو القصد مِنْ خلق جميع الملائكة. فهناك شيئان ينبغي أن تتذكَّروهما: أنهم خُلِقوا ليخدموا الله ويُمَجِّدوه ... ليُسَبِّحوا الله ويُطيعوه. وإن قرأتم سِفْر الرُّؤيا ستجدون في الأصحاح الرابع أنَّ هذا هو تمامًا ما يفعلونه. فهم يُسَبِّحونَهُ. وإذا قرأتم الأصحاح الأول مِن الرسالة إلى العبرانيين، ستجدون أنَّ هذا هو تمامًا ما يفعلونه. فهُم يَخدمونَهُ. والملائكة تُدعى في عبرانيِّين 1: "أَرْوَاح خَادِمَة". إنهم أرواحٌ خادمةٌ. وهم يخدمون مقاصد الله، وينفذون أوامره، ويُعَظِّموه، ويُسَبِّحوهُ، ويُمَجِّدوه.

ومِن المدهش أن نحاول تخمين عدد الملائكة. وأنا لا أحاول الرجوع إلى السؤال اللاهوتي القديم الَّذي يقول: "كم ملاكًا يستطيع الله أن يضع فوق رأس دَبُّوس؟" لأنَّ هذا السؤال لا صِلَةَ له بموضوعنا. فنحن لا نتحدَّث عن ذلك. ولكِن مِن المدهش أن نتخيَّل، مِن جهة الأرقام، عدد الملائكة في الحقيقة. فعندما هَمُّوا بالقبض على يسوع، قال يسوع إنه يقدر أن يَستدعي "أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ فَيْلَقًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟" وقد كان الفَيْلَقُ الرومانيُّ يتألف مِن سِتَّة آلافِ جُنديٍّ. ولا شك أن ملاكًا واحدًا كان كافيًا. فقد قرأنا مِن قبل أن ملاكًا واحدًا أهْلَكَ مئةً وخمسةً وثمانين ألفًا في العهد القديم. لذلك، لم تكن هناك حاجة إلى عدد كبير منهم. وقد تقول: "هل هذا هو عددهم؟" لا، فهناك المزيد منهم. والحقيقة هي أنَّ الكتاب المقدَّس يقول في سِفْر الرؤيا 5: 11: "وَنَظَرْتُ وَسَمِعْتُ صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ". ولا يحاول يوحنَّا هنا أن يُعطينا رَقْمًا دقيقًا، بل إنه يقول إنَّهم كُثُرٌ جِدًّا حَتَّى إنَّ إحصاءَهم مُستحيل.

والحقيقة هي أننا نقرأ في الرسالة إلى العبرانيِّين 12: 22: "بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ. أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ" – ثُمَّ اسمعوا ما يقول: "وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ".

هل تعرفون عدد الملائكة؟ إنَّ عددهم لا يُحصى. وقد تقولون: "هل تصدق أنَّ هناك الملايين منهم؟" يَعتقد البعض أنَّ عددهم يساوي عدد نجوم السماء. لذلك فإنهم يُدّعون كواكب. والبعض يقول إنَّ هذه دلالة على أنَّ هناك ملائكة بعدد النجوم. ولكن كم عدد النجوم؟ لا تسألوني عن ذلك. فهناك الملايين منها. وقد افترض البعض أنه حيث إنَّ الرب أشار إلى ملاكه فهذه دلالة على أنَّ لكل شخصٍ ملاك؛ أي إنَّ هناك ملاكًا لكل شخصٍ عاش يومًا على الأرض. وأنا لست واثقًا جدًّا مِنْ صِحَّة ذلك لأن الملاك سيَعمل في هذه الحالة سِتِّين سنة أو ما شابه ذلك، ثم سيقضي بقية الوقت دون عمل. أو ربما يتبادلون الأدوار أحيانًا. لا أدري! فعندما يموت شخص ما ربما ينتقلون إلى شخصٍ وُلِدَ حديثًا.

ولكنَّ الفكرة هي أنه يوجد ملائكة، يا أحبائي. بل إنَّ هناك الكثير مِن الملائكة. ولا نُخطئ إنْ قلنا إنَّ عددهم لا يُحصى. لذلك عندما خَلق الله الملائكة كان قد فعل شيئًا عظيمًا. فقد كان هذا العمل عظيمًا حقًّا. فعندما نقول أنَّ الله خلق الإنسان فإننا نتخيل أنه أخذ حفنة من التُّراب وجبلها. ولكن إن أردت أن تفكر في عملية الخلق بمجملها، تخيل إنَّ الله نطق كلمةً واحدةً فخُلقت مليارات الكائنات دفعةً واحدةً. وهم يتمتعون جميعًا بالجمال، والحكمة، والقوة. وهم جميعًا يُمجِّدونه ويخدمونه. وهو خلقهم جميعًا بواسطة فكرةٍ خطرت بباله أو بكلمةٍ قالها.

وقد تقول: "لا بُدَّ أنَّ شيئًا ما حدث قبل الأصحاح الثالث مِن سِفْر التَّكوين. لا بدَّ إنَّ شيئًا ما أحدث اضطرابًا في عالم هؤلاء الملائكة لأنَّ واحدًا منهم كان متمردًا قبل أن نصل إلى تكوين 3. فهو يتسلَّل في الجنَّة كالحيَّة". أنت مُحِقٌّ في ذلك. فهل تعلمون ما حدث؟ لقد سقط الملائكة. لقد حدثت مأساةٌ. فقد تمردت مجموعةٌ كبيرة من الملائكة في السماء. وأحد أصعب الأسئلة في اللاهوت كله هو ما نُسَمِّيه "مشكلة الدفاع عن عدالة الله". فمن أين جاءت الخطية؟ حسنًا، يمكننا أن نقول إنَّ الأمر ابتدأ بالملائكة لأنهم أخطأوا أولاً. فقد سقطوا. ولكن من أين جاءت الخطيَّة؟ إنَّ أفضل جوابٍ على هذا السؤال هو أننا لا نعرف! ولكن صَدِّقوني أنَّ ذلك قد حدث. وهذا أمرٌ نَعلمه يقينًا. فهذا واضحٌ تمامًا. وأنا أسأل نفسي السؤال التالي: كيف يمكن للملائكة أن تتمرد؟ وما أقصده هو: ما الذي ستتمرد عليه؟ على الله الكُلِيِّ القداسة؟ أَمْ على النَّعيم الذي يعيشون فيه؟ فَهُمْ كائناتٌ عاقلةٌ. ولا بد أنهم نظروا وتأملوا في حالهم. ولا بد أنهم رأوا أنَّ الحال مجيدة ورائعة جدًّا. وقد كانوا قادرين على التَّواصُل. وكانوا قادرين على التَّواصُلِ مع الله وعلى أن يَتواصَلَ اللهُ معهم. وكانوا يملكون عواطف. وكانوا يصرفون كُلَّ وقتهم في تسبيح الله. وقد كانوا كائناتٍ مسؤولة. فَهُمْ لم يكونوا آلاتٍ، بل إنهم كائناتٌ عاقلةٌ، وتمتلكُ عواطف. وقد كانوا يمتلكون إرادةً كما نرى من خلال خِياراتهم. ولكنهم تمرَّدوا.

ولكني لا أعرف سبب قيامهم بذلك. ولا أعرف كيف قاموا بذلك. ولا أعرف كيف توَّلدت التجربة في عقل "لوسيفر". ولكنَّ كل ما أعرفه أنَّ التَّجربة وجدت طريقها إلى هناك لأنَّ ذلك ترك تأثيرًا كبيرًا في حياتي. إنَّ قائد التمرد هو الشيطان. وفي إنجيل مَتَّى 25: 41، يتحدث ربُّنا عن جُنْدِ الشَّيطانِ بوصفهم ملائكته. فَهُمْ "إبليسُ ومَلائكتُهُ". والآن، استمعوا إليَّ جيِّدًا: كم عدد الملائكة الذين سقطوا؟ بحسب ما جاء في الأصحاح 12 مِنْ سفر الرُّؤيا، لدينا إجابة واضحة. وأود أن ألفت انتباهكم إلى تلك الإجابة وأن أُبَيِّنَها لكم. فنحن نقرأ في سفر الرُّؤيا 12: 3 و 4 عن الشيطان. وهو يُدْعَى التِّنين. فهو يُدعى في العدد الثالث: "التِّنين العظيم الأحمر". ونقرأ في العدد الرابع عن سقوطه. استمعوا إلى ما تقوله الآية: "وَذَنَبُهُ يَجُرُّ ثُلْثَ نُجُومِ السَّمَاءِ". إذًا، كم عدد الملائكة الذين تمرَّدوا على الله؟ لقد تمرد ثُلُثُهُم. ولكنَّ ثُلُثَيِّ الملائكة كانوا ملائكة قِدِّيسين. ولكنْ هذا هو عدد الملائكة الَّذينَ تمرَّدوا.

لقد تمرَّد ثُلُثُ الملائكة مع الشيطان. وقد تقول: "هل جميع هؤلاء الملائكة طُلَقاء ويجوبون الأرض بصفتهم ملائكة الشيطان الَّذين ندعوهم شياطين؟" لا، ليس جميعهم طُلقاء. فالبعض منهم مُقَيَّدٌ. هل كنتم تعرفون هذه الحقيقة؟ هل كنتم تعرفون أنَّ بعض الملائكة مُقَيَّدون؟ فالبعض منهم مُقيَّدٌ لمُدَّة وجيزة، والبعض الآخر مُقيَّد إلى أبد الآبدين. واسمحوا لي أن أُبَيِّن لكم ذلك في شكل مُخَطَّطٍ صغير كما لو كُنَّا سنُحَلِّلُ جُملةً ما. فالملائكة يُقسمون إلى قسمين: ملائكة قِدِّيسون، وملائكة ساقطون. والملائكة الساقطون يُقسمون إلى نوعين: طُلَقاء ومُقَيَّدون. والطُّلَقاءُ هُم مَن ندعوهم "شياطين". أمَّا المُقيَّدون فيُقسمون إلى نوعين: مُقَيَّدونَ دائمًا، ومُقَيَّدونَ مؤقَّتًا. والمُقيَّدون دائمًا هُم الَّذين نقرأ عنهم في سفر يهوذا ورسالة بُطرس الثانية حيث إنَّهم محفوظون إلى دينونة اليوم العظيم بقيودٍ أبديَّة. ونحن نؤمن أنَّ أولئك الشياطين هم الَّذين أخطأوا في الأصحاح السادس مِن سفر التَّكوين مِن خلال مُعاشَرَةِ بعض النساء وإنجاب الجبابرة في الأرض (والذين هَلِكوا في الطُّوفان). أمَّا الملائكة السَّاقطون المقيَّدون إلى حين فربما كانوا أولئك الَّذين طُرِحوا في الهاوية. ونحن نقرأ في الأصحاح التاسع مِن سفر الرُّؤيا أنهم سيصعدون مِن الهاوية في فترة الضيقة العظيمة. ولكِنَّ كثيرين منهم طُلَقاء الآن. لذلك، هناك مليارات الشياطين – جُزءٌ منهم مُقيَّد موقَّتًا، والجزء الآخر مُقيَّد إلى الأبد. والكثير منهم طُلَقاء. وهؤلاءِ هُم ملائكة الشيطان.

وهذه مُقدِّمة موجزة عن هذا الكائن الحقيقيّ والحيِّ الَّذي يُدعى "الشَّيطان". فهو قائد ذلك التمرُّد الَّذي قام به الملائكة. والآن، هل هذا صحيح؟ وهذا سؤالٌ لا بأس في طَرْحِه. فهل هناك شيطانٌ حقًّا؟ يعتقد بعض الناس أنَّ الشيء الوحيد الحقيقيّ جدًّا بخصوص الشيطان هو أنَّ هناك زِيًّا تَنَكُّرِيًّا له فقط. وهُم يعتقدون أنَّ الصُّورة الكاريكاتوريَّة للشيطان هي مُجرَّد شيءٍ تَخَيَّله شخصٌ ما واستخدمه لإخافة الأطفال الصغار ودفعهم إلى القيام بما يطلبه منهم أبوهم. فهل هناك أيُّ دليل على وجود الشيطانِ بوصفه كائنًا عاقلًا وفاعلًا يُعارِضُ خُطَّة الله؟ مِن المؤكد أنه إذا دَقَّقْتُم النَّظر في المنطق، أو في الفلسفة، فإنَّ مُجَرَّد التفكير في ذلك مَلِيًّا سيقودنا إلى حَتميَّة وجود خَصْم. فلننظر إلى الأمر فلسفيًّا. فهناك إله. وقد خَلَقَ عالمًا. وهو قادرٌ على خلق العالم الَّذي يريد. وبالرَّغم مِن ذلك، مِن المؤكد أنَّنا لا نَجِدُ في وَسَطِ ذلك العالم الَّذي خَلَقَهُ انسجامًا كاملًا. بل إنَّ هناك ازدواجًا مُحَيِّرًا بين السعادة والحُزن، وبين الحِكمة والحماقة، وبين الشعور بالرِّضا والشعور بعدم الرِّضا، وبين اللُّطف والقسوة، وبين الحياة والموت.

فيبدو أنَّ هناك شيئين يسيران جنبًا إلى جنب يَجعلانا نرتبك. فعندما نقول لشخصٍ غير مؤمنٍ إنَّ اللهَ إلهٌ صالحٌ ومُحبٌّ، فإنه سيقول لنا: "آه! حقًّا؟ هل تريدني أنْ أُصَدِّق ذلك؟ وماذا عن هذه المأساة، وتلك، وتلك، وتلك؟" فحقيقة وجود هذه المعارَضَة لله هي دليلٌ كافٍ على وجود كائنٍ آخر يحاول إحباط خُطَّة الله. وهل يمكن لنفس الكائن أن يَخلِق كِيانه الخَيِّر، ثُمَّ يَخلق النَّقيضَ، ثُمَّ أنْ يُحارب نفسه ويقف هناك عاجِزًا في وسط القتال؟ لا. فهذا يُشبه السؤال القديم الَّذي يقول: "هل يستطيع الله أن يَخلق صخرةً ضخمةً جدًّا لا يستطيع أن يَحملها؟" إنَّ ذلك غير منطقيّ. ويقول الدكتور "فون غيرتايل" (Dr. Vaughn Gertile): "مِن جهة، هذا يُرينا ذكاءً شديدًا جدًّا" (وهو يَتحدَّثُ هنا عن الكون) "وحكمةً بالغةً جدًّا وسعادةً لتبرير إنكار الله. ومِن جهة أخرى، فإنَّ هذا يُرينا نقصًا شديدًا في الذكاءِ، وشَرًّا، وتَعاسةً لتبرير إمكانيَّة الإيمان بوجود الله". نهاية الاقتباس.

ويقول "إريك سَاوَر" (Eric Sauer) في كِتابٍ له بعنوان "الإنسانُ، مَلِكُ الأرض" هذه الكلمات المفيدة جدًّا: "إنَّ وجود الحزن والشرِّ في العالم يُبرهن على وجود قوَّة حقيقيَّة مُعادية خارقة للطبيعة لا تُوافِق مشيئة الله". فالله لا يمكن أن يَخلقَ (وهذا كلامي أنا): فالله لا يمكن أن يَخلقَ شيئًا ثم أن يقفَ بعيدًا عنه ويُطْلِقَ قُوَّةً مُعادِيَةً ضِدَّ ذلك الشيء الَّذي خَلَقَهُ حَسَبَ مشيئته. فهذا يُشبه رَجُلاً يَصنعُ مَدْخَلاً ويَبني سُورًا أمامهُ في الوقت نفسه. فلا يُعقل أن تَفعل ذلك. ويقول "سَاوَر" (Sauer): "الحقيقة هي أنَّ الشيطان هو كائنٌ خارقٌ للطبيعة لا يمكن التَّشكيك في وجوده بأيِّ طريقةٍ كانت مِن قِبَلِ الفلسفة أو العلمِ الطبيعيِّ لأنَّنا نُلاحظ في عالمنا وفي كونِنا المحيط بنا مباشرةً أنَّ هناك تَنافُرًا، وموتًا، ودمارًا. وإذا فَكَّرنا وتأمَّلنا جِدِّيًّا في الطبيعة، سنجد أنَّ هذا العالم، وربما النِّظامَ الشمسيَّ المرتبط به، هما تحت هيمنة زعيمِ ورئيسِ هذا العالم". نهاية الاقتباس. إذًا، مِن الواضح أنَّ هناك كائنًا يحارب مقاصِدَ الله.

وفضلًا عن الحَتميَّة الفلسفيَّة، هناك براهينُ كِتابيَّة كثيرة على وجود الشيطان. وأعتقد أنَّ أقوى بُرهانٍ على ذلك، في ذهني على أقلِّ تقدير، هو الدَّليلُ الَّذي نَراه مِن خلال رَبِّنا يسوعَ المسيح. فقد كان يؤمنُ بوجود الشَّيطان. وقد كان يؤمن بأنَّه كائنٌ عاقلٌ. استمعوا إلى ما جاء في إنْجيلِ مَتَّى والأصحاحِ الرابع: "ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا». فَأَجَابَ وَقَالَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ ...". وأنتم تَعلمون بقيَّة الحِوار. وقد تَطَلَّبَ الأمرُ عَشْرَ آياتٍ على الأقل لتدوين الحوار الَّذي دار بين يسوع والشَّيطان.

ولا جَدَلَ في حقيقة أنَّ رَبَّنا كان مقتنعًا بحقيقة وجود الشَّيطان. وقد تحدَّث طوال خدمة عن الشَّيطان. وقد كان يَجُوْلُ ويُخرجُ الشَّياطين. وقد كان يَجولُ ناقِضًا أعمال الشَّيطان الَّتي كان يحاول القيام بها. ونقرأ في إنجيل يوحنَّا 12: 31: "اَلآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا". بعبارةٍ أُخرى، فقد قالَ رَبُّنا: "أنا في صِراعٍ معَ الشَّيطان. وأنا مَاضٍ إلى الصَّليب لإحراز النَّصْر". وقد كان رَبُّنا يَعرف ما يَفعل. وقد كان يَعرف أنَّه في صِراعٍ مع كائنٍ حقيقيٍّ. لماذا؟ لأنه كان يَعرف هذا الكائنَ مُنذ الأزل السَّحيق؛ أي مُنذ أن خَلَقَهُ. وقد كان يَعرفه إلى أنْ سَقَط. فقد كان يَعرفه طوال الوقت. وقد كان يَعرف الكائن الَّذي يُقاومه. وهناك شخصٌ واحدٌ فقط لا يمكن للشيطان أن يَخدعه، وَهُوَ اللهُ الَّذي خَلَقَهُ.

وقد قال يسوعُ في إنجيل يوحنَّا 14: 30: "لاَ أَتَكَلَّمُ أَيْضًا مَعَكُمْ كَثِيرًا، لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ" – " لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي". فقد كان يسوع يؤمن بوجود نشاطٍ حقيقيٍّ للشيطان على الأرض. وَهُوَ يقول في الأصحاح 16 مِن إنجيل يوحنَّا إنَّ: "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ". فلا شَكَّ في حقيقة أنَّ رَبَّنا كان في صِراعٍ معَ الشَّيطان.

وقد قال يسوع في إنجيل يوحنا 8: 44: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". ويقولُ بولسُ في رِسالة أفسُس 2: 2 إنَّ الرُّوحَ يَعْمَلُ الآنَ "فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ". فقد كان بولسُ أيضًا يؤمنُ بوجود الشيطان. وقد كان يوحنا يؤمن بوجود الشيطان. فنحن نقرأ في الأصحاح الثالث مِن رسالة يوحنا الأولى (وقد دَرَسْنا ذلك مؤخَّرًا في مَعْرِضِ دراسَتِنا لرسالة يوحنَّا الأولى): "مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ. لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ". اسمعوني جيِّدًا: إذا كنتَ تقول إنك تؤمن بالمسيح، كما يَفعل البعض، ولكنَّك لا تؤمن بوجود الشيطان، فإنَّك تَسخر مِمَّا يَفعله المسيح. فيجب أن تؤمن بوجود الاثنين، وإلَّا فإنَّك تُبرهن على أنك لا تفهم العهد الجديد. والحقيقة هي أننا نقرأ في رسالة يوحنا الأولى 5: 19 أنَّ: "الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ". وقد كان يعقوب يؤمن بوجود الشيطان: " قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ". فهذا هو ما قاله في الأصحاحِ الرابعِ والعدد 7. وقد كان بطرس يؤمن بوجود الشيطان. لذا فإنه يقول في رسالة بطرس الأولى 5: 8: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ".  

إنَّ العهد الجديد بمُجمله يَتحدَّث عن الشَّيطان. فقد كانوا يؤمنون بوجوده. وقد كانوا يعرفون قصد الله مِن إرسال المسيح للتَّصَدِّي للشيطان. فإذا كنتَ تَدرسُ الكتاب المقدَّس، يجب عليك أن تؤمن بوجود الشيطان. وقد أَغْوَى حوَّاء في تَكوين 3. وقد جَرَّب يسوع في مَتَّى 4. وقد حاول أن يُحَرِّفَ كلام الله في مَتَّى 4. وقد عارَضَ عمل الله في زكريَّا 3. وقد أعاق خُدَّامَ الربِّ في الأصحاح الثاني مِن رسالة تسالونيكي الأولى. وهُوَ يُعيقُ تَقَدُّمَ الإنجيلِ في مَتَّى 13 وفي الأصحاح الثاني مِن رسالة كورنثوس الثانية. وهو يَقْتَنِصُ الأشرارَ لإرادَتِهِ (كما جاء في الأصحاح الثاني مِنَ الرسالة الثانية إلى تيموثاوس). وهو يُضِلُّ الأُممَ (في الأصحاح 22 مِن سفر الملوك الأول، وفي سفر الرُّؤيا 16: 20). وهو يَظهر كملاك نُور (كما جاء في 2كورنثوس 11). وهو يَنجح في إدخال الخطيَّة وسقوط الجنس البشريِّ (في تكوين 3). وهو يَمْثُلُ أمامَ اللهِ (في أيُّوب 1). وهو يَجولُ كأسدٍ زائِرٍ (في 1بطرس 5). وهو المُشتكي على الإخوة (في رؤيا 12). وهو له سُلطان الموت (في عبرانِيِّين 2). والعالم بأسره يَكذب مِن خلاله (كما جاء في 1يوحنَّا 5). فمن الواضح في الكتاب المقدَّس أنَّه موجود. والحقيقة هي أنه مشغول جدًّا. لذلك، إذا أنكرتَ وجود الشيطان، فإنك تُنكر المسيح أيضًا لأنَّ وجود كِليهما مُعلنٌ في الكتاب المقدَّس.

والحقيقة هي أنَّ حقيقة وجود الشيطان تتخطَّى حدود المنطق الفلسفيِّ والإعلان الكِتابيّ إذْ إنَّ الخبرة البشريَّة تؤكِّد ذلك. فكل شخصٍ يعيش اليوم في عالمنا (في القرن العشرين) ويُنكر وجود الشيطان لا يَلتفت حقًّا إلى ما يحدث. فالشَّيطان أَظهرَ نفسه بصورة واضحة اليوم. وهناك أناسٌ واثقون تمامًا مِن وجوده حتَّى إنهم يعبدونه علنًا. وهناك أعمال شِفاءٍ وعجائب يفعلها في وسطنا في العالم تَدُلُّ على وجوده. فهل هو موجود؟ أجل، إنه موجود.

أمَّا الشيءُ الثاني الَّذي نريد أن نتأمَّل فيه بخصوصه فهو: "مَنْ يَكون؟" فكما فعلنا في هذا الصَّباح بخصوص الله، هل هو موجود؟ أجل، ولكِنْ مَن يكون؟ حسنًا! لقد رأينا للتوِّ أنه كان ملاكًا، ولكنَّه صار ملاكًا فاسدًا. فهو ملاكٌ ساقطٌ. ولكنَّه كان في الأصل ملاكًا. واسمعوني، يا أحبَّائي، اسمعوا ما سأقول: إنَّ للملائكة شخصيَّة.

فأعتقد أننا نفكر في الملائكة كما لو كانوا كائنات أَثيريَّة (أو هوائيَّة)، وكما لو أنَّ لونهم أبيض، وأنَّهم يُصَفِّقون بأجنحتهم، وأنَّه ليست لهم شخصيَّة. ولكنَّ الملائكة لهم شخصيَّة. وهل تعرفون أيضًا أنَّ للملائكة أسماء؟ أجل، إنَّ لهم أسماء عَلَم. والله يَعرف أسماء جميع الملائكة. فعندما يدعو أحد الملائكة فإنه لا يقول: "الملاك رَقْم مَليون وأربعمئة وكذا". لا! بل إنه يقول: "جون" أو "بيل" أو أيًّا كان اسم ذلك الملاك. فالله يعرفهم بأسمائهم. والله يعرف أنَّ لهم شخصيَّة. فالملائكة كائنات عاقلة لأنهم يمتلكون جميع صِفات الشخصيَّة. فَهُمْ يَشعرون، ويفرحون. وهُم يُسبِّحون الله. وهُم يُدافعون عن الله. وهُم يحاربون الشياطين.

وإذا نظرنا إلى الشيطان نجد أنه كائنٌ عاقلٌ لأسباب عديدة. فكما أنَّ الله كائنٌ عاقلٌ، فإنَّ الشيطان كائنٌ عاقلٌ أيضًا. فهو، أولاً، يمتلك الصِّفات الَّتي يتميَّز بها الكائن العاقل. وهل تعلمون واحدة مِن صِفات الشخصيَّة؟ القُدرة على التَّخطيط. فهل سمعتم يومًا عن كلبٍ وَضَعَ خُطة؟ وهل رأيتم يومًا كلبًا يجلس في رُكْنٍ ويضع استراتيجيَّةً ما؟ فإحدى صِفاتِ الكائن العاقل هي القدرة على التَّخطيط أو على وضع الاستراتيجيَّات. والحَيَواناتُ لا تستطيع أن تفعل ذلك. فهي لا تضع الخُطط. أما الأشخاص فيضعون الخُطط. فإذا قرأتم رسالة كورنثوس الثانية ستعرفون ذلك. وليس هذا فقط، بل إن قرأتم العهد الجديد بمجمله، ستكتشفون أنَّ الشيطان مُنهمك دائمًا في وضع الخُطط. وأحد الأسباب الَّتي تدفعني إلى الاعتقاد بأنه كائنٌ عاقلٌ هو الأشياء الَّتي يقوم بها. فنحن نقرأ في رسالة كورنثوس الثانية 11: 3: "وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ". اسمعوني: إنه مُنهمكٌ في ابتكار أساليبَ جديدة لإبعاد النَّاس عن الله. ومِن سِمات الكائنات العاقلة هي أنَّهم يُخَطِّطون.

وليس هذا وحَسْب، بل إنَّ هناك صِفة أخرى للكائن العاقل وهي: القدرة على التَّواصُل. فالأشخاص يتواصلون. والشيطان يفعل ذلك أيضًا. فقد تحدَّث مع يسوع في مَتَّى 4. وقد تحدَّث مع حوَّاء في الجنَّة. وقد تحدَّث مع أناسٍ كثيرين. وَهُوَ يُجري الحوارات طوال الوقت. وليس هذا فحسْب، بل إنَّ له إرادة حُرَّة. وحُرِّيَّةُ الإرادة أوِ القدرة على الاختيار هي مِن صِفات الكائنات العاقلة. والشَّيطان يَختار الأشياء. فهو يَختار أشياء مُعيَّنة. وَهُوَ يَشتهي أشياء مُعيَّنة. وَهُوَ يُوَجِّه إرادته في الاتجاه الَّذي يَعتقد أنَّه يُحَقِّق أهدافه. فقد أخذ يسوع إلى الجبل وقال: "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِــي". فقد اختار أن يُجَرِّب يسوع بتلك الطريقة، وتخاطب معه، وعَقَدَ العزمَ على القيام بأمور معيَّنة للإيقاع بالمسيح. فهو يمتلك جميع صِفات الشَّخصيَّة.

فَضْلاً عن صِفاته الشخصيَّة، أنا أعتقد أنَّه كائنٌ عاقلٌ لأنَّهُ يُشار إليه بضمير العاقل. فالضَّمير "أنْتَ" يُستخدم في حزقيال 28، والضمير "هو" يُستخدم في كُلّ العهد الجديد للإشارة إلى الشيطان. والحقيقة هي أنَّنا نجد أنَّ كِلا هَذَيْنِ الضَّميرَيْن مُستخدمان في الأصحاح 11 مِن رسالة كورِنثوس الثانية. وهناك سبب آخر عَدا عن الصِّفات الشخصيَّة والضَّمائر العاقلة، وهُوَ: أسماء العَلَم. فهو لديه العديد مِن أسماء العَلَم. وهذه الأسماء لا تُطلق إلَّا على الكائنات العاقلة. وسوف نَتعرَّف إلى هذه الأسماء بعد قليل. وهناك فكرة أخرى أعتقد أنها مهمة وهي أنَّ الله يُحاسبه كما يُحاسِبُ الكائنات العاقلة. وَهُوَ لا يَفعل ذلك إلَّا مع الأشخاص. فالحَيَواناتُ لا تُحاسَب. فهي ليست تحت المُساءَلَة لأنها ليست مسؤولة أَدَبِيًّا. فليست هناك معايير كِتابيَّة لسلوك الحَيَوانات. والله يقول إنه سيَدينُ الشَّيطان. وعندما قال الله إنه سيَدين الشَّيطان، فإنَّ هذا يُوحي ضِمنيًّا بأنَّ الشيطان قد تَعَدَّى على معايير الله وأنه يتحمَّل مسؤوليَّة ذلك التَّعَدِّي. وهذه صِفَة مِن صفات الكائنات العاقلة.

والآنْ، ماذا عن هذا الجانبِ المختصِّ بالألقاب الشخصيَّة؟ فالأمر لا يَقْتَصِرُ على المسؤوليَّة الشخصيَّة وجميع تلك الأشياء الأخرى، بل إنَّ الشيطان كائنٌ عاقلٌ لأنه يملك ألقابًا شخصيَّة. وهذا أمرٌ مُدهشٌ جدًّا. واسمحوا لي أن أَذكُر لكم ألقابه. فمثلا، إنَّه يُدعى في سِفْر حِزقيال 28: 14 "الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ" - "الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ". والمقصود بذلك أنَّه ملاكٌ ذو رُتبة عالية. وهذا اللَّقبُ في ذاتِهِ يَصِفُ كائنًا عاقلًا.

وَهُوَ يُدعى أيضًا: " رَئِيس هذَا الْعَالَم". وهذه، مَرَّة أخرى، إشارة إلى رُتْبَتِهِ بِصِفَتِهِ الرئيسَ الَّذي يَحكم النظام العالميَّ الشِّرِّير بِمن فيه مِن شياطين وبشر. فهو الرئيس. وَهُوَ يُدعى أيضًا "رَئِيسُ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ" – رئيسُ سُلطانِ الهواءِ. وَهُوَ يُدعى "إِلهُ هذَا الدَّهْرِ". والكلمة "دَهْر" هُنا هي ترجمة للكلمة اليونانيَّة "آيون" (aion). لذا فإنه إلهُ هذا الدَّهر – فهو الَّذي يُرَوِّجُ للفلسفاتِ، والمذاهبِ الإنسانيَّةِ، والماديَّةِ، والجنسِ. وهو يُدعى أيضًا في إنْجيل لوقا 11: 15: "رَئِيسُ الشَّيَاطِين". ونقرأ في رِسالةِ كورنثوسَ الثانية 4: 4 أنَّه يُدعى: "إِلهُ هذَا الدَّهْرِ".

وَهُوَ يُدعى في إنجيل لوقا 11: 15: "رَئِيسُ الشَّيَاطِينِ: بَعْلَزَبُول". هل سمعتم يومًا بهذا اللَّقَبْ: "بَعْلَزَبُول"؟ إنَّهُ لقبٌ غَريب. واسمحوا لي أن أقول لكم في عُجالة إنَّه يعني: "رَبُّ الذُّباب". وربما سمعتم عن فيلمٍ أو كِتابٍ بهذا الاسم: "رَبُّ الذُّباب". وَهُوَ لقبٌ لواحدٍ مِن آلهةِ الفلسطينيِّين القدماء. وقد أُطلق هذا اللَّقب لا على ذلك الإله فقط، بل على الشيطان الَّذي كان وراء عبادة ذلك الإله. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ جميع هذه الألقاب الشخصيَّة (الكروبُ المُنْبَسِطُ المُظَلِّل، ورئيس هذا العالم، ورئيسُ سُلطان الهواء، وإلهُ هذا الدَّهر، ورئيسُ الشَّياطين) تُشير إلى السِّيادة، وإلى السُّلْطة، وإلى القوَّة، وإلى التَّوجيه، والتَّخطيط، والقَصْد، وتنفيذ المؤامرات. فهو كائنٌ عاقلٌ قادرٌ على القيام بذلك.

والآنْ، مَن هو الشَّيطان؟ إنه ليس مُجرَّد كائن عاقل، بل هو رُوح. فالشَّيطان روح. وكما ذكرنا في هذا الصباح، فإنَّ الروح هو كائنٌ غير مادِّيّ. فقد يكون الشيطان هنا الآن. ولا أدري إن كان حاضرًا هنا. فربما يقومُ بعملٍ ما. ولكن إن كان هنا فإنَّنا لن نَعلم ذلك. لماذا؟

لأنه روح. ولكنَّ هذا لا يعني أنَّه ليس هنا. فنحن نعيش في هذا العالم الصغير الَّذي تَقتصر فيه معرفتنا على ثلاثة أبعادٍ فقط. وربما كُنَّا قادرين على استيعاب بُعْدٍ رابعٍ. ولكننا لا نَعلم إن كان هذا المكان يحوي عددًا كبيرًا مِنَ الملائكة القدِّيسين الأخْيار أو الملائكة السَّاقطين. فلا يمكننا أن نَعلم ما يجري هنا. ومع أنَّني أرغب حقًّا في معرفة ما يجري هنا، فإنِّي لن أتمكَّن يومًا مِن معرفة ذلك. ولكنَّ هذا العالم يُدار بواسطة قُوى الشيطان. وهناك شياطين كثيرون يعملون جاهدين على إبطال عمل الله. وواحدٌ مِن الأسباب الَّتي تجعلني أعلم أننا نملك سُلطانًا عليه هو أنَّ عمل الله يَجري بالرُّغم مِن مُقاومةِ الشَّيطان.

وعلى أيِّ حالٍ، فإنَّ الملائكة أرواح. فَهُم غير مادِّيِّين. فالشَّياطينُ يُدْعَوْنَ في إنجيل لوقا 8: 2 "أرواحًا شرِّيرةً". وهُمْ يُدْعَوْنَ في إنجيل لوقا 11: 24 "أرواحًا نَجِسَةً". ولكنَّهم يُدْعَوْنَ "أرواحًا". فالملائكةُ هي كائناتٌ روحيَّة غير ماديَّة. والآن، لاحِظوا ما سأقول: ولكنَّهم لا يُشبهون الله. صحيحٌ أنَّ الله روح، ولكنَّ الله موجودٌ في كُلّ مكان. أمَّا الملائكة فَلَهُمْ حُدودٌ مكانيَّة. صحيحٌ أنهم أرواحٌ، ولكنَّهم أرواحٌ مَحدودة مكانيًّا. فيجب عليهم أن يتحركوا. وهم لا يستطيعون أن يكونوا في كُلّ مكان. إنهم سريعون، بل سريعون جدًّا. وهل تريدون أن تعرفوا أمرًا مُدهشًا؟ إنَّ البعض منهم أسرع مِن البعض الآخر. وقد تُفَكِّرون في ذلك وتقولون: "هل تَعني أنَّهم إنْ أَجْرَوْا مسابقاتٍ في الرَّكض فإنَّ البعض منهم سيسبقون الآخرين؟" الحقيقة هي أنَّ الكتاب المقدَّس يشيرُ إلى أنَّ البعض منهم سريع، أو سريع جدًّا. والبعض منهم بطيء. ولكنَّنا نَعلمُ يقينًا أنَّهم مَحدودون مَكانيًّا. فبحسب ما جاء في الأصحاحَيْن 9 و 10 مِن سفر دانيال، هناك دليلٌ واضحٌ في كِلا هذين الأصحاحَيْن على أنهم كانوا محجوزين في مكانٍ ما ويحاولون الذهاب إلى مكانٍ آخر. لذلك، عندما أرسل الربُّ الشياطين إلى الخنازير، ذهبوا إلى هناك تحديدًا. فَهُمْ محصورونَ مكانيًّا. وهم ليسوا موجودين في كل مكان. فهم لا يستطيعون أن يذهبوا حيث يشاءون. بل هم محصورون في المكان الَّذي يوجدون فيه.

لذلك، لا تَنْسَوا البَتَّة أنَّ الشيطان هكذا. وفي كل مرَّة يقول لي أحدٌ فيها إنَّ الشيطان هو الَّذي جعله يُقْدِمُ على ذلك العمل، فإنِّي أقول له إنَّني لا أعلم إن كان الشَّيطان هو مَن فعل ذلك. صحيحٌ أنه سريع، ولكِنْ هل هو سريعٌ جدًّا حتَّى إنه يُغوي الجميعَ ويبقى يدور حول العالم طَوال الوقتِ؟ أنا لا أدري كم هي سُرعته. ولكنه ليس مُضطرًّا للقيام بذلك. فهو محدودٌ مكانيًّا. والآنْ، اسمحوا لي أن أُخبركم شيئًا، يا أحبَّائي. قد يجتمع عددٌ كبيرٌ منهم في مكانٍ صغير. ولا أدري كم حجم ذلك الروح، ولكِنْ مِن الواضح أنَّ الأرواح غير الماديَّة تستطيع أن توجد في المكان نفسه بطريقةٍ ما، ولكنِّي لا أعرف كيف. ولكِنْ أليس مِنَ المدهش أن نُفَكِّر في أنَّ الملائكة القدِّيسين يصارعون الملائكة السَّاقطين؟ وما أعنيهِ هُوَ: ما الَّذي يَفعلونه؟ هل تفهمونَ قَصدي؟ فأنا لا أعرف كيف يتصارعون، ولكنَّهم يفعلون ذلك. وهذا يُريكم أنَّنا نعيش في عالمٍ ولا نَفهم العالم الآخر. أليس كذلك؟

وقد تقول: "كنتُ أظنُّ أنَّ للملائكة أجساد أحيانًا". اسمَعوني جيِّدًا: أحيانًا، قد تأخذ هذه الكائنات غير الماديَّة أشكالًا جسديَّة. فهي قادرة على القيام بذلك. ولا أدري كيف تَفعل ذلك، ولكنها قادرة على أن تأخذ شكلًا جسديًّا. وهو ليس جسدًا كجسدنا لأنه قد يكون له أجنحة أحيانًا. أليس كذلك؟ كما في إشعياء 6. ومِن الواضح أنَّهم يمتلكون جَمالًا فائقًا. فعندما رأى أهل سدوم الملاكان المتجسِّدان، لم يكن جميع أهل المدينة قد شاهدوا جمالًا كهذا. وكما نَعلمُ فإنَّ أهلَ سدوم كانوا مَعروفين بمِثليَّتهم الجنسيَّة. وحين رأى رجال سدوم الأشرارُ هذين الملاكَيْن المُتجسِّدَيْن، اضطرمت شَهوتهم فيهم وقالوا: "ما هذا! لم نَرَ يومًا جمالًا كهذا!" وقد طارَدوا الرَّجُلَيْنِ وعَلِموا أنَّهما قد نَزلا في بيت لوط. وقد كانوا مُستعدِّين لِهَدْمِ بيت لوط على رأسه لكي يُمارِسا الشُّذوذَ مَعَهُما. لذلك فقد أَهْلَكَ اللهُ المدينة. ولهذا فإنَّنا نَستخدمُ الكلمة "لُواطِيّ" للإشارة إلى المِثْلِيَّة الجِنسيَّة. وعلى أيِّ حالٍ فقد كان الملاكان جميلَيْن جدًّا حتَّى إنَّ أهل المدينة انجذبوا إليهما جنسيًّا.

وهناك شيءٌ مُدهشٌ آخر يَختصُّ بالملائكة وهو أنهم خالِدونَ ولا يموتون. فالملائكة لا يموتون. بل إنَّهم يَحْيَوْنَ إلى الأبد. فَهُمْ يَبقون أحياءَ مِنْ لحظة خَلْقِهِم فصاعِدًا. ولكِنْ ينبغي أن تَعلموا أنَّ ذلك يَصُحُّ على الإنسانِ أيضًا. أليس كذلك؟ لذلك، لا مُشكلة في هذه النُّقطة لأنَّنا سنَحيا إلى الأبد أيضًا – إمَّا مع الله أو مِنْ دونِهِ. وأعلى رُتبة للملائكة هُم "الكَروبيم". والكَروبيم هِيَ جَمْع "كَروب". وقد كانت هذه الكائنات الملائكيَّة أعلى رُتبةً مِن بقيَّةِ الملائكة. وهي تمتلك جمالًا فائقًا وقوَّةً خارقةً. ولا يمكن لعقولنا أن تستوعب شخصيَّات وأشكال هذه الملائكة. فهي لا تُسْتَقْصَى بالنِّسبة إلينا ولا يمكننا أنْ نتخيَّل كيف هي. فجمالُها يَفوقُ أيَّ شيءٍ يَستوعبه عقل الإنسان. وقد تسألُ: "ما الهدف مِن وجود الكَروبيم؟" إنَّهم أعلى رُتبةٍ مِنْ جميع الملائكة الآخرين. ويبدو أنَّهم يَحْمونَ قداسةَ اللهِ. فَهُمْ يَظهرون دائمًا وَهُمْ يُحيطون بحُضورِه. وَهُمْ يَحْمونَ قداسَتَهُ. وقد نَراهم أحيانًا يُعلِنون نِعمته. فَهُمْ كائناتٌ بديعةٌ جدًّا.

وهناك العديد مِن الكروبيم الَّذين نَعرفهم بأسمائهم. وأعتقد أنَّنا التقينا بالكروبيم الثلاثة الرئيسيِّين في الكتاب المقدَّس. الأوَّلُ هو "جبرائيل". ويبدو أنَّ لجبرائيل مُهمَّة مُحَدَّدة جدًّا وهي أن يَكشف ويُفَسِّر قصد الله وخُطَّته لملكوته. وهناك ملاكٌ آخر سَمِعنا جميعُنا عنه واسمه "ميخائيل". وأنا أُحِبُّ أن أُسَمِّي هذا الملاك بالملاك الخارِق. فهو القائدُ العسكريُّ لجُند الملائكة. ولكِنْ كان يوجد ملاكٌ ذو رُتبة أعلى حتَّى مِن جبرائيل وميخائيل. فهو أَعظم مَخلوقٍ خَلَقَهُ اللهُ يومًا. وسوف تَعرفون هُويَّتَهُ إذا فَتحتم على إشعياء 14 – إشعياء 14: 12. "كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ [أو: "لوسيفَر"]، بِنْتَ الصُّبْحِ؟" ولا يمكنكم أن تتخيَّلوا اسمًا أجمل مِن هذا الاسم: "لوسيفَر". وبالرَّغم مِن ذلكَ، عندما تَنطقون بهذا الاسم، يبدو أنَّهُ يُشْبِهُ اللَّعنة! فهل تَعلمون مَعنى الاسم "لوسيفَر"؟ "نَجْمُ الفَجْرِ"، أو: "المُتَوَهِّج"، أو "هِليل" (helel) في اللُّغة العِبريَّة، أو "نَجْمَةُ الصُّبْحِ". فقد كان هو الملاك الأسمى – "نَجْمَةُ الصُّبْحِ"، أو "نَجْمُ الفَجْرِ"، أو "المُتوهِّج". ويا لهُ مِنْ مَلاكٍ! وهل تريدون أن تَرَوْهُ في مَجْدِه؟ انظروا إلى حزقيال 28. وسوف نرجع إلى إشعياء 14 بعد قليل.

ففي حِزْقيال 28، ستُشَكِّلون فكرة عن الملائكة. وهذا سيكفي لإصابتكم بالدُّوار. ويجبُ عليَّ أنْ أُقدِّم لكم فكرة عن النَّصِّ الَّذي بين أيدينا. فقد كان حِزْقيال نبيًّا. وقد كان حِزقيال يَقوم بتوصيل رسائل دينونة. وكان واحدٌ مِن الأشخاص الَّذينَ أراد اللهُ أن يَدينهم على شرورهم هو مَلِك صُوْر. وقد كانت صُوْر مَدينة شَهيرة جدًّا في التَّاريخِ الكِتابيِّ. إذًا، فقد كان مَلِكُ صور رَجُلًا شرِّيرًا، بل شِرِّيرًا جدًّا. وكان عديم الرَّحمة، وقاسيًا، ووثنيًّا. وقد شاء الله أن يُعاقبه. وفي الأعداد 1-10 مِنَ الأصحاح 28 مِن سِفْر حزقيال، قال النبيُّ حزقيال نبوءةً ضِدَّ مَلِك صُور، أو "رَئيس صُور" كما جاء في العدد 2. وكانت تلك النُّبوءة هي عن هلاكه المُحَتَّم. فنحن نقرأ في العدد 10: "مَوْتَ الْغُلْفِ تَمُوتُ بِيَدِ الْغُرَبَاءِ، لأَنِّي أَنَا تَكَلَّمْتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ". بل إنَّ الآية 9 تقول إنَّه قال: "أنا إلَهٌ". والربُّ يَقول: "ستكون إنسانًا وليس إلهًا بيد الشَّخص الَّذي سيَقتُلُك. فيا لَكَ مِنْ إلَه. فأنت لن تكون إلهًا بالنِّسبة إلى الشَّخص الَّذي سيَقتلُك".

لِذا فإنَّنا نقرأ عن هذا الرَّجُل الَّذي كان يَدَّعي أنَّه الله. وما الَّذي يَعنيه ذلك؟ إنَّها أَشْنَعُ خَطِيَّة، وهي ماذا؟ الكِبرياء. لذلك فإنَّ النبيَّ حزقيال يتحدَّث إلى ملك صُور. ولكنَّهُ يَتجاوزُ ملك صور ويُشير إلى مصدر ذلك الشرّ وَهُوَ: الشيطان. وابتداءً بالعدد 11، فإنه يُشير إلى الشَّيطان الَّذي يقف وراء ملك صُور. وهذا ليس أسلوبًا غير مألوف في الكِتاب المقدَّس. ففي المزامير المسيحانيَّة، كثيرًا ما يَتِمُّ الحديث عن داود رغم أنَّ الحديث هو في الأصل عنِ المسيَّا. وفي إنجيل مَتَّى، قال رَبُّنا لبُطرس: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ!" فقد كان يتحدث إلى بطرس، ولكنه كان يُشير إلى مصدر تَصَرُّف بُطرس الشرير. وهُنا، يَتحدَّث حزقيال عَنِ القوَّة الَّتي تُحرك مَلِك صُور وتَجعله يتصرَّف بتلك الطريقة.

ونقرأ في العدد 12: "يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى مَلِكِ صُورَ وَقُلْ لَهُ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: أَنْتَ خَاتِمُ الْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ. كُنْتَ فِي عَدْنٍ جَنَّةِ اللهِ". ومِن الواضح أنَّ ملك صور لم يكن يومًا هناك. ولكنَّ حزقيال يَتحدَّث عن القوَّة الَّتي تقف خلف الملك. فهو يتحدَّث عن الشيطان قائلاً: "أنتَ خاتِمُ الكَمال". وهل تَعرفون معنى ذلك؟ لقد خُتِمْتَ بعلامة الكمال – أيْ أنَّك أروع خليقة الله. وقد خَتَمَكَ اللهُ بختم كَمالِهِ. فأنت أَكْمَلُ شيءٍ خَلَقَهُ اللهُ. "مَلآنٌ حِكْمَةً" وماذا؟ "وَكَامِلُ الْجَمَالِ". فإن أردتم أن تَعلموا مِعيار الله للجمال في العالم الروحيِّ، ينبغي أن تنظروا إلى هذا الملاك تحديدًا وإلى الجَمال الَّذي وَهَبَهُ اللهُ له. فحينئذٍ ستَعرفون مِعيار الله للجمال. فقد خَلَقَهُ كاملَ الجَمالِ وملآنًا حِكمةً. وقد أعْطاهُ كمالاً وخَتَمَهُ بأنَّه كذلك. أليس مِنَ المدهش أنَّنا حين نفكر في الشيطان اليوم فإنَّنا نفكر فيه كما لو كان قبيحًا؟

ثم نقرأ في العدد 13: "كُنْتَ فِي عَدْنٍ جَنَّةِ اللهِ". ثُمَّ إنَّه يصفه وصفًا بديعًا فيقول عنه: "كُلُّ حَجَرٍ كَرِيمٍ سِتَارَتُكَ، عَقِيقٌ أَحْمَرُ وَيَاقُوتٌ أَصْفَرُ وَعَقِيقٌ أَبْيَضُ وَزَبَرْجَدٌ وَجَزْعٌ وَيَشْبٌ وَيَاقُوتٌ أَزْرَقُ وَبَهْرَمَانُ وَزُمُرُّدٌ وَذَهَبٌ". اسمَعوني جيِّدًا: إنَّه يصف هذا الملاك بأنَّه مُتألِّقٌ ومُرَصَّعٌ بالحجارة الكريمة والمُجوهراتِ المُتلألئة. ولا أدري كيف يَسَعُنا أن نَستوعب ذلك. وهو يَصِفُهُ بأوصافٍ أُخرى قائلًا: "أَنْشَأُوا فِيكَ صَنْعَةَ صِيغَةِ الفُصُوصِ وَتَرْصِيعِهَا يَوْمَ خُلِقْتَ". وهل تعلمون أنَّه كان موسيقيًّا بارعًا في السماء؟ وهل تَعلمون أنَّ الشَّيطان كان على الأرجح قائد الفرقة الموسيقيَّة السماويَّة؟ فقد كان أَسْمَى كائنٍ خَلَقَهُ الله. وقد كان أجمل كائنٍ في السماء. وقد كان خاتم الكمال وأجمل خليقة الله. وقد كانت موسيقاه تفوق الوصف – وهذا يُعطيكم فكرةً عن نظرة الله إلى الموسيقا الَّتي تُمَجِّدُه. فاللهُ يُحِبُّ ذلك. فعندما خَلَقَ الله أسمى كائنٍ في الخليقة، جَعَلَهُ موسيقيًّا.

ونقرأ في العدد 14: "أَنْتَ الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ، وَأَقَمْتُكَ". أنا خَلَقْتُكَ. وأنا جَعلتُكَ أَسمى ملاكٍ؛ الكَروبَ المُنبسطَ المُظَلِّلَ. ولكِنْ ما الَّذي يُظَلِّلُهُ؟ لا أدري. فربما كان يَحومُ دائمًا حول الله بمعنى مِنَ المعاني. "وَأَقَمْتُكَ. عَلَى جَبَلِ اللهِ الْمُقَدَّسِ كُنْتَ. بَيْنَ حِجَارَةِ النَّارِ تَمَشَّيْتَ". وما المقصودُ بذلك؟ لا أدري أيضًا. ولكِن هناك شيء في السماء يُشبه الجبل الَّذي يحوي حجارةً بديعةً – وَمِنَ المُدهش أن نتخيَّل هذا الجبل اللامعَ والمُتلألئَ والمُتألِّقَ الَّذي يَفوقُ الوصف. وقد كان هذا الملاك يَتَمَشَّى مع الله في هذا المكان. فهذا هو وَصْفُ هذا الملاكِ تحديدًا.

ثم نقرأ في العدد 15: "أَنْتَ كَامِلٌ فِي طُرُقِكَ مِنْ يَوْمَ خُلِقْتَ" – كاملٌ. ثم نَقرأُ: "حَتَّى وُجِدَ فِيكَ إِثْمٌ". وقد كان يَكفي أن يقوم بذلك بمفرده، ولكن هل تَعلمون ماذا فعل؟ إنه لم يحتفظ بإثمه لنفسه، بل سَوَّقَ لَهُ. فنحن نقرأ في العدد 16: "بِكَثْرَةِ تِجَارَتِكَ مَلأُوا جَوْفَكَ ظُلْمًا فَأَخْطَأْتَ. فَأَطْرَحُكَ مِنْ جَبَلِ اللهِ وَأُبِيدُكَ أَيُّهَا الْكَرُوبُ الْمُظَلِّلُ مِنْ بَيْنِ حِجَارَةِ النَّارِ". فأيًّا كان مَعنى "جَبَل الله" وَ "حِجارة النَّار"، فإنَّها موجودة في السَّماء. والله سيَطْرَحُهُ مِنْها لا فقط لأنه أخطأ، بل أيضًا لأنه تاجَرَ بخطيئته.

ثم نقرأ في العدد 18: "قَدْ نَجَّسْتَ مَقَادِسَكَ بِكَثْرَةِ آثَامِكَ بِظُلْمِ تِجَارَتِكَ". وهل تَعلمون ما الَّذي فعله الشيطان حين طُرِدَ؟ إنَّه لم يَذهب بمفرده. وكم كان عدد الملائكة الَّذينَ رافَقوه؟ ثُلُثُ الملائكة! "فَأُخْرِجُ نَارًا مِنْ وَسْطِكَ فَتَأْكُلُكَ، وَأُصَيِّرُكَ رَمَادًا عَلَى الأَرْضِ أَمَامَ عَيْنَيْ كُلِّ مَنْ يَرَاكَ". فاللهُ يقول: "سوف تَدفع، أيها الشيطان، ثمنًا باهظًا". والآنْ، ما الإثْمُ الَّذي جَعَل هذا المخلوق البديع أنْ يَنحدر إلى الحضيضِ كما فَعَل؟ لنفتح على الأصحاح 14 مِن سِفْر إشعياء ونَقرأ عن هذا الإثم. فنحن نقرأ في العدد 12: "كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ [أو: لوسيفر]!" وهل يمكنكم أن تتخيلوا منظر سُقوط ذلك الملاك؟ مِن الصُّورة الَّتي كان عليها في حزقيال 28 إلى الصُّورة الَّتي هو عليها الآن بكل ما فيها مِن فسادٍ تامٍّ، وانحطاطٍ، وخِسَّةٍ، وبُغْضَة؟ كيف حدث ذلك؟ فعندما تكون غاضبًا مِنَ الشيطان، وعندما تشعر بالاشمئزاز منه، ينبغي أن تشعر في أعماق قلبك بالأسف عليه بسبب الطريق الَّتي سار فيها.

"كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ [أو: لوسيفر]، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟" وهذِهِ هِيَ خَطيئَتُكَ: "وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ". فهذه هي خطيئتهُ، يا أصدقائي. إنَّها خطيئةُ الكبرياء ... إنها خطيئةُ الكبرياء. وهي تَضُمُّ خمسة أمورٍ تَدُلُّ على الكِبرياء: أوَّلاً: "أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ". وما المقصودُ هنا؟ فقد كان هذا الملاكُ قد أُعْطِيَ صَلاحيَّة المُثول في حضرة الله. وقد كان الكروب الرَّئيسيُّ. ولكنه لم يَقُل: "أعتقدُ أنِّي سأذهبُ لزيارة الله". بل إنه يقول: "سوف أذهب إلى هناك وأبقى. فسوفَ أحْتَلُّ عرش الله. سوف أصعَدُ". وَمِنَ المكانِ الَّذي كان فيه، كان الصعود يعني شيئًا واحدًا وَهُوَ أنَّه يريد أن يَرتقي مِنْ كونِهِ رئيس الملائكة إلى أخْذِ مكانِ الله: "سوفَ آخُذُ مكانَ اللهِ".

ثانيًا، "أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ". بعبارة أخرى: سوف تكون سُلطتي على الملائكة فوق سُلطة الله. فسوف أتولَّى الحُكْمَ في السَّماء. ثالثًا، "وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ". رابعًا، نقرأ في العدد 14: "أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ". ويقول أغلبيَّة المفسرين إنَّ الكلمة "سَحاب" هنا لا تُشير إلى الغيوم البيضاء، بل إلى مجد الله، وإنَّ الكواكب تُشير إلى الملائكة. "سوفَ أصعدُ فوقَ مجدِ اللهِ". ثُمَّ إنه يُلَخِّصُ ذلكَ كُلَّهُ في النُّقطةِ الخامسةِ وهي: "أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ". وهل تعلمون أنَّ "العَلِيَّ" لَقَبٌ؟ فهذا لقبٌ للهِ بصفته مالِكَ السماواتِ والأرض. وما يَعنيه هُنا هو: "سوف أملك السماء والأرض". هل تَرَوْنَ خطيئة الأنا والكبرياء لديه؟ وقد سقطَ. لذلك فقد قال يسوع: "رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ". فعندما سقط، كان سقوطه سريعًا وهائلاً. وقد اختفى جمالُهُ حالاً. وقد حُكِمَ على كُلّ كائنٍ ملائكيٍّ افتكر بهذه الأفكار معه بالهلاكِ الأبديِّ. وهل تعلمون أنَّ جَهَنَّم خُلِقَتْ لأجل الشَّيطان وملائكته؟ إنَّها خطيئةٌ لا يَتخيَّلُها عقلٌ ... وَهُوَ سقوطٌ لا يَتخيَّلُهُ عقل. ولكنَّ ذلك حدث.

وما هي النَّتيجة؟ نقرأ في إشعياء 14: 15: "لكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ". فقد طُرِدَ مِنَ السَّماءِ لأنه صار فاسدًا. "اَلَّذِينَ يَرَوْنَكَ يَتَطَلَّعُونَ إِلَيْكَ، يَتَأَمَّلُونَ فِيكَ. أَهذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي زَلْزَلَ الأَرْضَ وَزَعْزَعَ الْمَمَالِكَ، الَّذِي جَعَلَ الْعَالَمَ كَقَفْرٍ، وَهَدَمَ مُدُنَهُ، الَّذِي لَمْ يُطْلِقْ أَسْرَاهُ إِلَى بُيُوتِهِمْ؟" فهو لم يُحْكَم عليه فقط بالطَّرْحِ في الهاوية، بل إنه صار مُحتقرًا ومنبوذًا. وقد كان ضعفه واضحًا وظاهرًا لجميع مَن ينظرون إليه. ونحن نقرأ في العدد 15 أنَّه سيُطرح في الهاوية. وهذا سيتحقَّق بحسب ما جاء في سِفْر الرُّؤيا 20 إذْ إنَّ الشيطان سيُطرح في بُحيرة النار إلى الأبدِ والدَّهر. وهكذا فقد سقط الشيطان.

وعندما سقط، لم يكن العالم قد سقط في الخطيَّة بعد. وحتَّى إننا لا نعرف إن كان العالم قد خُلِقَ أَم لا آنذاك. ونحن لا نَعرف أيضًا متى حدث السقوط – أيْ إنْ كان قد حدث قبل تكوين 1 أو بعده. ولكِنْ كان هناك خِياران أمام الله. فحالما سقط الشيطان ولحقت به تلك الشَّياطين، كان بمقدور الله أن يَنطق بكلمة فيَفنِيهُم جميعًا. فقد كان قادرًا على إفناء "لوسيفر" بكلمة. وقد كان قادرًا على إخماد التمرُّد وإنهاء العِصيان. أو ربما كان بمقدوره أن يَنتظر حدوث تَمَرُّدٍ آخر. ولكنَّ الله لم يَختر القيام بذلك. بل إنه اختار أن يُعطي المُتمرِّد فرصته الكاملة لاستغلال كُلّ ذَرَّة مِن قدرته والقيام بكل ما يقدر عليه. لذلك، فقد أعطاه كُلّ الوقت الَّذي يحتاج إليه (مِن تكوين 3 إلى تأسيس الملكوت). فقد أعطاه كُلّ الوقت الَّذي يريد لممارسة تمرُّده إلى أقصى حَدٍّ ممكن. لماذا؟ لماذا فعل الله ذلك؟ ولماذا سمح بذلك؟ لا يُجيبُنا الكتاب المقدَّس عن هذا السؤال، ولكن أعتقد أنَّ الله سمح بذلك، أي أنَّه سمح للتمرُّد بالاستمرار حتى النهاية إلى أن يستنفد الشيطان كُلّ قُدُراتِهِ وحِيَلِه لكي يُبيِّن لجميع الكائنات والمخلوقات على مَرِّ العصور أنَّ كُلّ الطرق والأساليب مُجتمعةً لن تنجح في إنزال الله عن عَرْشِه. وحين تنتهي تلك المدَّة، يا أصدقائي، سينتهي كل شيء. ولن يشكَّ أحدٌ ثانيةً بأنَّ سُلطان الله يمكن أن يُغتصَب.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ مزاعم الشيطان وطموحاته تُمتحن طوال الوقت. وسوف يَرى الكون بأسره مَرَّةً واحدةً وإلى الأبد أنَّ إنزال الله عن عرشه هو أمر مستحيل. وعندما تقرأون سفر الرؤيا، ستجدون أن الملائكة تُرَنِّمُ مُجتمعةً أنَّ الله مُمَجَّدٌ وأنَّ المسيح سيملك. فهم يعرفون أنه لا توجد طريقة أخرى. وطوال الوقت الَّذي يدوم فيه التمرُّدُ، يجب على الله القدُّوس أنْ يُظهر كراهيته للخطيَّة. ولأنَّه إلهٌ مُحِبٌّ، يجب عليه أن يَفدي الأشخاص الَّذين لا يريدون أن يكونوا جزءًا مِنَ التمرُّد.

إنَّ الصِّراعَ قائمٌ، يا أحبائي. وصدِّقوني أنه قائمٌ على جميع المستويات. هل تعلمون ذلك؟ فالحربُ مُسْتَعِرَةٌ على جميع المستويات في هذا الكون. والتمرد في أَوْجِهِ على عرشِ اللهِ. فبحسب ما جاء في أيُّوب 1، فإنَّ الشيطان أُعْطِيَ إذْنًا بالمثول أمام الله. وهناك صِراعٌ بين الاثنين. وبحسب دانيال 10، هناك صراعٌ على الصَّعيد الملائكيِّ. وربما تذكرون أنَّ الله أرسل ملاكًا في زمن دانيال، ولكنَّ شيطانًا أعاق ذلك الملاك. وحينئذً، أرسل الله ميخائيلَ لمساعدة ذلك الملاك. وقد ذهب هذا الملاك الخارقُ وهَزَمَ ذلك الرُّوحَ الشرير. وبذلك، فقد تمكَّن ذلك الملاك مِن الذهاب لإكمال مأموريَّته. فهناك حربٌ على المستوى الملائكيِّ. وإن لم تكونوا تعرفون ذلك، يجب عليكم أن تعرفوا هذا الأمر الآن. وهناك حربٌ على المستوى البشريِّ. فقد قال يسوع لِخُصومِهِ في إنجيل يوحنَّا 8: 44: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". وقد قال إنَّنا نحن أولاد الله. أولاد الله وأولاد الشيطان يتصارعون معًا. والكونُ كُلُّه أرض معركة. وأنا أتعجَّبُ أحيانًا عندما أرى المؤمنين يعيشون حياتهم باستخفافٍ وكأنَّ شيئًا لا يجري. فالشيطان يبحث عن نُفوس البشر. والله يبحث أيضًا عن نفوس البشر. ويجب علينا أن نكون في فريق اللهِ وأن نَخوض المعركة إلى جانبه.

إذًا، هل هناك شيطانٌ؟ ينبغي لكم أن تؤمنوا بذلك. ومَنْ هو؟ إنه كائنٌ عاقلٌ. وَهُوَ روحٌ. وَهُوَ ملاكٌ ساقطٌ. وَهُوَ نَشيطٌ وعُدوانيٌّ في الحرب على الله ومقاصد الله في العالم اليوم. وسوف أختم بهذه الفكرة: إنَّ كُلّ شخصٍ يجلس في هذا المكان، وكل شخصٍ على وجه الأرض هُوَ إمَّا ولدٌ للهِ أو ولدٌ للشيطان. فأنت إمَّا في هذا الجانب أو ذاك. أليس كذلك؟ فقد قال يسوع: "مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ". فإنْ أردتَ أنْ تنضمَّ إلى المخلوق الساقط المحكوم عليه بالدينونة واللعنة هو وجميع أعوانه، فإنَّ القرار يَرجع إليك. ولكنَّ يسوع يقولُ لك بقلبٍ مكسورٍ: "وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ". ولكنْ يمكنك أن تَنضمَّ إلى صَفِّ الله مِن خلال المجيء للمسيح. وإذا كنتَ، أيُّها المؤمن، تَعرف مَن هو الشيطان الآن، وما يفعله، وكيف كان سقوطه مأساويًّا، وماهيَّةَ هذا الملكوت، أرجو أن يساعدك ذلك في حَفْزِكَ على خوض المعركة، وعلى مقاومة الشيطان، وعلى عدم إعطائه مَوْطِئَ قدمٍ في حياتك، وعدم السماح له بالتفوُّق عليك. لذلك، لا تُعْطِهِ سنتمترًا واحدًا. فالله يستحقُّ أنْ تُعطيه كُلّ تمجيدٍ وتسبيحٍ وأنْ تُكَرِّسَ له حياتك بأسرها. فقد هُزِمَ الشيطان على الصليب. ومع أنَّه مهزومٌ، فإنه ما زال يَرْفُسُ ويُصارِع. وَهُوَ سيستمرُّ في القيام بذلك حتى النهاية. لذلك، يجب علينا أن نَلتصق بالله وأن نُقاوم ونصارع هذا العدوَّ الَّذي نَعرفه. ونحن نفعل ذلك مِن أجل تمجيد الله ومِن خلال قُوَّته.

نشكرك يا أبانا على هذا الوقت الَّذي أَتَحْتَهُ لنا في هذا المساء لدراسة كلمتك. وإذْ نَتحدث عن هذا الكائنِ العاقلِ الموجود حقًّا، والذي ربما يسمعنا الآن، فإنَّنا نشكرك لأنَّ الَّذي فينا أعظمُ مِنَ الَّذي في العالم. ونحن نشكرك لأنه عَدُوٌّ مهزومٌ. وليتك تحفظنا، يا رب، مِن أن نُعطيه أيَّ فُرصة، أو أن نَميل إلى صَفِّهِ، أو مِنْ أن نُصَدِّقَ أيًّا مِن فلسفاته الَّتي تأخذ شكل مذاهب إنسانيَّة أو ماديَّة أو شَهَوانيَّة أو جنسيَّة، أو مِنْ أن نُصَدِّق كل الأشياء الأخرى الَّتي يُرَوِّج لها عادةً. وليتك تُعطينا نِعمة لكي نُكَرِّس أنفسنا بالتمام لذاك الَّذي فدانا وأحبَّنا، ولله الَّذي يستحقُّ تسبيحَنا وإكرامَنا وحياتَنا. ونحن نشكرك، يا أبانا، لأنك تساعدنا على معرفة عدوِّنا معرفةً أفضل. وبعد أن عرفناه، نرجوك أن تساعدنا على أن نقاومه، وأن نُحاربه، وأن نَتقوَّى في الربِّ وفي شِدَّة قُوَّتِهِ. نُصلِّي هذا باسم المسيح المُبارَك المُنتصِر. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize

Currently Playing

Today's Radio Broadcast

Playlist

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize