Grace to You Resources
Grace to You - Resource

يا لَهُ مِنَ امتيازٍ أنْ نَبتَدِئَ في هذه السِّلْسِلةِ دراسةَ النُّموِّ الروحيِّ كما تُعَلِّمُهُ كلمةُ الله. وبصراحة، لا أعتقد أنهُ يوجد ما هوَ أَهَمُّ مِنْ أنْ يَنمو المؤمنُ روحيًّا. واسمحوا لي أنْ أُشاركَ معكم في البداية مَقْطَعَيْنِ كِتابِيَّيْنِ مُهِمَّين جدًّا يُساعِدانا على أنْ نرى هذا الأمرَ مِنَ المنظورِ الصَّحيح. فنحن نقرأ في رسالة بطرس الثانية 3: 18 (وهي الآية الأخيرة في رسالة بطرس الثانية) - نقرأُ الكلماتِ التالية: "وَلكِنِ انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ المسيح. لَهُ الْمَجْدُ الآنَ وَإِلَى يَوْمِ الدَّهْرِ. آمِين". وخُلاصَةُ ما يَقولُهُ بُطرس في هذه الرسالة الرائعة هي أنَّنا نَنْمو "في النِّعمة". وإذا عُدْنا إلى بداية رِسالته الأولى تقريبًا (وتحديدًا إلى الأصحاحِ الثَّاني والعددِ الثَّاني) فإنَّهُ يقول: "وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ".

ولا نُخْطئ إنْ قُلنا إنَّ بُطْرُسَ يَبتدئُ رسالته العمليَّة هذه ويَخْتِمُها بدعوتنا إلى النُّمُوِّ. فالنموُّ الروحيُّ مُهِمٌّ لحياةِ المؤمنِ كما أنَّ النُّمُوَّ الجسديَّ مُهِمٌّ للإنسان. وقد أَوْصَانا اللهُ أنْ ننمو. وإنْ كان هناك أمرٌ مُحْزِنٌ أكثرَ مِنْ أنْ يكون المؤمنُ مُتَعَثِّرًا في نُمُوِّهِ الرُّوحيِّ فهو أنْ يَمْضي وقتٌ طويلٌ في حياته الروحيَّة دون أنْ يَنضُج. ولا بدَّ أنَّنا رأينا جميعًا أطفالاً يُعانونَ (بطريقةٍ أو بأُخرى) إعاقةً في نُمُوِّهم. وإنَّهُ لأمرٌ مُحزنٌ حقًّا أنْ نَرى شخصًا يعيشُ منذُ وقتٍ طويلٍ ولكنه لا ينمو جسديًّا أو عقليًّا أو عاطفيًّا أو اجتماعيًّا.

والأخطر مِنْ ذلك هو أنَّنا نَرى في أوقاتٍ كثيرة أُناسًا مضى على إيمانهم بالمسيح سنوات طويلة دون أنْ ينموا روحيًّا. لذلك سوف نقوم (في أثناء دِراسَتَنا معًا في هذه الجلْسات) بالتحدُّث عن فكرة النمو الروحيِّ هذه - أيْ كيف تنمو في النِّعْمَة، ومعنى أنْ تَنْضُجَ كَمُؤْمِن.

وفي البداية، اسمحوا لي أنْ أُشارك معكم بعض المفاهيم التي تُساعدنا كَنُقطة بداية. أوَّلاً، لا توجد علاقة بينَ نُمُوِّنا الروحيِّ ومقامِنا في المسيح. وما أعنيه بذلك هو أنَّك لا تنمو ثُمَّ تصيرُ مؤمنًا مسيحيًّا. فالإيمانُ المسيحيُّ هو مُعْجِزة تحدُث حالاً. فالولادة الجديدة هي شيءٌ يحدث فجأةً في حياتك عندما يَضُمُّكَ اللهُ إلى جسدِ المسيح لحظةَ إيمانك به. فهو ليس عمليَّةً تَحْدُث، بل هو مُعجزة خارقة تحدُث في لحظة. صحيحٌ أنَّ هناك عمليَّة تَحدُث حينَ تَسْمَعُ رسالةَ الإنجيل، ولكنَّ اللَّحظة الحقيقية للخلاص هي لحظة مُعجزيَّة تَعْبُرُ فيها مِنَ الموتِ إلى الحياةِ، ومِنْ مملكةِ الظُّلمة إلى ملكوت ابنِ مَحَبَّتِهِ (كما يقول الرسول بولُس). لذا فإنَّ النُّمُوَّ الروحيَّ لا يَختصُّ بمقامك في المسيح. فأنت تصير في المسيح لحظةَ إيمانك. وفي تلك اللحظة (كما يقول بولس لأهل كورِنثوس): "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المسيح فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ". فأنتَ تَصيرُ حالاً خليقةً جديدة. وبولُس يقولُ في رسالة كولوسي 2: 10: "وَأَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ" - أيْ: مِنْ جِهَةِ المَقام. وبُطرسُ يقولُ أيضًا إنَّهُ حينَ تَصيرُ مُؤمِنًا فإنَّ اللهَ يَهَبُكَ "كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى" (كما جاءَ في رسالة بُطرس الثانية 1: 3).

لذلك، عندما تصير مؤمنًا فإنَّكَ تصيرُ في المسيح، والمسيحُ يأتي إلى حياتك، وتحصل على كل البركات الروحيَّة التي في السماويَّات، وتحصل على كل ما هو للحياة والتقوى، وتصير كاملاً فيه. فمِن جهة المقام فإنَّ الله يهتم بكلِّ شيء. لذلكَ فإنَّ النموَّ الروحيَّ لا يختصُّ بمقامِك في المسيح.

ثانيًا، النُّموُّ الرُّوحِيُّ لا يَعني الحُصولَ على إحسانِ اللهِ أوْ مَحَبَّتِه. فقد تَسْمَعُ أَبًا يقولُ لابْنِهِ: "إذا فعلتَ كَذا سأُحبُّك". ولكنَّ اللهَ لا يقول ذلك البتَّة. فالله يُحبُّنا بِغَضِّ النظر عمَّا نفعله. فبحسب ما جاء في الأصحاح الخامس مِنْ رسالة رومية فإنَّ اللهَ أَحَبَّنا ونحنُ بعدُ خُطاة، أيْ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّنا كُنَّا أعداءَ لَهُ وبَعيدينَ عنه - حتَّى قبل أنْ نأتي إلى المسيح. وعندما تصيرُ مؤمنًا فإنَّ اللهَ يستمرُّ في محبته المُطْلَقَةِ لك لأنَّ محبَّةَ اللهِ لا تعرف مِقْياسًا، ولا تعرف درجات، ولا تعرف مستوياتٍ مختلفة. فالله يُحِبُّ جميع البشر محبَّة كاملة ومتساوية. وهذا يَشْمَلْ حتَّى غيرَ المُخَلَّصين. وهذا أمرٌ مُدهشٌ جدًّا. لذلك عندما تصير مؤمنًا فإنَّ الله يحبُّك محبَّة كاملة لأنَّك واحدٌ مِنْ عائلته. والنُّمُوُّ الروحيُّ لا يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ الحصول على المزيدِ مِنْ محبَّةِ الله. فأنت لا تنمو لكي تكسبَ المزيدَ مِنْ إحسان الله. فهذا الإحسانُ هو شيءٌ يحدُث حالاً عند الخلاص.

ثالثًا، النُّموُّ الروحيُّ لا يتوقَّفُ على الفترة الزَّمنيَّة. فقد قُلْنا (أوَّلاً) أنَّ النُّموَّ الرُّوحِيَّ ليس لَهُ علاقة بالمقامِ في المسيح. وقُلْنا (ثانيًا) إنَّه لا علاقةَ لَهُ بمحبَّةِ اللهِ للكنيسة. ثالثًا، النُّمُوُّ الرُّوحِيُّ لا يتوقَّفُ على الفترةِ الزَّمنيَّة. فَهُناك أشخاصٌ مَضَى على خلاصِهِم وقت طويلا، ولكنهم لا ينمون سوى قليلاً. وهناك أشخاصٌ مضى على خلاصِهِم وقتٌ قصير ولكنهم ينمون كثيرًا. ومِنَ المؤكَّد أنَّ الوقتَ عاملٌ مُهِمٌّ في النُّمُوِّ لأنَّنا إذا استَمَرَّيْنا في النمو فترةً طويلةً سنُحَقِّقُ نُضْجًا أكثرَ مِنْ شخصٍ مَضَى عليه وقت أقصر. ولكنَّ الوقتَ في ذاته ليس العُنْصُرَ الحاسِمَ، بل إنَّ التكريس لمبادئ النموِّ الروحيِّ هو الذي يَصْنَعِ الفَرْقَ. فنحن لا نَقيسُ النُّضجَ الرُّوحِيَّ بالوقت.

رابعًا، النُّمُوُّ الرُّوحِيُّ لا يتوقَّف على المعرفة فقط. فأعتقد أنَّنا نُساوي أحيانًا بين النُّضْجِ الرُّوحِيِّ والمعرفة التي لدينا. ولكنَّ هذا ليس العُنصر الأهَمّ. فالمعرفة في ذاتها ليست النقطة الجوهريَّة. بل إنَّ النقطة الجوهريَّة تختص بما تفعله بمعرفتك هذه. والحقيقة هي أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقول إنَّ المعرفة تَنْفُخُ الإنسان. والكبرياءُ حالَة. وعندما يكون المؤمنُ في تلك الحالة، فإنَّ نُمُوَّهُ الروحيَّ سَيُعاقُ حَالاً. فمعرفةُ الحقائق لا تُماثِلُ النُّضْجَ الروحيَّ. ولكنْ عندما تُشَكِّلُنا هذه الحقائقُ وتَجْعَلُنا مُشابهينَ للمسيح، فإنَّ تلك المعرفة تُسْهِمُ في نُضْجِنا.

وهناك نقطةٌ أُخرى ينبغي أنْ نذكرها وهي أنَّ النُّموَّ الروحيَّ لا يَعتمدُ على الأنشطة. فَهُناك أشخاصُ يَظنُّون أنَّهم إنْ جاءوا إلى الكنيسةِ وكانوا نَشِطين في الكنيسةِ ومتحمِّسين جدًّا، وأنَّهُمْ إنِ انضَمُّوا إلى إحدى اللِّجانِ أوِ المَجالِسِ، أوْ إذا انضمُّوا إلى جَوْقَةِ التَّرنيمِ أو فعلوا أيَّ شيءٍ آخر فإنَّ ذلكَ سَيَضْمَنُ نُمُوَّهُمْ رُوحيًّا. فَهُمْ يَظُنُّون أنَّهم إنْ أطالوا المكوث في الكنيسة فإنَّ بعض النُّضْجِ الروحيِّ سينتقل (بطريقةٍ ما) إلى حياتهم، وأنَّهم إنْ كانوا مُنهمكين في الأنشطة فإنَّ هذه دلالة على النُّضجِ الروحيّ.

ولكن اسمعوني جيدًا: لم يكُن هناك أشخاصٌ أكثر انهماكًا في الأمور الدينيَّة مِنَ الفَرِّيسيِّين. وبالرَّغمِ مِن ذلك فقد كانوا أكثرَ النَّاسِ بُعْدًا عنِ الحَقّ. فقد قال يَسوعُ في الأصحاح السابع مِنْ إنجيل متَّى: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِــي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! ’أَلَيْسَ بِاسْمِكَ ... صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟‘ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: ’إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِــي الإِثْم!‘". اسمَعوني: إنَّ انشغالَ المَرْءِ بالأنشطة لا يعني البَتَّة أنَّهُ مُخَلَّص، ولا يَعني البَتَّة أنهُ يَنمو رُوحيًّا.

وهناك نقطة تمهيديَّة أخيرة أوَدُّ أنْ أذكرها وهي أنَّ النُّموَّ الروحيَّ لا يرتبط بالرَّخاءِ الماديِّ. فأنا أُدهَشُ دائمًا حينَ أرى أنَّ أُناسًا كثيرين يَرْبِطونَ بينَ حالتهم الماديَّة وإحْسانِ الله. فإنْ كانْ لديهم الكثير فإنَّهم يَظُنُّون أنَّ اللهَ قد باركهم لأنهم كانوا مؤمنين رائعين. صحيحٌ أنَّ اللهَ رُبَّما بارَكَكَ ماديًّا. ولكنَّ هذا لا يعني بالضرورة أنَّك ناضجٌ روحيًّا. لذلك لا تُفَسِّرْ أحوالَكَ الإيجابيةَ بأنَّها تَعني أنَّ اللهَ قَدْ وَضَعَ خَتْمَ مُوافَقَتِهِ على نُضْجِكَ الرُّوحِيِّ.

فالنُّضجُ الرُّوحِيُّ لا يُقاسُ بهذه الأشياء. فهو لا يَتَوقَّفُ على مقامِكَ في المسيح، ولا على مَحَبَّةِ اللهِ لكَ، ولا على عاملِ الزَّمَن. ولا على عامِلِ المعرفة، ولا على عامل الأنشطة، ولا على عامل الرَّخاءِ الماديّ. إذَنْ، ما هو النُّضْجُ الرُّوحيُّ؟ اسمحوا لي أنْ أُعَرِّفَ ذلك لكم تعريفًا بسيطًا جدًّا، ثُمَّ إنَّنا سنتوسَّعُ فيه أثناء دِراسَتِنا.

إنَّ النُّضجَ الرُّوحيَّ ليس شيئًا صُوفيًّا، أو عاطفيًّا، أو تأمُّليًّا، أو نَفسيًّا. وهو ليس نابعًا مِنْ سِرٍّ مُعيَّن أو صيغةٍ سحريَّةٍ يمكنُ تطبيقها بسهولة على الحياة مِنْ أجل ضمان المستقبل. فالنُّضجُ الروحيُّ يَتَلَخَّصُ في هذه الجملة البسيطة: "أنْ أُمارسَ في حياتي ما يُوافِقُ مَقامي". فمقامي في المسيح كامل. فأنا كاملٌ فيه. وأنا لديَّ كُلُّ ما للحياةِ والتَّقوى. وقد بارَكَني اللهُ بكل بركةٍ روحيَّةٍ في السماويَّات. وما ينبغي أنْ أفعله هو أنْ أتقدَّمَ في حياتي العمليَّةَ وأحْيَا حياةً تُوافِقُ مَقامي.

وما زلتُ أَذْكُرُ أنَّ ""بوبي ريتشاردسون" (Bobby Richardson) قال ذاتَ مَرَّة إنَّه عندما ارتدى الملابسَ الرياضيَّةَ لفريق الـ "يانكي" (Yankee) حين لَعِبَ كُرَةَ القاعدة، فإنَّه لَعِبَ بمهارةٍ تَفوقُ أيَّ وقتٍ سابقٍ في حياته. فقد كان هناك شيءٌ بخصوصِ ارتداءِ الزَّيِّ الرسميِّ لفريق "يانكي" جَعَلَهُ يُقَدِّمُ أَفْضَلَ ما لديه. وما زلتُ أَذْكُرُ ما قالَهُ لي مُدَرِّبو كُرُةِ القدم: "ماك آرثر! هناك شيءٌ واحدٌ نريد منك أنْ تفعله وهو أنْ تَلعبَ بحسب موقعك. لا تخرج عن موقعك". والمبدأُ نَفْسُهُ يَصِحُّ رُوْحِيًّا. فأنت لديك تعريفٌ لمقامِكَ مِنْ خلال سُكْنَى المسيحِ فيك. وما يقولُهُ اللهُ: "يجب عليك أنْ تحيا وَفْقًا لذلك المعيار". وهذا يَعني أنْ تُمارِسَ عَمَلِيًّا ما يُوافِقُ ذلك المقام.

والآنْ، سأقولُ الآتي ببساطة. وأريد منكم أنْ تفهموا هذا المبدأ: هناك مِفتاحٌ رئيسيٌّ لفهم النموِّ الروحيِّ فهمًا حقيقيًّا ومُمارسته. فهناك مِفتاحٌ رئيسيٌّ واحدٌ يَفتحُ مَغاليقَ هذا الأمر بِمُجْمَله. وهذا المبدأُ مَذكورٌ بوضوحٍ لنا في رسالة بطرس الثانية 3: 18 إذْ نقرأ: "وَلكِنِ انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ المسيح". ثُمَّ نقرأُ هذهِ الكلمات: "لَهُ الْمَجْدُ الآنَ وَإِلَى يَوْمِ الدَّهْرِ. آمِين".

وما يُدْهِشُني هو أنَّ النُّموَّ في النِّعْمَة يُساوي تمجيدَ الله. وهذا مفهومٌ مُهِمٌّ جدًّا. وأنا أريد منكم أنْ تفهموا ذلك. ففكرة النموِّ في النِّعْمَة بمُجملِها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتمجيد الله. وبصراحة، يا أحبَّائي، إذا فَهِمْتُم هذه النقطةَ فإنَّكم ستفهمون جيدًا عمليَّة النُّضجِ هذه. فالمِفتاحُ الرئيسيُّ لِكُلِّ نُضْجٍ رُوحِيٍّ يَتوقَّفُ على فَهْمِ معنى تمجيد الله. فهذا هو المفِتاحُ الرَّئيسيُّ.

والآن، اسمحوا لي أنْ أُبيِّنَ ذلكَ في مَسْحٍ عامٍّ للتَّاريخ في جَلسَتِنا هذه. أوَّلاً، تَذَكَّروا دائمًا أنَّ أعظمَ فكرةٍ في الكونِ كُلِّه هي مَجْدُ الله. فتمجيدُ الله هو لُبُّ الأمر، أوْ جوهرُ الأمر، أوْ "هيربونكت" (hierpunkt) إنْ أردتُم أنْ تعرفوا ذلك باللُّغة الألمانيَّة. فهو أَهَمُّ شيءٍ على الإطلاق. وَهُوَ ذُرْوَةُ إعلانِ الله. ففكرةُ تمجيدِ اللهِ هي سبب وجودنا.

فنحنُ نقرأُ في كِتاب "أُصُولِ التَّعْليمِ المسيحيِّ" القديم (الذي كَتَبَهُ الطَّهورِيُّونَ في القرن السَّابع عشر): "ما هي الغايةُ الأَسْمَى لوجودِ الإنسان؟ إنَّ الغايةَ الأَسْمَى لوجودِ الإنسانِ هي أنْ يُمَجِّدَ اللهَ ويَتَمَتَّعَ بحُضورِهِ إلى أبد الآبدين". وهذا صحيح. والحقيقةُ هي أنَّ هذا ليس فقط السببَ الجوهريَّ لوجود الإنسانِ، بل إنَّه أيضًا السببُ الجوهريُّ لوجودِ كُلِّ شيء. فلنأخذ على سبيل المثال العالمَ أوِ الكَوْن. فنحن نقرأ في المزمور 19: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ". لِذا فإنَّ الكَوْنَ الفَسيحَ مَخلوقٌ لكي يُمَجِّدَ الله.

وإذا انتقلنا إلى سِفْر إشعياء 43: 20 فإنَّنا نسمع إشعياء يقول: "يُمَجِّدُنِي حَيَوَانُ الصَّحْرَاءِ". لذلك فإنَّ العالم أو الكون بمُجمله يُمَجِّدُ اللهَ، وحَيَوَانُ الصَّحراءِ يُمَجِّدُ اللهَ أيضًا. لذا فإنَّ العالمَ المَخلوقَ (بِكُلِّ ما فيه مِنْ جَماداتٍ ووُحوشِ البريَّةِ [أوِ الحَيَواناتِ] وكُلِّ شيءٍ آخرَ) قد خُلِقَ لتمجيده. ونقرأ في الأصحاح الثاني مِنْ إنجيل لوقا عن الملائكة التي ظهرت عند ولادة المسيح. وما الذي تقولُهُ تلكَ الملائكة؟ "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي". لذا فإنَّ الكونَ كُلَّهُ قد خُلِقَ لتمجيد الله.

والحقيقة هي أنَّه عندما تأتي نِهايةُ كُلِّ شيءٍ في التاريخ ونَصِلُ إلى سِفْر الرُّؤيا فإنَّنا نَجِدُ استعراضًا شاملاً للتاريخِ، ونجدُ أنَّ اللهَ سيَفدي شعبَهُ، وأنَّهُ مُزْمِعٌ أنْ يُقيمَ مَملكَتَهُ المجيدةَ الأبديَّةَ، وأنَّ هناك ترنيمة عظيمة تقول: "المَجْدُ للهِ! المَجْدُ للخروف!" لأنَّ هذا هو القَصْد الذي خُلِقَ كُلُّ شيءٍ لأجله.

وقد عَبَّرَ دَاوُدُ تعبيرًا صحيحًا عن ذلك في المزمور 16: 8 حين قال: "جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ. ... لِذَلِكَ فَرِحَ قَلبي". بعبارة أخرى: أنا أُرَكِّزُ في كُلِّ ما أفعَل على تَمْجيدِ اللهِ. وَاللهُ يَمْلأُ قلبي فَرَحًا.

وهذه هي المُبادَلَة الَّتي يُريدُ اللهُ أنْ يُقَدِّمِهَا للإنسان: أنتَ تُمَجِّدُني، وأنا أُعطيكَ فَرَحًا. "جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ. ... لِذَلِكَ فَرِحَ قَلبي". وهذا هوَ سَبَبُ وُجودِنا. لذلكَ فإنَّ الكتاب المقدَّس يقول مِرارًا وتكرارًا: "أَعْطُوا مَجْدًا لله". ولذلك فإنَّنا نقرأ في الأصحاح السَّادس عشر مِنْ سِفْر أخبار الأيَّام الأوَّل: "هَبُوا الربَّ مَجْدًا ... هَبُوا الربَّ مَجْدًا". ونقرأُ في سِفْر المزامير: "قَدِّمُوا للربِّ مَجْدًا ... قَدِّمُوا للربِّ مَجْدًا". وعندما وُلِدَ المسيح، قالتِ الملائكةُ: "المَجْدُ لله". ونقرأُ أيضًا ""فَإِذَا كُنْتُمْ ... تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ". ونقرأ في الأصحاح الثالث من رسالة أفسُس: "لكي يَتَمَجَّدَ اللهُ في الكنيسة". ونقرأ في سِفْر الرُّؤيا: "المَجْدُ للخَروف ... المَجْدُ لله". ونقرأُ هنا أيضًا هذهِ الصَّلاة الخِتاميَّة: "لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِين". فهذا هُوَ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ مِرارًا وتَكرارًا.

ونقرأ في رسالة تيموثاوس الأولى 1: 17: "وَمَلِكُ الدُّهُورِ الَّذِي لاَ يَفْنَى وَلاَ يُرَى، الإِلهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ، لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ". ونَجِدُ مَرَّة أُخرى الفِكْرَةَ نَفْسَها. فالسَّبَبُ الأسْمى لوُجودِنا هُوَ أنْ نُمَجِّدَ الله.

والآن اسمعوني: عندما نحيا حياةً تُمَجِّدُ اللهَ، فإنَّنا نَضَعُ أنْفُسَنا في صُلْبِ عمليةِ النُّضجِ الروحيِّ. فأثناءَ تَمْجيدِنا للهِ فإنَّنا نَبتدئُ بالنُّموِّ. والآن، اسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ ذلك لكم مِنْ خلال النظر إلى رسالة كورنثوس الثانية 3: 18. وهذا نَصٌّ مُهِمٌّ جدًّا في العهد الجديد. 2 كورنثوس 3: 18. والآن لاحظوا الآتي: "وَنَحْنُ جَمِيعًا" [والحَديثُ هُنا، دُوْنَ شَكٍّ، هُوَ عنِ المُؤمِنين] "نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ". بعبارةٍ أخرى: فإنَّ البُرْقُعَ الَّذي كانَ مَوْضوعًا على المؤمنينَ في العهدِ القديم، أوِ البُرْقُعَ الَّذي كانَ موجودًا مِنْ خلالِ النَّاموس، هُوَ بُرْقُعٌ رَفَعَهُ العهدُ الجديدُ مِنْ خلالِ إعلانِهِ الرَّائع: بِوَجْهٍ مَكْشوف" – أيْ أنَّهُ لم تَعُدْ هُناكَ أمورٌ مَخْفِيَّة عَنَّا. ولا حاجةَ إلى أنْ نَبْحَثَ كَما بَحَثَ الأنبياءُ لِفَهْمِ ما كَانُوا يَكْتُبون لأنَّ البُرْقُعَ قَدْ رُفِعَ.

"كَمَا في مِرْآةٍ". بعبارةٍ أخرى: فإنَّنا نَنْظُرُ إلى مِرآةٍ – فماذا نَرى؟ إنَّنا نَرى "مَجْدَ الربِّ". والآنْ، لاحِظُوا الآتي: إذْ نَنْظُرُ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ (لأنَّ البُرْقُعَ قد رُفِعَ في العهدِ الجديد)، وإذْ نَفهمُ العهدَ الجديدِ والحقائقَ العظيمةَ الَّتي يُعْلِنُها، فإنَّنا نُرَكِّزُ على مَجْدِ الربِّ. وماذا يَحْدُثُ حينئذٍ؟ "نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ".

والآن اسمعوني: إنَّ القوَّةَ وراء النُّمُوِّ الرُّوحِيِّ هي الرُّوحُ القُدُس. فالرُّوحُ القُدُسُ هو الذي يُعطينا القدرة على النُّموِّ. والروح القدس هو الذي يَهَبُ الحياة. والحياةُ هي نُمُوٌّ. لذلك، إذْ يَمْلأُ الروحُ حياتَنا بقوَّته، فإنَّه يَجعلنا ننمو لنصير مُشابهين للمسيحِ. وَهُوَ يَنْقِلُنا مِنْ مستوى مِنَ المَجْدِ إلى المستوى الَّذي يَليه، والمستوى الَّذي يَليه مِنَ المجد. ولكنَّ الشَّرْطَ هو أنْ نَتَفَرَّسَ في مَجْدِ الرَّبِّ. ولِتلخيصِ ذلك، عندما نُرَكِّزُ (أنا وأنتم) على مَجْدِ اللهِ فإنَّ روحَ اللهِ هو الذي سيُعطي القوَّةَ اللَّازمةَ لعمليَّةِ النُّموِّ الروحيِّ.

لذا فإنَّ النقطةَ المُهمَّةَ هي الآتيَّة: لكي تنموا روحيًّا، يجب عليكم أنْ تُرَكِّزوا على مجد الله. ولا حاجةَ إلى التَّفكيرِ في ما يفعله الرُّوحُ القُدُس. فَهُناك أُناسٌ يُفَكِّرونَ كثيرًا في ما يَفعلُه الرُّوحُ القُدُس. ولكنْ لا تُرَكِّزوا على ما تَفعلونه، ولا على ذَواتِكُم، ولا تَنغمسوا في تَحليل كُلِّ شيءٍ يَختصُّ بكم، بل رَكِّزوا بالحَرِيِّ على مَجْدِ الرَّبِّ. فهذه هي النقطة الجوهريَّة، وهذا هو السَّبَبُ الأسْمَى للحياة. وهذا هو المِفتاحُ [بَلِ المِفتاحُ الرَّئيسيُّ] للنُّموِّ الروحيِّ.

ولكي أُبَيِّنَ لكم أهميَّة ذلك، أَوَدُّ منكم أنْ تَرَوْا أنَّ الدينونةَ القُصوى للإنسان في التاريخ تَنْجُمُ عن عدمِ إعطاءِ المَجْدِ لله. انظروا إلى رسالة رومية 1: 21 - رومية 1: 21. ولَعَلَّكُم تذكرون أنَّ الرسولَ بولُسَ يُوَجِّهُ التُّهْمَةَ إلى الجنسِ البشريِّ بسببِ رَفْضِهِ للحَقِّ. وَهُوَ يقول في رسالة رومية 1: 21: إليكم مُشكلةَ الإنسانِ الرَّئيسيَّة: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ" – وأرجو أن تتوقَّفوا هُنا قليلاً.

ما الَّذي تَعْنيه بأنَّهُمْ: "عَرَفوا الله؟" هَلْ تَعني أنَّ البَشَرِيَّةَ كُلَّها، وأنَّ النَّاسَ جَميعًا، قَدْ عَرَفوا اللهَ؟ أجل، لقد عَرَفوه. فنحنُ نقرأ في العدد 19: "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ". فمِنْ خِلالِ ضَميرِهِم، عَرَفوا اللهَ. ونقرأُ في العدد 20: "لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً". فقد عَرَفوا اللهَ مُنْذُ الخَليقة. لِذا فإنَّ الإنسانَ يمتلك معرفة داخليَّة بالله، ومعرفة خارجيَّة. ولكِنَّنا نَقرأُ: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ [بتلكَ الطَّريقة] لَمْ يُمَجِّدُوهُ ... كَإِلهٍ. وهذه هي التُّهمةُ الرَّئيسيَّةُ المُوَجَّهَةُ إلى الجنسِ البشريِّ. فَهُمْ لم يُمَجِّدوا الله. فنحنُ نقرأ في العدد 23: "بَلْ ... أَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ". بعبارةٍ أخرى: فقد أَوْجَدُوا أنظمةً ودياناتٍ بشريَّةً وثنيَّة.

والآن لاحظوا الآتي: لقد تَخَلَّى الإنسانُ عن فكرةِ مَجْدِ الله. فقد تَرَكَها. وعندما فَعَلَ ذلكَ، فَصَلَ نَفْسَهُ عن الحياةِ الروحيَّةِ والنُّموِّ الروحيِّ. لذلكَ فإنَّ تاريخَ الإنسانِ هو تاريخٌ يَنْحَدِرُ إلى أسفل. أليس كذلك؟ إنَّه تاريخٌ يَنْحَدِرُ وَيَهوي إلى أسفل. فهو لا يَقْدِرُ أنْ يَصْعَدَ ولا يَقْدِرُ أنْ يَنمو لأنَّه يَرفُضُ مَجْدَ الله. ولكنَّ مَجْدَ اللهِ هو القوَّةُ الَّتي تَدْفَعُ عَمليَّةَ النُّموِّ الروحيِّ.

والآن، اسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم نُبْذةً تاريخيَّةً عن الكتابِ المقدَّسِ بصورةٍ مُوجزة. وقد يقول أَحَدُكُم: "إنَّ عُقولَنا الصغيرةَ قد لا تستوعبُ حتَّى ذلك". ولكنْ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال، أريد منكم أنْ تَرَوْا كيف أنَّه طَوَالَ التاريخ، فإنَّ اللهَ كان وما يزال يَفعلُ شيئًا واحدًا رئيسيًّا - شيئًا واحدًا فقط. فطَوَالَ تاريخِ الإنسان، كان اللهُ [وما يزالُ] يُظْهرُ مَجْدَهُ للإنسانِ ويَعْكِسُ السُّقوطَ. أيْ أنَّه كان وما يزال يُحاوِلُ أنْ يُغَيِّرَ واقعَ ما جاء في الأصحاح الأول مِنْ رسالة رومية - أيْ لا أنْ يَبتعدَ الإنسانُ عنْ مَجْدِ اللهِ، بلْ أنْ يَتَّجِهَ صَوْبَهُ. لذلك فإنَّنا نجد طَوَال التاريخِ الكتابيِّ أنَّ اللهَ يُريدُ مِنَ البشر أنْ يَرَوْا مَجْدَهُ.

والآن، اسمحوا لي أنْ أُبَيِّن لكم ذلك بطريقة بسيطة جدًّا. ولا حاجةَ إلى أنْ تفتحوا على هذه الآيات لأنَّنا سنقرأها بسرعة. فنحن نقرأ في الأصحاح الثالث مِنْ سِفْر التكوين شيئًا تذكرونه جيدًا إذْ نقرأ في العدد الثامن أنَّ آدمَ وحوَّاءَ كانا يسيران مع الله ويتحدثان إليه عند هُبوب ريح النهار. والحقيقةُ العظيمةُ لِجنَّةِ عَدْنٍ قبل السقوط هي أنَّ آدمَ وحوَّاءَ كانا يعيشان في حضرة الله.

وقد كان العِبْرانِيُّون يَستخدمونَ كلمةً مُعَيَّنَةً للتَّعبيرِ عن ذلك. فقد كانت لديهم كلمة تعني "حُضور"، أو كلمة تعني "يَسْكُن" أوْ "يُقيم". والكلمةُ هي: "شَكِيْنَة". لذلكَ فقد كان آدمُ وحوَّاءُ يعيشان معَ "شَكينةِ" اللهِ – "شكينةِ" المَجْدِ. فاللهُ رُوْح. أليس كذلك؟ فهذا هو ما جاء في إنجيل يوحنا 4: 24. لذلك، لم يكن للهِ جَسَدٌ في جَنَّةِ عَدْن. إذَنْ، كيف كان اللهُ يُعلنُ ذاته؟ أعتقد أنَّ اللهَ أَعْلَنَ ذاتَهُ بطريقةٍ مُنيرةٍ وَمَجيدَةٍ، أو في "شَكينةٍ"، أوْ في نُوْرٍ مَجيدٍ – وقد كانَ ذلكَ نُوْرًا مُتَوَهِّجًا تقريبًا، أوْ نُورًا ساطعًا ومتوهِّجًا. وأنا أعتقدُ أنَّ اللهَ ظَهَرَ بتلك الطريقة لأنَّنا نَراهُ يَظهر بتلك الطريقة في مواضعَ أُخرى في الكتاب المقدَّس.

لذا فإنَّنا نَرى هُنا هذا النُّوْرَ، وهذا التَّصْويرَ لمجدِ الله الأبديِّ وغير المحدود الذي كان يَسْكُنُ في جَنَّةِ عَدْنْ مع آدمَ وحوَّاء. وقد كانا في شركةٍ مع الله. ولكنْ عندما أَخْطَأا (بحسب ما جاء في العدد 3: 24) طُرِدَا حالاً مِنَ الجنَّةِ. وقدِ انفصلا عن مجدِ الله، وانفصلا عن مجد شَكينةِ الله. وقد أقامَ اللهُ شَرْقِيِّ جَنَّةِ عَدْنٍ ملاكًا يَحملُ سيفًا لكي يَمْنَعَهُمَا مِنَ الدخول.

وهذه هي النقطة الأساسيَّة. فالبشر الساقطون لا يمكنهم أنْ يختبروا مجد الله. والبشر الساقطون لا يمكنهم أنْ يسكنوا في حضرته. والبشر الساقطون لا يمكنهم أنْ يمجدوا اللهَ، ولا يمكنهم أنْ يقترنوا بالله في مجده. لذا فقد انفصلوا عنه. وهذه هي مأساةُ التاريخِ البشريِّ.

والآن اسمعوني: مِنْ ذلك الوقت فصاعدًا، عَمِلَ اللهُ كُلَّ ما يَلْزَم لكي يجعل الناسَ يَرَوْن مجده. وهو ما يَزالُ يفعل ذلك اليوم. ولكنْ لِنَرَ كيفَ فَعَلَ اللهُ ذلك في القديم. انظروا إلى سِفْر الخروج والأصحاح 33. وأوَدُّ أنْ تفتحوا على هذا الأصحاح. سِفْر الخروج والأصحاح 33. ونحن نرى هنا بَنِي إسرائيل بقيادة رَجُلٍ عظيمٍ هو "مُوْسَى". وكانوا قد وصلوا إلى نقطةٍ حَرِجَةٍ في حياتهم إذْ إنَّهم تَرَكُوا أرضَ مِصْرَ وكانوا في طريقهم إلى أرض الميعاد. وإنْ كان هناك شيءٌ يُريدُ اللهُ منهم أنْ يؤمنوا به وأنْ يَعرفوه فهو أنَّه إلهٌ ذُوْ مَجْدٍ عظيم. وهو يُريد منهم أنْ يَرَوْا مَجْدَهُ، ويُريد أنْ يَرْجِعَ بِهِمْ إلى حَالَةِ ما قبلَ السُّقوط لكي يُريهِم حُضورَهُ ويجعَلَهُم يَعترفونَ به إلَهًا.

لذلكَ فإنَّنا نَرى في سِفْر الخروج 33: 12 أنَّ اللهَ يَتواصَلُ معَ مُوسى ويقولُ لَهُ: "أَصْعِدْ هذَا الشَّعْب. قُدْ شَعْبي، وَكُنْ قائِدَهُمْ مِنَ الآنْ فصاعِدًا". فقد كانَ هذا الحَديثُ قد دارَ بينَهُما مِنْ قَبْل، ولكنَّنا نَجِدُ هُنا تَكْرارًا لَهُ. وقد شَعَرَ مُوْسى بالخوفِ بسببِ ضُعْفِ قُدْراتِه. لِذا فإنه يقول في العدد 12: "انْظُرْ. أَنْتَ قَائِلٌ لِي: أَصْعِدْ هذَا الشَّعْبَ، وَأَنْتَ لَمْ تُعَرِّفْنِي مَنْ تُرْسِلُ مَعِي". بعبارة أخرى: "يا رَبّ، أنتَ تُعطيني مُهِمَّةً صعبةً، ولكنَّكَ لا تخبرني من سيُساعدني. فالمُهمَّة ثقيلة على شخصٍ واحد". وهناكَ مَنْ يقولُ إنَّ عددَ بني إسرائيلَ آنذاكَ كانَ نَحْوَ مَلْيونَيْن.

وَهُوَ يقولُ في العدد 13: "فَالآنَ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَعَلِّمْنِي طَرِيقَكَ حَتَّى أَعْرِفَكَ". بعبارة أخرى: "يا رَبّ، أنا أشعرُ بوجودكَ هُناك وأُوْمِنُ بك، ولكِنْ أعْطِني ما يُبَيِّن أنَّكَ ستكونُ معي في هذهِ المُهِمَّة الصَّعبة جدًّا". ونقرأ في العدد 14 أنَّ اللهَ يقول: "وَجْهِي يَسِيرُ" – أيْ: "حُضوري". وهذهِ هي الكلمة الَّتي نَجِدُها في سِفْرِ التَّكوين: "وَجْهِي يَسِيرُ مَعَكَ". ما الَّذي تَعنيه بذلك؟ فما هُوَ وَجْهُكَ؟ لقد كانَ ذلكَ واضِحًا لِمُوْسَى. فنحن نقرأ في العدد 18 أنَّه يقول: "أَتَضَرَّعُ إليكَ أنْ تُريني" – لا حُضورَكَ، بَلْ: "مَجْدَكَ". فحُضورُ اللهِ كانَ مُعْلَنًا مِنْ خِلالِ مَجْدِهِ. واللهُ يقول: "أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. وَأُنَادِي بِاسْمِ الرَّبِّ قُدَّامَكَ. وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ، وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ".

والآنْ، لاحِظوا أنَّ اللهَ يقول: "حسنًا. سوفَ تَرى جُوْدَتي. فسوفَ تَرى اسْمي الَّذي يُجَسِّدُ كُلِّ صِفاتي. وسوفَ تَرى نِعْمَتي، وتَرى رَحْمَتي". إذًا، ما هو مَجْدُ الله؟ إنَّهُ تَجْسيدُ كُلِّ صِفاتِهِ بِصورةِ نُوْرٍ سَاطِع. والحقيقةُ هي أنَّني لا أفهمُ المَعنى الكامِلَ لذلك، ولكنِّي أُخبركم فقط ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّس.

فقد أَعْلَنَ اللهُ كُلَّ صِفاتِهِ في نُوْرٍ مَجيد. وَهُوَ يقول: "مُوْسى! سوفَ أُريكَ مَجْدي". لذلكَ فإنَّنا نَراهُ في بَقِيَّةِ هذا المقطعِ الصَّغير يَضَعُ مُوْسى في نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ (كما جاءَ في العدد 22): "وَيَكُونُ مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي، أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ، وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي حَتَّى أَجْتَازَ. ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي، وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى". ويجب أنْ تَعلموا أنَّهُ لم يَرَ أَحَدٌ مَجْدَ اللهِ كُلَّهُ وَعاش. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ اللهَ يقول: "سوفَ أَسْمَحُ لكَ فقط بأنْ تَرى جُزءًا صغيرًا مِنْ النُّورِ المُتَبَقِّي بعدَ مُروري. فهذا هُوَ كُلُّ شيء. ولكنَّكَ سَتَرى مَجدي".

وقد رَأى مُوْسَى ذلك. وهل تعلمون ما الذي حدث؟ لقد انعكس ذلكَ على وجهِ مُوسَى وانعكس عليه كُلِّه. فقد تَوَهَّجَ كالمِصْباح. وقد نزل مِنْ على الجبل إلى حيث كان بَنو إسرائيلَ يُقيمون. وقد صُعِقوا لِرؤيته. فنحن نَرى مُوْسَى هنا مُتَوهِّجًا كَنُورِ مِصْباحٍ مُنير إذْ إنَّ مَجْدَ اللهِ انْعَكَسَ على وجهه.

وهل تَعلمون ما الذي حدث؟ لقد كان اللهُ يَستخدمُ مُوْسَى لكي يقول للشعب: "أيُّها الشَّعب! يا بَنِي إسرائيل! هل تَرَوْنَ مَجْدي؟" وهل تذكرون ما الذي حدث لذلك الشعبِ نَفْسِهِ حين كان يَرْتَحِلُ في البريَّة؟ لقد كان اللهُ يَقودُهم في النهار بواسطة سَحابةٍ بيضاءَ عظيمة. وكان يَقودُهم في اللَّيْلِ بواسطة عَمودِ نار. وهل تَعلمون ما هو ذلك؟ لقد كانَ ذلك هُوَ مَجْدُ الله. فقد وَضَعَ اللهُ المَجْدَ في وَجْهِ مُوْسَى. وقد وَضَعَ اللهُ المجدَ في السَّماءِ في النَّهارِ وفي السَّماءِ في اللَّيْل. وقد كان اللهُ يقول: "انظروا مَجْدي! انظروا مَجدي! إنَّه التعبيرُ الكامِلُ عن هُوِيَّتي. وَهُوَ التعبيرُ الكامِلُ عن صِفاتي مِنْ خلال هذا النور الساطع".

والجزء المُحْزِنُ في القِصَّةِ هو أنَّه بالرَّغمِ مِنْ أنَّهم رَأَوْا المَجْدَ في وجه مُوْسَى، فقد تَذَمَّرُوا، وتَأفَّفوا، وعَصَوْا. ومع أنَّهم رأوا المَجْدَ في كُلِّ نَهارٍ وفي كُلِّ ليلةٍ حين كان اللهُ يَقودُهم في البريَّة، فإنَّهم لم يؤمنوا البتَّة ولم يُصَدِّقُوا البَتَّة. لذا فقد ماتَ كُلُّ ذلك الجيلِ غير المؤمن في البريَّة. وقد قال اللهُ: "انظروا مَجدي. ولكنَّ الإنسانَ أَدارَ ظَهْرَهُ للهِ مَرَّةً أُخرى.

وإذا نَظَرْنا إلى الأصحاح 40 مِنْ سِفْر الخروج، نَرى اللهَ في المَرَّةِ القادمةِ الَّتي أَظْهَرَ فيها مَجْدَهُ أمامَ البَشَر. فسوفَ تُلاحظون في نهاية سِفْر الخروج (وتحديدًا في الأصحاح 40 والعدد 34) أنَّ خيمةَ الاجتماع كانتْ قد بُنِيَتْ. وعندما بُنِيَتْ خيمةُ الاجتماع، نقرأ: "ثُمَّ غَطَّتِ السَّحَابَةُ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ وَمَلأَ بَهَاءُ الرَّبِّ الْمَسْكَنَ".

والآن اسمعوني: لقد كانت خيمةُ الاجتماع مكانًا للعبادة. وكانت جميع الأسباط قد نَصَبَتْ خِيامَ سُكْناها حولَ خيمةِ الاجتماع. وكانت جميعُ الأسباطِ قد أَحاطتْ بخيمة الاجتماع في ما يُشْبِهُ الدَّائرةَ قُبالَةَ خيمةِ الاجتماع. وفي وَسْطِ ذلك المكان، كان مَجْدُ اللهِ حاضِرًا. وكان ينبغي لذلك الشعبِ بِأسْرِه أنْ يُرَكِّزَ على مَجْدِه. فقد رَأَوْا عند اكتمالِ بِناءِ خيمةِ الاجتماع كيف أنَّ مجدَ اللهِ نَزَلَ عليهِ، وكيف أنَّ مَجْدَ اللهِ استقرَّ في خيمة الاجتماع فيما هُمْ مُخَيِّمون. وعندما كان مَجْدُ اللهِ يَترُكُ الخيمة ويَصْعَدُ إلى السماءِ في شكلِ سحابة أوْ عمودِ نار، كانوا يَتبعونه. وعندما كانَ اللهُ يُريدُ منهم أنْ يتوقَّفوا، كان المَجْدُ يَنْزِلُ ويَستقرُّ في ذلكَ المكان. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ هذا هو الموقِعُ الذي ينبغي أنْ يُخَيِّموا فيه وأنْ يُرَكِّزوا على مجد الله. لذا فقد أَعْلَنَ اللهُ مَجدَهُ في وجهِ إنسانٍ، وفي السماء، وفي وَسْطِ خيمة الاجتماع. ولكنْ في كُلِّ حالة، فقد تَذَمَّرُوا، وَعَصَوْا، واشتكوا، وتَأَفَّفوا، ولم يُعطوا اللهَ المَجْدَ الذي يَستحقُّه.

وأخيرًا، فقد دَخلوا أرضَ الموعدِ فقالَ اللهُ: "أريدُ مِنْكُمْ أنْ تَبْنُوا هيكلاً". وانظروا معي إلى سِفْر الملوك الأوَّل والأصحاح الثامن لكي نَرى ما حدث. فقد بُنِيَ الهيكل. وماذا حدثَ بعد ذلك؟ نقرأ في العدد العاشر: "وَكَانَ لَمَّا خَرَجَ الْكَهَنَةُ مِنَ الْقُدْسِ أَنَّ السَّحَابَ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ، وَلَمْ يَسْتَطِعِ الْكَهَنَةُ أَنْ يَقِفُوا لِلْخِدْمَةِ بِسَبَبِ السَّحَابِ، لأَنَّ مَجْدَ الرَّبِّ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ".

والآن اسمعوني: لقد وَضَعَ اللهُ مَجْدَهُ في وجهِ إنسان. ووضع اللهُ مَجدهُ في السماء. ووضع اللهُ مجدَهُ في خيمة. وقد وَضَعَ اللهُ الآن مجده في هيكل. وهو هيكلٌ عظيمٌ ورائعٌ لا مثيل لَهُ في العالمِ بَناهُ سُلَيْمان. وقد كان اللهُ يقول مَرَّةً أُخرى لذلك الشعب في تلك الأرض: "انظروا مجدي. رَكِّزوا على مجدي. انظروا مَنْ أكون، أعطوني ما أَسْتَحِقُّهُ مِنَ الإجلالِ والعبادة". ولكنْ أتعلمون ما الذي حدث؟ بعد فترةٍ قصيرةٍ فإنَّكم تلتقون بالنبيِّ حِزْقيال. انظروا معي قليلاً إلى الأصحاح الثامن من سِفْر حِزْقيال. فقد رأى حِزقيال رؤيا تَختصُّ بالهيكل. فما الذي رآه؟ وماذا بخصوص ذلك المكان الذي كان مَجْدُ اللهِ يَسْكُنُ فيه؟ وماذا عن ذلك المكان الذي كان فيه تابوتُ العهدِ والذي كان يَستقِرُّ فوقُهُ مَجْدُ اللهِ في قُدْسِ الأقداس؟ ماذا عنه؟ نقرأ في العدد السابع عنِ الرُّؤيا الَّتي رَآها: "ثُمَّ جَاءَ بِي إِلَى بَابِ الدَّارِ، فَنَظَرْتُ وَإِذَا ثَقْبٌ فِي الْحَائِطِ. ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا ابْنَ آدَمَ، انْقُبْ فِي الْحَائِطِ». فَنَقَبْتُ فِي الْحَائِطِ، فَإِذَا بَابٌ. وَقَالَ لِي: «ادْخُلْ»". وَهُوَ يَدْخُلُ الآنَ إلى الهيكلِ في رُؤْياه: "فَدَخَلْتُ وَنَظَرْتُ وَإِذَا كُلُّ شَكْلِ دَبَّابَاتٍ وَحَيَوَانٍ نَجِسٍ، وَكُلُّ أَصْنَامٍ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، مَرْسُومَةٌ عَلَى الْحَائِطِ عَلَى دَائِرِهِ".

وهل تَعلمونَ ما الَّذي حَدَث؟ لقد جَعَلوا هيكلَ اللهِ مكانًا لعبادةِ الأوثان. فقد فعلوا تمامًا ما جاءَ في الأصحاح الأوَّل مِنْ رسالة رُومية. فعوضًا عنْ عبادةِ اللهِ وتَمْجيدِه، أَبْدَلوا مَجْدَ اللهِ بالزَّحَّافاتِ، والدَّوابِّ، والأشياءِ الفانِيَةِ، وهَلُمَّ جَرَّا. ونقرأُ هنا عنِ الأشخاصِ الذينَ أساءُوا استخدامِ مَنْصِبِ الكَهَنَة (في العدد 11). ونقرأُ عنْ عبادةِ الشَّمْسِ في هذا المقطعِ (في العدد 16). ونقرأُ عنْ عبادةِ البَعْلِ أوِ الإلَه "تَمُّوز" (في العدد 14). بعبارة أخرى فإنَّ حِزْقيال يقول إنَّهُمْ جَعَلوا الهَيْكَلَ مكانًا لعبادةِ الأوثان. وقد قالَ اللهُ مَرَّةً أُخرى: "هُنا يَظْهَرُ مَجْدي! ليسَ في وَجْهِ إنسان، ولا في السَّماء، ولا في خيمة، بل في الهيكل". وقد رَفضوا أنْ يَرَوْا مَجْدَهُ. وإذا تابَعْتُمْ هذا المقطعَ إلى الأصحاح العاشرِ ستجدونَ أنَّ الكلمة "إيخابود" (وَمَعْناها: "المَجْدُ زَال") مكتوبة على الهيكل. فأنتم تَرَوْنَ مجدَ اللهِ يَصْعَدُ فوقَ الهكيلِ مُحَلِّقًا فوقَ مَدْخَلِ البابِ، ثُمَّ إلى السَّماءِ فوقَ جَبَلٍ قَبْلَ أنْ يَخْتَفي أخيرًا. واللهُ يقول: "إنْ لم تُعْطوني مَجْدي، سَوْفَ أَحْرِمُكُمْ مِنْ تلكَ الفُرصة".

ولِعِلْمِكُم، فإنَّ اللهَ طَويلُ الأناةِ جِدًّا. فقد أَظْهَرَ مَجدهُ في جَنَّةِ عِدْن، وأظهرَ مَجدهُ في البَرِّيَّة، وأظهرَ مجده في أرضِ كَنْعان. وفي كُلِّ مَرَّة، رَفَضوا فيها (كأُمَّةٍ) بِكُلِّ معنى الكلمة أنْ يُعْطوهُ المجد. ولكنَّهُ لم يَتوقَّفْ عن ذلك. فقد كانتْ هُناكَ مَرَّة أخيرة. انظروا معي إلى إنجيل يوحنَّا 1: 14. وهذا نَصٌّ رائعٌ. ويوحنَّا يَكتبُ هنا عن يسوعَ المسيح. وأريد منكم أنْ تَرَوْا كيفَ كانَ يوحنَّا يَنظر إلى المسيح. فنحنُ نقرأ في إنجيل يوحنَّا 1: 14: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا". ثُمَّ اسمعوا: "وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ" [وما نُوْعُ ذلكَ المجد؟] "مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآب".

اسمعوني: هل تعرفونَ مَنْ كانَ يسوع؟ لقد كانَ يسوعُ مَجْدَ اللهِ في جَسَدٍ بشريّ. فقد كانَ يُجَسِّدُ الشَّكينة. وإذا قرأتم الأصحاحَ التَّاسعَ مِنْ إنجيل لوقا، ستجدونَ أنَّ يسوعَ صَعِدَ إلى جَبَلٍ (يُعْرَفُ بِجَبَلِ التَّجَلِّي) وَحَجَبَ جَسَدَهُ. ونقرأُ أنَّ التَّلاميذَ: "رَأَوْا مَجْدَهُ". فقد أَراهُمْ هُوِيَّتَهُ الحقيقيَّة. ومَرَّةً أُخرى وأخيرة، فإنَّ إلَهَنا المُنْعِمَ قالَ للبشر: "هذا هُوَ مَجْدي. فَهَلْ سُتُعْطونَني المَجْد؟"

فَقَدْ أُظْهِرَ مَجْدُهُ ليسَ في جَنَّةِ عَدْن، ولا في وَجْهِ إنسانٍ، ولا في السَّماءِ، ولا في خيمةٍ، ولا في مَبْنى، بل إنَّ مَجْدَهُ أُظْهِرَ في يسوعَ المسيح. وما الَّذي قالَهُ العالَم؟ "لاَ نُرِيدُ أَنَّ هذَا [الرَّجُلَ] يَمْلِكُ عَلَيْنَا. إنَّهُ تَابِعٌ للشَّيْطانِ، وَهُوَ رَئيسُ الشَّياطين. إنَّهُ ’بَعْلَزَبُولَ‘. اصْلِبْهُ". وَمَرَّةً أُخرى، فقد أَداروا ظَهْرَهُمْ لِمَجْدِهِ – بِكُلِّ أسَف!

ولكنْ سيأتي يومٌ في المستقبل لا يَمْلِك فيه الإنسانُ ذلك الخِيار لأنَّ يسوعَ المسيحَ سيعود. ونقرأ في إنجيل متَّى 24: 30 إنَّه سيأتي "بقوَّةٍ ومجدٍ كثير". ولنْ يعود هناك أيُّ خِيارٍ حينئذٍ. وأخيرًا، سوفَ يتمجَّد. وحينئذٍ ستُرَنِّمُ كُلُّ الخليقةِ: "المَجْدُ للخروف! المَجْدُ لله". فأخيرًا سوف يحصل على مَجْدِه.

وما حاولتُ أنْ أُبَيِّنَهُ لكم هو أنَّ اللهَ أراد في القديم أنْ يَجعلَ البَشَرَ يَرَوْنَ مَجْدَه. وفي المستقبل فإنَّه سيُظْهرُ مَجْدَهُ بطريقةٍ لا تَتركُ أيَّ مَجالٍ للإنسان. ولكنْ ماذا عنِ الحاضر؟ ماذا عنِ الحاضر؟ وما أهميَّةُ مَجْدِ اللهِ الآن؟ هذا هو الشيءُ الذي نريدُ أنْ نتحدَّثَ عنه. وقد اقتبستُ في السابق ما جاء في الأصحاح الثالث مِنْ رسالة أفسُس. واسمحوا لي أنْ أُذَكِّرَكُم بما جاء في الأعداد 19-21 إذْ نقرأ: "أريدُ أنْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ. وأريدُ أَنْ تفعلوا أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا تطلبونَ أوْ تَفتكرون". لماذا؟ "لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَة".

والآن استمعوا إلى ما سأقول: لقد كان مَجْدُ اللهِ في العهد القديم حاضِرًا في مَبْنى، وحاضرًا في خيمة، وحاضرًا في وجه إنسان، وفي السَّماء، وفي جنَّةِ عَدْن. وفي المستقبل، سيَظهرُ مَجْدُ اللهِ مِنْ خلال مَجيءِ المسيح. أَمَّا الآن، إنْ كانَ مَجْدُ اللهِ سيُظْهَرُ فإنَّه سيُظْهَرُ في الكنيسة. لذلك فإنَّ بولُسَ يقولُ لمؤمني كولوسي: "المسيح فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ". كذلكَ، فإنَّ بولسَ يقول لمؤمني كورِنثوس في رسالة كورِنثوس الثانية 4: 6: "لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: «أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ»، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ المسيح". فإنْ كانَ مجدُ اللهِ في وَجْهِ يسوعَ المسيح سَيُرى، فإنَّهُ ينبغي أنْ يُشْرِقَ مِنْ خلالِنا.

لذلكَ فإنَّ أعظمَ دَعْوةٍ للمؤمنِ هي أنْ يُمَجِّدَ اللهَ. وأعظمُ دعوةٍ للمؤمنِ تَتَلَخَّصُ في ما قالَهُ بولُسُ لتيطُس: "لِكَيْ يُزَيِّنُوا تَعْلِيمَ ... اللهِ". فأعظمُ دَعْوةٍ لدينا هي أنْ نَسمحَ لمجدِ المسيح أنْ يُشْرِقَ مَنْ خلالنا (كما جاء في رسالة كورنثوس الثانية 4: 6). لذلكَ فقد دَعانا اللهُ في هذا الدهر الحاضِرِ إلى أنْ نُظْهِرَ مَجْدَه. وإنْ كان العالمُ سيَرى مَجْدَ اللهِ، فإنَّ المسيحَ فينا هو رَجاءُ ذلك المَجْدِ المُعْلَنِ لهم. وَهذا هُوَ مِفتاحُ نُمُوِّنا الرُّوحيِّ.

وأوَدُّ أنْ أُرَكِّز على نقطة أُخرى وهي الآتيَّة: إنَّ هذا الأمرَ مُهِمٌّ جدًّا للهِ حتَّى إنَّه ليس هناك ما هو أَهَمُّ منه. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. فهو أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا. ونحن نقرأ في سِفْر إشعياء 48: 11 "وَكَرَامَتِي لاَ أُعْطِيهَا لآخَرَ". بعبارة أخرى: "سوفَ أَحْتَفِظُ بمجدي لنفسي لأنَّ هذا هو سَبَبُ وجود كُلِّ شيء: أنْ يَؤولَ إلى تَمجيدي".

فإنْ لم يُعطِ الإنسانُ المَجْدَ للهِ فإنَّه يُخالِفُ القصدَ الرئيسيَّ لوجودِ الكونِ ويُعارِضُ اللهَ. وهذا أمرٌ خطيرٌ جدًّا. واسمحوا لي أنْ أُوَضِّح لكم ذلك. افتحوا على الأصحاح 13 مِنْ سِفْر إرْمِيَا. ونحن ما زِلْنا نَستعرضُ مُقَدِّمةَ هذه الفِكْرة قبل أنْ نَذكر النِّقاطَ العمليَّةَ المُختصَّةَ بالنُّمُوِّ الروحيِّ. ولكننا نجد في سِفْر إرْمِيَا 13: 11 نَصًّا مُدهشًا جدًّا. ويُقَدِّمُ إرْمِيَا هنا دَرْسًا عَمَلِيًّا لتوضيحِ هذه النقطة المختصَّة بمَجْدِ الله. فالعددُ الحادي عشر يتحدَّث في النهاية عن مَجْدِ الله. وقد كان إرْمِيَا مهتمًّا جدًّا بمَجْد الله. وهذا واضح في العدد 15. وسوف نَكتفي فقط بإلقاءِ نظرةٍ على هذا العَدَدَ والعَدَدِ الَّذي يَليه إذْ يقول: "اِسْمَعُوا وَاصْغَوْا!" اسْمَعوا أيُّها الشَّعب: "لاَ تَتَعَظَّمُوا لأَنَّ الرَّبَّ تَكَلَّمَ. أَعْطُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ مَجْدًا".

والشيءُ الَّذي يقفُ دائمًا عائِقًا في طريقِ تمجيدِ اللهِ هو التَّكَبُّر. فالإنسانُ يَسْعى إلى تمجيدِ ذاتِه. لذلكَ فإنهُ لا يَحْيا الحُريَّةَ الَّتي تُمَكِّنُهُ مِنْ تمجيدِ الله. لذا فإنَّ إرْمِيَا يقول: "اسْمَعُوا! أَعْطُوا الرَّبَّ مَجْدًا. لا تَفتخروا، بلْ أَعْطُوا المَجْدَ لله". ثُمَّ إنه يقول: "قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ ظَلاَمًا، وَقَبْلَمَا تَعْثُرُ أَرْجُلُكُمْ عَلَى جِبَالِ الْعَتَمَةِ، فَتَنْتَظِرُونَ نُورًا فَيَجْعَلُهُ ظِلَّ مَوْتٍ، وَيَجَعْلُهُ ظَلاَمًا دَامِسًا". وهذا كَلامٌ خَطيرٌ جِدًّا. وَهُوَ يَعْني بذلك: "أَعْطُوا اللهَ مَجْدًا وَإلَّا!" فاللهُ سيجعلكم تَسْقُطونَ في الظَّلامِ، وَتَتَعَثَّرونَ، وَتَموتون".

ولم يكن إرْمِيَا مَسرورًا بذلك - ولا الله. فنحنُ نقرأ في العدد 17: "وَإِنْ لَمْ تَسْمَعُوا ذلِكَ، فَإِنَّ نَفْسِي تَبْكِي فِي أَمَاكِنَ مُسْتَتِرَةً مِنْ أَجْلِ الْكِبْرِيَاءِ، وَتَبْكِي عَيْنَيَّ بُكَاءً وَتَذْرِفُ الدُّمُوعَ". فَهذا شيءٌ يَكْسِرُ قلبَ اللهِ وقلبَ نَبِيِّهِ أيضًا لأنهُ عندما لا يُعْطي الشَّعبُ المجدَ للهِ فإنَّهُمْ يُعَرِّضونَ أنفسهم للدَّينونة.

وأريدُ منكم أنْ تلاحظوا ما جاءَ في الأصحاح الرابع مِنْ سِفْر دانيال أيضًا لِتَرَوْا الفكرةَ نفسَها. دانيال 4: 30. فنحنُ نرى هُنا نبوخذنَصَّر الَّذي ظَنَّ أنَّهُ صارَ شخصًا عظيمًا، وأنهُ لا مَثيلَ لَهُ – لا في بابل فقط، بل في كُلِّ مكانٍ آخر. فبعدَ أنْ حَقَّقَ بعضَ الإنجازاتِ العظيمة قال: "أَلَيْسَتْ هذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا؟" – فقد قال: "يا لِرَوْعَتي! ويا لِجَلالي! ويا لِقُدْرَتي! انظروا إلى ما صَنَعْت!" ثم إنَّنا نقرأ في العدد 31: "وَالْكَلِمَةُ بَعْدُ بِفَمِ الْمَلِكِ، وَقَعَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: «لَكَ يَقُولُونَ يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ: إِنَّ الْمُلْكَ قَدْ زَالَ عَنْكَ". أيْ: يَكفيكَ هذا. فقد تَمادَيْتَ كثيرًا. ويجب عليكَ أنْ تَعلم أنَّكَ لا تستطيعُ أنْ تُنافِسَ الله. فقد تَمادَيْتَ وَفَعَلْتَ ما فَعَلَهُ عُزِّيَّا الَّذي قالَ عنهُ الكِتابُ المُقَدَّس: "وَلَمَّا تَشَدَّدَ ارْتَفَعَ قَلْبُهُ". لذلكَ فقد أَصابَهُ اللهُ بِبَرَصٍ لم يُفارِقْهُ إلى يَوْمِ وَفاتِه.

وما الَّذي فَعَلَهُ اللهُ بنبوخذنَصَّر لتوصيلِ الرِّسالة؟ "وَيَطْرُدُونَكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَكُونُ سُكْنَاكَ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّ، وَيُطْعِمُونَكَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ ... حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ". فإلى أنْ تَتعلَّمَ مَنْ هُوَ المَلِكُ الحقيقيُّ، ستَصيرُ مِثْلَ الحَيَوان. وقد حَدَثَ ذلكَ بالفِعْل إذْ نقرأ في العدد 33: "فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَمَّ الأَمْرُ عَلَى نَبُوخَذْنَصَّرَ، فَطُرِدَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَأَكَلَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، وَابْتَلَّ جِسْمُهُ بِنَدَى السَّمَاءِ حَتَّى طَالَ شَعْرُهُ مِثْلَ النُّسُورِ، وَأَظْفَارُهُ مِثْلَ الطُّيُورِ". فقد صَارَ مَجْنونًا يَعيشُ في البَرِّيَّةِ.

ونقرأُ أخيرًا: "وَعِنْدَ انْتِهَاءِ الأَيَّامِ، أَنَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، رَفَعْتُ عَيْنَيَّ إِلَى السَّمَاءِ، فَرَجَعَ إِلَيَّ عَقْلِي، وَبَارَكْتُ الْعَلِيَّ وَسَبَّحْتُ وَحَمَدْتُ الْحَيَّ إِلَى الأَبَدِ، الَّذِي سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ، وَمَلَكُوتُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ". فقد أدركَ في النهاية أنَّهُ إمَّا أنْ تُعطي اللهَ المجدَ وَإلَّا! فاللهَ سَيُعاقِبُكَ عِقابًا صَارِمًا.

وفي الأصحاح الثاني عشر مِنْ سِفْر أعمال الرُّسل (وهذا هوَ التَّوضيحُ الأخيرُ لهذهِ النُّقطة)، كانَ هناكَ رَجُلٌ يُدْعى "هيرودُس". وَهُوَ واحِدٌ مِنْ أشخاصٍ كثيرينَ لُقِّبوا بِـ "هيرودُس" في زَمَنِ المسيح. ونحنُ نقرأُ أنَّ هيرودُسَ عَيَّنَ يومًا خاصًّا. فقد كانَ هيرودُس يَسْكُنُ في قيصريَّة على مَقْرُبَةٍ مِنْ شاطئِ البحر إلى الغَرْبِ مِنْ أورُشَليم. وقد قَرَّرَ أنْ يُخَصِّصَ يومًا لنفسِهِ. "فَفِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لَبِسَ هِيرُودُسُ الْحُلَّةَ الْمُلُوكِيَّةَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْمُلْكِ وَجَعَلَ يُخَاطِبُهُمْ". وقد كانَ خِطابُهُ قَوِيًّا حقًّا. "فَصَرَخَ الشَّعْبُ". وإليكُمْ ما قالوه: "هذَا صَوْتُ إِلهٍ لاَ صَوْتُ إِنْسَانٍ!" بعبارةٍ أُخرى: "ألا تَظُنُّونَ أنَّهُ عَظيم؟ إنَّهُ رَائع! أجل يا هيرودُس! فأنتَ لا مَثيلَ لك!". "فَفِي الْحَالِ ضَرَبَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْمَجْدَ للهِ، فَصَارَ يَأْكُلُهُ الدُّودُ وَمَاتَ". ولا شَكَّ أنَّكُمْ تُدركونَ أنَّ نِهايَتَهُ كانت مَأساويَّةً. فَمِنَ المؤكَّدِ أنهُ لم يَكُنْ يُفَكِّرَ في ذلك – أيْ في أنْ يأكُلهُ الدُّود! والسَّبَبُ هو أنَّهُ لم يُعْطِ المجدَ لله.

وهذا، يا أحبَّائي، شيءٌ أساسِيٌّ. فإمَّا أنْ تُعطوا اللهَ مَجْدًا أوْ أنْ تَدفعوا الثَّمَن. فالجيلُ الَّذي لم يَرَ مَجْدَ اللهِ في وجهِ موسى، والجيلُ الَّذي لم يَرَ مَجْدَ اللهِ في السَّماء، والجيلُ الَّذي لم يَرَ مَجْدَ اللهِ في خيمةِ الاجتماع ماتَ في البَرِّيَّة. والجيلُ الَّذي لم يَرَ مَجْدَ اللهِ في الهيكل ماتَ وَزالَ أيضًا. والجيلُ الَّذي لم يَرَ مَجْدَ اللهِ في يسوعَ المسيح قُطِعَ مِنْ بَرَكَةِ اللهِ. والجيلُ الَّذي لا يَرى مَجْدَ اللهِ قبلَ أنْ يأتي يسوعُ ثانيةً بمجدٍ عظيم سيَختبرُ مَصيرًا أبديًّا بلا حُضورِ المسيح وبلا حُضورِ الله. فهذا أمرٌ خَطيرٌ جِدًّا لأنَّكَ عندما لا تُعْطِ المجدَ للهِ (كما جاءَ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ رسالة رُومية) فإنَّ اللهَ سَيُسْلِمُكَ إلى ذَهْنٍ مَرْفوض. وهذهِ حَياةٌ بائِسَة. لذلكَ فإنَّ إعْطاءَ المجدِ للهِ هوَ شيءٌ مُهِمٌّ جدًّا.

وبسبب عواقِب ذلك، ولأنَّها وصيَّة، يجب علينا أنْ نُمَجِّد الله. وعندما نفعل ذلك - أيْ عندما نُرَكِّزُ في هذا الدَّهْرِ على تمجيدِ اللهِ، فإنَّنا سنتغيَّرُ إلى صورةِ المسيحِ مِنْ مجدٍ إلى مَجْد. وهذه هي عمليَّةُ النُّموِّ الرُّوحيِّ. وهناك نَصٌّ آخرُ أوَدُّ أنْ تَرَوْهُ في هذه المُقَدِّمة قبلَ أنْ ننتقل إلى بعض العناصرِ الرئيسيَّةِ المُختصَّةِ بالنُّموِّ الروحيِّ.

فنحنُ نَجِدْ في الأصحاحِ الثَّاني مِنْ رسالةِ يُوحنَّا الأُولى نَصًّا مُهِمًّا جدًّا جدًّا في الآيات مِنْ 12 إلى 14. فنحنُ نَجِدُ هُنا ثلاثة مستويَّاتٍ للنُّموِّ الرُّوحيِّ. ويجب عليكم أنْ تَفهموا هذه المستويَّات. وحتى إنَّ رَبَّنا تَحَدَّثَ بطريقةٍ مُشابِهَةٍ عن هذه المستويَّات الثلاثة. فَهُناك "البِذْرة"، وهناك "الحَبَّة"، وهناك "السُّنْبُلَةُ" الكاملة. فَهُناك ثلاثة مستويَّات مِنَ النُّضْجِ مِنْ زَاوِيَةٍ زِراعيَّةٍ. ونحن نَجِدُها هنا مِنْ زاويةِ النُّمُوِّ البَشَرِيِّ.

"أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّهُ قَدْ غُفِرَتْ لَكُمُ الْخَطَايَا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ". وَهُوَ هُنا يَضُمُّ جميعَ المؤمنينَ تحتَ مُسَمَّىً واحدٍ وَهُوَ "الأولاد" (أيْ: النَّسْل). والكلمة اليونانيَّة المُتَرجمة هنا "أولاد" تُشيرُ (ببساطة) إلى أيِّ شخصٍ وُلِدَ مِنْ آخر. فَهِيَ لا عَلاقَةَ لها البَتَّة بالعُمْر. فهذا اللَّفْظُ قد يُشيرُ إلى شخصٍ بعُمْرِ الخامسةِ والثَّمانين. فَهُوَ ابْنُ شخصٍ ما. لِذا فإنَّهُ لَفْظٌ لا يُشيرُ البَتَّة إلى الطُّفولة.

ثُمَّ إنهُ يَنتقلُ إلى استخدامِ لَفْظٍ آخر. فَهُوَ يُقَسِّمُ أولادَ اللهِ جميعًا إلى ثلاثِ فِئات: فنحنُ نقرأ في العدد 13: "أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ [وَهُوَ يَستخدمُ هنا لفظًا مُختلفًا تمامًا يَعْني "الأطفالَ الصِّغار"] لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الآبَ". ثم إنَّهُ يُكَرِّرُ الجُملةَ نَفْسَها في العدد 14 فيقول: "كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ".

والآنْ اسمَعوني: هناكَ ثلاثة مستويات مِنَ النُّمُوِّ الرُّوحِيِّ: الأطفال الصِّغار، والأحداث، والآباء. ومَنْ هُوَ الطِّفْلُ الرُّوحِيُّ الصَّغير؟ نقرأ في العدد 13: "أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الآبَ". فما هوَ الشَّيءُ الأوَّلُ الَّذي يُمَيِّزُهُ الطِّفلُ الصَّغير؟ الأَبَوَيْن. إنَّهُ يُمَيِّزُ أَبَوَيْه – أيْ أُمَّهُ وَأَباه. وَلَكِنَّهُ، ويا للأسَف، يُمَيِّزُ أُمَّهُ أوَّلاً، ثُمَّ يُمَيِّزُ أباهُ بعدَ سِتَّة أشهُر! وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ الأمْرَ يَبتدئُ بتمييزِ الأبَوَيْن. فالشيءُ الَّذي يُمَيِّزُ الأطفالُ هُوَ أنَّهُمْ يُدركونَ أنَّهُمْ أولادُ الله. فهذِهِ هي النُّقطة المُهِمَّة: أنْ يُمَيِّزوا أَبَوَيْهِمْ بالمَفهومِ الرُّوحِيِّ. بعبارة أخرى، أنْ يقولَ المُؤمِنُ: "أنا أَعْلَمُ أنَّ يَسوعَ يُحِبُّني لأنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يقولُ ذلك". فالأمرُ لا يَتَخَطَّى ذلك.

وهناكَ مُستوىً ثانٍ مِنَ النُّموِّ الروحيِّ: "أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ لأَنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ". وَمَنْ هُوَ الشِّرِّير؟ "هوبونيروس" (hoponeros) – الشَّيطانُ نَفْسُهُ. وكيفَ تَغْلِبُونَ الشَّيطانَ؟ نقرأُ في العدد 14: "لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ".

والآنْ، لاحِظُوا الآتي: إنَّ الأطفالَ الصِّغارَ لا تَثْبُتُ فيهم كلمُةُ اللهِ بقوَّة، بل إنَّهُمْ يَعرفونَ الأمورَ الأساسيَّة فقط. لذلكَ فإنَّهُمْ (كما جاءَ في الأصحاح الرَّابع مِنْ رسالة أفسُس): "مُضْطَرِبِينَ [لأنَّهُمْ أطفال] وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ". بعبارةٍ أُخرى، فإنَّهم يَعرفونَ اللهَ، ويَعرفونَ يَسوعَ، ولكنَّهم لا يَعرفونَ الكتابَ المقدَّسَ جيِّدًا جدًّا. لذلك فإنَّنا نقول إنَّه عندما تَقودونَ شخصًا إلى المسيح، ما هو أَوَّلُ شَيءٍ ينبغي أنْ تفعلوه؟ أنْ تَجعلوهُ يَتَأصَّلُ في الكلمة لِئَلَّا يكونَ مَحمولاً بِكُلِّ ريحِ تَعليمٍ خاطئة. فالشخص الحَدَثُ (أَوِ الشَّابُّ) بالمفهومِ الروحيِّ هو شخصٌ قَوِيٌّ في كلمةِ اللهِ وقد غَلَبَ الشِّرِّير.

وبأيِّ مَعْنى قَدْ غَلَبَ الشِّرِّير؟ إنَّ الشيطانَ كَذَّابٌ. والشيطانُ يَظهرُ بصورةِ مَلاكِ نُوْر. والشيطانُ هو مُبْتَدِعُ الدِّياناتِ الزَّائفة. والشخصُ الحَدَثُ (أوِ الشَّابُّ) بالمَعنى الروحيِّ يَعرفُ كلمةَ اللهِ ولا يَقَعُ ضَحِيَّةَ الدياناتِ الزَّائفة. والحقيقة هي أنَّني أعرف مِنْ خلال حياتي الشخصيَّةِ (كشابٍ بالمَعنى الروحيِّ)، أَعْرِفُ الفَرْقَ بينَ الحَدَثِ والطِّفْل. فعندما كُنتُ طِفْلاً روحيًّا لم أكن قادرًا على التَّمييزِ بين الحقِّ والباطِل. فقد كنت مُحَلِّقًا وأعيشُ شَهْرَ عَسَلٍ مِنْ جهة مَحَبَّتي للربِّ. ولكني لم أَفهم آنذاك الكثيرَ عنِ اللَّاهوت، بل كنت ضَحِيَّةً سَهْلَةً لأفكارِ الآخرينَ المَغلوطَة.

ولكنْ في وقتٍ مِنَ الأوقات فَهِمْتُ اللَّاهوتَ وعَرَفْتُ كلمةَ اللهِ. وحينئذٍ، لم يَعُدِ بمقدورِ العقائدِ الباطلةِ أنْ تَخْدَعَني. ولكنَّني كنتُ أستاءُ جِدًّا منها. وقد تَلْمَذتُ أُناسًا في ذلكَ الموقف. وعندما يَصيرُ الأطفالُ شُبَّانًا (بالمعنى الرُّوحِيِّ) فإنَّهم يريدونَ أنْ يَخرجوا، ويُحاربوا البِدَعَ، ويُقَوِّمُوا العالمَ.

ولكِنْ هناكَ مُستوىً أعظم مِنَ النُّموِّ الرُّوحِيِّ. فهو يقول في العَدَدَيْن 13 و 14: "أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ". والآن اسمعوني: إنَّ مَعْرِفَةَ أنَّك تنتمي إلى عائلة الله يَختلفُ عن مَعْرِفَةِ كَلِمَةِ اللهِ. ولكنَّ ذلك يَختلفُ أيضًا عن مَعْرِفَةِ اللهِ نفسِهِ مَعْرِفَةً حَميمةً وعميقة. كذلكَ فإنَّ مَعْرِفَةَ الكتابِ تَختلفُ عن مَعْرِفَةِ اللهِ الذي أَوْحَى بذلك الكتاب. وفَهْمُ الصَّفْحَةِ يَختلفُ عن مَعْرِفَةِ نَبْضِ قَلْبِ الشخصِ الذي كَتَبَها.

لذلكَ فإنَّ النُّموَّ الرُّوحيَّ يَبتدئُ بمعرفة أنَّك تُؤمِنُ بالمسيحِ ويَمْتَدُّ إلى مَعْرِفَةِ كَلِمَةِ اللهِ، ثُمَّ إلى مَعْرِفَةِ اللهِ في مِلْئِه. اسمعوني: إنَّ الطريقة الحقيقيَّة لمعرفةِ اللهِ تتلخَّص في أنْ تَحْيا حَياةً تُرَكِّزُ على مَجْدِه. فهذا هو الشيء الذي يُوْصِلُكَ إلى المستوى الثالثِ مِنَ النُّموِّ الرُّوحِيِّ. لذلك، فإنَّ هذا يَصيرُ مِحْوَرَ حياةِ المؤمن. وعندما يُرَكِّزُ المؤمنُ على هذا الأمر (أيْ على تمجيد الله)، وعندما يَفهمُ اللهَ في مِلْئِهِ ويَفهمُ مَجْدَه في مِلْئِهِ، ويُرَكِّزُ نَظَرَهُ على ذلكَ، فإنَّ ذلك يَصيرُ كالمِغْنَطيسِ الذي يَجذِبُهُ إلى ما هو أبعدُ مِمَّا يَنتمي إليهِ إلى مَعْرِفَةِ ما يُؤمن به، وأخيرًا إلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ الَّذي يُؤمنُ به – أيْ إلى مَعْرِفَةِ اللهِ نَفْسِهِ. وسوف يَصيرُ ذلكَ هو العامِلُ المُحَفِّزُ على كُلِّ نُضْجٍ رُوحِيٍّ.

وكما تَعلمون، فإنَّ بولُسَ عَبَّرَ عن ذلك ببساطةٍ بالكلماتِ التَّالية: "الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ". فَحَتَّى أنَّهُ خَلَقَنا لَهُ – أيْ لكي نَعْرِفَهُ بِمِلْئِه. فنحنُ نقرأ في رسالة رُومية 11: 36: "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ".

والآن اسمعوني: سوف أقولُ شيئًا أَخْتِمُ بِهِ دَرْسَنا الأوَّل. عندما تُرَكِّزونَ على مجدِ اللهِ وتَرَوْنَ مَجْدَهُ، وتَبتدئونَ في إعطائِهِ المَجْدَ الذي يَستحقُّه، ستَجدون أنَّكم حين تَنْسَوْنَ أنفسَكُم وتُرَكِّزون على ذلكَ أنَّكم تَتغيَّرونَ تلقائيًّا إلى صُورتِهِ وتَنتقلونَ مِنْ مُستوى مِنَ المَجْدِ إلى المستوى الذي يَليه. وهذا هو النُّموُّ الرُّوحِيُّ. وفي دِراسَتِنا القادمة، سنَرى بصورة مُحَدَّدة كيف تَضَعُون الم فاتيح في القِفْلِ وتُديرونَها مِنْ أجْلِ التَّركيزِ على مجدِ اللهِ بطريقةٍ تُؤدِّي إلى النُّضجِ الرُّوحيِّ.

نشكرك، يا أبانا، على وقتنا معًا في هذا الدرس. ونشكرك على مُساعدتنا في فَهْمِ هذه الفِكْرةِ العظيمةِ المختصَّةِ بمجدك وفَهْمِ علاقَتِها بالنُّضْجِ الرُّوحيِّ. سَاعِدَنا الآنَ على التَّقَدُّمِ، وعلى تَطبيقِ هذا الحقِّ العامِّ تطبيقًا عمليًّا ومُحدَّدًا جِدًّا إذْ نُدركُ تمامًا ما تريدُ مِنَّا أنْ نَفعله فيما يَختصُّ بإعطائك المَجْد. ولكننا نَعْلَمُ، يا رَبّ، أنَّه ينبغي لنا أنْ نَفْهَمَ الأساسَ قبل حتَّى أنْ نَبتدئ. لذلك فإنَّنا نَشكركَ على هذه الحقائقِ العظيمة. باسمِ يَسوع. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize