Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في دَرْسِنا لهذا اليوم، نُتابعُ دراسةَ فِكْرةِ النُّموِّ الرُّوحِيِّ، أيِ الحقيقةَ المُهمَّةَ المُختصَّةَ بالنُّضجِ في الحياة المسيحيَّة. وسواءٌ كنتَ شخصًا حديثَ الإيمانِ، أو شخصًا مَضى على إيمانِكَ بالمسيح بِضْعَ سنواتٍ، أوْ مُؤمنًا منذ وقتٍ طويلٍ جدًّا، فإنَّك لن تتوقَّفَ يومًا عنِ النُّضْجِ رُوحِيًّا. فإنْ تَوَقَّفْتَ عنِ النُّمُوِّ، مِنَ المؤكَّدِ أنَّك ستكونُ بحالةٍ سَيِّئة. فالمُؤمنُ المُكَرَّسُ للمسيح يَستمرُّ في عمليةِ النُّموِّ الرُّوحِيِّ. لذلكَ فإنَّ هذه المبادئَ لا تَصِحُّ فقط على الأشخاصِ الأطفال روحيًّا، بل إنَّ كُلَّ شخصٍ في الحياة لا يستطيعُ أنْ يقف في حضْرةِ الرَّبِّ وأنْ يَصيرَ كاملاً فيه إلَّا إذا اشتركَ حقًّا في عمليَّةِ النُّضج والنموِّ. لذلكَ فإنَّ الحقائقَ التي نُشارِكُها في هذه الدراساتِ هي لِكُلِّ شخصٍ. وما نَرجوهُ هو أنْ تتباركَ حياتُكَ بهذه الدراسات أيًّا كان مُستواكَ الروحيّ. وما نرجوه أيضًا هو أنْ تُشاركَ هذه المبادئَ معَ شخصٍ آخرَ يمكن أنْ يَستفيدَ فائدةً عظيمةً منها. وأنا لا أقول ذلك لأنَّ هذه هي أفكاري. فحاشا أنْ أَدَّعي ذلك. ولكنَّني أُشاركُها لأنَّها مبادئُ مُسْتَخلصة مِنْ كلمةِ الله.

والآن، اسمحوا لي أنْ أُراجِعَ قليلاً ما ذَكَرناهُ سابقًا. فقد تَحَدَّثْنا عن فكرةِ النُّموِّ في المَسِيح. وقد قرأنا في رسالة بطرسَ الثانية 3: 18 أنَّ بُطرسَ يقول: "وَلكِنِ انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ". ونقرأ في رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الثَّاني أنَّهُ يجب علينا أنْ نَشتهي "اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ ننمو بِهِ". فاللهُ يَدعونا إلى النُّمُوِّ. وبُطرسُ يُخبرُنا لا فقط أنَّهُ ينبغي لنا أنْ نَنمو، بل إنَّهُ يقولُ لنا إنهُ يجب علينا أنْ ننمو مِنْ خلالِ الكلمة. وبولُس يقول في رسالة تيموثاوس الثانية 3: 16 و 17: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً". والكلمة "كاملاً" تَعني حرفيًّا: "ناضِجًا". بعبارة أُخرى، فإنَّ الفِكْرة هي أنَّ كلمةَ اللهِ (أيِ الكتابَ المقدَّسَ)، قد أُعْطيت لنا لكي تجعلنا ناضجين. لذلك، عندما نَدْرُسُ كلمةَ اللهِ يجب علينا أنْ نتذكَّر دائمًا أنَّها أُعطيتْ لنا كأداةٍ أوْ واسِطَةٍ لتحقيقِ هذه العمليَّة. فنحنُ لا نقرأُ الكتابَ المقدَّسَ بحثًا عن حكاياتٍ مُمْتِعَةٍ مِنْ حين إلى آخر. ونحن لا نقرأه مِنْ أجلِ الحصول على نَشْوَةٍ روحيَّةٍ مِنْ حين إلى آخر. ونحن لا نبحثُ عن اختبارٍ روحيٍّ مَرَّةً في الشهر أو مَرَّةً في الأسبوع، بل إنَّ كلمةَ اللهِ قد أُعْطيتْ لنا لكي تُساعِدَنا على أنْ ننمو بصورةٍ مستمرة. لذلك فإنَّها مُهمَّة لحياتنا الرُّوحيَّةِ كما أنَّ الغِذَاءَ مُهِمٌّ لأجسادنا. وكما قال إرْمِيَا في سِفْر إرْمِيَا 15: 16: "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ". وما قَصَدَهُ هو أنَّ كلمةَ اللهِ هي الغِذَاءُ الذي يَقُوتُهُ. فيجب علينا أنْ نَتغذَّى (كالأطفالِ) على حقائقِ كلمةِ اللهِ لأنَّها هي التي تُعطينا الطاقة والمبادئَ الحياتيَّةَ التي تجعَلُنا ننمو. لذلك، يجب علينا (بِصِفَتِنا مؤمنينَ) أنْ ننمو. وقد أُعطينا الأداةَ التي ننمو بها وهي كلمةُ الله. ثُمَّ إنَّ رُوْحَ اللهِ يَسْكُنُ فينا لكي يُعطينا القدرةَ طَوَالَ عمليَّة النُّمو.

وفي دِراسَتِنا السابقة، ربما ساعدناكم على التركيز على النقاط المُهمَّة للنموِّ بأنْ ذَكَّرناكُم بما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأُولى 2: 13 و، 14 إذْ نَجِدُ في هذا المقطعِ ثلاثةَ مستوياتٍ للنُّموِّ الرُّوحيِّ وهي: أوَّلاً، الأطفال. ثانيًا، الأحْداث. ثالثًا، الآباء. وهذا يُوافِقُ نُمُوَّ الإنسان. فَهُناك نُقْطَةُ البدايةِ في الطفولةِ إذْ يَتَعَرَّفُ الطفلُ على أَبَوَيْه. وفي هذه المرحلةِ فإنَّك تَعرفُ إلى مَنْ تَنتمي. ثُمَّ هناك مرحلةُ الحَداثَةِ؛ وهي الفترةُ التي تَعْرِفُ فيها ما تُؤمنُ به. وفي هذهِ المرحلةِ يَحْدُثُ النُّضْجُ الرُّوحِيُّ بمعنى فَهْمِ العقيدة. فأنتَ تَفهمُ كلمةَ اللهِ، ويصيرُ لديكَ أساسٌ راسخٌ، ولا تَعودُ مُضْطَرِبًا ومَحمولاً بكُلِّ رُوْحِ تَعْليم. وأخيرًا فإنَّك تَصيرُ أبًا بالمعنى الرُّوحِيِّ. وهذا يعني أنَّك تَعْرِفُ لا فقط مَنْ تنتمي إليهِ، ولا فقط ما تُؤمنُ بِهِ، بل إنَّك تعرفُ أيضًا الإلَهَ الذي تُؤمِنُ به معرفةً عميقةً وراسخةً وناضجة.

لذلكَ فإنَّ عمليةَ النُّموِّ الرُّوحِيِّ هي عمليةٌ صَاعِدَةٌ طَوَالَ الوقتِ لتحقيقِ هَدَفِ مَعْرِفَةِ اللهِ مَعْرِفَةً حقيقيَّة. وربما نَظُنُّ أنَّ الرسولَ بولُسَ قد تَوَقَّفَ عن عمليةِ النُّموِّ الروحيِّ لأنَّه وَصَلَ إلى ذلك المستوى الرَّفيع. ولكنه يقول في ذُرْوَةِ حياته الروحيَّةِ (بعد أنْ قامَ بكُلِّ تلكَ الخَدَماتِ في حياته وصار ذلك في الماضي، وبعد أنْ حَقَّقَ كُلَّ تلك الأحلامِ العظيمةِ وكُلَّ رَغْباتِهِ القلبيَّةِ) فإنَّه يقول: "لأعْرِفَهُ". بعبارةٍ أُخرى، أيًّا كان المستوى الذي وَصَلَ إليه في دَرْبِ النُّموِّ، فإنَّه ما يَزالُ يَتوقُ إلى فَهْمٍ أَعْمَق، وأفضل، وأَشْمَل، وأكثر إشْباعًا لشخصِ اللهِ الذي أَحَبَّهُ وكانَ يَخْدِمُهُ.

وبعد أنْ شارَكْنا هذه الفِكْرةَ العامَّةَ بأننا نَنْتَقِلُ عَبْرَ هذه العناصرِ الثلاثةِ مِنَ النُّموِّ الروحيِّ، قُلْنا إنَّنا نَفعلُ ذلكَ مِنْ خلالِ كلمةِ اللهِ وروحِ اللهِ استجابةً لوصيَّةِ الله. وقد قُلنا لكم إنَّ المِفتاحَ لهذا الأمْرِ بِمُجْمَلِه هو أنْ نَحْيا لِمَجْدِ الله. فنحن نَنمو فقط (وأرجو أنْ تَلتفتوا إلى ما سأقول) فنحنُ ننمو فقط حين نَحْيا لأجلِ مَجْدِ الله. فعندما نعيشُ لأجلِ أنْفُسِنا فإنَّنا لا ننمو ولا نُحَقِّقُ أيَّ شيءٍ إيجابيٍّ في حياتنا. فالنموُّ يَحدُثُ فقط في الأوقاتِ التي نَسْلُكُ فيها في الرُّوحِ، لا عندما نَسْلُكُ في الجسد. فالنموُّ يَحدُثُ فقط حين نَحْيا لأجلِ مَجْدِ اللهِ، لا في الأوقاتِ التي نعيشُ فيها لأجلِ أنْفُسِنا.

والآنْ، تَذَكَّروا هذه النقطة: عندما نَنالُ الخلاصَ فإنَّ الأغلبيَّةَ مِنَّا يُحاولونَ القيامَ بعمليَّةِ تَوازُنٍ مِنْ نوعٍ ما ونُحاوِلُ الاستمرارَ في ذلك. والحقيقةُ هي أنَّ هذا المبدأَ يَصُحُّ على جميعِ المؤمنين بكُلِّ تأكيد. فقد نِلْنا حياةً جديدةً. ولكنْ لدينا أيضًا الخطيئة القديمة المُحيطة بنا، أيِ الخطيئة المُتَمَثِّلة في أجسادِنا، أوِ الشيءِ غيرِ الصالحِ الذي يُشَكِّلُ جُزْءًا مِنْ كِيانِنا البشريّ. وبعدَ أنْ صِرْنا مُؤمنين، نجد أنَّنا نُعطي جزءًا مِنْ حياتِنا للهِ وجُزءًا آخَرَ للخطيَّة. ونحن نُوازِنُ نوعًا ما بينَ هذا وذاك. ولكنْ عندما ننضُجُ فإنَّ البِرَّ يَزدادُ في حياتِنا، والخطيئةُ تَقِلُّ في حياتِنا. فَلا صِحَّةَ لِما يُقالُ بأنَّك في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ في حياتك المسيحيَّةِ فإنَّك تتوقَّفُ عنِ اقترافِ الخطيئةِ وتَصيرُ بارًّا. لا! بل إنَّ هناكَ عمليَّة تَقَدُّم مُستمرة لا تتوقَّف. فبُولسُ يقول: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى [نَحْوَ الهَدَف]". فأنَّت تتحرَّكُ دائمًا إلى أعلى. والدليلُ على صُعودِكَ إلى أعلى هو أنَّك تَقترِفُ الخطيئةَ أَقَلَّ فأقَلّ. وسوف أَستخدمُ نفسي كَمَثَلٍ توضيحيّ. فإنا خَاطئُ بكل تأكيد. وعندما خَلَصْتُ كان هناك صِراعٌ في حياتي (بل صِراعٌ كبيرٌ جدًّا). وَهُوَ الصِّراعُ الذي يَتحدَّثُ عنه بولُسُ في الأصحاح السابع مِنْ رسالة رومية: فأنا لا أفعلُ الأشياء التي ينبغي أنْ أَفْعَلَها، وأفعلُ الأشياءَ الَّتي لا ينبغي أنْ أفعَلَها! وقد كنتُ أُصارعُ ضِدَّ الجسدِ وأُجاهِدُ كثيرًا. ولا يزالُ الصِّراعُ قائمًا حتَّى الآن. ولكنَّ الشيءَ الذي لاحَظْتُهُ هو أنَّني كُلَّما ازْدَدْتُ نُمُوًّا (أيْ كُلَّما نَمَوْتُ مِنْ خلالِ العَيْشِ لأجلِ مَجْدِ اللهِ، وكُلَّما سَلَكْتُ أكثرَ في الرُّوحِ القُدُسُ، وازددتُ نُضْجًا في حياةِ الطاعةِ، وازددتُ نُضْجًا في عمليَّةِ النُّضْجِ الروحيِّ)، لاحظتُ أنَّني صِرْتُ أَقَلّ مَيْلاً إلى اقترافِ الخَطيئَة. ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ الخطيئةَ اختَفَتْ مِنْ حياتي. فهي لا تَحْدُثُ بالكثرةِ التي كانتْ تَحْدُثُ بها لأنَّني أَنْمو بعيدًا عنها – أيْ أَنْمو في البِرّ.

وهكذا فإنَّ تمجيدَ اللهِ يَصيرُ هُوَ العُنْصُر الرَّئيسيّ. وقدِ استخدمنا الآية 2 كورِنثوس 3: 18 لتوضيح ذلك. وقد قُلنا إنَّ تلكَ الآية تقول: "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ". فلم يعد هناكَ بُرْقُعٌ أوْ حِجابٌ علينا كما كانَ في العهدِ القديم. فقد رُفِعَ البُرْقُعُ: "نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ ... كَمَا في مِرْآةٍ". وقد سألَ أحدُ الأشخاصِ بَعْدَ الدَّرسِ السَّابِقِ: "لماذا اسْتُخْدِمَتْ العبارة ’كما في مرآة‘"؟ إنَّ السَّبب هو أنَّ مجدَ اللهِ يَظهر لنا في شكلِ انعكاسٍ. أليسَ كذلك؟ بعبارة أخرى، نحنُ لا نَرى الشَّكينةَ حَرفيًّا؛ أيْ أنَّنا لا نرى حرفيًّا حُضورَ اللهِ – وإلَّا فإنَّنا سنَحترق إذْ إنَّ اللهَ قال: "لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ". لذلك فإنَّ اللهَ يَعكسُ مَجْدَهُ لنا. إنَّهُ يَعْكِسُ مَجدَهُ لنا. كيف؟ مِنْ خلالِ الكلمة. لذلك، عندما نُرَكِّزُ على كلمةِ الله، ونُطيعُ المبادئَ الَّتي تُعَلِّمُها، فإنَّنا نَرى مِنْ خلالِ ذلكَ مِرْآةَ مَجْدِ الله. ثم إنَّ بولسَ يقول إنَّنا إذْ نَرى ذلكَ المجد فإنَّنا نَنتقلُ مِنْ مُستوى مِنَ المجدِ إِلَى المُستوى الَّذي يَليه، والذي يَليه لِنَصيرَ مُشابِهينَ للمسيح بواسِطَةِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس.

لذلك فإنَّ النُّموَّ الروحيَّ لا يُرَى فقط في الكتابِ المقدَّس مِنْ خلالِ مراحلِ الطُّفولةِ والحَداثَةِ والأُبُوَّةِ، بل إنَّه يُرَى بِوَصْفِهِ انتقالاً مِنْ مُستوى مِنَ المَجْدِ إلى المستوى الذي يليه، والذي يليه. وهذا يَحْدُثُ عندما نُرَكِّزُ على تمجيد الله. والآنْ، اسمحوا لي أنْ أُلَخِّصَ ما ذَكَرْتُهُ حتَّى الآن: عندما نحيا (أنا وأنت) لِمَجْدِ اللهِ في تلك اللحظاتِ التي ننمو فيها، فإنَّنا نَزدادُ شَبَهًا بالمسيح. أَمَّا الأوقاتُ التي نَعيشُ فيها لأجل أنْفُسِنا ولأجلِ الجسد، فهي الأوقاتُ التي لا يَحدُثُ فيها ذلك.

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أُذَكِّرَكُم أيضًا بأنَّ هناكَ بعضَ المبادئِ العمليَّةِ المُحَدَّدَةِ المختصَّةِ بالعيش لأجلِ مَجْدِ الله. وقدِ ابتدأنا في دراسةِ هذهِ المبادئِ في المَرَّةِ السابقة. وسوف أُذَكِّرُكُم بالمَبدَأَيْنِ الرَّئيسِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ تَحَدَّثنا عنهما قَبْلَ أنْ نُتابعَ حديثَنا. فإنْ كانتِ الحياةُ الَّتي تَهْدِفُ إلى تَمْجيدِ اللهِ هو مِفتاحُ النُّموِّ الرُّوحِيِّ، وإنْ كانتْ هذهِ هِيَ النقطةُ الجوهريَّة، وإنْ كانتْ هي لُبُّ الأمرِ، ما الذي يَعنيهِ أنْ نحيا لأجل مَجْدِ الله؟ كما تَعلمون، فإنَّنا نتحدَّثُ كثيرًا عن ذلك. ونحن نُرَنِّمُ قائلين: "المَجْدُ للهِ على الأشياءِ العظيمةِ التي صَنَعَها". ونحنُ نُمَجِّدُ اللهَ في كُلِّ وقت. ونحن نقرأُ ذلكَ في الكتابِ المقدَّسِ. وهذِهِ عِبارَةٌ مَوجودَةٌ في كُلِّ مكانٍ إذْ إنَّها عبارةٌ شائعةٌ جدًّا. ولكنَّني أَخْشَى أنَّها لا تَعني الكثيرَ عَمَلِيًّا بالنسبةِ إلى البعضِ مِنَّا. ولكننا نريدُ أنْ نَجْعَلَها تَعني الكَثير.

إنَّ الشيءَ الأوَّلَ الذي ذَكَرْناهُ في دِراسَتِنا السابقةِ هو أنَّنا نُمَجِّدُ اللهَ بالاعترافِ بيسوعَ رَبًّا. فالأمرُ بِمُجْملهِ يَبتدئُ مِنْ هنا. فنحن نقرأُ في رسالة فيلبِّي والأصحاح الثاني أنَّه ينبغي لنا أنْ نَعترفَ بيسوعَ رَبًّا لمجدِ الله. فقبلَ أنْ تَبتدئَ في الانطلاقِ في دَرْبِ النُّموِّ الروحيِّ، وقبلَ أنْ تَبتدئ بالتشَبُّه بالمسيح، يجب عليك أنْ تَعترفْ بهِ رَبًّا. وهذه هي الولادةُ الجديدةُ التي تَعني أنَّك وُلِدتَ في عائلةِ الله. وقبلَ أنْ تَصيرَ أبًا رُوْحِيًّا، يجب عليك أنْ تَصيرَ طفلاً رُوحيًّا أوَّلاً. أليس كذلك؟ فقبلَ أنْ تَصيرَ رَجُلاً (أوْ قبلَ أنْ تَصيري امرأةً)، يجب عليكَ أنْ تَكونَ طفلاً. فيجب عليكَ أنْ تبتدئَ مِنْ هناك. ولكي تَبتدئَ مِنْ هناك، يجب عليك أنْ تَعترفَ بيسوعَ رَبًّا لأنَّهُ كذلكَ حَقًّا. فَهُوَ رَبٌّ. وعندما تفعل ذلك فإنَّك تُعطي المَجْدَ للهِ لأنَّ اللهَ وَضَعَ مَجْدَهُ حَقًّا في المَسيح (بحسب ما جاء في إنجيل يوحنَّا 1: 14.

والشيء الثاني الذي قُلْناه (وهذه مُجرَّد مُراجعة سريعة) هو أنَّنا إنْ أرَدْنا أنْ نحيا لِمَجْدِ اللهِ لا يكفي أنْ نَعترفَ بِهِ رَبًّا، بل يجب علينا (ثانيًّا) أنْ نُوَجِّهِ حياتنا نحو مَجْدِه. وقد ذكرنا ما جاء في رسالة كورنثوس الأولى 10: 31 إذْ نقرأ: "فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ". فبعد أنِ اعترفتُ بيسوعَ رَبًّا لمجد الله، يجب عليَّ أنْ أُوجِّهَ حياتي لتمجيده. وهذا شيءٌ أساسيٌّ جدًّا. وهل تذكرون ما قُلْناه عن معنى ذلك؟ لقد قُلْنا إنَّ ذلك يعني أنْ تَرْضَى بأنْ تُعطيه المَجْدَ أيًّا كان الثمنُ الذي ستدفعه شخصيًّا. وقد قُلنا أيضًا إنَّ هذا يعني أنْ تشعر بنفس الألم الذي يشعر به اللهُ حين يُهانُ اسْمُهُ.

بعبارةٍ أُخرى، إذا كُنتُ أعيشُ لمجدِ اللهِ، لا يجوز أنْ أُبالي بالثمن الذي سأدفعه، ولا يجوز أنْ أُبالي إنْ كنتُ سأعيشُ أو سأموت، ولا يجوز أنْ أهتمَّ بما إذا كنت سأحصلُ على المديح على أيِّ شيءٍ طالما أنَّه يَتَمَجَّد. فلا يَهُمُّ الثمنُ الذي سأدفعه، ولا يَهُمُّ ما سأتخلى عنه. والآن، اسمحوا لي أنْ أتحدَّث عن ذلك قليلاً. فما يُدهشني في المجتمع الذي نعيش فيه هنا في أمريكا (وأنا أَعْني المجتمعَ المسيحيَّ) هو أنَّنا أَنشأنا جيلاً مِنَ الناس الذين لا يُفَكِّرونَ البَتَّة بهذه العقليَّة. فحتى في المسيحيَّة، مِنَ المُدهشِ أنَّهُ عِوَضًا عن أنْ يكون لدينا موقِف الخِدْمَة، وعِوَضًا عن أنْ يكون لدينا موقِف الاتِّضاع، وعِوَضًا عن أنْ يكون لدينا الروح الذي يجعلنا نقول: "أنا مُستعدٌّ أنْ أَبْذُلَ حياتي لأجلِ مشيئةِ اللهِ أيًّا كان الثمنُ الذي سأدفعُه، وأنا مُستعدٌّ للتضحيةِ بنفسي لأجْلِ مَجْدِهِ أيًّا كان الثمن، فإنَّ موقفنا هو: "أريدُ أنْ أكونَ ناجحًا". فقد كنتُ استمعُ إلى عِظةٍ مُسَجَّلَةٍ لواحدٍ مِنَ الخدامِ في وقتِنا الحاضِرِ فقال إنَّه مِنَ المُدْهش بالنسبة إليهِ أنَّه في كُلِّ مَرَّةٍ نذهبُ فيها إلى مُؤتمرٍ ما، أوْ في كُلِّ مَرَّةٍ نَشتري فيها كِتابًا نُشِرَ حَديثًا، أوْ في كُلِّ مَرَّة يُريدُ فيها أيُّ شخصٍ أنْ يَجتذبَ حَشْدًا كبيرًا مِنَ المسيحيِّينَ، فإنَّهُ يَفعلُ ذلك دائمًا بواسطةِ إحضار شخصٍ مشهور. فالأمر يتوقَّفُ على الأشخاصِ الذين يتمتعون بالجمالِ والوسامة. فإذا نَظرتم إلى الشَّخصِ الذي يَتكلَّمُ في أحدِ المؤتمراتِ ستجدونَ أنَّها مَلِكَةُ جمال أمريكا، أوْ أحدُ رجالِ الأعمالِ الأثرياء، أوْ أحدُ رؤساءِ مجلسِ إدارةِ شرِكة ما، أو أحدُ الأشخاصِ النَّاجحينَ جدًّا في هُوليوود مِمَّنْ صَنَعوا لأنفسِهم اسمًا في عالمِ التلفزيونِ أوِ السِّينما، أوْ رياضيًّا مشهورًا، أو سياسيًّا مَعروفًا. فالناسُ يَحتشدونَ حولَ الأثرياءِ والمشاهيرِ والنُّخْبَة. وما يَفْعَلُهُ هذا الأمرُ بالمسيحيَّة هو أنَّه يُقَدِّمُ نَموذجًا لنا عن النجاحِ (أيْ عنِ النجاحِ الشخصيِّ) عِوَضًا عنِ الخِدْمَة. أَتَرَوْن؟

والآنْ، عندما نَلتجئ إلى هذهِ النَّوعيَّةِ الَّتي نُنْشِئُها مِنَ المَسيحيِّينَ ونحاولُ أنْ نَجعلهم يَحملونَ إنجيلَ يسوعَ المَسِيحِ إلى أقاصي العالم، فإنَّهم سيُواجهونَ صُعوبَةً جَمَّةً في القيامِ بذلك. وعندما نَلتجئ إليهم ونَطلبُ منهم أنْ يُقَدِّموا حياتَهم لأجل المسيح، فإنَّ الأمر سيكون صعبًا جدًّا بالنسبة إليهم لأنَّهُ قيلَ لهم (إمَّا بطريقة لفظيَّة أو بطريقة أُخرى) إنَّ الناسَ الذين يَنجحونَ في الخِدْمَة المسيحيَّة هُمُ الأثرياء، والمشاهير، والناجحون، ومَنْ يمتلكونَ شَعبيَّةً واسعةً. لذلك فإنَّنا نُنْشِئُ جيلاً مِنَ المسيحيِّينَ الذين يَسْعَوْنَ إلى النجاحِ الشخصيِّ أكثرَ مِمَّا يَسْعَوْن إلى الخِدْمَةِ المتواضعة. وهذا يُعارضُ تمامًا العيشَ لأجلِ مَجْدِ الله. فالحياةُ التي تُمَجِّدُ اللهَ لا تعني أنْ أَتَّخِذَ الأمرَ مِهْنةً لي. والحياةُ التي تُمَجِّدُ اللهَ لا تعني أنْ أُوَظِّفَ وَكيلَ أعمالٍ لِيَحْجِزَ لي المواعيد مَعَ المَجَلَّاتِ والصُّحُف. بل إنَّ الحياةَ التي تُمَجِّدُ اللهَ تعني أنْ أَبْذُلَ نَفْسي. والحياةُ التي تُمَجِّدُ اللهَ تعني أنْ أموتَ (إنِ اقتضى الأمرُ ذلك) مِنْ أجل تحقيقِ مَقاصِدِ الله.

وأنا أَعْلَمُ مِنْ خلال حياتي الشخصيَّة أنَّني مُستعدٌ لِبَذْلِ حياتي. فكما قال بولُس، إنْ مُتُّ مِنْ أجلِ المَسِيح، فيا لَهُ مِنْ مَوْتٍ حُلْو! فإنْ مُتُّ أوْ قُدِّمْتُ كَمَا تُقَدَّمُ الذَّبِيحَة لأجْلِ فَرَحِكُم بالإنجيل، فإنَّني سأموتُ فَرِحًا. فأنا مُستعدٌّ للموت - أنا مُستعدٌّ للموت. وهذا هو موقف الشخص الذي يحيا لأجل مَجْدِ الله. وما أَعنيه هو: إنَّ النقطةَ الجوهريَّةَ هي الاتِّضاع. فإنْ كنتَ تَسْعى في حياتك إلى تمجيدِ اللهِ سيكونُ لديكَ الاتِّضاعُ الذي يَجعلُكَ تقول: "يا رَبّ، أنا أتألمُ عندما تتألم أنتَ. ودَقَاتُ قلبي مُتوافقة مَعَ دَقَّاتِ قلبِكَ. وكُلُّ ما أُريده هو أنْ أُعطيكَ المَجْدَ أيًّا كان الثمنُ الذي سأدفعه". ونحن نرى ذلكَ في حياة الأشخاصِ الذين يَرْغَبونَ في الالتحاقِ بالخِدْمة المسيحيَّة. فَهُناكَ أشخاصٌ كثيرونٌ يَلْتَحِقونَ بِكُليَّاتِ اللَّاهوتِ، والجامعاتِ المسيحيَّةِ، وهَلُمَّ جَرَّا. وَهُمْ يُريدون أنْ يخْدِموا الرَّبَّ. ولكنهم يريدون أنْ يَخْدِموا الرَّبَّ وَفْقًا لشروطِهِم، وفي بيئةٍ رائعةٍ، وبِشَرْطِ أنْ يكونَ كُلُّ شيءٍ كما يُريدونَ أنْ يكون بعدَ أنْ يَدْرُسُوا جميعَ عوامِلِ النجاح الَّتي يَسْعَوْنَ إليها وبعدَ أنْ يَتَحَقَّقُوا مِنْ تَوافُرِها. ولا يَسَعُكَ إلَّا أنْ تَتساءَلَ قائلاً: "أينَ نَجِدُ هؤلاءِ الأشخاصَ المُتَّضِعينَ المُستعدِّين لتقديمِ تضحياتٍ كبيرةً لأجلِ مَجْدِ الله حتَّى لو اقتضى الأمر أنْ يفقدوا كُلَّ شيء؟" وقد تحدَّثنا أيضًا في المَرَّةِ السَّابقة عن حقيقة أنَّك إنْ كنتَ تحيا لمَجْدِ اللهِ فإنَّك ستَرضى بأن يَتَفَوَّقَ عليكَ شخصٌ آخر يَفعلُ ما تفعلُهُ أنتَ، ولكِنَّهُ يَفعَلُهُ بطريقة أَفْضَلَ منك - طالما أنَّ ذلك يُمَجِّدُ الله.

وهذا هو الأساسُ، يا أحبَّائي. فهذانِ هُما أَوَّلُ شَيْئَيْنِ ينبغي أنْ نُدْرِكَهُما. فإنْ أردنا أنْ ننمو روحيًّا، يجب علينا أنْ نَبْذُلَ أنْفُسَنا: أولاً، مِنْ خلالِ قَبولِ رُبوبيَّةِ المَسِيحِ في لحظةِ الخلاص. وثانيًا، مِنْ خلالِ قَبولِ رُبوبيَّةِ المَسِيحِ إذْ إنَّهُ يُهيْمنُ على حياتنا مِنْ تلك اللحظة فصاعدًا. وحينئذٍ، فإنَّنا نُطيعُ المَسِيحَ ونتجاوبُ مع إرشادِهِ في حياتنا دونَ أنْ نُفَكِّرَ في ما يَعنيه ذلك بالنسبة إلينا، ودون أنْ نُفَكِّرَ في ما إذا كُنَّا سننجح، ودونَ أنْ نُفَكِّرَ في ما إذا كانَ الأمرُ مُريحًا بالنسبة إلينا؛ بل إنَّنا سَنُرَكِّزُ بالحريِّ على أنْ يَتَمَجَّدَ هو. وحينَ يَحدثُ ذلك فإنَّنا سنتقدَّمُ إلى الأمام ونَنمو. ففي كُلِّ مَرَّة نَفعلُ فيها ما نُريد شخصيًّا، أو نختارُ فيها طريقَنا بأنْفُسِنا، أو نَسعى فيها إلى تحقيق مَشيئَتِنا الشخصيَّةِ حتَّى في مجال الخِدْمَةِ المسيحيَّة - أيْ في كُلِّ مَرَّةٍ لا يكونُ فيها دافِعُنا صحيحًا فإنَّنا سنَفشلُ ولنْ نَنمو روحيًّا.

ولكِنْ دعونا نَنتقل إلى النقطة الثالثة المُهمَّة وهي: كيفَ نُمَجِّدُ الله؟ نحنُ نُمَجِّدُ اللهَ (ثالِثًا) مِنْ خلالِ الاعترافِ بالخطيئَة - مِنْ خلالِ الاعترافِ بالخطيئَة. وقد يبدو هذا الأمرُ غريبًا بعض الشيء، ولكنَّه يُكَمِّلُ الفِكْرَةَ التي كُنتُ أتحدَّثُ عنها. والآن، لاحِظُوا ما سأقول: إنَّ أعظمَ تَعبيرٍ عنِ الاتِّضاعِ هو أنْ نَعترف بخطايانا. ولكنَّ أغلبيَّةَ الناسِ لا يفعلون ذلك. فالأغلبيّة مِنَّا (وأنا أتحدَّثُ هُنا عنِ المؤمنين) يَتغاضَوْنَ عنِ الخطيئَة. فنحنُ مُنهمكونَ جدًّا حتَّى إنَّنا لا نُبالي بالاعترافِ بها. أوْ رُبَّما نَظُنُّ أنَّنا نفعل حسنًا في أغلبِ الأوقاتِ وأنَّنا لسنا في حاجةٍ إلى ذِكْرِ عُيوبِنا. أو رُبَّما نُلْقي اللَّوْمَ على ظُروفِنا، أوْ بيئَتِنا، أوِ الأشخاصِ المُحيطينَ بنا. ولكنَّنا نَميلُ إلى عَدَمِ الاعترافِ بالخطيئة؛ وبذلك فإنَّنا لا نُمَجِّدُ اللهَ.

ونجد في الأصحاح السابع من سِفْر يشوع آيةً مُهمةً جدًّا. فلَعَلَّكُم تَذكُرون أنَّ بَني إسرائيل جاءوا إلى أرض الموعد بقيادة يشوع، وليس بقيادة مُوسَى لأنَّه كان قد أخطأَ حين ضَرَبَ الصخرةَ بِعَصَا مع أنَّ اللهَ قال لَهُ أنْ يُكَلِّمَها. ولأنَّ مُوْسَى سَعَى إلى مَجْدِهِ هو وأرادَ أنْ يَظُنَّ الجميعُ أنَّه صاحبُ قُدْرةٍ عظيمةٍ حين ضَرَبَ الصخرةَ فقد خَسِرَ حَقَّهُ في أنْ يَقودَ الشعبَ إلى أرض الموعد. ولكنَّ يَشوع قادهم إليها فدخلوها ونالوا نَصْرًا عظيمًا في أريحا إذْ إنَّ الأسوارَ سقطت واحتلُّوا المدينة. وكانت تلك أَوَّلُ المُدُنِ التي احتلوها في أثناءِ سيطرتهِم على أرض كنعان. ولكنَّ الرَّبَّ أعْطاهُمْ وَصِيَّةً واحدةً فقط وهي: "لا تأخذوا أيَّ شيءٍ مِنْ تلك المدينة. فأنا لا أريدُكم أنْ تحتفظوا بأيَّة بقايا مِنْ ذلك المجتمع الوثنيّ. وأنا لا أريدكم أنْ تأخذوا أيَّ شيءٍ ولا أنْ تأخذوا أيَّةَ غنائمَ، بل أريد منكم أنْ تتركوا كُلَّ شيءٍ هناك لأنَّ ذلكَ يُمثِّلُ مجتمعًا أنتم مُنْفَصِلون عنه". ولكنَّ رجلاً واحدًا خَالَفَ ذلك. ولَعَلَّكُمْ تَذكرون اسمَهُ إذا كنتم قد دَرَسْتُّمُ القِصَّة. فاسمُهُ هو "عَخَان". وقد كان عَخَان يُحِبُّ أنْ يَسْرِقَ الأشياءَ. فأنا أَذْكُرُهُ بهذه الصُّورة. وقد أَخَذَ عَخَانُ بعض الأشياءِ مِنَ المدينة. وبسبب ذلك، هُزِمُوا في "عَاي" (وهي المدينةُ الثانيةُ التي تَوَجَّهوا إليها). ونقرأ في سِفْر يشوع 7: 19 أنَّ يَشوعَ نَفْسَهُ وَاجَهَ عَخَان إذْ نقرأ: "فَقَالَ يَشُوعُ لِعَخَانَ: يَا ابْنِي، أَعْطِ الآنَ مَجْدًا لِلرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ". والآن، كيفَ ستفعل ذلك؟ هكذا: "اعْتَرِفْ لَهُ وَأَخْبِرْنِي الآنَ مَاذَا عَمِلْتَ. لاَ تُخْفِ عَنِّي". فَأَجَابَ عَخَانُ يَشُوعَ وَقَالَ: «حَقًّا إِنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ وَصَنَعْتُ كَذَا وَكَذَا". وَهُوَ يَمْضي في وَصْفِ ذلكَ قائلاً: "عندما رأيتُ كَذا أَرَدْتُهُ لنفسي، وعندما رأيتُ كَذا أرَدْتُهُ لنفسي"، ثُمَّ إنَّهُ أَخْفى المَسروقاتِ في الخيمةِ، وَهَلُمَّ جَرَّا.

والآن اسمَعوني: لقد قال لَهُ يشوع: "أَعْطِ الآنَ مَجْدًا للرَّبِّ إلَهِ إسرائيلَ بأنَّ تعترف بخطيئتك". والآيةُ تقول إنَّ الاعترافَ بخطيئتك يُمَجِّدُ اللهَ. فأنْ تَعترفَ أنَّكَ أخطأتَ هو أمرٌ يُمَجِّدُ اللهَ. لماذا؟ حسنًا، اسمحوا لي أنْ أُبيِّنَ لكم ما حدث إذْ نقرأ في العدد 24: "فَأَخَذَ يَشُوعُ [وَجَميعُ إسرائيلَ مَعَهُ] عَخَانَ بْنَ زَارَحَ وَالْفِضَّةَ وَالرِّدَاءَ وَلِسَانَ الذَّهَبِ [أيْ كُلَّ الأشياءِ الَّتي سَرَقَها] وَبَنِيهِ وَبَنَاتِهِ وَبَقَرَهُ وَحَمِيرَهُ وَغَنَمَهُ وَخَيْمَتَهُ وَكُلَّ مَا لَهُ، ... وَصَعِدُوا بِهِمْ إِلَى وَادِي عَخُورَ. فَقَالَ يَشُوعُ: «كَيْفَ كَدَّرْتَنَا؟ يُكَدِّرُكَ الرَّبُّ فِي هذَا الْيَوْمِ!»". هل تُلاحظونَ أنَّه بالرَّغمِ مِنَ اعترافِهِ بخطيئتِهِ فإنَّ دينونَتَهُ كانت أمْرًا لا مَفَرَّ مِنْه؟ فكما تَرَوْن، فإنَّ الاعترافَ بالخطيئة لا يُلْغي التَّأديب. فقدِ اعترفَ داودُ بخطيئته في المزمور 32 والمزمور 51 وغَفَرَ اللهُ لَهُ ذَنْبَهُ ثُمَّ عاقَبَهُ. لذلك فإنَّ الغُفران لا يعني أنَّه لنْ يكون هناك تأديب. فقد اعترفَ بشيءٍ فَعَلَهُ في الماضي. ولكنَّ اللهَ كان سيُعاقِبَهُ بأيِّ حال إذْ نقرأ: "فَرَجَمَهُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ بِالْحِجَارَةِ وَأَحْرَقُوهُمْ بِالنَّارِ وَرَمَوْهُمْ بِالْحِجَارَةِ، وَأَقَامُوا فَوْقَهُ رُجْمَةَ حِجَارَةٍ عَظِيمَةً إِلَى هذَا الْيَوْمِ. فَرَجَعَ الرَّبُّ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ. وَلِذلِكَ دُعِيَ اسْمُ ذلِكَ الْمَكَانِ «وَادِيَ عَخُورَ» إِلَى هذَا الْيَوْمِ". وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "عَخُور" تَعني في اللُّغة العِبرانيَّة: "يُكَدِّر".

والآنِ اسمعوني: لقد كان اللهُ مُزْمِعًا أنْ يُعَلِّمَ بَني إسرائيل دَرْسًا. والدرسُ هو الآتي: "لا تَعْصوني. فإنْ عَصَيْتموني ستكونُ العاقبةُ وَخيمةً". وقد كانت العاقبةُ هي أنَّ عَخَانَ وعائِلَتَهُ بأسْرِها (الذين مِنَ الواضحِ أنَّهم تَواطَأوا معه في جريمته) قد رُجِمُوا حتَّى الموت. والآن اسمعوني: لماذا أراد يَشوعُ مِنْ عَخَان أنْ يعترفَ بخطيئته؟ سوف أقول لكم السبب. لأنَّ اللهَ سيبدو وَحْشًا قاسيًّا لو قَتَلَ هذا الرجلَ وعائلتَهُ مِنْ دونِ أنْ يَعرفَ أحدٌ السبب. ولكنْ عندما اعترفَ عَخَان بخطيئته، كان بذلك يقول: "يا رَبّ، أنتَ إلهٌ قُدُّسٌ وبَارٌّ، وأنْتَ تَمْلِكُ الحَقَّ في أنْ تُعاقِبَني، وتَمْلِكُ الحَقَّ في أنْ تُؤدِّبَني دونَ أنْ يُسيءَ ذلك إلى طَبيعتِكَ البارَّةِ لأنَّني أَسْتَحِقُّ ذلك". أتَرَوْن؟

وربما لم تُفَكِّرْ يومًا بالاعترافِ بخطاياكَ بهذه الطريقة. ولكنَّ هذا هو لُبُّ الاعترافِ بالخطيئة. فالسببُ الذي لأجلِهِ أرادَ اللهُ مِنْ عَخَان أنْ يعترفَ بخطيئته هو أنْ يتمكَّنَ اللهُ مِنْ تأديبه دون أنْ يَظُنَّ أيُّ شخصٍ أنَّه لم يكُن يَسْتَحِقُّ ذلك. فاللهُ قُدُّوسٌ. واللهُ يُعاقِبُ الخطيئة. فهو لا يُطيقُ الخطيئة. وهو لا يَسْمَحُ للخطيئةِ أنْ تَمُرَّ دونَ عِقاب. فلو أنَّه يَسمحُ بذلك لَمَا كان هناك مُبَرِّرٌ لِموتِ يسوع. ولكنْ لا بُدَّ أنْ يُعاقِبَ اللهُ الخطيئة. فاللهُ سيبدو إلهًا غيرَ عادلٍ، واللهُ سيبدو إلهًا غيرَ مُنْصِفٍ في أعْيُنِ الناسِ إنْ كُنَّا (أنا وأنت) لا نُقِرُّ بأنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ اللهُ لتأديبنا إنَّما نَسْتَحِقُّه. ولكِنَّ عَخان قالَ في العدد 20: "حَقًّا إِنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ". فهو لم يُلْقِ اللَّومَ على اللهِ، ولم يُلْقِ اللَّومَ على الظُّروف، ولم يُلْقِ اللَّومَ على أيِّ شخصٍ. بل إنَّه تَحَمَّلَ المسؤوليَّة. ونحنُ نَرى شيئًا مُشابِهاً في حادثةِ صَلْبِ المَسِيح. فاللِّصُّ الذي كان على الصليب كان قد أَهانَ اللهَ طَوَالَ حياته. فقد فَعَل كُلَّ ما شاءَ أنْ يفعل. وهو الآن مُعلَّقٌ على صليبٍ بجانب يسوعَ المَسِيح. ولكنْ في تلك اللَّحظةِ عَيْنِها (أيْ في اللَّحظة الأخيرةِ في حياته وَهُوَ مُعَلَّقٌ على الصليب)، فإنَّه يُعطي الْمَجْدَ للهِ للمرَّةِ الأُولى في حياته. فهل تعلمون ما الذي قاله؟ لقد قال لِلِّصِّ الآخر بحسب إنجيل لوقا 23: 41: "أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ [نَتألَّم]". بعبارةٍ أُخرى، فقد قال: "ما الذي تَتَذَمَّرُ بشأنه، يا رفيقي؟ فنحنُ ننالُ تمامًا الجَزاءَ الَّذي نَسْتَحِقُّه". بعبارةٍ أُخرى: "لا يُمكنكَ أنْ تُهينَ اللهَ هكذا. فنحن نستحِقُّ هذا العِقاب. فلا يُمكنك أنْ تَلومَ اللهَ على ذلك. فنحن نَستحِقُّ القَصاص".

والآن، يا أحبَّائي، هذا هو لُبُّ ما أريدُ منكم أنْ تفهموه. فعندما تُحاوِلُ تَبريرَ خَطيئتك فإنَّك تُلقي اللَّومَ على الله. ونجد مَثَلاً واضحًا على ذلك في سِفْر التكوين. فلَعَلَّكُم تذكرون أنَّ حوَّاءَ أخطأتْ، ثُمَّ إنَّ آدمَ أَخطأَ، وأنَّ اللهَ جاء إلى آدمَ وقال لَهُ: "آدم، لماذا فَعلتَ ذلك؟" وهل تذكرون رَدَّ آدم؟ لقد قال: "الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي". ورُبَّما يَظُنُّ الناسُ دائمًا أنَّ آدمَ وَجَّهَ اللَّومَ إلى حَوَّاء. ولكنَّه لم يُوجِّهِ اللَّوْمَ إلى حوَّاء، بل إنَّه قال: "الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا [أَنْتَ] مَعِي". إذَنْ، إلى مَنْ وَجَّهَ اللَّومَ؟ لقد وَجَّهَ اللَّومَ إلى الله: "أنتَ الذي أَعطيتَني هذه المرأة! فقد غَفَوْتُ وأنا أعْزَب، ونَهَضْتُ مِنَ النَّوْمِ فوجدتُ أنَّني مُتَزَوِّج! فما الخِيارُ الذي كان مُتاحًا لي؟ فقد كان بمقدوركَ أنْ تختارَ أيَّ امرأةٍ تشاء. ولكنْ لماذا اخترتَ هذه؟ إنَّها فاشلة! ولَكِنْ أنتَ الَّذي خَلَقْتَها. فأنا حتَّى لم أَكُنْ أعلمُ ما هي المرأة! ثُمَّ إنَّكَ زَوَّجْتَني بواحدة! والآنْ، انظر إلى هذه الورطة! الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا [أَنْتَ] مَعِي". فلأنَّه لم يكُن مستعدًا لإلقاءِ اللَّومِ على نَفْسِه، فقد وَجَّهَ اللَّومَ إلى اللهِ وأشارَ ضِمْنِيًّا إلى المرأة. ولا شكَّ في أنَّه أشار بذلكَ أيضًا إلى الحَيَّة. ولكنَّه لم يُبْدِ استعدادَهُ لِتَحَمُّلِ المسؤوليَّة.

وهذا مُناقِضٌ تمامًا لإعطاءِ المجدِ لله. فإعطاءُ المَجْدِ لله يعني أنْ أَقبلَ المسؤوليَّةَ عنِ الخطيئة. فهي ليستْ خَطَأَ اللهِ. وهي ليست خَطَأَ شخصٍ ما سَمَحَ اللهُ بوجودِهِ في حياتي. وهي ليست خَطَأَ ظَرْفٍ ما. فلا يُمكنك أنْ تقول: "بصراحة، يا رَبّ، لم يكُن ينبغي لكَ أنْ تَخْلِقَ الشَّيطان، ولم يكُن ينبغي لكَ أنْ تَجْعَلَهُ يَسقُط، ولم يكُن ينبغي لكَ أنْ تَضَعَني في هذه المدينةِ التي أنا فيها، ولم يكُن ينبغي لك أنْ تسمحَ بوجود ذلكَ الشخصِ في حياتي. فأنتَ صاحبُ السُّلْطان، وأنتَ المُهيْمِنُ" – وَما شَابَهَ ذلكَ مِنْ عباراتٍ نحاولُ دائمًا أنْ نَقولَها للتملُّصِ مِنَ المسؤوليَّة. فتبريرُ الخطيئةِ يعني إلقاءَ اللَّومِ على الله. ولكنْ إنْ أخطأتَ أنتَ، أو إنْ أخطأتُ أنا، على مَنْ يَقَعِ اللَّوم؟ إنَّه يَقَعُ علينا نحنُ ... علينا نحنُ فقط. فهذه هي خُلاصَةُ الأمر. لذلك، إنِ اختارَ اللهُ أنْ يُؤَدِّبَنا فإنَّه يَمْلِكُ الحَقَّ في القيام بذلك. ولا يمكننا أنْ نُنْكِرَ المسؤوليَّة.

والآن، يا أحبَّائي، أنا أُوْمِنُ حقًّا أنَّ هذا جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِنَ النُّموِّ الرُّوحيِّ. فأنا أرى أنَّكَ تنمو روحيًّا حين تواجِهُ بِوَعْيٍّ وانفتاحٍ حقيقةَ خَطيئتِكَ وتَعترف بها. لأنَّك حينَ تَفعل ذلك، أَتَدْري ما الَّذي تفعله؟ إنَّكَ تَتَخَلَّصُ حَقًّا مِنَ الوزنِ الثَّقيلِ الذي يُعَطِّلُ عمليَّةَ النُّموِّ الرُّوحِيِّ. فإنْ شَبَّهْنا النُّمُوَّ بِسِباقٍ، لا يمكننا أنْ نَرْكُضَ في هذا السِّبَاق فيما نَحْمِلُ أثقالاً (كما جاءَ في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِنَ الرسالةِ إلى العِبْرانيِّين). فالأثقالُ تَجْذِبُنا إلى أسفل وتُبْطِئُ سُرعَتَنا. لذلك، يجب علينا أنْ نَعترف بخطايانا. وهذه فكرةٌ مُهمَّةٌ جدًّا. فعندما نُقِرُّ بخطايانا، وعندما نُواجِه خَطايانا، وعندما نَعترف بخطايانا، فإنَّ ذلكَ الثِّقْلَ يَزولُ عنَّا ونبتدئُ بالنموِّ حقًّا. والآن، اسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً تَوضيحيًّا آخَرَ على ذلك وَرَدَ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل والأصحاح الخامِس.

نَجِدُ هنا واحدًا مِنْ أروعِ المقاطِعِ في الأسفارِ الكِتابيَّةِ التاريخيَّة. فقد أَهْمَلَ بَنو إسرائيلَ اللهَ وقتًا طويلاً إذْ كانوا مُنْهَمكينَ جِدًّا في تحقيق أهدافِهِم الشخصيَّة. وقد كانوا ما زالوا مُتَدَيِّنينَ بالمعنى الرَّسْمِيِّ. فقد كانوا يُمارسونَ الطُّقوسَ الدِّينيَّة، ولكنْ لم يَكُنْ في قلوبِهِم أيُّ شَوْقٍ تُجَاهَ اللهِ. وها هُمُ الآنَ يَخوضونَ معركةً معَ الفِلِسْطينيِّين ويَجدونَ أنفُسَهُم في ورطة. فقد تَمَكَّنَ الفِلِسطينيُّون مِنْ إلحاقِ الهزيمةِ بهم عسكريًّا. لذلكَ فقد خافوا. وبسببِ خوفِهِم، قَرَّروا أنَّهُ إنْ أرادوا أنْ يُدافعوا عن أنْفُسِهِم ضِدَّ الفِلسْطينِّيين، مِنَ الأفضل أنْ يُعيدوا اللهَ إلى جَيْشِهِم. ولكنَّهُمْ كانوا قد أَهمَلوا اللهَ وقتًا طويلاً وأَخذوا تابوتَ العهدِ (الذي كان مكانَ سُكْنَى حُضورِ اللهِ) ووَضَعوهُ في مكانٍ آخرَ غير المكانِ الذي كان ينبغي أنْ يكون فيه. لذلكَ فقد قِيْلَ لَهُمْ أنْ يَذْهَبوا ويُحْضِروا تابوتَ العَهْد. فقد قالَ لهم شُيوخُ بني إسرائيل (في الأصحاحِ الرابعِ): "اذهبوا إلى شِيلوه واحضروا تابوتَ عَهْدِ الرَّبِّ. فنحن لنْ نُحَقِّقَ في هذه المعركةِ أيَّ نَصْرِ إلَّا إذا كانَ اللهُ هنا". لذا فقد أَسْرَعُوا في إحْضارِ تابوتِ عَهْدِ الرَّبِّ. فقد ذَهبوا مُسْرِعينَ وعَادوا بتابوتِ العهدِ فصارَ تابوتُ العهدِ هناك. ثُمَّ إنَّ أُمُورًا عجيبةً ابتدأتْ تَحدُثُ في العدد السابع مِنَ الأصحاحِ الرابعِ إذْ نقرأ: "فَخَافَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ لأَنَّهُمْ قَالُوا: «قَدْ جَاءَ اللهُ إِلَى الْمَحَلَّةِ»". وكما تَرَوْن، فقد كان بالنسبة إليهم صَنَمًا، وكانت لديهُم أَصنامُهُم. ولكنَّهُمْ رَأَوْا هذا الصندوقَ الصغيرَ والمَلاكَيْنِ المُجَنِّحَيْنِ في أعلى الصندوقِ، والعَصَوَيْنِ والحَلْقاتِ المُثَبَّتة على جَانِبَيْهِ فقالوا: "هذا هو إلَهُهُمْ! مِنَ الواضِحِ أنَّ إلهَهُمْ إلهٌ قَوِيٌّ! وَيْلٌ لنا! فهذا هو الإلهُ الذي خَلَّصَهُمْ مِنْ مِصْرَ. وهذا هو الإلهُ الذي أَغْرَقَ كُلَّ جيشِ المِصْريِّين. وهذا هو الإلهُ الذي جَلَبَ تلك الضَّرَباتِ. فنحنُ لا نريدُ أنْ نَعْبَثَ مَعَ ذلكَ الإلهِ الموجودِ في ذلك الصندوقِ الصغير". لذلك فقد خَافوا. ولكنْ أَتَدرونَ ما الذي حدث؟ لم يكُن لديهم خِيارٌ آخرُ سِوى أنْ يُحارِبوا. لذا فإنَّنا نقرأ في العدد العاشر: "فَحَارَبَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ، وَانْكَسَرَ إِسْرَائِيلُ".

والآنْ، مهلاً! ما المقصودُ بأنَّ إسرائيلَ انْكَسَر؟ فقد كانَ اللهُ في صَفِّهِمْ! نقرأ: "وَهَرَبُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى خَيْمَتِهِ. وَكَانَتِ الضَّرْبَةُ عَظِيمَةً جِدًّا، وَسَقَطَ مِنْ إِسْرَائِيلَ ثَلاَثُونَ أَلْفَ رَاجِل". وهل تَعلمونَ أيضًا ما الَّذي حَدَث؟ "وَأُخِذَ تَابُوتُ اللهِ، وَمَاتَ ابْنَا عَالِي [رَئيسِ الكَهَنَة] حُفْنِي وَفِينَحَاسُ". فقد قُتِلَ ابْنا الكاهنِ، وماتَ ثَلاثونَ ألفَ جُنْدِيٍّ، وأَخَذَ الفِلِسطينيُّونَ تابوتَ العهدِ. ولم يكُن بَنُو إسرائيلَ يتوقعون ذلك. فقد كانوا يَنْظُرونَ إلى اللهِ كما لو كانَ جِنِّيًّا يُمكنهم أنْ يَطْلُبوا مِنه ما يَشاؤون. فيكفي أنْ يَفْرُكوا الفانوسَ السِّحريَّ الصَّغير فيخرُجُ مِنهُ ذلكَ الجِنِّيُّ ويقول: "اطْلُبْ تُطاع يا سَيِّد! ماذا تريدُ أنْ أَصْنَعَ لك؟" ولكنَّ الربَّ لم يكُن كذلك. فاللهُ ليسَ صَنَمًا تُشَكِّلُهُ كما تشاء أوْ تطلبُ منه أنْ يفعلَ ما تَشاء بالطريقةِ التي تريدُ. فقد تجاهلوا اللهَ. وكانَ اللهُ مُزْمِعًا أنْ يُلَقِّنَهُمْ درسًا لأنَّه لا يجوزُ لهم أنْ يفعلوا ذلك. لذلكَ فقد خَسِروا تلكَ المعركة. ولكنْ إنْ كُنتمْ تَظُنُّون أنَّ الأمرَ كان قاسيًا على بَنِي إسرائيل، فإنَّهُ كان أَقْسَى على الفِلِسطينيِّينَ لأنهم أَخَذوا تابوتَ العهدِ الآنَ وصار بينَ أيديهِم. وقد كانَ هذا الأمرُ صَعْبًا عليهم. فما إنْ أَخذوا الصُّندوقَ الصغيرَ حَتَّى انفتحتْ أبوابُ الجحيمِ في بَلَدِهِم. صَدِّقوني! فنحن نقرأُ في الأصحاحِ الخامس: "فَأَخَذَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ تَابُوتَ اللهِ وَأتَوْا بِهِ مِنْ حَجَرِ الْمَعُونَةِ إِلَى أَشْدُودَ".

وقد كانوا سَيَعْبُرونَ العَديدَ مِنَ المُدنِ الفِلِسطينيَّة. "وَأَخَذَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ تَابُوتَ اللهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى بَيْتِ دَاجُونَ، وَأَقَامُوهُ بِقُرْبِ دَاجُونَ". وقد كانَ الأمرُ البَديهيُّ بالنسبةِ إليهِم هو أنْ يَضعوا هذا الإلَهَ في المَعْبَد. أليس كذلك؟ فقد كان "دَاجُون" إلهَهُم. وكان دَاجُون إلَهًا مَنْحوتًا على هيئة نِصْف سَمَكَة ونِصْف إنسان. فقد كانَ يُشْبِهُ الحُورِيَّةَ (ولكنَّهُ ذَكَرٌ وليسَ أُنثى). وهذا شيءٌ غريب! فَهُوَ نِصْفُ سَمَكَة ونِصْفُ إنسان. ولكنَّ هذا هو الإله الذي كان الفِلِسطينيُّونَ يَعْبُدونَهُ. وقد كانَ لَهُ هَيْكَلٌ. لذلك فقد فَكَّروا بعد الحُصولِ على إلَهِ بني إسرائيل في أنْ يَضَعوه في الهيكلِ الذي صَنَعوهُ لإلهِهِم. ثُمَّ نقرأ في العدد الثالث: وَبَكَّرَ الأَشْدُودِيُّونَ [حيثُ كانَ مَعْبَدُ دَاجُون قائمًا] فِي الْغَدِ وَإِذَا بِدَاجُونَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ". بأيِّ اتِّجَاه؟ لقد كانَ سَاجِدًا "أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ". فقد دخلوا المَعْبَدَ فوجدوا صَنَمَهُمْ قد سَقَطَ بطريقةٍ يَبْدو فيها ساجِدًا أمامَ هذا الصُّندوقِ الصَّغير. "فَأَخَذُوا دَاجُونَ وَأَقَامُوهُ فِي مَكَانِهِ". فرُبَّما ظَنُّوا أنَّ هَزَّةً أرضيَّةً مَحليَّةً قد وقعت أوْ أنَّ خَطْبًا ما قد حَدَثَ فَأسْقَطَهُ أرْضًا. لذلكَ فقد أَصْلَحُوهُ وأقاموهُ في مكانِهِ. ثم نقرأ في العدد الرابع: "وَبَكَّرُوا صَبَاحًا فِي الْغَدِ وَإِذَا بِدَاجُونَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى الأَرْضِ [مَرَّةً أخرى] أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ، وَرَأْسُ دَاجُونَ وَيَدَاهُ مَقْطُوعَةٌ عَلَى الْعَتَبَةِ. بَقِيَ بَدَنُ السَّمَكَةِ فَقَطْ". فقد كانَ اللهُ يقولُ لهم: "لا تُقيموهُ ثانيةً. فهو في المكانِ الصَّحيحِ الَّذي يَنْتَمي إليه". فاللهُ لا يُطيقُ أيَّ آلهةٍ أخرى. واللهُ لا يُطيقُ أنْ يُقارَنَ بأيِّ أصْنامٍ. وبالمناسبة، فإنَّ الآيةَ الخامسةَ تقول إنَّ داجُون لم يُعْبَدْ مَرَّةً أُخرى بعدَ ذلك. فما الفائدة مِن عبادَتِه؟ أليسَ كذلك؟ فَمَنْ يُريدُ أنْ يَعبُدَ إلهًا خاسِرًا؟ فهو لا يَستطيعُ حَتَّى أنْ يَهزِمَ الإلَهَ المُجاوِر!

ولكِنَّ القصَّةَ لا تَنْتَهي هُنا. فنحنُ نقرأ في العدد 6: "فَثَقُلَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَى الأَشْدُودِيِّينَ، وَأَخْرَبَهُمْ وَضَرَبَهُمْ" بماذا؟ تقولُ بعضُ التَّرجماتِ إنَّهُ ضَرَبَهُمْ "بِالْبَوَاسِير". ولكِنَّ هذه ترجمة غير مُوَفَّقة البَتَّة. فَهُمْ لم يُصابوا بالبَواسير. صَحيحٌ أنَّ ذلكَ مَرَضٌ سَيِّئ، ولكنَّهُمْ لم يُصابوا بِهِ، بل إنَّ إحدى التَّرجماتِ القديمة تقول إنَّهُ ضَرَبهم بالـ "إيميرودس" (emerods). وقد تَظُنُّونَ أنَّ هذا الاسمَ هُوَ اسمُ زَهرَة. ولكِنَّ أفضلَ ترجمةٍ لهذه الكلمة هي: "أَوْرام". فقد أُصيبَ جميعُ سُكَّانِ أَشْدود بالأورام. وبالمناسبة، فإنَّ كثيرينَ منهم ماتوا بوبأٍ تَسَبَّبَتْ بهِ بعضُ الفِئران، وَهُوَ وبأٌ يُشبهُ الطَّاعونَ الأسودَ أوِ الطَّاعونَ الدُّمَّلِيَّ. والأشخاصُ الَّذينَ لم يموتوا بالطَّاعونِ أُصيبوا بتلكَ الأورام. وقد كانَ سُكَّانُ أَشْدود أذكياء لأنَّهم عرفوا سريعًا أنَّهم وقعوا في متاعب كثيرة بعدَ أنْ جاءوا بتابوتِ الله. لذلكَ فقد قالوا: "لِنُرْجِعْ هذا التَّابوتَ إلى هناك". فنحنُ نقرأ أنهم قالوا في العدد الثامن: "ماذا نَصْنَعُ بهذا التَّابوت؟" فقالوا: "لِيُنْقَلْ إلى جَتَّ".

وربما كانت "جَتّ" بلدةً معروفةً لدى البعض منكم لأنَّه كان هناك رَجُلٌ ضَخْمٌ مِنْ جَتّ يُدْعَى جُلْيَات. فهي بَلْدةٌ أُخرى في فِلِسْطين. لذلك فقد أخذوا تابوتَ عهدِ إلهِ بَنِي إسرائيل إلى جَتّ. ولكنَّ ذلك لم يكُن لِصالِحِ سُكَّانِ تلك البَلْدة. فقد حَدَثَ الشيءُ نَفْسُهُ إذْ عَمَّ اضطرابُ عَظيمٌ، وانتشرَ الوَبَأُ بسبب الفِئْرانِ، وسَادَ الموتُ في كُلِّ مكان: "وَكَانَ بَعْدَمَا نَقَلُوهُ أَنَّ يَدَ الرَّبِّ كَانَتْ عَلَى الْمَدِينَةِ بِاضْطِرَابٍ عَظِيمٍ جِدًّا، وَضَرَبَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، وَنَفَرَتْ لَهُمُ الْبَوَاسِيرُ". والمقصودُ هنا هوَ أنَّهُمْ أُصيبوا بأورامٍ داخليَّة، وبسرطاناتٍ في الدَّاخل. لذلك فقد قالوا: لنتخلَّص مِنْ هذا الشيء. وقد أَرسلوا تابوتَ العهدِ إلى "عَقْرون". وقد صَرَخَ العَقْرونِيُّون قائلين: "مَهْلاً!" وهكذا فقدْ نُقِلَ هذا التابوتُ إلى جميعِ أنحاءِ بَلَدِهِم. وفي كُلِّ مكانٍ وَصَلَ إليهِ التابوتُ، عَمَّ الخَراب. والحقيقةُ هي أنَّنا نقرأ في العددِ الثَّاني عَشَر: "وَالنَّاسُ الَّذِينَ لَمْ يَمُوتُوا [بسببِ الوَبَأ] ضُرِبُوا بِالْبَوَاسِيرِ، فَصَعِدَ صُرَاخُ الْمَدِينَةِ إِلَى السَّمَاءِ". وما الَّذي كانوا يقولونَهُ للسَّماء؟ "يا لَكَ مِنْ إلَه!" فهل كانوا يُجَدِّفونَ على اللهِ؟ فما الَّذي فَعَلوهُ عندما صَرَخُوا إلى السَّماءِ؟ فهل كانوا يقولون: "يا رَبّ، لماذا تَفعل هذا؟" لِنَعْرِفِ الإجابَة. فنحنُ نقرأ في العدد الأوَّل مِنَ الأصحاح السادس: "وَكَانَ تَابُوتُ اللهِ فِي بِلاَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ. فَدَعا الفِلسطينيُّونَ الكَهَنَةَ والعَرَّافينَ قائِلين: "ماذا نَفعل؟ وكيفَ نَتَخَلَّصْ مِنْ هذهِ الوَرْطَة؟" فَرَدُّوا عليهم قائِلين: "إِذَا أَرْسَلْتُمْ تَابُوتَ إِلهِ إِسْرَائِيلَ، فَلاَ تُرْسِلُوهُ فَارِغًا" – أيْ لا تُرْسِلوهُ بذاتِ الطريقةِ الَّتي أَخَذْتُموهُ بِها. وما الَّذي تَقْصِدونَهُ بذلك؟ لاحِظُوا ما قالوه: "بَلْ رُدُّوا لَهُ قُرْبَانَ إِثْمٍ. حِينَئِذٍ تَشْفَوْنَ".

والآن اسمعوني: ما الذي يَعنيهِ قُرْبانُ الإِثْم؟ إنَّه إقْرارٌ بالخطيئة. فأنتَ تُقِرُّ بأنَّ ما فَعَلْتَهُ هو خَطَؤكَ أنتَ وليس خطأَ اللهِ. وأنت تفعلُ ذلك إنْ أردتَ أنْ تَنْعُمَ بالسَّلام. وقد كان هؤلاءِ الأشخاصُ أَذْكَى مِنْ أُناسٍ كثيرينَ أَعْرِفُهُم. لأنَّك إنْ أردتَ أنْ تَنْعُمَ بالسَّلام، يجب عليك أنْ تُقِرَّ بأنَّ اللهَ الذي أَسَأتَ إليهِ، وأنَّ اللهَ الذي أَهَنْتَهُ، وأنَّ اللهَ الذي شَوَّهْتَ اسْمَهُ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في أنْ يَتَصَرَّفَ بالطريقةِ التي تَصَرَّفَ بها، وأنَّ السَّبَبَ في مَشاكِلِكَ هو أنَّكَ أَسَأتَ إلى هذا الإله. بعبارةٍ أُخرى، يجب عليكَ أنْ تَتَحَمَّلَ المسؤوليَّةَ وأنْ تُقَدِّمَ قُرْبانَ إثْم. لذلكَ فقد قالوا: "وَمَا هُوَ قُرْبَانُ الإِثْمِ الَّذِي نَرُدُّهُ لَهُ؟" (كما جاءَ في الأصحاح السادس والعدد الرابع). فَقَالُوا [أيْ إنَّ الحُكَماءَ أجابوهُم]: "خَمْسَةَ بَوَاسِيرَ مِنْ ذَهَبٍ، وَخَمْسَةَ فِيرَانٍ مِنْ ذَهَبٍ". وقد يبدو هذا غريبًا! فهذا ليسَ قُرْبان الإثْمِ المذكور في سِفْر اللَّاوِيِّين. فقد كانَ هؤلاءِ القَوْمُ وَثَنِيِّين. وعندما كانوا يَرغبونَ في تقديمِ قُربانٍ، كانوا يُقَدِّمونَ قُرْبانًا يُحاكي المُشكلةَ مِنْ حَيْث الشَّكل. فقد كانت أشْكالُ قَرابينِهِم تُحاكي المشكلةَ الَّتي جَلَبَها الإلَهُ على رُؤوسِهم عِقابًا لهم على تَعَدِّيهم عليه. فعلى سبيلِ المثال، لنقل أنَّكَ تعيشُ في ذلك المُجتمع وأنَّكَ أُصِبْتَ بِشَلَلٍ في يَدِكَ. فبحسبِ تفكيرِكَ الوثنيِّ فإنَّكَ ستَفترضُ أنَّ الآلهة قد أصابَتْ يَدَكَ بالشَّلل بسببِ عِصْيانِكَ لها. لذلك، عندما تذهب إلى الهيكل لعبادة الآلهة فإنَّكَ تَصْنَعْ صَنَمًا على شَكْلِ يَدٍ. وهذا الصَّنَمُ الَّذي على شَكْلِ يَدٍ هُوَ إقْرارٌ مِنْكَ للآلهة بأنَّكَ تَعرفُ أنَّ مُشكلةَ يَدِكَ هي بسببِ عصيانِكَ لها. فقد كانتْ هذهِ هي القَرابينُ الَّتي يُقَدِّمونها بحسبِ طُقوسِهِمِ الدِّينيَّة.

عندما كنتُ في مدينة كورنثوس، ذَهَبْتُ إلى غُرفةٍ صغيرةٍ في المُتْحَفِ هناك يَعْرِضُون فيها ذلكَ النوعَ مِنَ القرابين. وكان هناك رَجُلٌ يحْمِل مِفتاحَ تلك الغرفة. وهم لم يكونوا يَسمحون للناس أنْ يَدخلوا تلك الغرفة غالبًا. ولكنَّهُمْ سَمَحوا لنا بالدُّخول. وقد لاحَظْنا هناكَ أنَّهم يَعْرِضونَ في جميعِ أنحاءِ الغرفةِ أشكالاً طِيْنِيَّةً تُمَثِّلُ جميعَ أعضاءِ الجِسْمِ وأطرافِه - الداخليَّة والخارجيَّة. وقد كانوا يَعبُدونَ الإلهَ "أَسْكليبيوس" (Asclepius) الذي كانَ إلَهَ الشِّفاء. وعندما كانوا يَعبُدونه كانوا يُحْضِرونَ هذه القَرَابينَ الَّتي تُمَثِّلُ أجزاءَ الجسدِ تَمثيلًا رَمْزيًّا. وكأنَّهُمْ بذلكَ يقولونَ للآلِهَة: "أيًّا كان المرضُ الذي أنا مُصابٌ به، فإنَّ السَّببَ في ذلك هُوَ عَدَمُ طاعتي لِمَشيئتِك". لذلك فقد كان هؤلاءِ الوثنيُّون يفعلون شيئًا فِطْرِيًّا جدًّا. فقد كانوا يَقْصِدونَ بِذلكَ أنَّ الأورامَ والفِئْرانَ أَصابَتْنا بسببِ إدانَتِكَ لنا، ونحن نُريد مِنْك أنْ تَعرفَ أنَّنا نَعْلَمُ ذلك". ثُمَّ نقرأ في العدد الخامس: "وَاصْنَعُوا تَمَاثِيلَ بَوَاسِيرِكُمْ وَتَمَاثِيلَ فِيرَانِكُمُ الَّتِي تُفْسِدُ الأَرْضَ، وَأَعْطُوا إِلهَ إِسْرَائِيلَ مَجْدًا". بعبارةٍ أخرى، أنتم تُمَجِّدونَ اللهَ عندما تُقِرُّونَ بأنَّهُ يملِكُ كُلَّ الحَقِّ في القيامِ بذلك لأنَّكُمْ أَهَنْتُموه.

والآن، اسمحوا لي أنْ أقول لكم شيئًا، يا أحبَّائي: طالما أنَّك تُحاوِلُ أنْ تُبَرِّرَ خطاياك فإنَّك لنْ تنمو روحيًّا. فأنت تنمو روحيًّا عندما تَتَّضِعُ وتَعترفُ بخطاياكَ، وتفعلُ شيئًا بخصوص ذلك. وكما تَرَوْن، طَالَما أنَّ النُّموَّ الروحيَّ هُوَ عمليَّةٌ يَتراجَعُ فيها تَكْرارُ الخطيئة، لا بُدَّ أنْ يَتَضَمَّنَ النُّموُّ الروحيُّ اعترافًا بالخطيئة. أَتَرَوْن؟ فيجب عليكَ أنْ تُقِرَّ بخطاياك. وكيف تفعل ذلك؟ بأنْ تَعترفَ بأنَّك مَسؤولٌ عنها. وهذه هي الخطوة الأُولى. إنَّها الخطوة الأُولى. فلا يجوز لك أنْ تُلْقي اللَّومَ على ظُرُوفِكَ. ولا يجوزُ أنْ يُلْقى اللَّومُ على الزَّوْجَةِ أوِ الزَّوْجِ، أوْ على الصَّديقِ أوِ الصَّديقَةِ أوْ على مُديرِكَ في العمل. ولا يجوز لك أنْ تُلْقي اللَّومَ على موظَّفيك، ولا أنْ تُلْقي اللَّومَ على رَاعي كنيسَتِك. بل ينبغي أنْ تقبلَ المسؤوليَّة. ولا يجوزُ لكَ حَتَّى أنْ تلومَ الشَّيطانَ لأنَّ هذا هو ما يَفعلُهُ الناسَ منذ وقتٌ طويل إذْ إنَّهُمْ يقولون أنَّ الشيطانَ هو الذي دَفَعَهُمْ إلى القيامِ بذلك. فما يَزالُ الناسُ حتَّى وقتنا هذا يُصَدِّقونَ أنَّ الشياطينَ تَجعلُهُم يفعلون كُلَّ شيء. وقد قرأتُ كِتابًا كَتَبَهُ شخصٌ قال إنَّ مُشْكِلَةَ سَيَلانِ أَنْفِهِ هي بسببِ شَيْطانٍ مَسؤولٍ عنْ سَيَلانِ الأنف. ولكنها ليستِ الشياطين. وَالسَّببُ ليسَ إبليس. وهذا لا يَحْدُثُ بسببِ الظُّروفِ، ولا بسببِ أصدقائِكَ، أوْ أيِّ شَيْءٍ مِنْ هذا القَبيل. صحيحٌ أنَّ كُلَّ هذه الأشياءِ تُسْهِمُ في المشكلة، ولكنَّ الخطيئَةَ (في نهاية المَطافِ) تَحدُثُ في كُلِّ مَرَّةٍ بإرادةٍ مِنك. لذلكَ، أنتَ هُوَ المسؤول.

لذلك، يجب عليك (أوَّلاً) أنْ تَعترف بذلك. وهذا هو ما قالَهُ نَحَمْيا في الأصحاحِ التاسعِ والعدد 33. فقد قالَ نَحَمْيا للهِ هذهِ الكلمات. اسمعوا. فقد قالَ للهِ: "أَنْتَ بَارٌّ" [اسْتَمِعوا الآنْ إلى ما يَقول:] "فِي كُلِّ مَا أَتَى عَلَيْنَا". أليسَ هذا مُدهشًا؟ "أَنْتَ بَارٌّ فِي كُلِّ مَا أَتَى عَلَيْنَا". فَكُلُّ شيءٍ صَنَعْتَهُ بنا، يا رَبُّ، هُوَ عَدْلٌ وَحَقّ. وعندما عادَ الابْنُ الضَّالُّ إلى بيتِ أبيهِ المُحِبِّ (في الأصحاح 15 مِنْ إنجيل لوقا) قال: "أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ". وقد قالَ أيضًا: "اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ. فهذهِ ستكونُ نِعْمَةً كبيرةً". فهو لم يتوقَّع أيَّ شيءٍ لأنهُ كانَ يَعلم أنهُ لا يَستحقُّ أيَّ شيء. وهذهِ هي العقليَّة المطلوبة، يا أحبَّائي. أيْ أن تَعلمَ أنَّكَ خاطئٌ وأنَّكَ لا تستحقُّ أيَّ شيء. وهذهِ هي طريقةُ التعامل مع الخطيئة. وهذا جزءٌ لا يتجزَّأ مِنَ النُّضْجِ الروحيِّ. وقد قالَ داوُد في المزمور 51: "إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ". فهو لم يُلْقِ اللَّوْمَ على أيِّ شخص سِوى نَفسِه. وقد كانَ لِسانُ حَالِهِ هُوَ: "يا رَبّ، أنتَ بارٌّ في كُلِّ ما سَمَحْتَ بِهِ في حياتي". وهذِهِ هي النُّقطةُ الَّتي يَبتدئُ فيها الاعترافُ بالخطيئة. فالأمرُ يبتدئ بالإقرارِ بأنِّي مَسؤولٌ عنْ خطيئتي.

والآن، اسمحوا لي أنْ أَخْطو خُطوةً أُخرى. فإنْ أردتَ أنْ تنمو روحيًّا، يجب عليك أنْ تعترفَ بخطاياك لِمَجْدِ الله. وهذا يعني (أوَّلاً) أنْ تُدْرِكَ أنك مَسؤولٌ عن خَطيئَتِك. ثانيًا، يجب عليك أنْ تُقِرَّ بأنَّ ما حَدَثَ هُوَ خَطيئة - أيْ أنْ تَعترفَ بالخطيئةِ التي اقتَرَفْتَها. فيجب عليكَ أنْ تقول للربِّ: "هذه مُشكلتي. وأنا أعلم أنَّني أخطأتُ وفَعَلْتُ شيئًا يُناقِضُ طَبيعتَكَ الإلهيَّة". فنحن نقرأ في سِفْر التَّكوين 41: 9: "ثُمَّ كَلَّمَ رَئِيسُ السُّقَاةِ فِرْعَوْنَ قَائِلاً: أَنَا أَتَذَكَّرُ الْيَوْمَ خَطَايَايَ". ونقرأ في سِفْر التَّكوين 44: 16: "فَقَالَ يَهُوذَا: مَاذَا نَقُولُ لِسَيِّدِي؟ مَاذَا نَتَكَلَّمُ؟ وَبِمَاذَا نَتَبَرَّرُ؟ اللهُ قَدْ وَجَدَ إِثْمَ عَبِيدِكَ". وهذهِ هي نهايةُ النِّقاش. ونقرأ في سِفْر صموئيل الأوَّل 15: 24: "فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: أَخْطَأْتُ لأَنِّي تَعَدَّيْتُ قَوْلَ الرَّبِّ". ونقرأ في سِفْر صموئيل الثَّاني 12: 13: "فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ". ونقرأ في سِفْر دانيال 9: 20 أنَّ دانيالَ البَارَّ قال: "وَبَيْنَمَا أَنَا أَتَكَلَّمُ وَأُصَلِّي وَأَعْتَرِفُ بِخَطِيَّتِي". ونقرأ في إنجيل لوقا 5: 8: "فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلاً: اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَا رَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ!". ونقأ في الأصحاح 18 مِنْ إنجيل لوقا: "وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ". وكما تَرَوْن، فإنَّ الاعترافَ بالخطيئة يعني أنْ تَعترف بأنَّكَ مسؤولٌ عنها وبأنَّها خطيئة ... بأنَّها خطيئة. وأنا أُوْمِنُ حقًّا، يا أحبَّائي، أنَّ هذا الأمرَ مُهِمٌّ جِدًّا للنموِّ الروحيِّ لأنَّكَ بذلكَ تُعالِجُ الشيءَ الَّذي يُعيقُ نُمُوَّكَ.

والآن، اسمحوا لي أنْ أَخْطو خُطوةً أُخرى. فالكلمة "يَعْتَرِف" في العهد الجديد هي ترجمة للكلمة اليونانيَّة "هومولوجيئو" (homologeo). والكلمة "لوجيئو" (logeo) الَّتي اشْتَقَّيْنا منها الكلمة "لوغوس" (logos) تعني: "يَتكلَّم". ونحنُ نَستخدِم الكلمة الإنجليزيَّة "لوجيك" (logic) الَّتي تَعني: "مُناقَشَة مبدأ مَا". فالكلمة "لوجيئو" (وَمَعْناها: "يَتَكَلَّم") هي جُزءٌ مِنْ تلكَ الكلمة. أمَّا الجزءُ الآخر فَهُوَ "هامو" أو "هومو" (homo). وعندما نَصِفُ شيئًا ما بأنَّهُ "هوموجينيوس" (homogeneous) أوْ نَستخدمُ الفِعْل "هوموجينايز" [homogenize]) فإنَّنا نَعني بذلك أنَّهُ "مُماثِل" أوْ أنَّهُ "مُطابِق". وهذا هو تمامًا مع تَعنيهِ تلكَ الكلمة: "أنْ تَقولَ الشَّيءَ نَفْسَهُ". فالاعترافُ بالخطيئةِ (اسْمَعوا ما سأقول) لا يعني أنْ تَتَضَرَّعَ لأجْلِ الحصولِ على الغُفران، بل يعني (ببساطة) أنْ تقولَ الشَّيءَ نَفسَهُ الَّذي يَقولُهُ اللهُ عن خَطيئَتِك. وما الَّذي يَقولُهُ؟ إنَّها خَطيئَتُكَ أنتَ وإنَّهُ خَطَأُكَ أنْتَ. أَتَرَوْن؟ فالاعترافُ بالخطيئة لا يعني التَّوَسُّلُ والتَّضَرُّعُ والاسترحام مِنْ أجلِ الحصولِ على الغُفران. بل إنَّهُ يعني أنْ تُوافِقَ اللهَ على أنَّ خطيئَتَكَ هيَ خَطيئَتك. فهذا هُوَ لُبُّ الأمر. وهذا مبدأٌ أساسِيٌّ جدًّا. فعندما أعترفُ بخطيئتي فإنَّني لا أقولُ: "يا رَبّ، أرجوكَ أنْ تَغْفِرَ لي. أَتَوَسَّلُ إليكَ وأرجوكَ أنْ تغْفِر لي". فهذا يُشبهُ ما اعتادوا أنْ يَقولوهُ في اجتماعاتِ النَّهْضَةِ إذْ كانوا يقولون للناسِ: "صَلُّوا لأجلِ ذلك أيها الإخوة، واستمرُّوا في الصَّلاةِ لأجل ذلك، وتابعوا الصَّلاة لأجل ذلك، واستمروا في القَرْعِ على البابِ إذْ إنَّ اللهَ سيغفِر لكم". ولكِنِّي أقولُ: "لا، ثُمَّ لا، ثُمَّ لا". فعندما تَصيرُ مؤمنًا مسيحيَّا، ما هي الخَطَايَا التي غَفَرَها اللهُ لك؟ إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقولُ إنَّه غَفَرَ جَميعَ آثامِكَ مِنْ أجلِ اسمِهِ (كما جاءَ في الأصحاح الثاني مِنْ رسالة يوحنَّا الأُولى). وقد قالَ أحدُ الأشخاصِ لي: "ولكِنَّ هذهِ الآيةَ تتحدَّثُ عنِ الخَطَايَا المستقبليَّة". اسمعوني: عندما ماتَ المَسِيحُ فإنَّ جميع خطاياك كانت مستقبليَّة. وكُلُّ خطاياكَ قد غُفِرَت. فالاعترافُ ليس شيئًا مُختصًّا بالغُفْران، بل هو أمرٌ مُختصٌّ بالاتِّفاقِ مع اللهِ بأنَّك خاطئٌ، وبأنَّك مُستعدٌّ للتوبةِ عن تلك الخطيئةِ في حياتِك. فَخَطاياكَ قَدْ غُفِرَتْ. فكما تَعلمونَ، فإنَّ يسوعَ دَفَعَ أُجْرَةَ جَميعِ خَطاياي. لذلكَ، لا حَاجَةَ إلى أنْ أَدْفَعَها مَرَّةً أُخرى. ونحن نقرأ في رسالة أفسُس 4: 32 هذه الآية الرائعة التي تقول: "وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ [في الزَّمَنِ الماضي] أَيْضًا فِي الْمَسِيح". فخَطاياكَ قد غُفِرَتْ أصلاً. لذلكَ فإنَّنا لا نَتَضَرَّعُ لأجلِ الغُفران. فالغُفرانُ قد حَصَلَ أصلاً. ولكِنَّ الشَّيءَ الَّذي نَفْعَلُهُ هوَ أنَّنا نَتَّفِقُ معَ اللهِ بأنَّنا خُطاة.

ونحنُ نقرأ في رسالة يوحنَّا الأولى 1: 9: "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا". وما يَعنيه هُنا هوَ أنَّهُ يَصِفُ المُؤمِنَ المسيحيَّ. فيجب عليكم أنْ تَفهموا الحُجَّةَ بِرُمَّتِها في رسالة يوحنَّا الأولى. وإذا كنتم ستَدرُسونَ مَعَنا رسالة يوحنَّا الأولى فإنَّنا سنتحدَّث عن ذلكَ بالتَّفصيل. ولكِنَّ الحُجَّةَ بأسْرِها في رسالة يوحنَّا الأولى تَختصُّ بالفرقِ بينَ المؤمنِ وغيرِ المؤمن. فغيرُ المؤمن يَفْعَلُ الآتي: إنَّهُ يُنكرُ خطيئَتَهُ (كما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى 1: 8 و 10). ويوحنَّا يقول: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلُ [اللهَ] كَاذِبًا". فهذهِ هِيَ الصِّفَةُ الغالِبَةُ للإنسانِ الَّذي لم يَختبرِ التَّجديد. فهو يُنكر خطيئتَهُ. ولكنَّنا نَعْتَرِفُ بها. فهذهِ صِفَةٌ مِنْ صِفاتِ المؤمنِ الحقيقيِّ إذْ إنَّهُ يُوافِقُ اللهَ بخصوصِ خطيئَتِهِ، ويُقِرُّ بأنَّ هذهِ الخطيئة هي ضِدُّ اللهِ، وأنَّهُ المُذْنِب. وهناكَ مَنْ يقول: "هل أنتَ واثقٌ مِنْ ذلك؟ ألا تَعتقد أنَّكَ تَعترِف بخطيئتِكَ عندما تَخْلُص ولا تَعترف بها ثانيةً؟"

اسمعوني: هل خَلَصْتُم بالإيمان؟ أجل. وهل ينتهي الإيمان عند ذلك الحَدِّ؟ وقد تقول: "أنا مُخلَّصٌ الآن بالإيمان. أمَّا مِنَ الآن فصاعِدًا فسوفَ أعيشُ بالعِيان". لا! لا! بل إنَّك خَلَصْتَ بالإيمان وستستمرُّ بالإيمان. لقد خَلَصْتَ مِنْ خلالِ الاعترافِ بالخطيئة. وأنت تَستمرُّ بالاعترافِ بالخطيئةِ في حياتك. فالشيءُ الذي يُمَيِّزُ المؤمنَ المسيحيَّ هو أنَّه يحيا دائمًا بالإيمان. والشيءُ الذي يُمَيَّزُ المؤمنَ المسيحيَّ هو أنَّه يحيا دائمًا في المَحَبَّة. فهذا هو ما تقولُهُ رسالةُ يوحنَّا الأُولى. والصِّفَةُ المُمَيِّزةُ للمؤمنِ المسيحيِّ هي حياةُ الطاعةِ. والصِّفَةُ المُمَيِّزةُ للمؤمنِ المسيحيِّ هي حياةُ الانفصالِ الدائمِ عنِ العالم. والصِّفَةُ التي تُمَيِّزُ المؤمنَ المسيحيَّ هي أنَّه يتعلم دائمًا بواسطة الروح القدس وليس بالحكمة البشريَّة. وهناك صِفة أُخرى للمؤمن المسيحي وهي أنَّه مستعدٌ دائمًا ومنفتحٌ دائمًا للاعتراف بالخطيئة. لذلك فإنَّ المؤمنَ المسيحيَّ يَتَّصِفُ بأنَّه شخصٌ يَعترفُ بالخطيئة. وهناك درجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ لذلك. فأحيانًا، قد لا نَعترف تمامًا كما ينبغي. ولكنَّ أيَّ مؤمنٍ حقيقيٍّ لا بُدَّ أنْ يَعترف (عاجِلاً أَمْ آجِلاً) بخطيئته. فهذا هو ما جاء في رسالةِ يوحنَّا الأُولى 1: 9.

والآن، اسمحوا لي أنْ أقول لكم شيئًا، يا أحبَّائي. عندما تفعلون ذلك بأمانةٍ وصِدْقٍ وموضوعيَّةٍ أمامَ اللهِ، ستجدون أنْفُسَكُم في صُلْبِ علميَّةِ النُّموِّ. أمَّا عندما لا تواجهون خطاياكم، ولا تُقِرُّون بها، ولا تَعترفون بها، ولا تأتونَ بها أمامَ اللهِ، فإنَّكم لنْ تَختبروا النُّمُوَّ لأنَّكم لستم مُستعدين بعد لِتَرْكِها. فهذا هُوَ المِفْتاح. لذلك فإنَّني أقول إنَّه لا يوجدُ اعترافٌ حقيقيٌّ مِنْ دونِ تَوْبَة. ويمكنني أنْ أَذْكُرَ (في حياتي الشَّخصيَّة) أنَّي قُلتُ: "يا ربّ، أنا آسفٌ جِدًّا على هذه الخطايا، وأشكرُك لأنَّك غَفَرْتَ لي". وقد كان ذلك هُوَ كُلُّ ما قُلْتُه. ولكنَّني بَلَغْتُ مرحلةً مِنْ حياتي ابتدأتُ فيها أَقولُ الآتي: "يا رَبّ، أشكركَ لأنَّك غَفَرْتَ هذه الخطايا. أنا أَعلمُ أنَّ هذه الأمورَ لَمْ تَسُرَّ قَلْبَكَ. وأنا لا أريدُ البَتَّةَ أنْ أَفعلَها مَرَّةً أخرى".

وأحيانًا، قد لا نقول ذلك لأنَّنا نَرغبُ في القيام بتلكَ الخطيئةِ مَرَّةً أخرى. فنحن نريدُ أنْ نَعترفَ بخطايا الماضي، ولكننا لا نريدُ أنْ نُعالِجَ خطايا المستقبل لأنَّنا نُحِبُّ تلك الخطايا. وما أعنيه هُوَ أنَّ هذا يَدُلُّ على عدمِ وُجودِ نُضْجٍ رُوحِيٍّ. فعندما تُواجِهُ خطاياكَ فإنَّك تُقِرُّ بأنَّك اقتَرَفْتَها، وبأنَّك ارتَكَبْتَها ضِدَّ الله. وأنت تَعترفُ بها، وتُقِرُّ بها، وتتوبُ عنها. وهذا هُوَ لُبُّ وجوهرُ الاعترافِ الحقيقيِّ بالخطيئة. والآن، يا أحبَّائي، لقد صَرَفْتُ وقتًا على هذا الموضوع لأنَّني أُوْمِنُ أنَّهُ موضوعٌ مُهِمٌّ جدًّا. فنحن نحاول هنا أنْ ننمو. ولكنَّ الشيءَ الذي يُعيقُنا هُوَ الخطيَّة. ونحن نحاول هنا أنْ نُمَجِّدَ اللهَ. وإنْ كان هناك شيءٌ واحدٌ في الكونِ لا يُمَجِّدُ اللهَ، ما هُوَ؟ الخطيَّة. فعلى سبيل المثال: "إنْ راعيتُ إثمًا في قلبي" فإنَّ الرَّبَّ ماذا سيفعل؟ "لا يَستمِعُ لي". وحينئذٍ، لا يمكنني أنْ أنمو روحيًا، ولا يمكنني حتى أنْ أكون في شَرِكةٍ معَ اللهِ إنْ رَاعَيْتُ إثْمًا في قلبي. لذلك، يجب أنْ يكون هناك في حياتي اعترافٌ بالخطيئة. وأنا أُوْمِنُ أنَّ هذا الأمرَ مُهِمٌّ جدًّا. وحينَ نُواجِهُ أنا وأنتم حقيقةَ خطايانا ونعترف بها، فإنَّنا نُبْرِئُ اللهَ مِنْ أيِّ ظُلْمٍ يُنْسَبُ إليه. وإنْ شَاءَ أنْ يؤدِّبَنا، فإنَّنا نَقبلُ ذلك دونَ أنْ نقول: "يا رَبّ، أنتَ تَعلمُ أنكَ تَقسو عليَّ. فلماذا أَتَعَرَّضُ لِكُلِّ هذا العِقاب؟" فكما تَعلمونَ، قد تَفْحَصُ حَياتَكَ أحيانًا وَتحصُلُ تمامًا على العِقابِ الَّذي تَستحِقُّهُ. ويجب عليك أنْ تكونَ مستعدًّا لقبول ذلك. وإنْ كُنَّا نريدُ أنْ ننمو (بصِفتنا مؤمنين)، يجب علينا أنْ نَتخلَّصَ مِنْ كُلِّ ما قد يُعيقُ نُمُوَّنَا. وما يُعيقُ نُمُوَّنا هُوَ الخطيَّة.

والآن، اسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ الجانبَ العَمَلِيَّ لهذا الأمر قَدْرَ استِطاعَتي. فيجب عليكَ أنْ تُخَصِّصَ جُزءًا مِنْ وقتِ الصَّلاةِ لديك (بصورةٍ مُنْتَظَمةٍ ودائمةٍ) للاعتِرافِ بالخطيئة. وما أعنيه هُنا هُوَ أنْ تكونَ صريحًا ومُنْفَتحًا وصادِقًا في الاعترافِ بالخطيئة، وأنْ تكون مستعدًّا لقَبولِ أيِّ تأديبٍ يَجلبُهُ اللهُ عليكَ لأنَّه بهذهِ الطَّريقةِ يمنعُك مِنْ تَكرار تلك الخطيئة مَرَّة أخرى. وأنا أقول للآباء والأُمهات طَوَالَ الوقتِ إنَّه إنْ لم يكن هناك عِقابٌ لِسُوْءِ سُلوكِ طِفْلِكَ، فإنَّ طِفْلَكَ سيَستمرُّ في القيام بذلك السلوكِ غيرِ المُهذَّب. وحتَّى إنَّني (في حياتي الشخصيَّة) قُلْتُ للرَّبِّ: "يا رَبّ، إنْ كنتُ بحاجةٍ إلى التَّأديبِ لكي أصيرَ مُشابهًا لكَ، أَدِّبْني!" وكما تَرَوْن، فإنَّ السَّببَ في ذلك هُوَ أنَّني لا أُريدُ أنْ أسقُطَ في الحُفْرةِ نَفْسِها طَوَال الوقت.

لذلكَ فقد وَضَعَ اللهُ فينا شُعورًا بالذَّنْب. وهذا أمرٌ جيِّد. فإنْ لم تَشعر بالذَّنْب، فإنَّك ستَحْيا حياتَكَ الروحيَّةَ كما لو كنتَ تَعيشُ جسديًّا دونَ أنْ تَشْعُرَ بالألم. فهل يُمكنك أنْ تتخيَّلَ أنْ تَعيشَ جسديًّا دونَ أنْ تَشعرَ بالألم؟ وربما تَرغبونَ في أنْ أُقدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا بسيطًا على ذلك. لقد وجدوا في دراساتٍ أُجْرِيَتْ حديثًا أنَّ مَرَضَ البَرَصِ المُريعِ والفتَّاكِ مُختلفٌ جدًّا عمَّا كانوا يَظُنُّونَ في الأصل. فقد كانوا يَظُنُّون في الأصل أنَّ مَرَضَ البَرَصِ يَأكُلُ اللَّحْمَ، ويأكُلُ الوَجْهَ، والأنفَ، وأصابعَ اليَدَيْنِ، وأصابعَ القَدَمَيْنِ، والجسم. ولكنهم اكتشفوا في دراساتٍ حديثة (وهذا أمْرٌ يُمكنكم أنْ تَقرأوا عنه في كتابٍ مُفيدٍ جِدًّا كَتَبَهُ "فيليب يانسي" (Philp Yancey) بعنوان "أين أنتَ يا الله عندما أتألَّم؟" (Where Are You, God, When It Hurts?) – فقد وَجدوا في هذه الدراساتِ الَّتي أَجْروْهَا أنَّ المشكلةَ في مرضِ البَرَص هي أنَّ البَرَصَ يُخَدِّرُ الأطرافَ. لذا فإنَّ الأشخاص المُصابين بالبَرَص يُتْلِفون أَطرافَهُم لأنَّهم لا يَشعرونَ بأيِّ ألم. فمثلاً، لقد أَجْرَوْا دراسةً على رَجُلٍ كان يَرتدي حِذاءً ضَيِّقًا وَفَقَدَ جميع أصابعِ قدميه بطريقةٍ غريبة. وقد افترضوا أنَّ مرضَ البَرَصِ هُوَ الذي أَكَلَ أصابعَ قدميه. ولكِنَّ السَّببَ كان الحذاءُ لأنَّه كانَ ضَيِّقًا جدًّا. لِذا فقد كانَ الحِذاءُ هُوَ الذي أدَّى إلى تَآكُلِ أصابعِ قَدميه. ولكنَّ ذلك الرجلَ لم يَعلم بالأمر لأنَّه لم يكُن يَشْعُر بأصابعه البتَّة. والأبْرَصُ الذي يُعاني مشكلةً في أنْفِهِ يَحُكُّ أَنْفَهُ المَرَّةَ تلوَ المَرَّةِ تلوَ المَرَّة. لذلك فإنَّ البَرَصَ ليس هُوَ الَّذي يَجْعَلُ أنَفَهُ يتآكَل، بل إنَّ حَكَّهُ لأنْفِهِ هُوَ الذي يَتَسَبَّبُ في ذلكَ دون أنْ يدري لأنَّه لا يَشْعُر بأيِّ شيء.

والآن، لقد وَضَعَ اللهُ فينا إحساسًا بالألم. وفي البَرَصِ، فإنَّ ذلك الشعورَ يَزولُ فيحدُث التَّلَف. وفي حياتِكَ الروحيَّةِ، وَضَعَ اللهُ فيكَ شعورًا بالذَّنْب. والشعورُ بالذنب يُشْبِهُ جَرَسًا صغيرًا أوْ جِهازَ إنذارٍ يَنطلقُ حين تفعل خطيئةً ما. ويجب أنْ يُساعدُكَ ذلك الجرسُ على الاعترافِ فورًا عندما توجد خطيئة إذْ إنَّكَ تَشعرُ بالذنبِ وتُدْرِكُ ذلك. فهذه هي الطريقةُ الَّتي يَستخدِمُها اللهُ لكي يَقولَ لكَ: "إنَّ هذا الألمَ مُفيدٌ لك". ويجب عليك في هذا الوقتِ أنْ تواجِهَ خَطيئَتَك. فيجب عليك أنْ تقول: "يا رَبّ، أنا أعرفُ أنَّ ذلكَ خطيئة، وأعرف أنَّ ذلكَ مُعارضٌ لك، وأُدرِكُ أنَّ ذلك خَطَأي، وأنا لا أُريدُ أنْ أفعلَ ذلكَ مَرَّةً أخرى. لذلك فإنَّني أُغَيِّرُ مَساري. وأنا أتضرَّعُ إليكَ أنْ تُعطيني القوَّةَ لكي أَسْلُكَ في الدَّرْبِ الجديد". فحين تَحْيَا بهذه الطريقةِ، ستجدُ نَفسَكَ تنمو روحيًّا بصورة رائعة. وبصراحة، لا يمكنك أنْ تنمو روحيًّا إلَّا حينَ تَبتدئُ بالتَّصَدِّي للأشياءِ الَّتي تَمْنَعُكَ مِنَ النُّموِّ والأشياءِ التي تُعِيْقُ نُضْجَكَ.

إذَنْ، ما الَّذي تَعَلَّمناهُ حتَّى الآن؟ إنَّ النُّموَّ الروحيَّ هُوَ عمليَّة نقومُ فيها بتمجيدِ الله. فعندما نَحْيَا في إطارِ إعطائِهِ المَجْدَ فإنَّنا نَنمو. وهذا يعني أنْ أَعترفَ بيسوعَ رَبًّا. وهذا يعني أنْ أُركِّزَ حياتي على مَجْدِهِ أيًّا كانَ الثمنُ الذي سأدفعُهُ، وأنْ أتألمَ عندما يَتألم هُوَ، وأنْ أَرضَى أن يَتفوَّقَ عليَّ الآخرونَ الذينَ يَفعلونَ ما أفعل ولكنْ بصورة أفضل مِنِّي. وأخيرًا (في خِتامِ الجزءِ الأوَّلِ مِنْ دراستنا) فإنَّ هذا يعني أنَّني مُستعدٌّ للاعترافِ بخطيئتي، ومستعدٌّ لقَبولِ أيِّ تأديبٍ يَختارُهُ اللهُ لأنَّهُ إلهٌ عادلٌ، ولأنني إنسانٌ خاطئٌ، ولأنَّه إلَهٌ قُدُّوسٌ وبَارٌّ في جميعِ طُرُقِهِ. وفي هذه الأحوالِ، يا أحبَّائي، وهذا الإطارِ، ستَبتدئون بالنُّموِّ روحيًّا.

ويجب أنْ تَعلموا أنَّنا لم نتحدَّث سِوى عن ثلاثةِ مفاتيح للنُّموِّ الروحيِّ مِنْ أَصْلِ اثْنَيْ عَشَرَ مِفتاحًا. ولكنَّ المفاتيحَ التِّسْعَةَ المُتبقيَّة لنْ تكونَ طويلةً كالمفاتيحِ الثلاثةِ الأُولى. فهذه هي المفاتيح الرئيسيَّة. والآن، لِنُقَدِّمِ الشُّكْرَ للرَّبِّ على دِراسَتِنا:

نَشكركَ، يا أبانا، على الوقتِ الذي اشْتَرَكْنا فيه في هذا الدرس. ونحن نُصَلِّي أنْ يكون هذا الأساسُ قد وُضِعَ، وأنْ نَأخُذَ هذهِ المفاتيحَ ونَستخدِمَها لِفَتْحِ مَغاليقِ الكُنوزِ المُتَمَثِّلَةِ في بَرَكَتِكَ للأشخاصِ النَّاضِجين. سَاعِدْنا، مِنْ فَضْلِكَ، على إكمالِ دِراسَتِنا أيضًا. باسمِ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize