Grace to You Resources
Grace to You - Resource

مَن كانَ الرِّجالُ الحُكَماء؟ هل أنتم جاهِزونَ لسماعِ الإجابة؟ إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّاني. فَجميعُنا تَساءَلْنا عن ذلك. وأَذكرُ أنَّني عندما كنتُ صَبِيًّا صغيرًا، كنتُ أتساءلُ مَنْ هُم هؤلاء الأشخاص. وكم عَدَدُهم؟ وهل كانوا مُلوكًا حَقًّا؟ وهل كانوا يَرْكَبونَ الجِمَال؟ ولماذا جاءوا إلى بيتِ لَحْم؟ وكما قالَ "بول" (Paul)، فإنَّنا نَحصُل على أغلبيَّةِ مَعلوماتِنا عن هذه المجموعة المُدهشة مِنْ خلالِ الأشخاصِ الَّذينَ يَرسمونَ بطاقاتِ عيدِ الميلاد المجيد، لا مِنَ اللَّاهوتِيِّين.

ويقولُ "فِنسنت" (Vincent) الَّذي كَتَبَ دراسات مُفيدة جدًّا بخصوصِ هذا الموضوع: "هناكَ تقاليد غريبة عديدة وتَخمينات بخصوصِ هؤلاءِ الزُّوَّار الَّذينَ جاءوا لرؤية رَبِّنا في مَهْدِه شَقَّتْ طريقَها وصارت مُعتقدات شائعة وأشياء تَنعكِس على الفَنِّ المَسيحيّ. فهناكَ مَن يقولُ إنَّهم كانوا مُلوكًا، وإنَّهم كانوا ثلاثة. وهناكَ مَن يقولُ إنَّهم كانوا يُمَثِّلونَ ثلاثَةَ أَنْسالٍ هي: سام، وحام، ويافَث. لِذا فإنَّ واحدًا منهم يُصَوَّر بأنَّهُ حَبَشِيّ. وَيُقالُ إنَّ أسماءهم هي: كاسبر (Caspar)، وبَلتازار (Balthazar) وميلكيور (Melchior)". ورُبَّما سَمِعتُم ذلك. ومِنَ المُدهش أنَّ هُناكَ مَن يَدَّعي أنَّهُ عَثَرَ على جَماجِمِهم الثَّلاث. أجل، فَهُمْ يقولون إنَّهُ تَمَّ العُثورُ عليها في القرن العشرين مِنْ قِبَلِ "راينالد" أُسْقُف كولونيا (Bishop Reinald of Cologne). فقد نَقَّبَ الأسقُف عن هذه وعَرَفَ حالاً أنَّها جَماجِم. فقد كانَ الأمرُ واضحًا جدًّا. وكانت أعيُنُهم ما تزالُ في مَحاجِرِها ومُثَبَّتة نحوَ بيتِ لَحْم. وصَدِّقوا أو لا تُصَدِّقوا، يا أحبَّائي، فإنَّ هذه الجَماجم مَعروضة اليوم في صُندوقٍ خاصٍّ في كاتدرائيَّة عظيمة في أوروبَّا.

وبصراحة، يا أحبَّائي، إنَّ الشيءَ الوحيدَ الَّذي نَعرفُهُ عن هؤلاءِ الرِّجالِ الحُكَماء هو بعض التَّاريخ وما يُقال في إنجيل مَتَّى. فنحنُ نَفْتَقِر جِدًّا إلى التَّفاصيل الدَّقيقة؛ باستثناءِ مَا ذُكِرَ هُنا في إنجيل مَتَّى (وَهُوَ قَليلٌ جِدًّا) إذْ نَقرأ: "إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا". فهذا هو كُلُّ ما في الأمر، يا أحبَّائي. فنحنُ لا نَعرف أسماءَهُم، ولا نَعرفُ شيئًا عنهم. ولكِنْ إنْ جَمَعْنا المَعلومات التَّاريخيَّة عنهم فإنَّنا نَحصُل على معلوماتٍ تاريخيَّة مُدهشة جدًّا.

فهناكَ بعضُ المعلوماتِ مِنَ العهد القديم؛ ولا سِيَّما مِنْ أسفارٍ مِثل دانيال حيثُ يَظهرُ المَجوسُ أوِ الرِّجالُ الحُكماء في العديدِ مِنَ النُّصوص المُختلفة، بالإضافة إلى أسفار كِتابيَّة أخرى، ومؤلَّفات هيرودوتُس (Herodotus) ومُؤرِّخينَ آخرين. وسوفَ نَرى ماذا وجدنا بصورة رئيسيَّة، ونَتعرَّف إلى المعلوماتِ الأساسيَّة عنهم، ثُمَّ نَتَعَمَّق في التَّفاصيل. وأعتقد أنكم ستُدهشونَ بذلك. فسوفَ نَصْرِفُ وقتًا طويلاً في التَّاريخ في هذا المساء. وسوفَ يكونُ هذا الدَّرسُ تَعليمًا وليسَ وَعْظًا. فنحنُ نَعتقد أنَّهم كانوا أعضاءَ يَنْتَمونَ إلى مجموعةٍ مِنْ كَهَنَةِ الشَّرْق، وأنَّهم جاءوا أصلاً مِنْ قبيلة مِنَ المَادِيِّين.

والآنْ، أَوَدُّ فقط أنْ أُذَكِّرَكُم بشيءٍ ما لكي تَتَشَكَّل لديكم صورة ولو بسيطة. ففي تاريخِ العالم، ظَهَرَت بصورة رئيسيَّة أربع إمبراطوريَّات عظيمة. حَسَنًا؟ الأولى هي إمبراطوريَّة بابل. وقد كانت هذه الإمبراطوريَّة موجودة بصورة رئيسيَّة في منطقة الهِلالِ الخَصيب إلى الشَّرقِ مِن إسرائيل على ضِفافِ نَهْرِ دِجْلَة ونهرِ الفُرات، إلى الشَّمالِ مِنَ الخَليجِ العَربيِّ، وإلى الشَّرْقِ مِمَّا يُعْرَفُ اليومَ باسْم إسرائيل. فقد نَشَأتْ إمبراطوريَّة بابل هناك. وقد أَعْقَبَتْها إمبراطوريَّة عالميَّة عظيمة يَتحدَّثُ عنها دانيال وهي الإمبراطوريَّة المعروفة باسم إمبراطوريَّة مادي وفارِس. فقد كانت إمبراطوريَّة مُؤلَّفة مِنَ الفُرْس والمادِيِّين. وكانَ الماديُّونَ شعبًا كبيرًا جدًّا وقويًّا جدًّا. أمَّا الإمبراطوريَّة العالميَّة الثالثة فهي اليونان. فعندما هُزِمَتْ إمبراطوريَّة مادي وفارِس على يَدِ الإسكندر الكبير، صارَ العالَمُ يُونانيًّا، كما تَعلمون. أمَّا الإمبراطوريَّة الرابعة العظيمة فهي إمبراطوريَّة رُوما.

وإنْ رَجَعْنا إلى الوراء، حَتَّى عندما كانت إمبراطوريَّة بابل ما تزال موجودة، كانَ هناكَ مَادِيِّينَ وفُرْس. لِذا، فإنَّهم شَعْبٌ قَديمٌ جدًّا. والحقيقة هي أنَّ هناكَ أُناسًا كثيرينَ في التَّاريخ يُرْجِعُونَ أصلَ المادِيِّين إلى الوقتِ الَّذي دُعِيَ فيهِ إبراهيم إلى تَرْكِ أُوْر الكَلْدانِيِّين؛ أيْ إلى الأصحاح 12 مِنْ سِفْر التَّكوين. لِذا، مِنَ المُحتمل جدًّا أنَّ هؤلاء كانوا شعبًا قديمًا جدًّا جدًّا. ومِنَ المؤكَّد أنَّهم أناسٌ يَظهرونَ في الإمبراطوريَّة البابليَّة لأنَّنا نَراهُم في سِفْر دانيال. وَهُم أُناسٌ مِن إمبراطوريَّة مادي وفارِس، وبَقَوْا موجودينَ حَتَّى زمنِ إمبراطوريَّة اليونان، وكانوا موجودينَ أيضًا في زَمَنِ إمبراطوريَّة روما عندما وُلِدَ المسيح.

لِذا، كانَ هؤلاءِ الرِّجالُ الحُكَماء شعبًا قديمًا جدًّا وعاشُوا وقتًا طويلاً جدًّا. وبالمناسبة، فإنَّنا نَقرأُ الكلمة "مَجُوس" في العدد الثَّاني: "وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا". والكلمة اليونانيَّة هي "ماغوس" (magos) أو "ماغوي" (magoi) أو "ماجاي" (magi). والحقيقة هي أنَّها كلمة تَعْسُرُ تَرْجَمَتُها. فهي ليست كلمة يُمكن أنْ تُتَرْجَم، بل هي ببساطة اسمُ قبيلة مُعَيَّنة مِنَ النَّاس. لِذا، رُبَّما كانت أفضل ترجمة لها هي "مَجوس".

وقد كانَ المَجوسُ نَسْلاً كَهنوتيًّا وقبيلةً كَهنوتيَّة مِنَ الماديِّين؛ أيْ مِن ذلك الشَّعب القديم جدًّا والضَّخم جدًّا. وكانوا بارِعينَ جدا في عِلْمِ الفَلَكِ والتَّنْجيم. فقد كانَ هذا هو شُغْلُهُم الشَّاغِل. وكانَ اهتمامُهم بِعِلْمِ الفَلَكِ والتَّنجيمِ جُزءًا مِن حَياتِهم فقط. فقد كانوا يُؤمِنونَ بالقُوى الخارقة إلى حَدٍّ ما. وكانوا يَشتركونَ في العِرَافَة، وفي أنواع مُعَيَّنة تُشْبِهُ في اعتقادِنا السِّحْر. لِذا فقد تَغَيَّرَ مَعنى الكلمة "ماجاي" (magi) عَبْرَ التَّاريخِ وصارَ يُشيرُ إلى أعمالِ السِّحْرِ، والسَّحَرَة، وما شَابَهَ ذلك.

ولكِنَّ المَجوسَ كانوا في الأصل قبيلة كَهنوتيَّة وَثَنِيَّة مِنَ المِديانِيِّين والفُرْس. وهناكَ مراجِع تاريخيَّة كثيرة جدًّا تُؤكِّدُ صِحَّةَ ذلك. وقد صاروا مُهتمِّينَ بِعِلْمِ الفَلَكِ والتَّنْجيمِ ودراسةِ النُّجوم. وفي تلك الأيَّام، لم يكونوا يَفْصِلونَ كثيرًا بينَ الشَّعْوَذَةِ والعِلْم. فالعلْمُ هو عِلْمُ الفَلَك. والشَّعوذة هي التَّنْجيم. وقد كانَ هُناكَ خَلْطٌ بينَ هَذَيْنِ الأمْرَيْن في ذلك الوقت. والشَّيءُ المُدهشُ بهذا الخصوص هو أنَّهُ في زمنِ الإمبراطوريَّة البابليَّة، كانَ هؤلاءِ المَجوسُ يَسكنونُ في منطقةِ بابل. فقد كانوا يَسكنونَ هناكَ في زمنِ إمبراطورية بابل وفي زمن إمبراطورية مادي وفارس أيضًا.

وعندما كانوا يَعيشونَ في إمبراطورية بابل، تأثَّروا كثيرًا باليهود. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ واحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي فَعَلَها نَبوخَذنَصَّر مَلِك بابل هو أنَّهُ سَبَى يَهوذا. أَتَذكرونَ ذلك؟ وهذا هو ما كانَ إرْميا يَقولُه: "سوفَ تَقَعونَ في السَّبْي". فقد أَعلنَ إرْميا هذه الحقيقة. وحَتَّى إنَّ سِفْرَ مَراثي إرْميا يَرْثي هذه الحقيقة. إذًا، فقد تَمَّ سَبْيُهُم إلى بابِل.

وكانَ هؤلاءِ المَجوسُ يَعيشونَ في بابل، وكانوا يَتَبَوَّأونَ مَناصِبَ عالية جدًّا. ففي ذلك الوقت، كانوا قد وَصَلوا إلى مكانة عالية في إمبراطوريَّة بابل بسببِ حَدْسِهِم المُدهِش، وحِكمتِهم، ومَعرفتِهم، وقُدرتهم على التَّنْجيم، أو قُدرتهم على مُمارسة الشَّعوذة أو ما شَابَهَ ذلك. لِذا فقد وَصَلوا إلى مَكانة عالية. وقد احْتَكُّوا حالاً بالشَّعبِ اليهوديِّ الَّذي وَقَعَ في السَّبْي. وقد احْتَكُّوا أيضًا بِيهوديٍّ واحدٍ تحديدًا يُدْعى "دانيال" وَصَلَ إلى مكانة عالية في إمبراطوريَّة بابل. لِذا فقد صاروا مُطَّلِعينَ جِدًّا مِنْ خلالِ شَتاتِ اليَهودِ في بابِل بالنُّبوءاتِ اليهوديَّة المُختصَّة بالمسيَّا. فقد اطَّلَعوا حقًّا على تلك النُّبوءاتِ اليهوديَّة المُختصَّة بالمسيَّا الآتي. وهذه صُورة مَبدئيَّة عنهم.

والآنْ، أَوَدُّ أن أَتعمَّقَ في ذلك قليلاً وأنْ أعطيكم فكرة عامَّة عمَّا يحدث في هذه الحادثة المدهشة المذكورة في الأصحاحِ الثاني مِن إنجيل مَتَّى. فلنرجِع إلى الوراء ونَرى تاريخَهُم. فبحسبِ المؤرِّخِ القديم "هيرودوتُس" (Herodotus)، كانَ المَجوسُ قبيلةً مِنَ النَّاسِ في إطارِ مجموعة أكبر تُعْرَفُ باسْم "المَادِيِّين". والآن، اسمعوا ما سأقول: لقد كانوا قبيلة كهنوتيَّة بالوِراثة. بعبارة أخرى، لقد كانوا يُشبهونَ سِبْطَ لاوي في إسرائيل.

ففي إسرائيل، كان هناكَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، ولكِنَّ سبطًا واحدًا فقط مِن تلك الأسباط كانَ مُفْرَزًا كقبيلة كَهَنوتيَّة. وقد كانَ هؤلاء الكهنة هُمُ الَّذينَ يقومونَ بالطُّقوس والشَّعائِر الدينيَّة في الهيكل. وكانُوا يُعْرَفونَ باللَّاوِيِّين. وكانَ يوجدُ لدى المَادِيِّينَ الوَثَنِيِّينَ شَيءٌ مُشابِه. فَمِنْ بينِ كُلِّ القبائلِ في مَادي، اختاروا قبيلةً واحدةً ليكونوا كَهَنَة يُمارِسونَ الطُّقوسَ الوثنيَّة. وقد كانتِ القبيلةُ الَّتي اختاروها هي: "المَجوس". ونَقولُ مَرَّةً أخرى إنَّها كلمة لا يُمكن أنْ تُتَرْجَمَ حَقًّا. وهذه هي نفسُ المجموعة مِنَ الأشخاص. فقد كانوا كَهَنة بالوِراثة.

وكما ذَكرتُ سابقًا، فإنَّ بعضَ المُؤرِّخينَ يقولونَ إنَّ المَجوسَ كانوا يَعيشونَ في أُوْر الكَلْدانِيِّين، وإنَّهم كانوا جُزءًا مِنَ القبائل البَدَوِيَّة الَّتي كانت تَرْتَحِلُ في هذا الجزءِ مِنَ العالم. وأيًّا كانتِ الحقيقة (أيْ ما إذا كانوا يُنْسَبونَ إلى أُوْر، أو إنَّهم ظَهَروا أوَّلاً في زمنِ إمبراطوريَّة بابل)، فإنَّنا لا نَعلَم. ولكِنَّ النُّقطةَ المهمَّة هي التَّالية: في زَمَنِ إمبراطوريَّة بابل العالميَّة، كانت لهم مكانة مَرموقة. وفي زمنِ إمبراطورية مادي وفارس، كانت لهم مكانة مَرموقة. وفي زمنِ الإمبراطورية اليونانيَّة، كانت لهم مكانة مَرموقة. وفي زمنِ الإمبراطورية الرومانيَّة، كانت لهم مكانة مَرموقة. ففي كُلِّ هذه الإمبراطوريَّات، احتفظوا بمكانة مَرموقة وعالية في المَشْرِق؛ أيْ في الشَّرْق.

وكما تَرَوْن، حَتَّى عندما كانت الإمبراطوريَّة اليونانيَّة مَشهورة، كانت ما تزال هناكَ ثقافة شَرقيَّة ونُفوذٌ شَرقيٌّ إلى حَدٍّ ما. وَحَتَّى عندما كانت الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة مَشهورة، كانَ ما يزال هناكَ نُفوذٌ شَرقيٌّ إلى حَدٍّ ما. وفي كِلتا هاتينِ الحِقْبَتَيْن، كانَ المَجوسُ الأشخاصَ البارِزينَ حَقًّا في الحكومة في الشَّرْق، وكانوا يَتَمَرْكَزونَ في منطقةِ الهِلالِ الخَصيب، وهي المنطقة المُحيطة ببابل ومادي وفارس. وَهُمْ يَظهرونَ دائمًا بصورة أشخاص يَمتلكونَ نُفوذًا سياسيًّا عظيمًا. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا ينبغي أنْ تَعرفوها. فسوفَ تَتَعَلَّمونَ دَرْسًا صغيرًا في التَّاريخ. فقد كانوا يَظهرونَ دائمًا بصورةِ أشخاصٍ يَتَمَتَّعونَ بنُفوذٍ سِياسيٍّ عظيم.

وأودُّ أن أقول إنَّ أغلبيَّةَ المُؤرِّخين، على الأقلّ المؤرِّخين الَّذينَ قرأتُ لَهُم، والأشخاصُ الَّذينَ أشاروا إليهم، يَنظرونَ إليهم كأشخاصٍ شَرْقِيِّينَ اشتهروا بسبب وظيفتهِم الكهنوتيَّة الفريدة جدًّا. وَمِنْ خلالِ قُدرتهم على العِرافَة، ومَعرفتهم بالتَّنْجيمِ وَعِلْمِ الفَلَكِ، بَلَغُوا مَكانةً عاليةً. وقد تَبَوَّأوا مناصبَ في الحكومة البابليَّة، وفي حكومة مادي وفارس، وحَتَّى في بعضِ الحالاتِ في الشَّرْق في زَمَنِ الإمبراطورية اليونانيَّة، وبِكُلِّ تأكيد في زمنِ الإمبراطورية الرومانيَّة إذْ كانوا مُسْتَشارينَ للمُلوكِ في الشَّرْق. وَمِنْ هُنا حَصَلوا على لَقَبِ "الحُكَماء". فقد كانوا الأشخاصَ الَّذينَ تَتِمُّ استشارَتُهم بخصوصِ أمورٍ عديدة كانَ الملوكُ والحُكَّامُ والشُّرَفاءُ والأُمراءُ يَرغبونَ في مَعْرِفَتِها.

وحَتَّى إنَّهُ توجد لدينا معلومات تاريخيَّة تُخْبِرُنا عن أنشطتهِم الدينيَّة. وسوفَ أُقَدِّمُ لكم وَصْفًا مُوْجَزًا عن نوعيَّةِ الدِّيانةِ الَّتي كانَ هؤلاء المَجوس مُنْخَرِطينَ فيها. فقد كانَ يقومونَ بِحُكْمِ عَمَلِهِم الكَهَنوتيِّ بوظائف مُعَيَّنة. وإليكم بعضًا منها: لقد كانَ العُنصُرُ الأساسيُّ في عِبادتهم، على ما يبدو، هو النَّار. فيبدو مِنَ التَّاريخِ أنَّهم كانوا يَعبُدونَ أوْ يُوَقِّرونَ النَّار. ونحنُ لا نَدري تحديدًا لماذا. ولكِن رُبَّما أنَّهم رأوا أنَّ النَّارَ هي تَجْسيدٌ للإلَه. وبالمناسبة، لقد كانوا مُوَحِّدين. فقد كانوا يُؤمِنونَ حَقًّا بإلهٍ واحدٍ. لِذا، فقد كانت هذه نُقطة التقاء بينهم وبينَ بني إسرائيل. ولكنَّهم كانوا يَنظرونَ إلى النَّارِ بوصفِها العُنصرَ الرئيسيَّ في عِبادتِهم. لذا، كانَ لديهم مَذْبَح يُشعِلونَ عليهِ نارًا دائمة. وقد كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ نارَهُم الدَّائمة تُضْرَمُ مِنْ قِبَلِ اللهِ في السَّماء.

إذًا، لقد كانَ لديهم هذا المَذْبَحُ الَّذي تَتَّقِدُ عليهِ نَارٌ دائمة. فَضْلاً عن ذلك، كان يوجدُ في هَيكلِهِم أو مَعْبَدِهم مَذبحٌ آخر. وعلى ذلك المَذبح، كانوا يُقدِّمونَ ذبائحَ دَمَويَّة. لِذا، فقد كانَ لديهم حقًّا نِظامُ ذبائح دَمويَّة. وكانوا يُوْقِدونَ النَّارَ لإحراقِ الذَّبائحِ مِنَ اللَّهيبِ المُنْبَعِثِ مِنَ المَذبحِ الأبديِّ. وبعدَ أنْ كانوا يَحرِقونَ الذَّبيحة، وهذه نُقطة مُدهشة، كانَتِ الذَّبيحةُ تُؤْكَلُ مِنْ قِبَلِ المُتَعَبِّدِ والكَهَنَة المَجوس.

والشيءُ المدهشُ بخصوصِ ذلك هو الشَّبَه الشَّديد باليهوديَّة. ويمكنكم أنْ تَرَوْا منذَ ذلك الحين كيفَ كانَ الشَّيطانُ يُزَيِّفُ الدِّيانة الحقيقيَّة منذُ البداية. أَتَرَوْن؟ فهو يَفعلُ ذلك دائمًا. وحَتَّى في وقتِنا الحاضِر، هناكَ مَسيحيَّة حقيقيَّة ومَسيحيَّة زائفة. وفي ذلك الوقت، كانَ هناكَ نظامُ ذبائحٍ حقيقيٍّ وعبادة حقيقيَّة للهِ الحقيقيِّ، وكانَ هُناكَ تَوْحيدٌ زائِف، وذبائح دَمويَّة زائفة، وكَفَّارات زائفة، وذبائح تُحْرَق ثُمَّ تُؤْكَل مِنْ قِبَلِ العابِدِ والكاهِن.

فَضْلاً عن ذلك، كانَ نِظامُ الكَهنوتِ لدى هؤلاء بالوِراثة. ومَرَّةً أُخرى، إنَّهُ نِظامٌ زائفٌ يُقَلِّدُ نِظامَ الكَهَنوتِ اللَّاويّ. وكانَ هؤلاء المَجوس يَحمِلونَ حُزَمًا صَغيرةً مِنْ عِصِيِّ الشَّعْوَذَة في جُيوبِهم. وكانوا يَستخدمونَ عِصِيَّ الشَّعوذة هذه في طُقوسِهم. وهي لا تَختلف كثيرًا عنِ الأُوريم والتّميم الَّتي كانَ يَستخدِمُها الكَهَنَة أو رئيسُ الكهنة لمعرفةِ مشيئةِ الله. وقد كانوا يُؤمِنونَ بوجودِ فَرْقٍ بينَ الأنواعِ المُختلفة مِنَ الحيواناتِ النَّجِسَة. وهذا مُدهشٌ. فقد كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ هناكَ حَشَرات مُعيَّنة وزواحِف مُعيَّنة نَجِسَة. ومَرَّةً أخرى، هُناكَ شَبَهٌ مُذهلٌ بينَ هذا وبينَ ما أَعْلَنَهُ اللهُ حُقًّا لِبَني إسرائيل. وهناك شيءٌ آخر شَعَرْتُ أنَّهُ مُدهش جدًّا حينَ كنتُ أَقرأُ عنه وهو أنَّهم كانوا طَقْسِيِّينَ جِدًّا بخصوصِ لَمْسِ الأمواتِ وَالتَّخلُّصِ منهم. وهي وَصِيَّةٌ أخرى مَعروفة أَعْطاها اللهُ لِبُني إسرائيل. لِذا، فإنَّنا نَجِدُ في إمبراطوريَّة بابل هذه المجموعة المُدهشة جدًّا مِنَ الأشخاصِ المُتَدَيِّنين. وقد تَبَوَّأوا مَناصِبَ مَرموقة.

وفي سِفْر إرْميا 39: 3 و 13، يَرِدُ ذِكْرُ رَجُلٍ يُدْعى "نَرْجَل شَرَاصَر". وقد كانَ نَرْجَل شَرَاصَر رئيسًا للمَجوس في قَصْرِ نَبوخَذنَصَّر. هل هذا واضح؟ فمُلوكِ الشَّرْقِ هؤلاء، ابتداءً بِنبوخذنَصَّر، قد أَعْطَوْا المَجوسَ مَكانَةً مَرموقةً، بَلْ حَتَّى قَبْلَ ذلك. ولكِنْ مِنْ جهة ما وَرَدَ في الكِتابِ المقدَّس، فإنَّنا نَراهُم أوَّلَ مَرَّة مَعَ نَبوخذنَصَّر. وقد رَفَعُوا شأنَ هذه المجموعة الكَهَنوتيَّة مِنَ المِدْيانِيِّين إلى أنْ صَاروا مُسْتَشارينَ رَسْمِيِّينَ للمَلِك. لِذا فإنَّهم أشخاصٌ يَتمتَّعونَ بِنُفوذٍ كبيرٍ جِدًّا. وحَتَّى عندما سَقَطَتْ بابِل وحَلَّتْ مَحَلها إمبراطوريَّة مادي وفارِس، وظَهَرَ حُكَّامٌ عُظَماء مِثْلَ كُوْرَش وآخرون، كانوا ما زالوا يُعَيِّنونَ للمَناصِبِ الرَّسميَّةِ المَرموقةِ في حُكومة مادي وفارِس أشخاصًا مِنْ هذه المجموعةِ الَّتي تُعْرَفُ بالمَجوس. فقد كانوا فَريدينَ في نُفوذِهِم السِّياسيّ.

والآن، أرجو منكم أنْ تَفتحوا كِتابَكُم المقدَّسَ معي قليلاً على سِفْرِ دانيال إذْ أَوَدُّ أنْ أُريكُم كيفَ يَظهرونَ في سِفْر دانيال ... دانيال والأصحاح الثَّاني. وعندما أَنْتَهي مِن هذه النُّقطة وتُعيدونَ قراءةَ العدد الأوَّل مِنْ إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّاني، ستجدونَ أنَّهُ مَفهومٌ جِدًّا. سِفْر دانيال 2: 10. ولكِنَّنا لن نَصْرِف وقتًا طويلاً في توضيحِ كُلِّ السِّياق. ولكِنَّنا هنا في قصرِ نَبوخذنَصَّر. ودانيالُ حاضرٌ هنا. واليهودُ كانوا في السَّبيِ في بابل. ونقرأ: "أَجَابَ الْكَلْدَانِيُّونَ قُدَّامَ الْمَلِكِ وَقَالُوا: «لَيْسَ عَلَى الأَرْضِ إِنْسَانٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَيِّنَ أَمْرَ الْمَلِكِ. لِذلِكَ لَيْسَ مَلِكٌ عَظِيمٌ ذُو سُلْطَانٍ سَأَلَ أَمْرًا مِثْلَ هذَا مِنْ مَجُوسِيٍّ أَوْ سَاحِرٍ أَوْ كَلْدَانِيٍّ". ومِنَ المُرَجَّحِ جدًّا أنَّ هذه الأسماءُ هي كُلُّها مُرادِفات. وهذا يعني أنَّ الكلمة "مُنَجِّم" والكلمة "كَلْدانِيّ" تَعْنيان الشَّيءَ نَفسَهُ.

والحقيقة هي أنَّ الكلمة "ماجاي" (magai) تَختلف عنِ الكلمة "ماجيشين" (magician) ومَعْناها: "سَاحِر". فهذه تَرجمة غير مُوَفَّقة في اللُّغة الإنجليزيَّة. فهي الكلمة "ماجاي".

وهي تُشيرُ إلى هذه القبيلة الكَهَنوتيَّة. وقد كانوا أصحابَ مكانة مرموقة في ذلك الوقت. وكانوا مَشهورينَ بتفسيرِ الأحلام. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ نبوخذنَصَّر حَلُمَ حُلْمًا غريبًا ولم يتمكَّن أيٌّ منهم مِن تفسيره. والمُدهشُ في الأمر هو أنَّ شخصًا واحدًا فقط تَمَكَّنَ مِنْ تفسيره. هل تَعلمونَ مَنْ هو؟ إنَّهُ دانيال. دَعونا نَتقدَّم قليلاً إلى الأصحاح الرابع والعدد 7. ونحنُ نَقرأ مَرَّةً أخرى عنِ المجوس. الأصحاح 4 والعدد 7: "حِينَئِذٍ حَضَرَ الْمَجُوسُ وَالسَّحَرَةُ وَالْكَلْدَانِيُّونَ وَالْمُنَجِّمُونَ، وَقَصَصْتُ الْحُلْمَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُعَرِّفُونِي بِتَعْبِيرِهِ". ثُمَّ في العدد 9: "يَا بَلْطَشَاصَّرُ، كَبِيرُ الْمَجُوسِ". ونحنُ نَلتقي هُنا كَبيرَ المَجوس.

وأنا أحاولُ فقط أنْ أُشيرَ إلى أنَّهُ تَمَّت الإشارة إليهم مِرارًا في سِفْر دانيال. وعِوَضًا عن تَسميتهم بالسَّحرة، ينبغي أنْ يُدْعَوْا "مَجوسًا". فهذا هو ما تُشيرُ إليهِ هذه الكلمة أساسًا. وعندما جاءَ دانيال وأَخْفَقَ جميعُ هؤلاءِ المجوس (الَّذينَ كانوا يَتَبَوَّأونَ مكانة عالية ومَرموقة بوصفهم مُستشاري المَلِك) في تَفسيرِ الحُلُم، وَتَمَكَّنَ دانيال مِن ذلك، حَدَثَ أمرٌ عجيب. فنحنُ نقرأ في دانيال 5: 11: "يُوجَدُ فِي مَمْلَكَتِكَ رَجُلٌ فِيهِ رُوحُ الآلِهَةِ الْقُدُّوسِينَ، وَفِي أَيَّامِ أَبِيكَ وُجِدَتْ فِيهِ نَيِّرَةٌ وَفِطْنَةٌ وَحِكْمَةٌ كَحِكْمَةِ الآلِهَةِ". والحديثُ هو عن دانيال الآن. "وَالْمَلِكُ نَبُوخَذْنَصَّرُ أَبُوكَ جَعَلَهُ كَبِيرَ الْمَجُوسِ".

ويا لِغَرابَةِ ذلك! فقد كانَ دانيال بارعًا جدًّا في تفسيرِ أحلامِ المَلِك حَتَّى إنَّ الملكَ جَعَلَ دانيال كبيرَ المَجوس. لِذا، فقد كانَ دانيال في بابل كَبيرَ تلك المجموعة الكهنوتيَّة حَرفيًّا. هل هذا واضح؟ إنَّهُ أمرٌ مُدهش. وهذا يَضَعُ دانيال في مكانة فريدة جدًّا لأنَّهُ كانَ قادرًا على إخبارِ هؤلاءِ المجوس بِكُلِّ ما يَعْرِفُهُ عنِ العهد القديم. وهذا هو، دُوْنَ أدنى شَكٍّ، ما فَعَلَهُ دانيال. فنحنُ نَعلمُ أنَّ دانيال كانَ رَجُلاً تَقِيًّا. ونحنُ نَعلمُ أنَّ دانيال كانَ مُكَرَّسًا تمامًا للعبادة، وأنَّهُ كانَ يُعَبِّرُ عن إيمانِه لأنَّهُم طَرَحوهُ في جُبِّ الأسودِ بسبب ذلك. أليسَ كذلك؟ ولا شَكَّ لَدَيَّ في أنَّ دانيال وأُناسًا أتقياءَ آخرينَ في المَنْفى أوِ الشَّتاتِ قد شاركوا مَعرفتهم بالعهدِ القديم، وَنُسَخَهُم مِنَ الأسفارِ المقدَّسة معَ هؤلاءِ النَّاسِ في بابل.

فَضْلاً عن ذلك، عندما صَدَرَ المرسومُ الأخيرُ لِكورَش بعودةِ اليهودِ إلى الأرض، لم يَرْجِع أغلبيَّةُ اليهود. فقد بقي أغلبيَّة اليهود في بابل، واختلطوا بهم، وتَزَوَّجوا منهم. وطَوالَ التَّاريخِ المُتَبَقِّي لبابل ومادي وفارس، كانَ هناكَ أُناسٌ في العائلاتِ النَّبيلة، وأُناسٌ في المناصب المرموقة، وحَتَّى مُلوكٌ في ذلك الجزء مِنَ العالم تَجري في عُروقهم دماءٌ يهوديَّة. ويُمْكِنُنا، بِكُلِّ تأكيد، أنْ نَستنتج أنَّ دانيال تَرَكَ تأثيرًا هائلاً مِنْ خلالِ توصيلِ تلكَ المعلومات. وبالمناسبة، أوَدُّ أنْ أُضيفَ ملاحظة أخرى اطَّلَعْتُ عليها في أثناءِ دراستي وكانت مُدهشة جدًّا بالنِّسبة إليَّ لأنَّها قادَتْني إلى التَّفكيرِ في النُّقطة التَّالية: ما دامَ دانيال جَيِّدًا جدًّا في كَسْبِ ثِقَةِ هؤلاءِ المَجوس وإقناعِهم بحقيقةِ مجيءِ المَسِيَّا، لماذا تآمَروا عليه وتَسَبَّبوا في طَرْحِهِ في جُبِّ الأسود معَ أنَّهُ تَرَكَ هذا التَّأثيرَ وكانَ جَديرًا بالتَّصديق؟

لِذا، فقد ابتدأتُ أَدرُسُ. وقد وَجَدْتُ في الأصحاحِ السَّادسِ شيئًا مُدهشًا جدًّا. ولا حاجةَ إلى أنْ تَفتحوا عليه. فنحنُ لن نَصْرِفَ وقتًا طويلاً في التحدُّثِ عن ذلك. ولكِنَّنا نَجِدُ في الأصحاحِ السادس مِن سفر دانيال مؤامرةً على دانيال بسببِ الغَيْرَة. ولكِنَّ المُدهشَ حَقًّا بشأنِ هذه المُؤامرة هو أنَّها ليست مؤامرة قامَ بها المجوسُ الَّذينَ كانوا يَعملونَ في أعلى المَناصِبِ في القَصْرِ المَلَكِيِّ. بل إنَّها مؤامرة قامَ بها رِجالٌ يُعْرَفونَ باسم "مَرَازِبَة" ... مَرَازِبَة. فهذا هو الاسمُ الَّذي كانَ مُستخدَمًا لِوَصْفِ الحُكَّامِ الإقليميِّينَ الَّذينَ لا صِلَةَ لهم بالقصر. لِذا، تَذَكَّروا أنَّ المؤامرة الَّتي نَجَمَتْ عنِ الغَيْرَة مِنْ دانيال لم تكن مؤامرةً قامَ بها المجوس. وهذا يَقودُني، مَرَّةً أخرى، إلى الاعتقادِ بأنَّهُ مِنَ المُرجَّح جدًّا أنَّ دانيال كانَ جَديرًا جِدًّا بالتَّصديق ومُقْنِعًا في تأثيرِه.

والحقيقة هي: هل تُدركونَ أنَّهُ حينَ طُرِحَ دانيال حَقًّا في جُبِّ الأسودِ أنَّ المَلِكَ قال: "دانيال، أنا أَعْلَمُ أِنَّ إِلهَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا هُوَ يُنَجِّيكَ". هل تَذكرونَ أنَّ الملكَ قالَ حَقًّا ذلك؟ فقد كانَ مُقتنِعًا جدًّا بِقُدرةِ اللهِ مِنْ خلالِ شَهادةِ دانيال. وأنا مُتَيَقِّنٌ مِنْ أنَّهُ فَحَصَ ذلكَ مَرَّاتٍ كثيرة قدرَ استطاعَتِه للتحقُّقِ منْ صِحَّةِ تَوَقُّعِهِ ذاك. لِذا، فقد احتفظَ المَجوسُ بمكانتهم المَرموقة، وتأثَّروا دونَ شَكٍّ بهذا الرَّجُل العظيم (أيْ: دانيال) لأنَّ أمْثَالَهُ قَليلون. وقد تأثَّروا أيضًا باليهودِ الأتقياءِ في الشَّتات، وتأثَّروا بالزِّيجاتِ المُخْتَلَطَة والثقافة اليهوديَّة الَّتي فُرِضَتْ عليهم بطُرُق عديدة. وقد صَاروا يَتَبَوَّأونَ مكانةً مَرموقة ودائمة في إمبراطوريَّة مادي وفارِس إذْ كانَ لهم سُلطانٌ عظيم في قصرِ المَلِك.

 

والآن، اسمحوا لي أنْ أقولَ لكم شيئًا مُدهشًا آخر. ففي القرن السَّادس قبلَ الميلاد، كانَ هناكَ مَلِكٌ عظيمٌ في فارِس يُدعى "دَارِيُوس" ... دَارِيُوس العَظيم. وَهُوَ مَلِكٌ على إمبراطوريَّة مادي وفارِس. وقد حَدَثَ ذلكَ في زَمَنِ دانيال تقريبًا. وقد جاءَ داريوس وقال: "سوفَ أُؤَسِّسُ ديانةً قَوميَّة". وهل تَعلمونَ أيَّ ديانَةٍ اخْتار؟ الزَّرَدِشْتِيَّة. والوقتُ لا يَسْمَحُ لنا بأنْ نَتحدَّثَ عنِ الزَّرَدِشْتِيَّة. ولكِنَّ الزَّرَدِشْتِيَّة كانت تَحوي الكثيرَ مِنَ التَّنْجيم. ومِنَ المُرجَّح أنَّ الدَّمْجَ بينَ التَّنْجيمِ وانْهماكَ المَجوسِ بذلك أدَّى إلى ظُهورِ الزَّردشتيَّة. لِذا، صارَ هُناكَ ... صَارَ هُناكَ مَجوسٌ لديهم ثقافتهم وديانتهم الخاصَّة بهم. وفوقَ ذلك، هُناكَ تأثيرُ اليهوديَّة. وفوقَ ذلك، هُناكَ تأثيرُ الزَّرَدِشْتِيَّة. والحقيقة هي أنَّ هذه بيئة أَقَلُّ ما يُقالُ عنها إنَّها سَيِّئة جدًّا.

ولكِنَّ الشَّيءَ المُدهش جدًّا بخصوصِ المجوس هو أنَّهم كانوا يُبالونَ جِدًّا بالحفاظِ على نُفوذِهم السياسيّ. وكانوا يَهتمُّونَ جدًّا بالحفاظِ على نُفوذهم الدِّينيّ حَتَّى إنَّهُ عندما أَصْدَرَ دارِيُوس مرسومًا بأنَّ الزَّرَدِشْتِيَّة هي الدِّيانة الرَّسميَّة، تَقَدَّموا وقالوا: "هذا يُناسِبُنا". وقد أَجْروا بعضَ التَّعديلات. ولكِنَّ ما حَدَثَ بعدَ ذلك مُدهشٌ جدًّا. فقد عَلقَ المَجوسُ في هذا الوضع. وقد كَرَّسَ بعضٌ منهم أنفسَهم، دونَ شَكٍّ، للزَّرَدِشْتِيَّة بمرورِ الوقت، وقد كَرَّسٌ بعضٌ آخرُ منهم أنفسَهم للمعتقدات المجوسيَّة القديمة. وربما كانَ البعضُ منهم يؤمنونَ حَقًّا في قلوبهم بأنَّ إلَهَ دانيال هو اللهُ الحَقيقيّ.

لِذا، هذا هو المِفتاح. فَمِنَ الآن فَصاعِدًا في التَّاريخ، ابتدأَ المجوسَ يَتَخَلُّونَ عن تكريسهم الوحيد لديانتهم التاريخيَّة، وابتدأوا يبحثونَ عن طريقِهم مِن خلالِ أمورٍ مُختلفة. ولَعَلَّ البَعْضَ كانَ يَميلُ نحوَ الزَّرَدِشْتِيَّة، والبعض نحو المجوسيَّة القديمة. وأعتقدُ في قلبي أنَّ البعضَ منهم، مِثلَ هؤلاءِ المجوسِ الَّذينَ يَظهرونَ عند ولادة المسيح، كانوا يَطلبونَ حَقًّا اللهَ الحَقيقيّ. وهذا يُعطيكم خَلفيَّة صغيرة.

والآن، سوفَ أتحدَّث أكثر عن هذا التَّاريخ. فقد كانَ المجوسُ أصحابَ نُفودٍ كبير حَتَّى إنَّ المؤرِّخينَ يقولونَ لنا إنَّهُ لم يكن بمقدورِ أيِّ شخصٍ فارسيٍّ أنْ يصيرَ مَلِكًا ... والآن اسمعوني جَيِّدًا: لم يكن بمقدورِ أيِّ شخصٍ أنْ يصيرَ مَلِكًا إلَّا إنْ تَحَقَّقَ شَرْطان: الأوَّل، يجب عليه أنْ يَستوفي المُتطلَّبات العِلميَّة والدينيَّة للمجوس. ثانيًا، يجب أنْ تَتِمَّ الموافقة عليه وأنْ يُتَوَّجَ مِنْ قِبَلِ المَجوس. وهذا يعني الكَثير. فَهُوَ يَعْني أنَّهُمْ كانوا أصْحابَ نُفوذ. وهل تَعلمونَ ماذا كانوا يُسَمُّونَ حِكمةَ المَجوس؟ لقد كانَ لديهم اسمٌ لها. وإليكم الاسم: "شَريعة مادي وفارِس". فقد كانت تلك الشريعة هي الشريعة أو القانون الَّذي سَنَّهُ المَجوس. وإنْ أردتُم أنْ تَرَوْا هذه العبارة فإنَّها وَرَدَت في سِفْر أستير 1: 19 وفي سِفْر دانيال والأصحاح السَّادس بِضْع مَرَّات. وقد كانت شريعة مادي وفارس هي القانون، وهي المبادئُ العِلميَّة والدينيَّة الَّتي وَضَعَها المجوس. وقد كانت حِكمَتُهم مَطلوبة مِن أيِّ شخصٍ يريدُ أنْ يَصيرَ مَلِكًا في بلادِ فارِس. فَضْلاً عن ذلك، يُخبرُنا المؤرِّخونَ أنَّهم كانوا يُحْكِمونَ السَّيطرة على النِّظامِ القَضائيِّ وعلى النِّظامِ المَلَكِيّ.

وفي سِفْر أسْتير 1: 13، هناكَ ما يُشيرُ إلى أنَّ القُضاةَ في البَلاطِ المَلَكِيِّ كانوا يُختارونَ مِنَ المجوس. فقد كانوا أصحابَ نُفوذ. ويجب عليكم أن تتذكَّروا أنَّهُ عندما نتحدَّثُ عن الإمبراطوريَّة الفارسيَّة وإمبراطوريَّة مادي، وإمبراطوريَّة بابل، فإنَّنا نَتحدَّثُ عن السَّيطرة في الشَّرْق. فقد كانت هذه إمبراطوريَّة شاسعة. وفي زمنِ إمبراطوريَّة بابل وإمبراطوريَّة مادي وفارس، كانوا يُسيطرونَ حَرفيًّا على العالَمِ المَعروف آنذاك. فقد كانوا رجالاً أصحابَ نُفوذ. وَهُم لم يكونوا فقط مَسؤولينَ عن تَنْصيبِ كُلِّ مَلِكٍ يَجلسُ على العَرش في تلك الحِقبة، بل كانوا مسؤولينَ أيضًا عن تَعيينِ القُضاةِ أيضًا. فقد كان لديهم نِظامٌ لمكافحةِ الاستبدادِ الَّذي قد يَنشأ مِنَ الحُكْمِ المَلَكِيّ. لِذا، فقد كانوا القُضاةَ الَّذينَ يَتَصَدُّونَ لأيِّ مَلِكٍ جائِر. والتَّاريخُ يُخبرُنا أنَّهم كانوا مُتَبَحِّرينَ في عِلْمِ الفَلَك، وبارِعينَ في الرياضيَّات، ويعرفونَ التاريخَ الطبيعيَّ، وبارعينَ في الزِّراعة والهندسة.

وهل تَذكرونَ أنَّ سِفْرَ أعمالِ الرُّسل والأصحاح السابع يَتحدَّث عن حقيقة أنَّ مُوسى تَهَذَّبَ بِكُلِّ حِكمةِ المِصريِّين؟ فقد كانَ الأمرُ مُشابهًا بالنِّسبة إلى أيِّ شخصٍ يَتَهَذَّبُ على يَدِ النُّبَلاءِ في الشَّرق. فقد كانوا يَتَهَذَّبونَ بشريعة مادي وفارس. فقد كانَ جَميعُ النُّبلاءِ يَتَهَذَّبونَ على أيديهم. وقد كانوا صُنَّاع المُلوك. لقد كانوا صُنَّاع المُلوك. ولم يكن أحدٌ يَحْكُمُ قَطّ بِمَعْزِلٍ عنهم. وكما ذَكرتُ سابقًا، كانت واحدة مِن مهاراتهم الخاصَّة هي تفسيرُ الأحلام. وعندما أخفقوا في ذلك وَتَدَخَّلَ دانيال وأنقذَ الموقِف، وصارَ كَبيرَ المَجوس (كما رأينا في دانيال 5: 11)، كانت تلكَ هي الخَلفيَّة الَّتي أَعَدَّها اللهُ للمشهدِ المذكور في إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّاني قبلَ مئاتِ السِّنين مِن ولادةِ يسوع ... وتحديدًا: قبلَ سِتِّمئة سنة. فقد كانَ اللهُ يُهَيِّئُ السَّاحةَ ليَجعلَ نَبِيًّا عِبرانيًّا كَبيرَ تلك المجموعة الَّتي تُعْرَفُ باسمِ المَجوس حَتَّى عندما يُولَدُ ذلك الطِّفل في يومٍ ما في أورُشليم، فإنَّ بعضَ هؤلاءِ المجوسِ سَيَشُقُّونَ طَريقَهُم إلى منزلِ ذلكَ الصَّبيّ. فقد كانَ ذلكَ تَخطيطًا تاريخيًّا.

لِذا فقد كانت دِيانة المَجوس التَّوفيقيَّة الهَجينة شَبيهة جدًّا باليهوديَّة. فقد كانت توحيديَّة، وكانوا كَهَنَة بالوِراثة، وكانوا يُقدِّمونَ ذبائحَ دَمويَّة، وكانوا يؤمنونَ أيضًا بالوحيِ الخارق للطبيعة، ويؤمنونَ بالنُّبوءات. وهذه الأمور المُشتركة جَعَلَت اليهوديَّة شيئًا يَسْهُلُ عليهم قُبولَه. وأعتقدُ جازِمًا، وهو شيءٌ أعتقد بهِ شخصيًّا بسبب ما أَراهُ يَحدث في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثاني. فأنا أعتقد أنَّهُ مِنَ الواضح أنَّه كانَ يوجد تاريخيًّا بعض المجوس الَّذينَ يَخافونَ اللهَ في ذلك الجُزء الشَّرقيّ مِنَ العالَم.

والآنْ، أَوَدُّ أن أنتقل إلى زَمَن يَسوع. انظروا معي إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح الثاني. فقد مَرَّ زَمَنٌ طويل، وَمَرَّ قَرْنٌ بعدَ قَرْنٍ إلى أنْ حانَ وَقْتُ ولادةِ يَسوع. وبطريقةٍ ما، بطريقةٍ عجيبة، حافَظَ اللهُ على وُجودِ بَعْضِ المَجوسِ الَّذينَ يَطلبونَ وَجْهَهُ حَقًّا. صحيحٌ أنَّ الأغلبيَّة منهم رُبَّما كانوا فاسِدين. فالكثيرُ منهم كانوا فاسدين. وسوفَ نَلتقي بعضَ الأشخاصِ الفاسدينَ في العهد الجديد. ولكِنْ كانَ هناكَ بعضُ الأشخاصِ الأتقياء حقًّا. فهناكَ أشخاصٌ مِثْلَ كَرْنِيلِيُوس؛ أيْ أشخاصًا أُمَمِيِّينَ يَخافونَ الله. وهناكَ أشخاصٌ مِثلَ ليديَّة الَّتي كانت أُمَمِيَّةً تَخافُ الله. وكانَ هناكَ في ذلك الجُزء مِنَ العالم بعضٌ مِنَ المجوسِ الَّذينَ يَتبَوَّأونَ مناصِبَ مَرموقة ويُنَصِّبونَ مُلوكًا في إمبراطوريَّة الشَّرق العظيمة. وكانَ هناكَ أُناسٌ ما زالوا يَنتظرونَ تَحَقُّقَ رجاءِ دانيال العظيم. أَتَرَوْن؟

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أُعطيكم فِكرة سريعة. فَمِنَ النَّاحية السياسيَّة، كانت رُوما خائفة مِنِ الإمبراطوريَّة الشَّرْقيَّة. وإنْ حاولتُم أنْ تَتَخَيَّلوا في أذهانِكُم خريطةَ أوروبَّا، فإنَّ هذه هي إمبراطوريَّة رُوما. فقد كانت تُحْكِمُ السَّيطرة على هذا الجُزءِ الكبير مِنْ أوروبَّا. ونَظَرِيًّا، كانت تَكْتَسِحُ العالَمَ حَتَّى الشَّرْق. ولكِنْ بِحُكْمِ المسافة، ووجودِ البحرِ الأبيض المُتوسِّط، والصَّحراء الشَّاسعة الَّتي تَفْصِلُهُم عن الشَّرق، كانت هناك عُزْلَة مُعيَّنة في الشَّرق سَبَّبَتْ لروما قلقًا شديدًا. وقد كانوا خائفينَ دائمًا مِنْ ظُهورِ ما كانَ يُعْرَفُ بالإمبراطوريَّة البَارْثِيَّة؛ وهي إمبراطوريَّة شَرقيَّة مؤلَّفة مِنَ الماديِّينَ والفُرس في منطقة بابل القديمة. فقد كانت تلك الإمبراطوريَّة البَارْثِيَّة سَبَبَ قَلَقٍ دائمٍ لروما.

وكانت رُوما، كما تَعلمون، قد فَرَضَتْ هيمَنَتَها في محاولةٍ للسَّيطرة على العالم، ولكنَّها لم تَشعُر يومًا بالأمانِ الشَّديد مِنْ جِهَة الإمبراطوريَّة البارثيَّة. وقد صاروا أعداءَ أَلِدَّة ... أعداءَ أَلِدَّة. وقد خاضوا حَرْبًا. ففي سنة 55 قبلَ الميلاد، خاضوا حَربًا. وفي سنة 40 قبل الميلاد، خاضوا حَربًا. والمدهش هو: هل تَعلمونَ أينَ خاضوا الحربَ دائمًا؟ فالإمبراطوريَّة العظيمة في الغرب، والإمبراطوريَّة العظيمة في الشَّرْق تَلاقَتا. واحزَروا أينَ خاضَتا الحَرب؟ على طُولِ ساحِلِ البحرِ الأبيضِ المُتوسِّط: في سوريَّا، والأردن، وفِلَسطين. فإسرائيلُ لم تكن أرضَ أيِّ أحدٍ في صِراعِ القُوى بينَ الشَّرقِ والغَرب. وقد كانت رُوما تخافُ منهم. وإذا نَظرتم إلى العدد الثالث مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح الثاني، نَقرأ: "فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ" ماذا حَدَثَ لَهُ؟ "اضْطَرَبَ". فعندما سَمِعَ أنَّ المَجوسَ، أوِ الشَّرْقَ، أوْ صُنَّاعِ المُلوكِ البَارْثِيِّينَ، قد جاءوا إلى أورُشليم، اضطربَ. وسوفَ نَرى المزيدَ بهذا الخُصوص بعدَ قليل.

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أقولَ لكم شيئًا آخر عَمَّا حدث. فعندما نَقرأُ أوَّلَ مَرَّة عن المسيح، كانَ المجوسُ ما زالوا يَتمتَّعونَ بنفوذٍ هائلٍ في الشَّرق. وقدِ استخدمَ بعضٌ منهم نُفوذَهم، ومكانتهم، وقدراتِهم، والكثير مِنَ الحِكمة البشريَّة. وقد صارَ بعضٌ منهم أُناسًا مُريعينَ حَقًّا. وكما هي الحالُ معَ أيِّ عالِمٍ، وأيِّ كاهِنٍ، وأيِّ واعِظٍ، وأيِّ شخصٍ بارِعٍ في أيَّامِنا هذهِ، يمكننا أنْ نَستخدِمَ مَهاراتِنا إمَّا بطريقة ماكِرَة، وإمَّا بطريقة نَزيهة. وقد كانَ بعضُ المَجوسِ أُمناءَ في استخدامِ الحِكمة وتقديمِ المَشورة السياسيَّة. وكانَ البعضُ منهم فاسِدينَ فأساؤوا استخدامَ ذلك. وكانَتْ كِلا الفِئَتَيْنِ موجودة وشائعة في منطقةِ البحرِ المتوسِّط عندما وُلِدَ المسيح.

واسمحوا لي أنْ أُعَرِّفَكُم إلى شخصينِ فاسِدَيْن. افتحوا كِتابَكُم المقدَّس على سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح الثَّامن. سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح الثَّامِن، والعدد 4: "فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ" (بحسب ما جاءَ في أعمال الرُّسُل 8: 4). "فَانْحَدَرَ فِيلُبُّسُ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ وَكَانَ يَكْرِزُ لَهُمْ بِالْمَسِيحِ. وَكَانَ الْجُمُوعُ يُصْغُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى مَا يَقُولُهُ فِيلُبُّسُ عِنْدَ اسْتِمَاعِهِمْ وَنَظَرِهِمُ الآيَاتِ الَّتِي صَنَعَهَا". ونحنُ نَقرأُ هُنا عَنْ كُلِّ تلكَ المُعْجِزات. ثُمَّ نأتي إلى العدد 9: "وَكَانَ قَبْلاً فِي الْمَدِينَةِ رَجُلٌ اسْمُهُ سِيمُونُ، يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ وَيُدْهِشُ شَعْبَ السَّامِرَةِ، قِائِلاً إِنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ!" ... إنَّهُ شَيءٌ عَظيم. "وَكَانَ الْجَمِيعُ يَتْبَعُونَهُ مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ قَائِلِينَ: «هذَا هُوَ قُوَّةُ اللهِ الْعَظِيمَةُ»". إذًا، نَقرأُ هنا عن سِيْمون، أوْ سِيْمون السَّاحِر (إنْ شِئْتُم) ... سِيْمون المَجوسِيّ. فنحنُ هنا أمامَ رَجُلٍ أَسَاءَ استخدامَ مَنْصِبِهِ بهدفِ خِداعِ النَّاس. فقد باعَ نَفسَهُ للشَّيطان. وقد استخدمَ السِّحْرَ. هل تُلاحِظونَ ذلك؟ فَأَصْلُ تلك الكلمة هو "ماجاي" (magi) – "ماغيئو" (mageuo) باللُّغة اليونانيَّة. فقد استخدمَ قُدراتِهِ كَمَجوسِيٍّ بطريقة مُخادِعَة.

وقد حاولَ لاحقًا أنْ يَشتري الرُّوحَ القُدُسَ، ولكِنَّ بُطْرُسَ وَبَّخَهُ حَقًّا. فهو يقولُ له في العدد 20: "لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاَكِ" وفي العدد 21: "لَيْسَ لَكَ نَصِيبٌ وَلاَ قُرْعَةٌ فِي هذَا الأَمْرِ". وفي العدد 22: "فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هذَا". وفي العدد 23: "لأَنِّي أَرَاكَ فِي مَرَارَةِ الْمُرِّ وَرِبَاطِ الظُّلْمِ". فقد وَبَّخَهُ بُطرسُ تَوبيخًا شديدًا. انظروا إلى الأصحاح 13 مِن سِفْر أعمال الرُّسُل. أعمال الرسل 13: 6: "وَلَمَّا اجْتَازَا الْجَزِيرَةَ إِلَى بَافُوسَ"، والحديثُ هنا بالطَّبع هو عن بولُس وبرنابا حينَ انطلقا في رحلتهما التبشيريَّة الأولى. وقد وَصَلا إلى قُبرص، تلك الجزيرة الصغيرة في البحرِ المُتوسِّط: "وَلَمَّا اجْتَازَا الْجَزِيرَةَ إِلَى بَافُوسَ وَجَدَا رَجُلاً سَاحِرًا نَبِيًّا كَذَّابًا يَهُودِيًّا اسْمُهُ بَارْيَشُوعُ". ثُمَّ نقرأ في العدد الثامن: "فَقَاوَمَهُمَا عَلِيمٌ السَّاحِرُ". وباليونانيَّة: "إيليماس ذا ماغوس" (Elymas the magos) أو "إيليماس ذا ماجاي" (Elymas the magi). ونحنُ نَجِدُ هنا أيضًا شخصًا آخرَ استغلَّ أيضًا هذه الوظيفة، واستغلَّ هذه الدِّيانة الوثنيَّة الغريبة لتحقيقِ أهدافِ الشَّيطان. وقد حاولَ بالطَّبع أنْ يَعْبَثَ مَعَ بولُس. فقالَ لَهُ بُولس: "أَيُّهَا الْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ابْنَ إِبْلِيسَ! يَا عَدُوَّ كُلِّ بِرّ! أَلاَ تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ اللهِ الْمُسْتَقِيمَةَ؟ فَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ [في العدد 11]، فَتَكُونُ أَعْمَى لاَ تُبْصِرُ الشَّمْسَ إِلَى حِينٍ». فَفِي الْحَالِ سَقَطَ عَلَيْهِ ضَبَابٌ وَظُلْمَةٌ، فَجَعَلَ يَدُورُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِهِ". فقد أَدَّبَ بولُس ذلك الشَّخص.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ "سِيْمون" وَ "عَليم" وَقَعا في فَخِّ الشَّيطانِ بنفسيهِما لأنَّ الشَّيطانَ هو إلَهُ المُنَجِّمينَ، وإلَهُ كُلِّ السَّحَرة. وبصراحة، كان هؤلاءِ النَّاسُ هُمُ الَّذينَ جَعَلوا الطَّبقة المُثَقَّفة في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة تَحتقِرُ أمثالَ هؤلاء السَّحَرة. ويقولُ "فيلو" (Philo) الرُّومانيّ: "إنَّهُم حَيَّاتٌ. إنَّهُم عَقارِب. إنَّهم مَخلوقاتٌ سامَّة أخرى". وكما تَرَوْن، كانَ هؤلاءِ هُمُ نَوعيَّةُ النَّاسِ أوْ نَوعيَّةُ المَجوسِ الَّذينَ يَحتقرُهُم الرُّومان. أمَّا في الشَّرق، كما قُلتُ، فقد كانوا أشخاصًا يَمتلكونَ نُفوذًا هائلاً. وأنا مُتَيَقِّنٌ مِنْ أنَّهُ كانَ يوجدُ بينهم أشخاصٌ يَخافونَ اللهَ حَقًّا.

وفي زَمَنِ المسيح ... في زَمَنِ المسيح، كانَ يوجدُ في إمبراطوريَّة الشَّرْق مَجْلِسٌ حَاكِمٌ يُعْرَفُ باسْم "مَجْلِس المَجوس" (ماجيستانيس) (Magistanes). ولا حاجة إلى حِفْظِ ذلك ... فهذا لن يأتي في الامتحان! لِذا، لا تَقلقوا. وعلى أيِّ حال، كان هناكَ مَجْلِسٌ حاكِمٌ يُدعى "مَجلِس المَجوس"، وهو يُشبِهُ مَجلسَ الشُّيوخِ الأمريكيّ. حسنًا؟ فقد كانوا يُعرفونَ بهذا الاسم. وكانَ هذا المَجلِسُ الحاكِمُ يَحْكُمُ في الإمبراطوريَّة البارثيَّة الفارسيَّة في ذلك الوقت. والآن، اسمعوني: لقد كانَ هذا المَجلسُ مُؤلَّفا فقط مِنَ المجوس. وكانَت مُهِمَّتُهُم هي فقط ... والآن اسمعوني جَيِّدًا: أنْ يَختاروا المَلِك. فقد كانوا صُنَّاعَ المُلوك. وهل تَعلمونَ ما الَّذي حدث؟ لقد واجهوا مشاكل حقيقيَّة في المَلِكِ الحاكِم. فقد أرادوا أنْ يُحاربوا رُوما وأنْ يَكْسِروا شَوْكَةَ رُوما. ولكنَّ مَلِكَهُم كانَ شخصًا مَهزوزًا، وَهُوَ "فريتيس الرَّابع" (Phraates the Fourth). لِذا فقد تَمَّ خَلْعُ فريتيس الرابع. وكانَ المَجوسُ يَبحثونَ عن مَلِكٍ جديد، مَلِكٍ جديدٍ للشَّرق ... مَلِكٍ جديدٍ للإمبراطوريَّة الشَّرقيَّة يَستطيعُ أنْ يُحارِب رُوما.

وحينَ وَصَلوا إلى أورُشليم، عَلِمَ هيرودُس ما كانَ يَجري. فقد كانوا صُنَّاعَ المُلوكِ. وحينَ راحوا يَجوبونَ البَلْدَة قائِلين: "أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟" أُصيبَ هيرودُس بالذُّعْر. فحينَ ظَهَر صُنَّاعُ المُلوكِ هؤلاء فجأةً في أورُشليم، مِنَ المؤكَّدِ أنَّهم كانوا يَرْتَحِلونَ بِكُلِّ قُوَّتِهِم وبِكُلِّ أُبَّهَةِ الشَّرْق. وكانوا يَرْتَدونَ قُبَّعاتٍ مَخروطيَّة الشَّكل مِنَ الأعلى وَالكثيرَ مِنَ الحلِيِّ الَّتي تَتَدَلَّى أسْفَلَ ذُقونِهِم. وكانوا يَمْتَطونَ أحْصِنَةً فارسيَّة، وليسَ جِمالاً. وحينَ جاءوا، لم يأتوا بمفردهم. فالتَّاريخُ يقولُ إنَّهُم جاءوا بِرِفقة جَيْشٍ مِنَ الخَيَّالَة الفُرْس. وحينَ جاءوا ودخلوا مدينةَ أورُشليم، ونَظَرَ هيرودُس مِنْ نافذةِ قَصرِهِ الصَّغيرِ، سَقَطَ على ظَهْرِهِ. فهؤلاء الرِّجالُ أقوياء. وما زَادَ الطِّيْنَ بِلَّةً هو أنَّ جَيشَهُ كانَ خارجَ البلد في مُهِمَّة. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ هيرودُسَ اضْطَرَب. ولا شَكَّ في أنَّهُ اضْطَرَب. والكلمة اليونانيَّة المُستخدَمة هُنا تَعني أنَّهُ اهْتَزَّ كَما تَهتَزُّ الغَسَّالة. فقد ارْتَعَشَتْ أَوْصَالُه.

وقد كانَ هُناكَ لَقَبٌ لهيرودُس. وهل تَعلمونَ ما هو لَقَبُه؟ "مَلِكُ اليَهود". فقد حَصَلَ عليهِ مِنْ "أُوغسطُس قيصر" (Caesar Augustus). فقد تَوَّجَهُ "أُوغسطُس قيصر" مَلِكًا على اليهود. وقد كانَ حُلُمُ حياتِهِ العظيم هو أنْ تكونَ تلك الولاية الصغيرة تحت سُلطانِه. وقد كانَ هُنا في وَسَطِ إمبراطوريَّتَيْنِ عَظيمَتَيْنِ مُتنافِسَتَيْن. وفجأةً، ها هي هذه المجموعة الضَّخمة مِنَ الفُرْس تأتي إلى المدينة. لِذا فقد أُصيبَ بالذُّعْر. وَهُمْ يقولون: "لقد جِئْنا باحِثينَ عَنِ المَلِكِ الجَديد". وفي هذا الوقت، كانَ هيرودُس قد أَوْشَكَ على الموت. وكانَ أوغسطُس قيصر عَجوزًا حَقًّا ويَقِفُ على حَافَةِ القَبْر. ومنذُ تَقاعُدِ طيباريوس، لم يَكُن للجيشِ الرُّومانيِّ قائدٌ. وكانوا يَعلمونَ أنَّ هذا هو الوقتُ المُناسب لِشَنِّ حَربٍ مِنَ الشَّرْقِ على الغَرب. وقد كانَ هذا صحيحًا. لِذا فقد كانَ هيرودُس مُرْتَعِبًا.

وقد تقول: "وما الَّذي كانَ يُفَكِّرُ فيهِ المَجوس؟" لا أدري. رُبَّما كانوا يَنظرونَ إلى الأمرِ سِياسيًّا. ورُبَّما فَكَّروا قائِلين: "هذا رائع. لقد وُلِدَ المَلِك". وأعتقد أنَّ هذا صحيح على الأرْجَح. ولكِنْ فَضْلاً عن ذلك، أعتقد أنَّهم نَظروا إلى الأمرِ رُوحيًّا؛ لأنَّهم عندما وَصَلوا إلى تلكَ الغُرفة الصغيرة في بيتِ لَحْم، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّهُمْ سَجَدوا لَهُ. فقد رأوا فيهِ ما هو أكثر مِنْ مَلِك. وأنا أعتقد أنَّهُم رأوا المَسِيَّا الَّذي سَمِعوا عنهُ مُنذُ زَمَنِ دانيال. وأعتقد أنَّنا هُنا أمامَ أشخاصٍ أُمَمِيِّينَ كانوا يَخافونَ اللهَ ويَطلُبونَه. وقد كانَ لهذا الأمرِ بُعْدان. فأنا مُتَيَقِّنٌ مِنْ أنَّهم كانوا يُفَكِّرونَ قائِلين: "رُبَّما كانَ هذا هو المُخَلِّص ... المُخَلِّص الَّذي يُدعى المَمْسوح"؛ وَهي كَلِمَة تَصِفُ مَلِكًا. "ورُبَّما لن يكونَ فقط المُخَلِّص أوِ المسيَّا، بل رُبَّما سيكونُ أيضًا ذاكَ الَّذي سيَحْشِدُ كُلَّ هؤلاءِ النَّاسِ في الشَّرْق لمُحاربةِ رُوما المُتَجَبِّرَة". وبالمناسبة، لقد كانَ المَجوسُ يَعلمونَ أنَّ بني إسرائيلَ كانوا إلى جَانِبِهم، لا إلى جانبِ رُوما. لِذا فقد جاءوا إلى المدينة وراحوا يَسألونَ النَّاسَ أيْنَ هُوَ هذا المَلِكُ الجديد. فقد ظَنُّوا أنَّ بني إسرائيلَ سيكونونَ مُتَشَوِّقينَ مِثْلَهُم. ولكِنْ كما تَرَوْنَ، لقد كانَ بنو إسرائيلَ مُصابينَ بالعَمَى بسببِ عَدَمِ إيمانِهم.

أَلا يُدهشُكم ذلك؟ فَمِنَ المُدهشِ بالنِّسبةِ إليَّ أنْ يكونَ أوَّلُ أشخاصٍ في العالم يُدركونَ مَجيءَ المَلِك مِنَ الأُمَم ... مِنَ الأُمَم. وهل هذا يُخبرُكم شيئًا عنِ التَّاريخ؟ "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ [ماذا؟] لَمْ تَقْبَلْهُ". وَمَتَّى يُتابِعُ الحديثَ عن ذلك حَتَّى النِّهاية؛ أيْ عَنْ رَفْضِ المَلِك. فهل يكونُ هذا هو المَلِكُ الَّذي لا يُقْهَر؟ فبمقدورهم أنْ يُتَوِّجوه. وبمقدورهم أنْ يأخذوهُ إلى دِيارِهِم وأنْ يَجعلوهُ مَلِكًا، وأنْ يُوَحِّدوا الشَّرْق. وبمجيءِ هذا المَسِيَّا العَظيم الَّذي تَنَبَّأَ عنهُ دانيال، يمكنهم أنْ يَتَصَدَّوْا لِروما وأنْ يَهْزِموها. لِذا، فقد جاءت هذه المجموعة مِنَ المجوس إلى أورُشليم. فقد جاءَ صُنَّاعُ المُلوكِ هؤلاء مِنَ الشَّرْقِ وَهُمْ يَمْتَطونَ أحْصِنَةً فارسيَّة ويُرافِقُهُم جيشٌ مِنَ الخَيَّالة. لِذا، فقد صَارَ المَسْرَحُ جاهزًا. وما الَّذي يَحدثُ بعدَ ذلك؟ تَعالَوْا في الأسبوعِ القادِم. فلم يَتَبَقَّ لَدينا وقتٌ.

واسمحوا لي أنْ أَخْتِمَ بهذه الكلمات: أليسَ مِنَ المُدهش بالنِّسبة إليكم كيفَ أنَّ اللهَ يَتَحَكَّم بالتَّاريخ؟ فهل يُدهشكم ذلك؟ فقد نَظرتم إلى كُلِّ شيءٍ قُلتَهُ، وقد استمعتم إليه. فقد تَحَدَّثْتُ إليكم مُدَّةَ خمسينَ دقيقة. وهل تَعلمونَ ما سَبَب رَوعةِ ذلك؟ لا لأنَّها حقائق تاريخيَّة فحسب، بل لأنَّكُمْ رأيتُم اللهَ يَعْمَل. فالتَّاريخُ هو قِصَّتُه. فقدِ اختارَ منذُ وقتٍ طويل رَجُلاً يُدعى دانيال، وأعطاهُ قُدرةً على التَّأثيرِ في مجموعةٍ مِنَ الرِّجالِ الَّذينَ كانوا سيأتونَ في الوقتِ المُناسب تمامًا. وقد تقول: "ولكِنْ لماذا يَذْكُرُ مَتَّى ذلك؟ لماذا؟" اسمعوني: إنَّ مَتَّى، في كُلِّ إنجيلِه، يحاولُ أنْ يَقولَ للعالَم إنَّ يسوعَ المسيحَ هُوَ ماذا؟ مَلِك. ولكي يَتَحَقَّقَ مِنْ أنَّ الجميعَ يَفهمُ ذلك، فإنَّهُ يَذْكُرُ كيفَ أنَّ أَعْظَمَ صُنَّاعٍ للمُلوكِ في العالم جاءوا وَسَجَدوا عندَ قَدَمَيه. أَتَرَوْن؟ فهذا كُلُّهُ جُزءٌ مِنْ أُسلوبِ مَتَّى. فيسوعُ هو المَلِك. وإنْ لم يكن بنو إسرائيلَ سَيُقِرُّونَ بذلك، فإنَّ اللهَ سيأتي بمجموعة مِنَ الأشخاصِ مِنَ الشَّرْق لكي يُقِرُّوا بذلك. فهو مَلِكٌ.

وقد خَطَّطَ اللهُ أحداثَ التَّاريخِ بمهارة فائقة. والجُزءُ المُحْزِنُ في القصَّة هو أنَّ النَّاسَ الَّذينَ كانَ ينبغي أنْ يَعلَموا ذلك ... النَّاسَ الَّذينَ كانَ ينبغي أنْ يَعلموا ذلك، لم يُقِرُّوا بِهِ. والنَّاسُ الغُرَباء الَّذينَ لم تَكُن لديهم أيُّ فِكرة قد جاءوا وَسَجَدوا لَهُ. فهذا هو ما يَقولُهُ التَّاريخ. فقد جاءَ يسوع. وبولس يقول: "لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ". فقد جاءَ يسوعُ وقال: "لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّة". فقد أَدارَتْ إسرائيلُ ظَهْرَها للمسيح. لِذا فقد دَعا أُناسًا مِنْ شُعوبٍ أخرى. فقد فَتَحَ البابَ للأُمَم (كما جاءَ في رسالة رُومية) وطَعَّمَنا. والإشارةُ إلى ذلك موجودة هُنا منذ البداية. فهل تَذكرونَ ما قيل؟ فالكتابُ المقدَّسُ يقول إنَّنا إنْ لم نَعْتَرِفْ بِهِ فماذا سيحدث؟ الحِجارةُ سَتَصْرُخ. وعندما جاءَ المَلِك، يا أحبَّائي، عندما جاءَ المَلِك، إنْ لم يَكُنْ شَعْبُهُ سَيَعْتَرِفْ بِهِ، فإنَّ اللهَ سيَحْرص على أنْ يكونَ هُناكَ مَنْ يَفعلُ ذلك. وهذا هو ما حدث.

وكما تَعلمونَ، فإنَّ النَّاسَ في العالمِ اليوم يَحتفلونَ بعيدِ الميلادِ المجيد، ويتبادلونَ بطاقاتِ عيد الميلاد، وينظرونَ إلى المَجوس. ولكنَّهم لا يَفهمونَ المَعنى المقصود. فَهُمْ لا يَفهمونَ المَعنى المقصود. وَهُمْ لا يَرَوْنَهُ على حقيقَتِه. ولكِنْ هُنا وهُناك، وبينَ الحينِ والآخر، فإنَّ البَعضَ مِنَّا يَرَوْنَهُ على حقيقَتِه. أليسَ كذلك؟ وهناكَ أشخاصٌ مِنَّا يَسْجُدونَ لمَلِكِ المُلوكِ ورَبِّ الأرباب. وفي الأسبوعِ القادِم، سنتحدَّث عن هيرودُس، وعن أيِّ نَوْعٍ مِنَ الرِّجالِ هو، وعن سَبَبِ خَوْفِه. وسوفَ أُخبرُكم ما هو النَّجْمُ الَّذي قادَهُم إلى بيتِ لَحْم. دَعونا نُصَلِّي:

أبانا السَّماويّ، إنَّهُ حَقًّا ... إنَّهُ حَقًّا أمرٌ يَفوقُ قُدرَتَنا أنْ نَرى كيفَ تَعملُ في التاريخ. فنحنُ نَنظرُ بعقولِنا المحدودة إلى الأشياءِ ونَظُنُّ أنَّنا نَفْهَمُها؛ ولكِنْ عندما نَتَعَمَّقُ فيها أكثر فأكثر، نَكتشفُ فَجأةً عالَمًا لم نَكُنْ نَعْرِفْ أصلاً أنَّهُ موجود ... عالَمًا مِنَ المعلوماتِ، وعالَمًا مِنَ الأفكارِ الَّتي تَكْشِفُ لأذهانِنا عَظَمَتَكَ الفائقةَ، وقُدرَتَكَ الفائقة، وحِكمَتَكَ. وكَمْ أَشكرُكَ، يا رَبُّ، على الرِّجالِ الحُكَماء، على المَجوس، أيَّا كانَ عَدَدُهُم، وأيًّا كانت أسماؤهم، لأنَّهُم بَحَثوا عنِ المَلِك. وأنا أَشْعُرُ بالحُزنِ في قلبي على شَعْبِ المَلِك الَّذينَ لم يُريدونَهُ. وصَلاتي، يا رَبُّ، في هذا المساء، هي أنَّهُ إنْ كانَ يوجدُ في وَسْطِنا أُناسٌ يُشْبِهونَ شَعْبَ المَلِك في أنَّهُم أَدَاروا ظُهورَهُمْ لَهُ وقالوا: "لا نُريدُهُ"، أو قالوا: "لاَ نُرِيدُ أَنَّ هذَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا"، أُصَلِّي، يا أبانا، أنْ تُبَكِّتَ قُلوبَ هؤلاء لكي يَصيروا مِثْلَ هؤلاءِ الَّذينَ جاءوا مِنْ مكانٍ بعيدٍ وفَرِحوا فَرَحًا عَظيمًا، وَسَجَدوا لَهُ وَعَبَدوه. ونحنُ نَشكُرُكً أيضًا لأنَّكَ جَعَلْتَنا جُزءًا مِنَ الكنيسةِ الَّتي تَسْجُدُ أَمامَهُ وَتَعْبُدُهُ. نُعْطيكَ كُلَّ المَجْدِ، يا رَبّ، على كُلِّ ما صَنَعْتَهُ لكي تُظْهِرَ لَنا ذِراعَكَ القَوِيَّة. باسْمِ يَسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize