Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لنَفتح كُتُبَنا المقدَّسة في هذا الصباح وننظر [في أثناء دراستنا للكتاب المقدَّس] إلى الأصحاح الثامن مِن إنجيل متَّى - إنجيل متَّى والأصحاح الثامن. فنحن نُتابع دِراستنا لهذا الإنجيل الرائع الذي يُدوِّن لنا حياة الربِّ يسوع المسيح كما رآها متَّى بوحيٍ مِن الروح القدس. وقد عَنْوَنْتُ رسالة هذا الصباح وفقًا لما جاء في الأعداد 16-22: "ما الذي يُبقي الناسَ بِمَنأى عنِ المسيح". وكان يمكنني أن أستخدم العُنوانَ التَّالي: "ما الذي يَجعل المسيح يرفض أتباعًا مُحْتَملين؟" فَمِنْ أوجُهٍ عديدة، مِنَ الصعب جدًّا أنْ نُصَدِّق أو نُفَسِّر سبب استمرار رفض النَّاس للاعتراف برُبُوبِيَّة يسوع المسيح. ومِنْ أَوْجُهٍ عديدة، مِنَ الغريبِ جدًّا والعجيبِ حقًّا أنَّ الناس يستمرُّون في رفض يسوعَ المسيح بوصفه المُخلِّص، وبوصفهِ ابنَ اللهِ الذي لا يُضاهى، ولا مَثيلَ له، والمُحبّ، والمُنعِم. فما يزال مُخلِّص العالم الذي مات لأجل البشر مُحتقرًا مِنَ الناس اليوم كما كان في مجيئه الأول. وعند دراستكم لإنجيل مَتَّى، ستَرَوْنَ بوضوح تامٍّ أنَّ عدم إيمان الناس بيسوع ورفضهم له هو تَحَدٍّ سَافِر لكل ما فَعَلَهُ المسيح لأنَّ أوراق اعتمادهِ واضحة جدًّا. فالبرهان على أنَّه الله الذي جاء في هيئةٍ بشريَّة لا يُضاهيه بُرهان. فكلماتُهُ وأعمالُهُ وموتُهُ وقيامتُهُ – هذه كُلُّها هي أدلَّة دامغة وواضحة ولا تَشُوبُها شائبة على حقيقة أنه المسيَّا الَّذي وَعَدَ اللهُ أنهُ سيأتي، وأنه مُخَلِّص العالم. ومعَ أنَّنا نقرأ في الأصحاح الأوَّل من إنجيل يوحنَّا: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ"، ومعَ أنَّه قال في الأصحاح الخامس من إنجيل يوحنَّا: "وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ"، ومعَ أنهم صَرَخُوا عند صَلبه قائلين: "لاَ نُرِيدُ أَنَّ هذَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا"، فإنَّ كُلَّ هذه العبارات عن رفض المسيح ورفض الاعتراف به تَـتعارَض تمامًا معَ العبارات التوكيديَّة نفسها الَّتي كان النَّاسُ يقولونها عندما كانوا يَلتقونه. بعبارة أخرى، فإنَّ الرَّفضَ يَتَبَدَّد في وجه البُرْهان القاطِع.

إنَّ العالم يُشبه قاضيًا في قاعة المحكمة سَمِعَ مُقدمةَ وخاتمةَ قَضِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ ثُمَّ حَكَمَ حُكْمًا يُناقِضُ الحقائق تمامًا. فعلى سبيل المثال، لقد كان سُلطان يسوع واضحًا. فنحن نقرأ في الأصحاح السَّابع مِنْ إنجيل مَتَّى أنَّ الجُموعَ: "بُهِتَتِ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ". وقد كانت كلماتُ يسوعَ فريدة بكل تأكيد. فقد قالوا في إنجيل يوحنَّا 7: 46: "لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ!"

وقد كانت أعمال يسوع إلهيَّةً دون أدنى شك. فقد قال الرَّجُلُ الأعمى للأشخاص الَّذين اسْتَجوَبوه في الأصحاح التَّاسع مِنْ إنجيل يُوحَنَّا: "إِنَّ فِي هذَا عَجَبًا! إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ!" أيْ: "لو لم يكن هذا الرَّجُل مِنَ اللهِ لما استطاع أن يفعل ذلك".

وقد كانت حِكمة يسوع تفوق كُلَّ حكمة بَشريَّة. فنحن نقرأ في إنجيل مَتَّى 22 أنهم أَرَوْهُ دينارًا وسألوه: "أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟" فقال: "أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ لله". ونقرأ أنهم "لَمَّا سَمِعُوا [هذه الكلماتِ] تَعَجَّبُوا".

وقد كانت طَهَارَتُهُ أمرًا لا يمكن إنكاره. فقد تَصَدَّى لهم في الأصحاح الثَّامن مِنْ إنجيل يوحنَّا وقال: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟" فَسَادَ صَمْتٌ مُطْبِقٌ. وقد كانَ صِدْقُهُ أقوى مِنْ أيِّ شَكٍّ. ونقرأ في إنجيل يوحنَّا 8: 46 أنَّه قال: "إِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟"

وقد أَذهلتهُم قدرتُه. فقد قالوا في إنجيل لوقا 8: 25: "مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّهُ يَأمُرُ الرِّيَاحَ أَيْضًا وَالْمَاءَ فَتُطِيعُهُ!"

وقد كانَ قادرًا على سَدِّ احتياجاتِهم. فقد أَطْعَمَهُم على سَفْحِ ذلك الجبل. ثُمَّ نقرأ في الأصحاح السَّادس مِنْ إنجيل يوحنَّا أنهم جاءوا ثانيةً فقال: "أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي ... لأَنَّكُمْ أَكَلْتُمْ مِنَ الْخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ".

وقد شَفى أمراضهم. "فَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا اللهَ الَّذِي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَانًا مِثْلَ هذَا" – وفقًا لما جاء في إنجيل مَتَّى 9: 8.

وهناك مَحبَّتُهُ التي أدهشتهم حقًّا. فقد وقفوا عند قبر لِعَازَر ورأوا يسوع عندما ابتدأ يبكي فقالوا: "انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ يُحِبُّهُ!"

وقد تَعَجَّبوا مِنْ سُلطانه على الشَّياطين. فعندما أَخْرَجَ الشَّيْطَانَ في إنجيل مَتَّى 9: 33، نَقرأُ: "فَتَعَجَّبَ الْجُمُوعُ قَائِلِينَ: «لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِثْلُ هذَا فِي إِسْرَائِيلَ!»". وقد كانَ قَضاؤُهُ رهيبًا. فعندما لَعَنَ التِّينة يَبِسَت في الحال. ونقرأ في إنجيل مَتَّى 21: 20 أنَّهم: "تَعَجَّبُوا".

وقد كان هُدوؤُهُ يفوق قُدرة البشر. فقد صَمَتَ أمام بيلاطُس الذي كان يَملِك سُلطانًا على حياته. ولكنه لم يُبْدِ أيَّ خوف. وهو لم يحاول أنْ يُدافع عن نَفسهِ إذْ نقرأ في إنجيل مَتَّى 27: 14: "فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِــي جِدًّا".

وقد كان تعليمهُ - لقد كان تعليمهُ يفوق أيَّ مُعلِّم عرفوه مِنْ قَبْل إذْ نقرأ في إنجيل يوحنَّا 7: 15: "فَتَعَجَّبَ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: «كَيْفَ هذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟»". وعندما كان صبيًّا في الثانية عشرة مِنَ العمر، ذُهِلَ مُعلِمو الشريعة في الهيكل مِن أسئلته. وقد كان استقلالُهُ عن نِظامِهم الناموسيّ يُذهِلُهُم. فقد تعجَّب الفَرِّيسيون لأنه لم يكُن يغسل يديه قبل الأكل. فقد تَحَدَّى طقوسهُم.

وقد كان تواضُعُهُ وتعاطُفُهُ صَادِمًا لهم. فقد كانت تلك المرأة قد تزوجت مِن خمسة أزواج، وكانت تعيش مع شخصٍ ليس زوجًا لها. فقد كانت عاهرةً وزانيَّةً. ولكنهُ تحدَّث معها، وأَظهر عطفًا مِنْ نحوها، وطَهَّرَها. ونقرأ في إنجيل يوحنَّا 4: 27: "وَكَانُوا يَتَعَجَّبُونَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ امْرَأَةٍ".

وكما تَرَوْن، فإنَّ كل ما يختصُّ به كانَ مُدهِشًا. وقد كان كل ما يختصُّ به مُذهلاً. وكان كل ما يختصُّ به غير قابلٍ للتفسير بشريًّا. وكان كل شيء يختصُّ به رائعًا، ويفوق قدرة البشر، ويفوق الطبيعة لأنه إلهيّ. وقد رأَوْا ذلك كله. لذا، هل نُدْهَش حين نقرأ في إنجيل مَرْقُس 6: 6 أنَّ يسوعَ "تَعَجَّبَ مِنْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ"؟ لماذا؟ وما أعنيه هو: لماذا؟ فكيف تَرى كُلّ هذه المؤهِّلات العجيبة وتَمضي في طريقك؟ وكيف يمكن لشيءٍ كهذا أن يحدث؟ الحقيقة هي أنَّه بالنِّسبة إلى البعض - بالنِّسبة إلى البعض فإنَّ لديهم محبَّة فائقة للخطيَّة. ونحن نقرأ في الأصحاح الثالث من إنجيل يوحنَّا: "وَأَحَبَّ النَّاسُ" [ماذا؟] "الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ". ولكنَّ بعض الناس يُحبون الخطيَّة، ويُنكرون الأدلة، ويتمسَّكون بِشرِّهِم. وهؤلاء الناس لا يُبالون حقًّا بالمجيء إلى يسوع. فَهُمْ يَهربون مِنَ الطريق الآخر. ولكنْ هناك فئة أُخرى مِنَ الناس. وهؤلاء يُدركون جاذبيَّة يسوع، ويُدركون الكاريزما الَّتي يتمتَّع بها، ويُدركون قُدرتَهُ. وَهُمْ يَنجذبون إلى ذلك. فَهؤلاء يبحثون عن الأمور المُشَوِّقة. وهم يرغبون في المشاركة في الأحداث المُثيرة. لذا فإنهم يَأتونَ، ويَصرفون بعض الوقت، ويَتَسَكَّعون. والكنيسة تَحوي أُناسًا كهؤلاء اليوم أيضًا. وهم يَزْعُمُون أنهم قد وُلِدوا ثانيةً. وقد يقولُ هؤلاء: "نحن نَتبع يسوع". وهم ينجذبون إلى شخصيَّته المُذهلة. ولكنهم ضَالُّون بقدر ضَلال الأشخاص الذين يُديرون ظُهورهم ويهربون مِنَ النور. وسوف نلتقي ثلاثةً مِنْ هؤلاء في هذا المقطع.

ولكِنْ كنقطة انطلاق، لنبدأ مِنَ البداية – أيْ مِنَ العدد 16. فقد دَوَّنَ مَتَّى لنا ثلاثَ مُعجزات. وهي ثلاثُ مُعجزاتٍ مِنَ المُرجَّح أنها حدثت في اليوم نفسه. فقد أَنهى يسوعُ العظة الرائعة على الجبل في الأصحاحات مِنْ 5 إلى 7. وقد ذُهِل الناس مِن سُلطانه. وقد اجتذبَ التعليمُ [في ذاتِهِ] الجموع. وكان يسوع قد صَنَعَ [دون شَكٍّ] آلافَ مُعجزات الشِفاء. لذا، فقد كان هناكَ جَمْعٌ غَفيرٌ يَتبعه آنذاك في جميع أرجاء الجليل. ومِنَ المُرجَّح أنَّ هذه المُعجزات الثلاث حدثت في يوم السبت. والآن، بعد انتهاء يوم السبت، نُتابع ما حدث ابتداءً مِنَ العدد 16: "وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ [وبالمناسبة، فإنَّ حُلول المساء أو مَغيبَ الشمسِ كان يعني نهاية السَّبْت. وحتَّى ذلك الوقت، لم يكن اليهود يفعلون أيَّ شيء يمكن أن يكسر شريعة السَّبْت. ولكِنْ لمَّا صارَ المساء] قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ، فَأَخْرَجَ الأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ، وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ". فحال انتهاء السبت، ابتدأوا يأتون إليه ويُحضِرون إليه جميع المرضى وجميع الأشخاص الذين تَسكُنُهُم أرواحٌ شريرة، وابتدأوا يَزحَمُونه بكُلِّ هؤلاء الناس الذين كانوا في حاجةٍ إليه. وقد شفاهُم جميعًا - لقد شفاهُم جميعًا. وقد كانتِ الحالُ هكذا دائمًا. فأنتم لستم في حاجة إلى البحث والتنقيب والتفتيش لكي تجدوا مُعجزةً لأنَّ هناك الآلاف منها. فقد شَفَى كُلَّ شخص. فإنْ كانت أمراضُهم وعِلَلُهُم روحيَّةً أو تَختصُّ بِسُكْنى الشياطين، فقد شَفَى ذلك. وإنْ كانتِ الأمراضُ جَسديَّةً، فقد شَفى ذلك. فقد شفاهُم جميعًا. ولم يكُن شِفاءُ هؤلاء مُتوقِّفًا على إيمانهم. ولم يكُن شِفاؤهم متوقِّفًا على ظُروفِهم. بل إنه شفاهُم جميعًا. وقد قَدَّمَ الدَّليلَ السَّاطعَ على مَسيحانِيَّته ولاهوتِه بطريقةٍ تَتَخَطَّى أيَّ شَكّ.

ونقرأ في إنجيل مَتَّى 12: 15: "فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ [أي أنَّه انصرَفَ مِنْ مَجْمَعِ الفَرِّيسيين]. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ جَمِيعًا". ونقرأ في إنجيل مَتَّى 14: 14: "فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ أَبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَــتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ". فقد كان شفاءً غير مشروط وغير محدود! ونقرأ في إنجيل لوقا 5: 17: "وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ كَانَ يُعَلِّمُ، وَكَانَ فَرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُونَ لِلنَّامُوسِ جَالِسِينَ وَهُمْ قَدْ أَتَوْا مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ. وَكَانَتْ قُوَّةُ الرَّبِّ لِشِفَائِهِمْ". ونقرأ في الأصحاح التاسع مِنْ إنجيل لوقا أيضًا (أعتقد في العدد السَّادس) جُملةً مُشابهةً: "فَلَمَّا خَرَجُوا كَانُوا يَجْتَازُونَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ يُبَشِّرُونَ وَيَشْفُونَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ". وكما قلتُ لكم في الأسبوع الماضي، فإنَّ يسوعَ استأصلَ الأمراضَ تمامًا مِنْ فِلَسطين. فقد كانت معجزاته عظيمة ورائعة وكثيرة.

والآن، يا أحبَّائي، عندما يكون هناك شخصٌ يَجولُ في أرجاء البَلَد ويفعل ذلك، مِنَ المؤكد أنه سيجتذب جَمْعًا غفيرًا. وهذا هو ما حدث تمامًا. وحتَّى إنَّ مَنْ يَزعمون القدرة على الشفاء اليوم يُمكنهم أن يجتذبوا الجموع. ولكنَّ الأشخاص الذين يُغَادرون وهم مَرضى [كما جاءوا] يُصِرُّون على الاستمرار في البحث عن شخصٍ آخر يَشفيهم في أغلب الأحيان. ولكنَّ يسوع شَفى كُلَّ شخص. لذلك فقد كان الجَمْعُ يزداد ويزداد. وهذا هو ما نراه في العدد 16 إذْ نرى جَمْعًا غفيرًا.

والآن، لماذا شفاهم جميعًا؟ إنْ قُلنا إنه فعل ذلك تعاطُفًا منه، فإننا لا نُجانِب الصواب. فقد كان عطوفًا على الناس. وقد كان يحتقر المرض لأنه كان يعلم أنَّ المرض هو نتيجة ماذا؟ الخطيَّة. وهذا لا يعني أنَّكَ في كُلِّ مَرَّةٍ تَمرض فيها فإنَّ ذلك يحدث لأنك اقترفتَ خطيئةً ما. ولكنَّ ما أعنيه هو أنه بسبب وجود الخطيَّة في العالم، هناك أمراضٌ في العالم. وبسبب وجود خطيَّة في العالم، هناك موت في العالم. لذلك فقد كان يحتقر الخطيَّة والموت والمرض. وبسبب عَطْفه على الناس فقد شفاهم. ولكنَّ الأمر يَتَخَطَّى ذلك. فقد شفاهم [في رأيي] لسببٍ آخر. فقد شفاهم لأنه أراد أن يُقدِّم لهم لَمْحَةً عن ملكوته. فهل تُريدون أن تعرفوا ما سيحدث عندما يُؤسِّس المسيح مملكتهُ الأبديَّة؟ لن يكون هناك موت، ولن يكون هناك حُزن، ولن يكون هناك ألم، ولن يكون هناك مَرَض. فها هو يأتي ويستأصل الأمراض مِن فِلَسطين ويُقيم الموتى. وهذه كُلُّها لَمَحاتٍ مِنْ مملكته الأبديَّة. فكما هي الحال على جبل التجلِّي عندما حَجَبَ جسده وأظهرَ مَجْدهُ، فإنه يُعطيهِم نظرةً عن الملكوت المجيد الآتي عندما يختفي المرض إلى الأبد.

ولكِنَّنا نَجِدُ سببًا ثالثًا لشِفائه لهم، وَهُوَ مذكورٌ في العدد 17. وهو سببٌ يَشهد به الروح القُدُس. فقد فعل ذلك لكي [ونلاحظ هنا الجملة السَّبَبِيَّة]، لكي يُتَمِّم نُبوءة إشعياء. فقد تنبَّأ العهد القديم أنَّ المسيَّا سيأتي. وقد قال الأنبياء أمورًا كثيرةً جدًّا عن المسيَّا، أيْ عن مَسيحِ الله، وعن مُخلِّص العالم، وعن حَمَلِ الله الذي يَرفع الخطيَّة. والكتاب المُقدَّس يَذْكُرُ العديدَ مِن الأشياء. وقد حَقَّقَ يسوعُ بمجيئهِ كُلَّ تلك الأشياء. ومِنْ بين جميع أقوال الأنبياء، هناك ما قاله إشعياء في الأصحاح 53 والعدد 4: "هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا ..." ويمكنكم أن تَرَوْا ذلك في العدد 17: "وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا". فواحدٌ مِن الأشياء التي سيفعلُها المسيَّا هو أنه سيُعالج الأمراضَ والأسقام. فقد كان يسوع مُزْمِعًا أن يفعل ذلك. والحقيقة هي أنه مِن الرائع أن تستمعوا إلى كيف كان يسوع مُزْمِعًا أن يُؤسِّس مملكةً لا يوجد فيها مرض، ولا موت، ولا أسْقام، ولا خطيَّة البتَّة. وهو يُعطيهِم هنا لمحةً عن ذلك.

والآن، عندما نقرأ في الأصحاح الثَّامن مِنْ إنجيل مَتَّى: "هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا"، فإنَّ هذه الكلمات مُقتبسة مِنْ إشعياء 53. وهذا أصحاحٌ مُهمٌّ في الكتاب المقدَّس لأنه نُبوءة عن موت المسيح. واسمحوا لي أن أقرأ لكم بِضْعَ آياتٍ لكي أُساعدكم في فهم السِّياق: "لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا". وهذه هي الكلمات الَّتي يَقتبسها مَتَّى. "لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا". والآن لاحظوا أنه مجروح لأجل معاصينا. وأنه مسحوقٌ لأجل آثامِنا. وأنَّ الرب وضع عليه إثم جميعنا. فقد مات يسوع عن خطايانا ... [افهموا ذلك] ... عن معاصينا، وعن آثامِنا، وعن خطايانا. وعندما نقرأ أنه "بِحُبُرهِ شُفينا"، فإنَّ ذلك لا يُشير هناك تحديدًا إلى الشفاء الجسدي، بل إلى شفاء مرض الخطيَّة. ولكنِ اسمعوا: عندما تَشفي الخطيَّة فإنك تشفي المرض [بطريقة غير مباشرة] لأنَّ المرضَ ناجمٌ عنِ الخطيَّة.

والناس يقولون: "هل هناك شفاء جسديّ في الكفَّارة؟" والجواب هو: أجل. هناك شفاء جسديّ في الكفَّارة. ولكن لاحظوا ما سأقول: إنَّ هذا لن يحدث الآن، بل في المستقبل. بعبارةٍ أُخرى، عندما مات يسوع على الصليب، هل رفع خطايانا؟ أجل! ولكِنْ هل تُعاني [بالرَّغم مِنْ كَوْنِكَ مسيحيًّا] بسبب الخطيَّة؟ أجل. صَحيحٌ أنَّ يسوعَ عَالَجَ مشكلة الخطيَّة، ولكنَّ التَّحقيق الكامل لذلك ما يزال مستقبليًّا. أليس كذلك؟ وعندما مات يسوعُ على الصليب، هل غَلَبَ الموتَ كَعَدُوٍّ لنا؟ أجل. ولكِنْ هل يموت المسيحيُّون؟ أجل. فالتحقيق الكامل ما يزال مستقبليًّا. وعندما مات على الصليب هل قَضى على الأمراض؟ أجل. ولكِنْ هل ما زلنا نمرض؟ أجل. فما يزال التَّحقيق الكامل لذلك مُستقبليًّا أيضًا. صَحيحٌ أنَّ هناك شفاءً في الكفَّارة كما أنَّ هناك تحريرًا مِنَ الموت في الكفَّارة، وكما أنَّ المؤمن سَيُرَدُّ إلى مقامه المجيد أمام الله في الأبديَّة مِنْ خلال الكفَّارة. ولكِنْ ما يزال ينبغي لنا أن ننتظر إلى ذلك اليوم. وهناك أشخاص يقولون: "لا يجوزُ للمسيحيِّين أن يمرضوا لأنَّ هناك شفاءً في الكفَّارة. فلا يجوزُ أن تُصاب بالزُّكام، ولا يجوز أن تُصاب بالسَّرطان، ولا يجوز أن تُصاب بالشَّلل، ولا يجوز أن تُصابَ بأيِّ عِلَّة إذا كنتَ مسيحيًّا لأنَّ هناك شفاءً في الكفَّارة". ولكِنْ إنْ قُلنا ذلك، فإنَّ المنطقَ يُحَتِّم علينا أيضًا أنْ نقول إنه لا يجوز للمؤمن أن يُخطئ البتَّة، وإنه لا يجوز للمؤمن أن يموت. لذلك ليسَ مِنَ الصَّواب أن نُعَلِّم أنه لا يجوز للمؤمنين أن يَمرضوا. وليس مِن الصواب أن نُعلِّم أنه لا يجوز للمؤمنين أن يُخطِئوا البتة، أو أنه لا يجوز أن يموتوا. فحتَّى إنَّ الأشخاص الذين يُعَلِّمون ذلك يموتون. ولا شك أنَّ ذلك يَضَعُهُم في موقفٍ مُحْرِج.

لقد مات المسيح، يا أحبَّائي، عن خطايانا وليس عن أمراضنا. والإنجيل هو الخبر السَّار عن الغُفران، وليس عن الصحَّة. وقد جُعِلَ المسيحَ خَطِيَّةً وليس مَرَضًا. وقد رَفَعَ المسيحُ خطايانا وليس أمراضَنا. وقد مات على الصليب لأجل خطايانا. ولا يُمكننا البتَّة أن نُفَسِّر إشعياء 53 بطريقة مختلفة. وقد كُنَّا سنقول إنَّ إشعياء 53 تعني أنه شَفانا مِنَ الخطيَّة لولا ما ذُكِرَ هنا في إنجيل مَتَّى لأنَّ بُطرسَ يقول في رسالته الأولى 2: 24: "الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ". وَهُوَ يقول هذه الكلمات بعد أن قال: "الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِه". فبُطرس يتحدَّث عن الشِّفاء الروحيّ مِنَ الخطيَّة. ولكنَّ مَتَّى يُنَبِّهُنا هنا إلى حقيقة أنَّ الكلمات "هُوَ أَخَذَ أسْقامَنا وحَمَلَ أمراضَنا" تَتَخَطَّى مشكلة الخطيَّة وتَشمل مشكلة المرض. صَحيحٌ أنَّ هناك شِفاء في الكفَّارة. وصَحيحٌ أنَّ هناك شُموليَّة هنا. ولكننا نحصل على ذلك فقط مِن خلال مِلْءِ الخلاصِ وفِداء أجسادِنا عندما نتمجَّد في ملكوته الأبديّ. لذلك فإننا نَرى هنا أنَّ هذه كانت مُجَرَّد لمحة عن الملكوت، ومُجرَّد نَظرة إلى الملكوت. أجل، فهو سيحمل أمراضنا يومًا ما. وهو سيأخذ أَسْقَامَنا يومًا ما. ولكننا نَرى هنا مجرد لمحة عن ذلك. وهو شيءٌ قالَهُ النبيُّ إشعياء. أَتَرَوْن؟ إنها كلمة الله العظيمة.

وهناك طُرق أخرى كثيرة للنظر إلى هذا النَّصّ. فكيف حَمَلَ يَسوعُ أمراضنا؟ مِن زاوية مُعيَّنة، أعتقد أنه حَمَلَ أمراضنا لأنه تَعاطَفَ مع آلامنا. وكما تعلمون فإنَّ المسيحَ كُلِّيُّ العِلْم. فالكتاب المقدَّس يقول إنه كان يَعْلَمُ ما في قلب الإنسان. وقد كان قادرًا على قراءة الأفكار. ولعلَّكم تَذكرون أنَّ نيقوديمُوس جاء إليه وسأله سؤالاً، ولكنَّهُ لم يُجِبه عن ذلك السؤال. فقد طرح على نيقوديموس سؤالاً كان يدور في ذِهنه ولكنه لم يسأله. وقد فعل ذلك مَرَّات كثيرة لأنه كان يَعلم ما يدور في فِكر الناس. وما دامَ يسوعُ كُلِّيّ العِلم، فانه يعرف كل شيء شعرتَ به يومًا وفَكَّرتَ به يومًا. وما دامَ يسوعُ كُلِّيّ العِلم، فإنه يعرف كل شيء بالتفصيل. لذلك فإنَّه يستطيع أن يفهم كل أَلَمٍ شَعرتَ به يومًا. لذا فإنَّ الكتاب المقدَّس يقول إنه رئيس كهنة قادر أن يَرثي لماذا؟ أنْ يَرثي لِضَعَفَاتِنا. وهي نفس الكلمة. وأنا أعتقد أنه حَمَلَ أمراضنا بمعنى أنه يتعاطف مع الألم الذي نشعر به. وكما تعلمون فإنَّه رأى الجموع [بحسب ما قرأتُ لكم في إنجيل لوقا] فماذا حدث؟ لقد تَحَنَّنَ عليهم، وهي كلمة تعني: "يتألَّم مع". فقد شَعَرَ بآلامِهِم، كما تَرَوْن. فهو رئيسُ كهنةٍ مُتعاطِف. لذلك فإنَّه لم يأخذ أمراضَنا، ولكنه شَعَرَ بآلامِنا تمامًا.

لذلك، مِنْ جِهة، فإنَّه أَخَذَ أسقامنا وحَمَلَ أمراضنا مِنْ خلال الشعور بالألم الذي نشعر به. ثانيًا، أعتقد [مِن جهة أخرى] أنه أخذ أسقامنا وحَمَلَ أمراضنا بمعنى أنه شَعَرَ بأصل المشكلة. فأعتقد أنه عندما كان يَرى المرض فإنَّه كان يشعر بسلطان الخطيَّة. فعلى سبيل المثال، لقد وقف عند قبر لِعازر - لِعازر الحبيب الذي كان قد زار بيتهم مَرَّات عديدة. فهو أخو مريم ومرثا. وكان قد مَضى على موت لِعازر آنذاك عِدَّة أيام. لذلك فقد وقف يسوع عند القبر. والكتاب المقدَّس يقول إنه انزعج بالروح. فقد كان يشعر بالألم والحزن حرفيًّا في قلبه، ثُمَّ أننا نقرأ في العدد التالي أنه بَكَى. لماذا؟ وما الذي انزعج بشأنه؟ وما الذي بَكى عليه؟ قد تقول: "لأنَّ لِعازر مات". لا، لا! لأنَّه كان مُزْمِعًا أن يُغَيِّر ذلك. فقد كان مُزمِعًا أن يدعو لِعازر إلى الخروج مِن القبر. فهو لم يكُن يبكي بسبب ذلك. وهو لم يكُن منزعِجًا بسبب ذلك. إذًا لماذا انزعج؟ لأنه عندما كان يَرى مَرَضًا فإنه كان يختبر الحقيقة البَدَلِيَّة المُرَّة للجُلْجُثة. فقد كان يَعلم أنَّ الشيء الذي سَبَّبَ كل هذا الألم وكل هذا العذاب وكل هذا الحُزن والنُّوْح والكآبة هو شَرّ الخطيَّة. وقد عاش حياته في ظِلِّ الصليب ولم يَرَ المرض مَرَّةً مِنْ دون أن يشعر بألم الخطيَّة. وقد تألم لأنه كان يَعلم أنَّ الخطيَّة هي السبب. لذلك فإننا نجد في الأصحاح التاسع مِن إنجيل مَتَّى آيةً مهمة جدًّا [وهي الآية الخامسة] إذْ قال: "أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَامْشِ؟" والإجابة هي أنه لا يوجد أمر أسهل مِنَ الآخر. فهُما مُتشابهان. فإذا استأصلتَ المرض تكون قد استأصلتَ السَّبَب (أي: الخطيَّة). وإذا استأصلتَ الخطيَّة تكون قد استأصلتَ نتائِجها - ولا سِيَّما المرض. فأيُّما أَيْسَر؟ ليس هناك ما هو أَيْسَر. اسمعوني: إنَّ أيَّ شخصٍ قادر على استئصال المرض قادر على استئصال الخطيَّة لأنَّ المرض والخطية مُرتبطان باللَّعنة.

لذا فقد جاء يسوع وعالج الأصل والثَمَر. ولكنِّي أعتقد أنَّ المعنى الرئيسيَّ المقصودَ بالكلمات "هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا" هو أنَّه عندما سيأتي المسيَّا ويُصْلَب، فإنه سيُعالج مشكلة الخطيَّة بطريقة جذريَّة حتَّى إنَّ كُلّ الأسقام والأمراض ستزول. وما هذه الشِّفاءات الَّتي تَرَوْنَها سوى لمحة خاطفة عن ذلك اليوم العظيم. فقد كان الملك حاضرًا. وقد كان يُقَدِّم ملكوتَهُ ويَستعرِض عناصرهُ. وقد كان ماثلاً أمامهم. لذلك كان مِن الواضح تمامًا أنَّ رجلاً مُتجوِّلاً مِثلَه ينبغي ألَّا يُخطئ - وإلَّا فإنَّه سيُظْهِر حماقته.

وقد كَرِهَ فَرِّيسيُّون كثيرون يسوعَ، وأداروا ظُهورهم له، وابتعدوا عنه. فقد أَحَبُّوا خَطاياهم. وقد أَحَبُّوا الظلمة أكثر مِن النور. ولكنَّ آخرينَ انجذبوا إليه، وانجذبوا إلى شخصيَّته لأنهم كانوا يُحِبُّون التَّشويق. وقد جاءوا إليه. ولكِنْ في كل حالة، كان يوجد شيء يَمنعهُم مِنَ الاهتداء حَقًّا. والآنْ، دَعونا نُلقي نَظرةً على هذا الشيء. فنحن أمام ثلاثِ حالاتٍ كلاسيكيَّة: أوَّلاً، الرَّاحة الشخصيَّة ... الراحة الشخصيَّة. فنحن نقرأ في العدد 18: "وَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ جُمُوعًا كَثِيرَةً حَوْلَهُ، أَمَرَ بِالذَّهَاب إِلَى الْعَبْرِ". فقد كانوا عند الساحِل الغربيّ مِن بحر الجليل. وكان الجَمْعُ يتكاثر جدًّا حتَّى إنَّ الرَّبَّ تَعِبَ جسديًّا. والحقيقة أنه نام في تلك الرحلة التي قاموا بها في القارب للعبور إلى الضَّفَّة الأخرى. فقد كان في حاجةٍ إلى الصلاة والانتعاش. وكان في حاجةٍ إلى بعض الوقت للراحة والتأمل. وكان يُمكن لذلك الجَمْع أن يَضَعَ عليه ضغوطًا ليست بالضرورة في خُطَّة الله. لذلك فقد قال: "أعتقد أنه مِن الأفضل أن نُغادر ونذهب إلى مكانٍ آخر". وقد أَمَرَهم بالذهاب إلى الضَّفَّة الأخرى. وحالما فعل ذلك، ظهرت حالاً مسألة تكريس بعض الأشخاص لأنه كان يوجد في ذلك الوقت أشخاصٌ كثيرون يتبعونه. والحقيقة هي أنَّ مَرقُس يُخبرنا أنه عندما ذهب بتلك السَّفينة الصَّغيرة فإنَّ سُفُنًا أخرى رافَقَتْه. لذلك فقد أضْطُرَّ بعض الأشخاص إلى اتِّخاذ القرار: "هل أصعد إلى السَّفينة أَمْ أبقى؟ ماذا أفعل؟" ونحن نلتقي هؤلاءِ الأشخاصَ الثلاثة في درسنا في هذا الصباح.

وقد كان الرجل الأول مُهتمًّا جدًّا، ولكنه لم يَخْلُص حقًّا لأنه أرادَ راحتَهُ الشخصيَّةَ أكثر مما أراد المسيح. فنحن نقرأ في العدد 19: "فَتَقَدَّمَ كَاتِبٌ وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِـي». وهذا يبدو جيِّدًا جدًّا. أليس كذلك؟ فيُمكنكم أن تُرنِموا تلك الترنيمة: "أتبعُك، أتبعُك كُلَّ يوم". فهذا رائعٌ! يا للرَّوعة! فنحن لدينا شخصٌ حَيٌّ، يا رب. وهل تَعلم شيئًا؟ إنه واحدٌ مِنَ الكَتَبَة. وهل تَعلمون مَنْ هُمُ الكَتَبَة؟ لقد كان الكَتَبَةُ أصحابَ السُّلْطة فيما يختصُّ بالشريعة. وكان الكَتَبَة يَنتمون إلى فِئةٍ تَحظى بقبولٍ خاصٍّ عند الفَرِّيسيِّين. وكان الكتبة مؤهَّلين مِنْ قِبَلِ السُّلطة اليهوديَّة للتعليم. وكان الكَتَبة مُثَقَّفين جدًّا. وكان الكتبة مُوالينَ جدًّا للنظام. وكانوا هُمُ المُعَلِّمين. فَهُمْ لم يكونوا يَتبعون مُعَلِّمين. وكان الكَتَبةُ [عامَّةً] مُعادينَ للمسيح. وكانوا يَنْضَمُّون [عامَّةً] إلى الفَرِّيسيِّين في عِدائهم وموقفهِم. لذلك عندما يَنضمُّ إليك واحدٌ مِنَ الكَتَبة، فإنك تحصل على شخصٍ حَيٍّ. "إنه واحدٌ مِنَ الكَتَبة!" وهو يقول: "يا مُعَلِّم"، وباليونانيَّة "ديداسكالوس" (didaskalos)، وهي تعني: مُعَلِّم أوْ سَيِّد. ويا له مِن تَوْكيد! "سأتبعُك دون شَرْطٍ أينما تَمضي. فسوف تحصل عليَّ إلى الأبد". ويا لها مِن عِبارةٍ تَدُلُّ على التَّكريس والتَّعَهُّد الدَّائم.

وأنا مُتيقنٌ أنَّ الكاتبَ كان يَعلم أنَّ يسوع هو أعظم مُعَلِّمٍ سَمِعَهُ يومًا. وقد كانوا جميعًا يتعجَّبون مِن ذلك. وأنا مُتيقِّنٌ أنَّه عندما رأى تلك المُعجزات قال: "هذا مِن عند الله. وهذا شخصٌ مُختلف. وهذا أمرٌ لا يُصدَّق. وهذا أمرٌ جَذَّاب. وأنا أُريد أن أقترب مِن هذا الشخص. وأينما ذهبَ هذا الرجل أُريد أن أذهب معه. فهو لا يُقاوم". ولو جاءَ هذا الكاتبُ اليوم لقُلنا: "مَرْحَى! هذا رائعٌ! نحن نَقْبَلُك". فنحن نتحمَّسُ كثيرًا للقيام بذلك. ولكنَّ يسوع لم يكُن مُتحمِسًا هكذا. بلِ اسمعوا ما قاله له. فيا لها مِن كلماتٍ عجيبة! وهل كانت مجرد كلماتٍ وحسب كما تبدو في الظَّاهر؟ "لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأسَهُ". ماذا؟ ما قَصْدُك؟ قُلْ ذلك مَرَّةً أخرى! الثَّعالب؟ وما دَخْلُها بهذا الأمر؟ الطُّيور؟" ولكِنْ أتَعلمونَ شيئًا؟ لقد كان هذا قَوْلا شَعبيا. وَهُوَ يعني ببساطة: "أنا لا أملِك حتَّى وسائل الرَّاحة الأساسيَّة المتوفِّرة للحيوانات البَرِّيَّة".

ونحن نقرأ في الأصحاح السَّابع مِنْ إنجيل يوحنَّا: "فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ. أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُون". فهو لم يكن له بيت. وكان قد صَرَفَ الليل جاثيًا على الأرض يُصلِّي إلى الآب. ونقرأ في الأصحاح الثَّامن مِن إنجيل لوقا لائحةً تَضُمُّ أسماءَ السيِّدات المُبارَكات اللَّاتي كُنَّ يَسْتَضِفْنَهُ ويَخْدِمْنَهُ. ونقرأ كثيرًا أنه كان يمكث في ذلك البيت الصغير في بيت عَنْيا. فهو لم يكُن يَحظى بأيَّة وسائل راحة شخصيَّة. وهو لم يكُن يملِك أيَّ مُمتلكات أرضيَّة. وهو لم يكُن يملِك أيَّ شيءٍ يُقدمه لذلك الشخص. وقد تقول: لماذا ذَكَرَ ذلك؟ لأنه كان قادرًا على قراءة فِكرهِ ويَعلم الأشياء التي يتمسك بها ذلك الشخص. فقد كان لِسانُ حال ذلك الشخص هو: "إنَّ حياتي ممتلئة، وأنا غنيٌّ ولديَّ كل ما أرغب فيه. وأنا راضٍ تمامًا عن أسلوب حياتي، ولكنِّي أُريد أن أُضيفَكَ إلى أسلوب حياتي. فأنا أُريد أن أُحضِر معي كل ما لديَّ وأنْ أَتبعك". ولكنَّ يسوع يَرفضُ أن يستغلَّ أيَّ موقفٍ لزيادة شعبيَّته.

وهل تذكرون أنَّنا نَقرأ في الأصحاح الثَّاني مِن إنجيل يوحنَّا أنَّه صَنَعَ نفسَ تلك المعجزات في أورُشليم؟ ونقرأُ أنَّ كثيرينَ آمنوا باسمه. ثُمَّ نقرأ: "لكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ. وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَان". وهل تعلمون معنى ذلك؟ إنه يَعني أنه لم يكُن مُقتنعًا بإيمانِهم. فقد كان يَعلم أنهم يفعلون ذلك بطريقة ضَحْلة وسطحيَّة بحثًا عن التَّشويق. والحقيقة هي أنه صَنَّف هؤلاء الأشخاص في مَثَل الزارع. فقد قال: "هناك بذور تُلقيها في الأرض فتُنْبِتُ جذورًا صغيرا وتَظهر على سطح التُّربة، ولكِنْ ما أن تُشرق الشَّمس حتَّى تَجِفُّ وتموت". وكما تَعلمون، هناك أشخاص يُريدون أن ينضمُّوا إلى الفريق الرابح. وَهُمْ يَظهرون أنهم مع المسيح. ولكِنْ حالما يبتدئُ الاضطهاد، وحالما لا يعود الأمرُ مُريحًا، وحالما لا يعودُ لديكَ عُشٌّ أوْ وَكْر، وحالما لا تعود كماليَّاتُ الحياة مُتوفِّرة لديك، فإنك ترغب في تَرْكه. فعندما تُشرِق الشمسُ فإنَّ تلك البذور تموت.

لقد رأى هذا الكاتبُ يَسوعَ فانجذب إليه. ولكنَّ يسوع يعرف الطبيعة البشريَّة ويعرف أنها طبيعة فاسدة. وَهُوَ يَعرف أنها طبيعة مُتقلقلة. وَهُوَ يَعرف أنها طبيعة ترتكز على الذَّات. وَهُوَ يَعرف أنَّ الطبيعة البشريَّة تَتوقُ إلى الأمور الحِسِّيَّة. فقد كان ذلك الكاتب مُنجذبًا إلى الجموع والمُعجزات والإثارة. وقد قال "لينسكي" (Lenski): "إنه يَرى الجنودَ في المواكِب. وهو يَرى الملابسَ العسكريَّة الجذَّابة. وهو يرى الأوسمة فيرغبُ في الانضمام. ولكنه يَنسى المشيَّ الشاقَّ، والمعارك الدمويَّة، والقبورَ الَّتي رُبَّما لا تَحمل أسماء المَدفونين فيها". وبالنسبة إلى يسوع، فقد كان ذلك الكاتبُ مُستعدًا أكثر مِنَ اللَّازم، ومُتحمسًا أكثر مِنَ اللَّازم، وكاملاً أكثر مِنَ اللَّازم في عَرْضِهِ. فهو يُشبه البِذرة المزروعة في تُربة صخريَّة. فهي تنمو بسرعة، ولكنها تفتقر إلى الجذور. لذلك فإنها تموت تحت أشعة الشمس الحارقة ولا تقدر أن تدفع الثمن اللازم. وكما تَرَوْن، فإنَّ هذا الرجل لم يفهم قَطّ المبدأ الرئيسيَّ للتلمذة وهو إنكار الذات، والتضحيَّة، والألم. لذلك فقد صَدَمَهُ يسوعُ بالحقيقة. فقد قال: "أريد منك أن تَعرف شيئًا واحدًا وَهُوَ أنَّ هذا الأمر لن يُريحَكَ ولو قليلاً". وهل تعلمون ما الذي يقوله العدد التالي؟ إنه لا يذكر أيَّ شيءٍ عنْ ذلك الكاتب. وهل تعلمون لماذا؟ لأنه لم يعُد موجودًا. فقد غادر في تلك الفُسحة الصغيرة الموجودة بين العَدَدَيْن 20 و 21. فقد أعادَهُ يسوعُ إلى المكان الصحيح الذي ينتمي إليه. لذلك فقد ذهب. وألا تَعتقدونَ أنَّ يسوعَ مُختلفٌ عَنَّا؟ فنحن نُلَطِّفُ الرسالة. ونحن نُريد أن نجعلها سهلة لكي يحصل عليها كل شخص بأسهل طريقة مُمكنة. ولكنه يجعلُها صعبةً جدًّا لكي يُبقي الآخرين خارجًا ما لم يكن لديهم تكريسٌ حقيقيّ.

وأنا أُحِبُّ الجُملة: "وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأسَهُ". وقد ظهرت عبارة "ابن الإنسان" أوَّل مرَّة في دانيال 7: 13. فقد تنبَّأ دانيال أنَّ المسيَّا سيكون ابن الإنسان. وقد جاء يسوع وقال: "أنا هوَ ابنُ الإنسان". وهل تعلمون كم مَرَّة وَرَدَ ذلك في الأناجيل؟ ثمانون مَرَّة. فقد أكَّد يسوع أنه ابنُ الإنسان. وما معنى ذلك؟ إنه مُصطلحٌ يُشير إلى تواضُعِهِ. فالعبارة "ابن الله" تُشير إلى لاهوته، والعبارة "ابن الإنسان" تُشير إلى اتِّضاعِه. وهو يقول: "في اتِّضاعي، أنا لا أملك حتى ما تملكه الثعالِب". وقد كانت الثعالِب معروفة جدًّا في تلك الأجزاء مِن العالم في تلك الأوقات. وكانت الثعالِب تحفر حُفَرًا صغيرةً في الأرض. وكانت الطيور موجودة في كُلِّ مكان ولها أعشاش. لذلك فإنَّه يقول: أنا لا أملك حتَّى ذلك. ففي اتِّضاعي، أنا لا أملِكُ أبسط وسائل الراحة في الحياة. وإنْ كنتُمْ ستَتَبعونَني، يجب أن تَتخَلَّوْا عن كل وسائل الراحة.

وقد قال في إنجيل مَتَّى 10: 16: "هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ". وفي وقتٍ لاحقٍ، قال لتلاميذه: "هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ ... ها أنا أُرسلُكم كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَاب". وهذا ليسَ أمرًا سارًّا. أليس كذلك؟ سوف تُرسلنا كَغَنَمُ في وَسْطِ ذِئاب؟ "وَلكِنِ احْذَرُوا مِنَ النَّاسِ، لأَنَّهُمْ سَيُسْلِمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ. وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ .... فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَــتَكَلَّمُونَ". ثم نقرأ في العدد 22: "وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي". ثم نقرأ في العدد 23: "سوف تُضْطَهَدون". وفي العدد 24: "لا تَظُنُّوا أنكم ستكونون أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمكم. فكما أنهم اضْطَهدوني، سوف يَضطهدونكم". ونقرأ في إنجيل يوحنَّا 15: "لا تتعجَّبوا عندما يُبغضونكم. فقد أَبغضوني أنا. ولا تتعجَّبوا حين يقتلونكم ظَنًّا منهم أنهم يخدمون الله". وقد قال عنِ الاضطهاد: "في العالم سيكون لكم ضِيْق". وقد قال لهم: "وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى ..." [في رسالة تيموثاوس الثَّانية 3: 12]: "وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى [فِي هذا الدَّهر] يُضْطَهَدُون". ونقرأ في الأصحاح الخامس مِنْ إنجيل مَتَّى: "طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِينَ". ونقرأ في الأصحاح الحادي عشر مِنَ الرِّسالة إلى العِبرانيِّين أنهم تألَّموا وتألَّموا – ونحن نتحدَّث هنا عن جميع أبطال الإيمان هؤلاء. ثم نقرأ في النِّهاية: "وَهُمْ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ".

فهُناك ثمنٌ ينبغي أنْ تَدفعه لكي تكون مسيحيًّا. ولم يكُن هذا الشخص مُستعدًّا لدفع الثمن. بل أراد فقط أن يُضيف مزيدًا مِن التَّشويق إلى حياته. وربما يكون في هذا الجانبِ مُشابِهًا ليهوذا. ولكِنْ لا أحد يُريد أكثر مِنْ يهوذا واحد. لذلك فقد تَرَكه يسوع يذهب. وهذا يُشبه الشابَّ الذي يأتي ويُعبِّر عن رغبته في الدراسة والحصول على مِنحة دراسيَّة. وعندما نسأله: "هذا جيِّد. ولكنْ هل أنت مستعدٌّ للتخلي عن مباهج العالم لكي تدرس باجتهاد مِنْ أجل تحقيق هدفِك؟" أو أنه يُشبه الباحث الذي يُريد أن يجمع فريقًا لاستكشاف جزءٍ مجهولٍ مِنَ الأرض فَيُقِبل إليه الباحثون ويَلْتَفُّون مِنْ حوله إلى أن يُلقي خِطابًا صغيرًا عن الثلج والجليد أو عن الحرارة اللَّافِحَة والمستنقعات والحيوانات المُفترسة. وفجأةً فإنَّ الناس يَنْفَضُّون مِن حوله. ولكنْ إنْ كان هناك شابٌ رياضيٌّ يُريد أن يصير رياضيًّا عظيمًا فإنَّ المُدربَ يقول له: "حسنًا، ولكن هل أنت مُستعدٌّ للتضحية التي تَتطلَّبُها تلك العَظَمَة؟ وكما تَرَوْن، فإننا لا نُقدِّمُ خدمةً ليسوع إذا جعلنا الناس يعتقدون أنَّ الحياة المسيحيَّة هي حياة سهلة. فهي ليست حياةً سهلة. وأنا أُقرُّ بأنه لا توجد طريق أجمل مِن طريق المسيح. وأنه لا يوجد مجد يُضاهي المجد الَّذي ينتظرنا في نهاية ذلك الطريق. ولكنَّ يسوع لم يَقُلْ يومًا إنَّ الطريق سيكون سهلاً. بل إنه قال دائمًا إنه ينبغي لك أن تحمل ماذا؟ صليبك.

وكما تَرَوْن، فإنَّ النَّاسَ يُريدون الراحة الشخصيَّة. فَهُمْ يُريدون أن يفعلوا ما يشاءون، ويريدون أن ينعموا بأفضل حياة أيضًا. وهم يُريدون فقط أن يُضيفوا يسوع إلى حياتِهم المستقرَّة في الأصل. ولكنه يرفصُهُم. أجل، إنه يرفُضُهم.

وهناك شخصٌ آخر في هذا الأصحاح. فالشخص الأول لم يدخل الملكوت لأنه أراد الراحة الشخصيَّة. أمَّا الشخصُ الثاني فقد أراد الغِنى الشخصيّ (في العدد 21). والآن لاحظوا الآتي: "وَقَالَ لَهُ آخَرُ مِنْ تَلاَمِيذِهِ". والكلمة "تلميذ" ليست كلمة رَسميَّة عظيمة، بل هي تعني "مُتَعَلِّم" أو "تَابِع". وفي ذلك الوقت، كان هناك أناسٌ كثيرون يَتبعونَهُ - مِنْ مُختلف المستويات. وقال لهُ واحدٌ آخر مِنْ هؤلاء الأتباع: "يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِــي أَنْ أَمْضِـيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِـي". وربما تقول: إنَّ هذا يبدو في نظري طلبًا منطقيًّا. أليس كذلك؟ فلا يُمكن للمرء أن يترك أباه مَيْتًا، بل ينبغي أن يدفِنَهُ. فهذا أمرٌ لائقٌ جدًّا. فاليهود لم يكونوا يُحَنِّطون الأموات. لذلك عندما كان المرء يموت، كان ينبغي أن يُدفن حالاً. مِن جهة أخرى، كان اليهود يُعَلِّمون أنه ينبغي للمرء أن ينوح على أبيه وأُمه ثلاثين يومًا عندما يموتا. لذلك ربما كان لِسانُ حال ذلك الشَّاب هو: "أنا أُريد شهرًا واحدًا فقط لإنهاء أُموري". وبالمناسبة، نقرأ في سفر التكوين أنَّ المسؤولية الأخيرة التي تقع على عاتق الابن فيما يختصُّ باهتمامه بوالديه هي أنْ يَهتمَّ بدفنِهِما. ومِنَ الرَّائع أن يقوم المرء بهذه المسؤوليَّة. لذلك فقد بدا الأمر كما لو كان طَلَبًا معقولاً جدًّا. وما أعنيه هو أنَّ ذلك الرجل كان يَعلم أنَّ الربَّ دائم الحركة. فهو سيصعد إلى القارب ويُغادر. لذا فإنه يقول: "لا يُمكنني أن آتي معك، ولكني سأحاول اللَّحاق بك لاحقًا بعد أن أدفِن أبي".

ولكِنَّ المعنى الحقيقيّ هنا يَتَخَطَّى المعنى السَّطحيّ لأنَّ الكلمات "ائْذَنْ لِــي أَنْ أَمْضِـيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِـي" كانت قولاً شائعًا ومألوفًا في ثقافة الشَّرق الأوسط، وما تزال كذلك حتَّى وقتنا الحاضِر. ومؤخرًا، كان الدكتور "والدماير" (Waldmeyer) يتحدث إلى شابٍّ تُركيّ. و "والدماير" هو مُرْسَلٌ يخدم في الشرق الأوسط. وقد كان يتحدث مع شابٍ تُركيٍّ غنيٍّ فنصحَهُ أن يذهب في رحلة معينة إلى أوروبا بِمرافقته، أي بمرافقة المُرسَل. فقد اعتقد أنه بإمكانه أن يُتلمذه وأن يُحقق بعض الأشياء معه. وبعد أن انتهى مِنْ كلامه معه عنْ تلك الرِّحلة، رَدَّ عليه الشابُّ التُركيُّ قائلاً: "ينبغي أن أَدفِن أبي أوَّلاً". حينئذٍ، قال المُرْسَل "والدماير": "أنا آسفٌ أيها الشاب! لم تكُن لديَّ أدنى فكرة أنه مات. أنا أسفٌ حقًّا. وأرجو أن تعذرني على فَظاظَتي". ولكنَّ الشابَّ قال: "لا، لا، إنَّه لم يمُت. إنه لم يمُت. بل إنَّ هذه عبارة نَستخدمُها كَمَثَل. فأبي ما يزال على قيد الحياة. ولكنْ يجب أن أبقى هنا وأقوم بمسؤوليَّتي إلى أن يموت. وحينئذٍ، منَ المؤكَّد أنني سأحصل آنذاك على ميراثي". وهذا يُوَّضح المعنى المقصود. فالعبارة "يجب أن أذهب أوَّلاً وأدفِن أبي الذي لم يمُت بعد" تعني: "إنني أنتظر منذ وقتٍ طويلٍ الحصول على ميراثي. فهل يُمكنني أن أبقى وقتًا أطول؟ فأبي على حافة الموت، وعندما أحصل على ميراثي سأُفكر في القيام بالخطوة التي تَليها". أتَرَوْن؟ فقد كان ذلك الشخص يُفكر في المال. وقد كان يُفكر في أمورٍ تافهةٍ يمكن أن تسلبه شجاعته وتُعَطِّل تكريسَهُ للتلمذة. فأبوه لم يكُن قد ماتَ بعد.

فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "اتْبَعْنِــي، وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ هذه كلمات قويَّة. وقد يبدو [أوَّل وهلة] أنها عديمة المعنى. فكيف يُمكن للموتى أن يدفنوا موتاهم. فمن الواضح أنَّ الموتى لا يستطيعون أن يدفنوا الموتى إلَّا إذا كان الموتى الأوائل هم موتى بالمعنى الروحيّ، وهذا هو ما قصده يسوع. فهذا مَثَل. "دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ" – أيْ: دَعِ الموتى الرُّوحِيِّين يَدفنون موتاهُم بالجسد. ثُمَّ إنَّ لوقا يُضيف في المقطع المُشابه: "وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ الله". والمقصودُ هو الآتي: اسمعوني، إنَّ هذا مَثَل (على غِرار مَثَل الثَّعالب والطُّيور). فالمثل الأول يعني: "انظر. أنا ليست لديَّ وسائل راحة شخصيَّة". أمَّا هذا المثل فيَعني: "دَعِ الموتى رُوحيًّا يدفنون موتاهم". أي: "دَعِ العالم البعيد عن الله يُدير شؤونه بنفسه. أمَّا أنتَ فقد دُعيتَ إلى ملكوت الله". هل تَرَوْنَ الفرق؟ فما يقوله هنا هو: "أنت تعمل على المستوى الخاطئ". بعبارة أخرى: دَعِ النظام يَهتمُّ بنفسه.

إنَّهُ لا يقول إنَّهُ لا يجوز للمؤمنين المسيحيين أن يحضروا الجنازات. وهو لا يقول إنك إذا كنت مسيحيًّا فلا يجوز لك أن تدفِن أباك أو أُمك. بل إنَّ هذا مَثَل. وما يقصده هو أنَّ شؤون العالم الزائل، ومجيء الناس وذَهابهم، وانتقال الثروة مِن شخصٍ إلى آخر هي كُلها جزءٌ مِن نِظامٍ مَيِّت. فأنتَ مَدْعُوٌّ إلى ملكوتٍ حَيّ. لذلك، اذهب واكرز بالملكوت. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ أولويات ذلك الرجل كانت مُشوَّشة. فالأمور العالميَّة تَخُصُّ الأشخاص الذين ينتمون إلى هذا العالم. والنظام البشريّ يهتم بنفسه. ولكِنْ فيما يختص بهذا الرجل، ما الذي نقرأ أنه فعله؟ إننا لا نقرأ شيئًا. فقد غادر في الفُسْحَة الصَّغيرة الموجودة بين العَدَدَيْن 22 و 23. فقد اختفى. لماذا؟ لأنَّ الممتلكات الشخصيَّة كانت الشيءَ الأهَمَّ بالنسبة إليه. فقد انتظرَ وقتًا طويلاً للقيام بتلك الخطوة. وهو غيرُ مستعدٍّ للتخلي عن ذلك الآن. صحيحٌ أنه أَحَبَّ التَّشويق والكاريزما والآيات والعجائب لأنَّها كانت أمورًا رائعةً. وصَحيحٌ أنَّه أراد أن ينضمَّ إلى الفريق الرابح، ولكنه لم يكُن مُكرَّسًا حقًّا. فقد كان يُريد المال فقط.

وهذا يُذكِّرُني برجُلٍ آخر في الأصحاح 19 مِنْ إنجيل مَتَّى جاءَ إلى يسوع وقال: لَهُ: "أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟" وقد تقول: "أليس هذا رائعًا؟" فهو يقول: "أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟" وقد قال لهُ الربُّ في العدد 21: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِــي". فقد قال له: "اذهب وبع كُلَّ ما لديك وأعطِ أموالك للفقراء". ولكن هل تَخْلُص هكذا؟ أي هل تَخْلُص ببيع كل شيء وبإعطاء كل مالِك للفقراء؟ لا. ولكن إن كانت أموالُك تقف حاجزًا في الطريق، وكانت أموالك صَنَمًا في حياتك، ينبغي أن تتخلص مِن المال لكي تَخْلُص. فقد كانت هذه هي النقطة الجوهريَّة. فأنت لا تخلُص بالتخلُّص من أموالُك، ولكنك تتخلَّص مِن العائق لكي تدخل الملكوت. فأموالك تقف عائقًا في طريقك. ثُمَّ إنَّ الشَّابَّ قال له: "لقد طَبَّقْتُ كُلَّ النَّاموس. ولكنِّي أريدُ الحياة الأبديَّة". فقال لَهُ يَسُوع [مِنْ مُنطلق عِلمه بما يجري في حياته. فهو كُلِّيُّ العِلْم ويَعرف كُلّ التَّفاصيل. لذلك فقد قال له]: "بِعْ كُلَّ أَمْلاكِكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاء". وقد أصابَهُ في مَوْطِنِ ضُعفه. ثم نقرأ في العدد الَّذي يَلي ذلك: "فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ الْكَلِمَةَ مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَة". فقد مَضى حزينًا - حزينًا لأنه لم يتمكن مِن دخول الملكوت لأنه قَرَّرَ أنْ يتمسَّكَ بأمواله. ويا له مِن شخصٍ غبيّ! ولكِنَّ أشخاصًا كثيرين يفعلون الشيء نفسه. وهذا أمرٌ مُحزنٌ. فالراحة الشخصيَّة والغِنى الشخصيّ قد يمنعا المسيح مِن قبول الناس الذين يأتون إليه. صَحيحٌ أنهم يَنجذبون، ويُدْهَشون، ويَتَعَجَّبون، ولكنهم يَنصرفون ولا يعودون البَتَّة لأنَّ الثمن باهظٌ جدًّا.

وهناك شخصٌ ثالثٌ جاء في ذلك اليوم، ولكنَّ مَتَّى لا يُخبرنا عنه، بل إنَّ لوقا يُخبرنا عنه. لوقا 9. وسوف نُتابع بسرعة كبيرة. لوقا 9. وهذا مُدهشٌ جدًّا. إنه الشخص الثالث. ولوقا يُقدِّم لنا بصورة أساسيَّة الصورة نفسها. ولكنه يُضيف هذا الشخص الثالث في العدد 61 مِن الأصحاح التاسع (وهو أصحاحٌ طويل): "وَقَالَ آخَرُ أَيْضًا [وهذا هو الشَّخصُ الثَّالث]: «أَتْبَعُكَ يَا سَيِّدُ، وَلكِنِ ائْذَنْ لِي أَوَّلاً أَنْ أُوَدِّعَ الَّذِينَ فِي بَيْتِي»". وقد تقول: "لِمَ لا! اذهب ووَدِّع الجميع. قَبِّل أُمَّك، ووَدِّع أباكَ. فهذا أمرٌ مَفروغٌ منه".

فَقال لَهُ يسوعُ مَثَلاً يرجع تاريخُه إلى سنة 800 قبل الميلاد. وكانَ أوَّلُ شخصٍ قال هذا المَثَل هو رَجُل يُدعى "هيسيد" (Hesed). وكان هذا المَثَلُ شائعًا جدًّا في ذلك الوقت: "لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ الله". والمعنى الرئيسيّ للمثل هو أنه مِن الصعب جدًّا أن تحرُث الأرض بخطوط مستقيمة عندما تنظر إلى الوراء. وهذا صحيحٌ تمامًا في اعتقادي. أليس كذلك؟ وأنا لستُ معتادًا على حِراثة الأرض، ولكن يُمكنني أن أتخيل أنك إذا حاولت أن تحْرُث الأرض وأنت تنظر إلى الوراء فإنك ستخرُج عن المسار الصحيح. وهذا هو ما يقوله يسوع. والآن ما الذي كان يسوع يعرفه عن هذا الرجل الشاب؟ لقد كان ما يعرفه عنه أكثر بكثير مما يَطفو على السطح: "أَتْبَعُكَ يَا سَيِّدُ، وَلكِنِ ائْذَنْ لِي أَوَّلاً أَنْ أُوَدِّعَ الَّذِينَ فِي بَيْتِي". فالأمر لا يختصُّ بزوجته وأولاده، بل يختصُّ بأمه وأبيه. وهل يُعطيكم هذا تلميحًا صغيرًا؟ التعلُّق بالأبوين؟ هل سمعتم عن ذلك؟ فقد كان خاضعًا لضغط والديه، وسُلطتهِم، ونفوذِهِم، وتسلُّطِهِم. وقد كان يسوع يَعلم أنه إنْ ذهب إلى هناك فإنَّ تعلُّقه بوالديه، وخوفه مِنَ العائلة، وخوفه مِنْ أن يَتبرَّأوا منه، والتَّوَسُّلات بأن يبقى – فإنَّ هذه الأمور قد تَحُوْلُ دون عودته. وهناك أشخاصٌ كثيرون يفعلون ذلك. فَهُمْ يأتون إلى المسيح، ولكنهم يخافون مِمَّا قد يقوله أفراد العائلة، أو مِمَّا قد يفعله أفراد العائلة، أو مِمَّا قد يقوله لهم أبوهم. وهم يخافون مِنْ أن يَتِمَّ إقْصاؤهم. لذلك فأنهم يبقون في النظام الدينيّ الزائف أو يبقون بعيدين عن المسيح بدافع الخوف. وربما يأتي هؤلاء بين الحين والآخر إلى الكنيسة، ويكتفون بالنَّظر إليها مِنْ بعيد. وهم بذلك يُشبِهون مَنْ يحرُث الأرض وهو ينظر إلى الوراء.

اسمعوني: إنَّ الأمر يتلخَّص في الآتي، يا أحبَّائي. فنحن نقرأ في إنجيل متَّى 10: 34: "«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. فَإِنِّي جِئْتُ [اسْتَمِعوا جَيِّدًا] لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ. مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِــي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِــي". هل فهمتم ذلك؟ فإنْ كان ذلك يمنعُك مِن التكريس الكامل فإنك لا تَصْلُح لدخول ملكوت الله. والحديث هنا هو ليس عن الخدمة المسيحيَّة، يا أحبَّائي، بل إنَّ الحديث هنا هو عن الخلاص. فلا يُمكنك أن تَخْلُص بوجود هذه المعوِّقات. فأنت لا تَصلُح لدخول ملكوتي. فالقلب المُنْقَسِم ليس قلبًا حقيقيًا. والأمر لا يختص بالخدمة، بل يختص بالخلاص. ولأنَّه لم يتمكن مِن تسليم الكُلّ، فإنَّ يسوع لم يُقَدِّم له أيَّ شيء ... أيَّ شيء. فلا وجود للتلمذة الجُزئيَّة، ولا وجود لأيِّ شيءٍ جُزئيٍّ. لا شيء. فالعلاقات الشخصيَّة، والغِنى الشخصيّ، والراحة الشخصيَّة هي عوائق في الطريق. وهذا مُحزن. وقد تقول: "ألا نقرأ في إنجيل يوحنا 6: 37: ’مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا‘؟" أجل. "ولكنَّكَ تقول إنَّ هؤلاءِ النَّاس جاءوا إليه فَرَفَضَهُم!" هذا صحيح. ولكنْ إذا تابعتُم القراءة في يوحنَّا 6، ستجدون المزيد: "وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا". ثم تقرأون في الأصحاح نفسه: "إِنْ لَمْ تَأكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ". وما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ إنْ لم تَقبلوا كُلَّ ذلك لن تحصلوا على أيِّ شيء. ونقرأ: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ". فَهُمْ لم يكونوا مُستعدِّين لتكريس أنفسهم تمامًا له. لذلك فقد رَفَضَهُم. "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا إنْ جاءَ وفقًا لشروطي، وبتسليمٍ كاملٍ، وبموقفٍ قلبيٍّ سليم، وبتواضُعٍ في رُوحه، وبندمٍ على خطيئته، وبتواضُعٍ أمامَ الله، وبجوعٍ وعَطَشٍ إلى البِرّ، وبتضرُّعٍ طَلَبًا للرَّحمة، وباستعدادٍ لاحتمال الاضطهاد والكَراهية والشَّتْم لأجْلِ اسمي".

جاء السيِّد إلى العبد ذات يوم وقال: "أنت تملك فرحًا وسعادةً أتمنَّى الحصول عليهما". وقد سألهُ: "ما سبب ذلك؟" فأجابه: "إنه يسوعُ المسيح". فقال: "أريدُ المسيح الَّذي لديك". فقال العبد: "إذًا ينبغي أن ترتدي حُلَّتك البيضاء وأن تعمل في الطِّين فتَلتقيه". فقال: "لا يمكنني أن أفعل ذلك. فهذا يَحُطُّ مِنْ كرامتي". وبعد سنة، عاد السيِّد إلى العبد وكان يَخوضُ مشاكل أصعب مِنَ السَّابق فقال: "أريدُ ما لديك". فقال: "ما لديَّ هو يسوعُ المسيح". فقال: "حسنًا، وكيف يمكنني أن أعرفَ المسيح كما تعرفه أنت؟" فقال: "ينبغي أن ترتدي حُلَّتك البيضاء وأن تنزل وتعمل معنا في الطِّين فتَلتقيه". فقال: "لن أفعل ذلك".

ولكنَّ اليأسَ دَفَعَهُ إلى العودة مرَّة ثالثة بعدَ وقتٍ ما فقال: "ينبغي أن أحصل على ما لديك". فقال العبد: "أنت تَعرف كيف تحصل عليه. فينبغي أن ترتدي حُلَّتك البيضاء وأن تنزل وتعمل معنا في الطِّين فتَلتقيه". فقال السيِّد: "سوف أفعل ذلك". وحينئذٍ قال العبد: "أنتَ لستَ مُضطرًّا إلى القيام بذلك". فقال: "ما الَّذي تعنيه بأنِّي لستُ مُضطرًّا للقيام بذلك؟" فقال: "ينبغي فقط أن تُبْدي استعدادك لذلك. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر".

وكما تَرَوْن، فإنَّ الربَّ قد لا يُطالبك بالتخلِّي عن أسباب راحتك الشخصيَّة. وقد لا يُطالبك بالتخلِّي عن ممتلكاتك الشخصيَّة. وقد لا يطالبك بالتخلِّي عن علاقاتك الشخصيَّة. ولكن يجب عليك أن تكون مُستعدًّا للقيام بذلك إنْ أراد. أَتَرَوْن؟ فهذا هو البُرهان على رُبوبِيَّته في حياتك. فإنْ جئتَ ولسانُ حالكَ يقول: "سوفَ آتي، ولكنِّي مُتعلِّقٌ بكذا، أو مُتعلِّقُ بكذا، أو مُتعلِّقٌ بكذا"، وأعطيتَهُ نصفَ قلبك، لن تحصل على أيِّ شيء. أمَّا إنْ قَدَّمتَ له كُلّ شيء، قد يسمح لك بالاحتفاظ بذلك. وقد يُعطيك أكثر مِمَّا لديك. فالاستعدادُ هُوَ النُّقطة الجوهريَّة.

لقد انصرفَ هؤلاء الرِّجال الثلاثة. وقد وَصَفَ "وِليام مكدونالد" (William MacDonald) هؤلاء وصفًا رائعًا فقال: "لقد تركوا يسوعَ لكي يَصنعوا مكانًا مُريحًا لأنفسهم في العالم وليصرفوا بقيَّة حياتهم في احتضان أمورٍ ثانويَّة". ويا لها مِنْ كلمات! فهل أنتَ تلميذٌ حقيقيّ؟ وهل نَظرتَ إلى الدَّليل؟ فالنَّاسُ على مَرِّ العُصور يتعجَّبون مِنْ سُلطان يسوع، وكلماته، وأعماله، وحكمته، وطهارته، وأمانته، وقُدرته، وسَدِّه للاحتياجات، وشفائه، ومحبَّته، وسِيادته، وقَضائه، وهدوئه، وتعليمه، واستقلاله، واتِّضاعه. فقد تَعجَّبوا، ودُهِشوا، وصُدِمُوا، ولكنَّهم ذهبوا وَهُمْ على ضَلالهم لأنهم لم يقبلوا شُروطه. وأرجو أن تستمعوا إلى ما يلي في الخِتام. فقد قال الأُسقف "رايل" (Bishop Ryle): "أكثر طريق مُحْزِنٍ يقودُ إلى جهنَّم هو الطَّريق الَّذي يَمُرُّ مِنْ تحت المِنْبَر بعيدًا عن الكتاب المقدَّس بالرَّغم مِن التَّحذيرات والدَّعوات". وما أرجوه هو أن تسمعوا ما يقوله روح الله.

نشكرك، يا أبانا، على الوقت الَّذي صَرفناه في هذا الصباح في دراسة كلمتك وعبادتك. ونشكرك على التَّرانيم. فجمالُها ما يزال يَتدفَّق في قلوبنا. ونحن نُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ تُثَبِّت حَقَّكَ في قلوبنا وأن تَجعلنا أُناسًا يعرفون كيف ينفصلون عن النِّظام وكيف يتركون العالم البعد عنك وشأنه. ساعِدْنا على أنْ نَحيا لأجل الأمور الأبديَّة. وساعدنا على أنْ نذهب ونَكرز بالملكوت. وساعدنا على أن نَعرف الأولويَّات. وأعْطِنا الاستعداد اللَّازم للتخلِّي عن كل شيء لدينا عالِمينَ يقينًا أنك قد تُعطين أكثر مِمَّا حَلُمْنا به يومًا، وعالِمينَ أنَّ المسألة ليست مُتوقِّفة على ما لدينا، بل على موقفنا مِمَّا لدينا.

وليتَكَ، يا رَبّ، لا تَسمح بابتعاد أيِّ تلميذٍ هُنا عنِ المسيح بسبب راحة شخصيَّة أو ممتلكات شخصيَّة أو علاقات شخصيَّة. ونحن نُصَلِّي، يا أبانا، أن تُعطينا نِعمةً لكي نتأمَّل في كيفيَّة تطبيق الرُّوح لهذا المبدأ في حياتنا أوَّلاً قبل أنْ نُطَبِّقَهُ على الآخرين. نُصَلِّي هذا باسم المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize

Currently Playing

Today's Radio Broadcast

Playlist

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize