Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أنا أَعلم أنَّكم مُتَشوِّقون في هذا الصَّباح [مَرَّةً أُخرى] لدراسة كلمة الله معنا. لذلك افتحوا كُتُبَكم المقدَّسة، ولنَنْظُر إلى الأصحاح الثامن مِنْ إنجيل مَتَّى - إنجيل مَتَّى والأصحاح الثامن. وهذه واحدة مِنْ تلك القصص الرائعة التي بالرَّغم مِنْ معرفتنا الجيِّدة لها فإنها تَزْخَرُ بالحقائق التي لا نعرفهُا، والتي لا نستطيع أن نُلِمَّ بها في جلسة واحدة. ولكنَّنا سنفعل ما في وسعنا للحديث عن الأشياء الَّتي ربما كانت الأكثر أهميَّةً بالنِّسبة إلينا.

إنجيل مَتَّى والأصحاح الثامن في هذا الصباح. وأودُّ أن أقرأَ الأعداد مِنْ 28 إلى نهاية الأصحاح: "وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْعَبْرِ إِلَى كُورَةِ الْجِرْجَسِيِّينَ، اسْتَقْبَلَهُ مَجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ الْقُبُورِ هَائِجَانِ جِدًّا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَجْتَازَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ. وَإِذَا هُمَا قَدْ صَرَخَا قَائِلَيْنِ: «مَا لَـنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟» وَكَانَ بَعِيدًا مِنْهُمْ قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى. فَالشَّيَاطِينُ طَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: «إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنَا، فَأْذَنْ لَــنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ». فَقَالَ لَهُمُ: «امْضُوا». فَخَرَجُوا وَمَضَوْا إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ، وَإِذَا قَطِيعُ الْخَنَازِيرِ كُلُّهُ قَدِ انْدَفَعَ مِنْ عَلَى الْجُرُفِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمَاتَ فِي الْمِيَاهِ. أَمَّا الرُّعَاةُ فَهَرَبُوا وَمَضَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَخْبَرُوا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَنْ أَمْرِ الْمَجْنُونَيْنِ. فَإِذَا كُلُّ الْمَدِينَةِ قَدْ خَرَجَتْ لِمُلاَقَاةِ يَسُوعَ. وَلَمَّا أَبْصَرُوهُ طَلَبُوا أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ تُخُومِهِمْ".

وأعتقد أنكم إذا كنتُم [في هذا الوقت] تدرسون معنا إنجيل مَتَّى، أعتقد أنَّه قد باتَ مِنَ الواضح لكم أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُقدِّم أوراقَ اعتمادِ يسوعَ المسيح بوصفهِ المسيَّا. فقد كان اللهُ مُزْمِعًا أن يَفدي الأرض، وأن يَفدي البشر، وأن يَفدي الكون مِن لعنة الخطيَّة. ولكي يفعل ذلك، كان ينبغي أن يأتي إلى العالم في هيئة المسيَّا لكي يَرُدَّ الأنسان إليه مِن خلال فِداء الإنسان. وينبغي أن يَرُدَّ الأرض والكونَ إليه أيضًا. وعندما جاء يسوع المسيح، كان [في الحقيقة] الله الَّذي يفعل ذلك حرفيًّا. فقد جاء أَوَّلَ مَرَّة ليفدي الإنسان. وسوف يأتي في المَرَّة الثانية ليفدي الأرض والكونَ المحيط بها. لذلك فإنَّ تَركيزَ مَتَّى أثناء كِتابته لهذا الإنجيل الرائع يَنْصَبُّ على أن نَفهمَ أنَّ يسوع المسيح هو الملكُ، والمسيا، والسيِّدُ الحقيقيُّ للعالم، وملكُ الأرض، وملكُ كُلِّ الملوك، وابنُ الله، واللهُ الذي جاء في الجسد – أيِ اللهُ المُتجسِّدُ والأقنوم الثاني في الثالوث. بعبارة أُخرى، يجب علينا أن نرى اللَّاهوت في شخص الرب يسوع المسيح.

وواحدٌ مِنَ العوامل الرئيسيَّة في تقديم الدَّليل القاطع على أنَّ المسيح هو حقًّا المسيَّا هو أنْ يُبَيِّنَ أنه أقوى مِنَ القُوى غير المرئيَّة في العالم الخارق للطبيعة، أيْ أنهُ أقوى مِنْ جُنْد الشَّياطين. فإنْ كان الربُّ يسوعُ المسيح سيَفدي الأرض حقًّا، وإنْ كان سيعكِس اللعنة، وإنْ كان سَيُحْكِمُ سَيطرتَهُ على البشريَّة الساقطة، يجب أن يكون قادرًا على الانتصار على تلك القُوى التي تُسيطر على كل تلك الأشياء الآن. وهذا يُشير، بكل تأكيد، إلى الشيطان وأعوانه. لذلك فإنَّ الشخص الذي سيَرُدُّ كل ذلك ينبغي أن يَقهرَ قُوى العالم الخارقة للطبيعة. لذلك فإننا نَرى المَرَّة تلو الأخرى مِنْ خلال رواية الإنجيل أنَّ الكاتبَ يُقدِّم لنا أمثلةً على قُدرة يسوع على طرد الشياطين. فهو قادرٌ أن يفعل ذلك حالاً. وهو يفعل ذلك بسُلطان، ويفعل ذلك بكلمة، ويفعل ذلك بسهولة مُقدِّمًا لنا بذلك بُرهانًا واضحًا على أنه يستطيع أن يَنتصر على مملكة الظُّلمة. ومِنَ المُدهش [في نَظَري] أننا رأينا مِنْ قَبْل أنَّ يسوع المسيح تَمَكَّنَ من مقاومة الشيطان إذْ نقرأ في الأصحاح الرابع مِن إنجيل مَتَّى أنَّ الشيطان جاء لتجريبِ الربِّ. وقد درسنا ذلك سابقًا. وقد جَرَّبَهُ الشيطانُ في ثلاث تجارب مُحَدَّدة ورئيسيَّة. وفي كُلِّ مَرَّة، خَرَجَ الربُّ مُنتصرًا. لذلك فإننا نَعلم الآن أنَّ المسيحَ يَملِك القُدرة على مُقاومة الشيطان. وهو يَملُك القُدرة على دَحْر الشيطان. ويمكننا أن نقول إننا نَعرف الآن أنه واجه الشيطان ولم يَستسلم ولو مَرَّة. ولكنَّ قُدرَتَهُ تفوق ذلك. فالأمر لا يقتصر على أنه قادرٌ على دَحْر الشيطان، أو على منع الشيطان مِنْ القيام بشيءٍ ما أو مِنْ تحقيق شيءٍ ما. والأمر لا يقتصر فقط على أنه لم يَستسلم، بل إنَّ الأمر يَتعَدَّى ذلك لأنه جَعَلَ الشيطان وأعوانَهُ يَستسلمون له. فالأمر لا يقتصر على ما يعجز الشيطان عنِ القيام به، بل إنه يَتَخَطَّاه إلى ما يستطيع يسوع أن يفعله بالشيطان. وهذا هو ما سنراه هنا.

لقد رأينا كمال المسيح في تجربته. فهو لم يستسلم البَتَّة. والآن فإننا نَرى قُدرة المسيح إذْ إنه يُرْغِم الشياطين على الإذعان له. إذًا، هناك القُدرة على المُقاومة، وهناك قُدرة المسيح الغالِبَة إذْ نَرى كِلا هَذَيْنِ الجانِبَيْن مِن قُدرته على التَّصَدِّي لمملكة الظُّلمة. وبالمناسبة، لا أدري إن كُنتم تَعلمون مدى أهمية هذا الأمر. فربما نسيتم ما جاء في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 8 إذْ نقرأ: "لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ الله". والآنْ، إذا كنتم تَسمعونَ هذه الكلمات بوصفها تمهيدًا لما يأتي بعدها، يجب أن تُلاحظوا أنَّ هذا هو السَّبب الَّذي أُظْهِرَ لأجله ابنُ الله، وَهُوَ الآتي: "لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيس". بعبارة أُخرى، فقد جاء رَبُّنا إلى العالم لكي يَنْقُضَ أعمال إبليس. وعندما يُؤسِّس مملكتهُ في النِّهاية، فإنَّ هذا هو ما سيحدُث حرفيًّا: فسوف يُقَيِّد الشيطان وجميع أعوانِه مُدَّةَ 1000 سنة. وفي نهاية تلك المُدَّة، سيَجمعُهم جميعًا للهلاك الأبديّ. فقد جاءَ لكي يَنقُض إلى الأبد أعمال إبليس. ومِنْ خلال إخراجه للشياطين طوال خِدمته، كان يُعطينا أمثلةً عن تلك القُدرة العظيمة.

والحقيقة هي أنه قال في واحدة مِنَ المُناسبات: "إِنْ كُنْتُ بِأَصْبعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ". وقد قال ذلك في لوقا 11. لماذا؟ لأنَّ واحدةً مِنْ علامات الملكوت ستكون إلحاق الهزيمة بالشيطان. وهو يقول: "إن كُنتم تَرَوْنني أقوم بذلك، أعلموا أنَّ الملكوت قد جاء". لذا فقد جاء المسيح إلى العالم لكي يَنقُضَ أعمال إبليس. ومَتَّى يُريدُنا أنْ نَرى قُدرَتَهُ على القيام بذلك. لذا فإنه يُدَوِّن، بوحيٍ مِنَ الروح القدس، عمل المسيح العظيم هذا في الأصحاح الثامن مِنْ إنجيل مَتَّى.

والآن، اسمحوا لي أن أُضيف بعض الأفكار الأُخرى قبل أن نَنظر إلى هذا النصِّ تحديدًا. فقد كان التلاميذ أنفسُهُم يُدركون أنَّ هذا الأمر ليس سهلاً. والحقيقة هي أنه بالرغم مِن أنهم كانوا يُدرِكون في إنجيل مَتَّى 17: 19 أنَّ الرَّبَّ أَمَرَهُم بالقيام بذلك، فقد رَجَعوا إليه قائلين: "لا يُمكننا أن نقوم بذلك. لا يُمكننا أن نجعل الشياطين تستجيب لنا". لذلك، فقد كانوا يَعلمون أنهم يُواجهون مُشكلةً شخصيَّة في القيام بذلك بالرَّغم مِنْ حقيقة أنَّهم أُرْسِلُوا مِنْ قِبَل الرب. فهذا ليس بالأمر السهل. ولا ينبغي أن نفترِض أنه ما دامَ الربُّ قد فَعَلَ ذلك بتلك السهولة، فإنَّهُ سيكونُ سَهلًا بالنِّسبة إلينا. فهناك أشخاصٌ اليوم يَظُنُّون أنهم قادرون على التَّجَوُّل واستخدام بعض العبارات القصيرة لِطَرْد الشياطين؛ ولكنهم وَاهِمون! فَهُمْ، في المقام الأوَّل، لا يملكون هذه الموهبة الرسوليَّة. وَهُوَ ليسَ أمرًا سَهلاً.

كذلك، كان اليهودُ يُمارسون طَرْدَ الأرواح. فاليهود أنفسهم كانوا يَشتركون في محاولات طَرْدَ الشياطين. وقد كانت لديهم تعويذاتٌ، وأشياءٌ يَفعلونها، وطُقوسٌ وإجراءاتٌ مُعقَّدة. وَوَفْقًا لِما جاء في الأصحاح الحادي عشر مِن إنجيل لوقا، فإنَّ يسوع قال لهم: "فَأَبْنَاؤُكُمْ بِمَنْ يُخْرِجُونَ الشَّياطين؟" ونحنُ نلتقي عددًا مِن هؤلاء في سفر أعمال الرُّسُل مِمَّن كانوا يَجولون ويحاولون أن يطْردوا الشياطين. وقد كانوا يفعلون ذلك بخوف. وكانوا يفعلون ذلك وهم يَشعرون بالذُّعر. وكانوا يفعلون ذلك وهم يشعرون بالرُّعب. وكانوا يفعلون ذلك بإخفاقٍ شديد أو شِبْهِ كامل. لذلك عندما جاء يسوع وابتدأ يَشفي، فإنَّ الكتاب المقدَّس يقول إنهم تَعَجَّبوا [حرفيًّا] مِن قُدرته على طرد الشياطين بتلك الطريقة. فعلى سبيل المثال، نقرأ في إنجيل مَرقُس 1: 27: "فَتَحَيَّرُوا كُلُّهُمْ، حَتَّى سَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: «مَا هذَا؟ مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ؟ [أيْ: ما هذه الصِّيغة؟] لأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ يَأمُرُ حَتَّى الأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ!»" وكما تَرَوْن، فإنَّه لم يكُن يكتفي بِطَرْدِهِم فقط. فربما نجح اليهودُ في القيام بذلك في وقتٍ ما إنْ كانوا أشخاصًا أتقياء حقًّا. ولكنَّ الأمر لم يقتصر على قيامه بذلك، بل إنَّ الأمر كان يختصُّ أيضًا بالسهولة التي كان يفعل فيها ذلك. فقد كان يفعل ذلك بسلطانٍ مُطلق. وقد كان يفعل ذلك بِقُدْرَةٍ صَدَمَتْهُم. والحقيقة هي أنه كان يفعل ذلك بسهولة تامَّةٍ وكان يفعل ذلك بسلطانٍ دَفَعَهم إلى الاستنتاج بأنه كان مُتآمرًا مع الشياطين وأنَّ الأمر بِمُجمله خُدْعة. وربما تذكرون أنهم قالوا في لوقا 11 إنه يُخرج الشَّياطين بقوَّة رئيس الشَّياطين: "إنَّ هذه خَديعَة، أيُّها النَّاس! فلا يَخْدَعَنَّكُمْ ذلك. فهذا الرَّجُل مِنَ الشَّيطان. فلا يمكنه أنْ يَحصل على مِثْلِ هذا التَّعاون مِنَ الشَّياطين إلَّا إذا كان مُتآمرًا معَهم". لذا فإنَّ الأمر لم يكُن يقتصر على قيامه بذلك، بل إنه كان يفعل ذلك حالاً وبسلطانٍ تامٍّ ومُطلقٍ يَفوق أيَّ شيءٍ رأَوه بحسب خِبرتهم البشريَّة. وكان ذلك يُدهِشهم، ويُحيِّرهم، ويُذهِلُهم.

والآن يجب أن تَتذكَّروا أنَّ مَتَّى يُريد مِنَّا أنْ نَرى أنَّ المسيح هو ذاك الذي يَقدر أنْ يَعكس اللعنة وأنْ يُؤسِّس الملكوت. لذا فإنَّ مَتَّى يُرينا أمثلةً على قُدرته. فذاك الذي سيُؤسس ملكوت الله ينبغي أن يكون قادرًا على شِفاء الأمراض. وقد كان يسوع قادرًا على القيام بذلك. ويجب أن يكون قادرًا على مُواجهة قوى الطبيعة. وقد فعل يسوع ذلك عندما هَدَّأ البحر (وهي المُعجزة الأخيرة التي دوَّنها مَتَّى). وينبغي أن يكون قادرًا على رفع الخطيَّة. وسوف تكون هذه النقطة الجوهريَّة في المُعجزة المذكورة في الأصحاح التاسع. ويجب أن يكون قادرًا على الانتصار على الموت (وَهُوَ سيفعل ذلك أيضًا في الأصحاح التاسع). وهنا، يجب أن يكون قادرًا على إلحاق الهزيمة بالشياطين. لذلك فإنَّ مَتَّى يُقدِّم لنا هذه المعجزاتِ التِّسْع في الأصحاحَيْن الثامن والتاسع لكي يُبيِّن لنا أَوْجُه عَظَمة المسيح وقُدرته المجيدة.

والآن، لننظر إلى هذا المقطع تحديدًا. وهناك ثلاث كلمات أو عبارات رئيسيَّة تُساعد في تبسيط النص وهي: سُكْنَى الشياطين، والقدرة، ورَدّ فِعْل الناس. فهُناك سُكنى الشياطين، وقُدرة المسيح، ورَدّ فِعْل الناس. فهذه هي الأشياء الثلاثة التي نراها. وعندما نَتَفَحَّص القصة، نَرى أنَّ يسوع قد عَبَرَ بُحيرة الجليل في قاربٍ صغير مع بعض التلاميذ. وكانت هناك قوارب أُخرى تتبعه حينما جاءوا مِنْ كفرناحوم. فقد غادروا كفرناحوم بعد يومٍ زاخرٍ بالأحداث (وهو يوم السبت) حيث حدثت شِفاءات كثيرة. وعندما وصلوا إلى مُنتصف بُحيرة الجليل كان الظلام قد خَيَّم، وهبت عاصفةٌ، وقام يسوع بتهدئة العاصفة. وبعد أن هَدَأَ البحر بعد أن قال له يسوع "أُصْمُت"، تابعوا رحلتهم إلى الشاطئ الشرقيّ. وربما كانَ فَجْرُ يومٍ جديد قد بَزَغَ لأنَّ الشمس تُشرق في وقتٍ مُبْكِرٍ جدًّا في ذلك الجزء مِن العالم. وربما كان الوقت آنذاك الخامسة إلَّا رُبْع فجرًا. وعند فَجْرِ يومٍ جديد، وصلت القوارب الصغيرة إلى الشاطئ فوجدوا أنفسهُم أمام مَوقِفٍ عَجيبٍ جدًّا.

ولننظر إلى ما جاء في العدد 28 عنِ استقبال الشَّياطين له - عنِ استقبال الشَّياطين له: "وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْعَبْرِ إِلَى كُورَةِ الْجِرْجَسِيِّينَ، اسْتَقْبَلَهُ مَجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ الْقُبُورِ هَائِجَانِ جِدًّا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَجْتَازَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ". وسوف تلاحظون أنَّ النَّصَّ يقول: "وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْعَبْرِ" [أيْ إلى الضِّفَّة الأخرى مِنْ بُحيرة الجليل] "إِلَى كُورَةِ الْجِرْجَسِيِّينَ". وقد اختلطَ هذا الأمر على بعض النَّاس لأنَّ بعض التَّرجمات تَستخدِم الكلمة "جِرْجَسِيِّين"، والبعض الآخر يَستخدم الكلمة "جَدَرِيِّين"، والبعض يَستخدم الكلمة "جَرَاسِيِّين". فهل هي: "جرْجَسِيِّين" أَمْ "جَدَرِيِّين" أَم "جَراسِيِّين"؟ وقد تقول: "هذا أمرٌ لا يَهُمُّني". ورُبَّما كنتَ على صواب! ولكن يجب علينا أن نتحقَّق مِنْ أنَّ ما يقوله الكتابُ المقدَّسُ صحيح. أليس كذلك؟ وإليكم أفضل وأبسط طريقة لفهم ذلك: فعلى السَّاحل الشماليِّ الشرقيِّ لبُحيرة الجليل، هناك قرية صغيرة اسمُها "جِرْجَسَة"، وهي تبعد نحو ستَّة أميال عن كفرناحوم مِنَ الجهة الشماليَّة. وهي قرية صغيرة غير معروفة. ولكنَّ طبيعة التَّضاريس والمنطقة تُوافِقُ القصَّة هنا. فهناك مُنحدرات صخريَّة مُطِلَّة على البحر قد يَصِلُ إليها قَطيعٌ مِنَ الخنازير ويَقفِز من فوقها ويَموت. وهذا يُلائم طبيعة المنطقة جُغرافيًّا. أمَّا مدينة "جَدَرَة" الَّتي تُشير إليها بعض التَّرجمات الأخرى فتُشير إلى بلدة واقعة إلى الجنوب بعيدًا عن البحر ولا تُوافِق السِّياق. لذلك يَرى أُناسٌ أنَّ التَّرجمات الَّتي تَذكُر الكلمة "جِرْجَسِيِّين" أو "جَرَاسِيِّين" إشارةً إلى قرية "جِرْجَسَة" هي ترجمات صحيحة، وأنَّ التَّرجمات الَّتي تَذكر الكلمة "جَدَرِيِّين" هي ترجمات خاطئة لأنَّهُ مكانٌ مُختلف. لذا فإنَّ أفضلَ وأبسطَ حَلٍّ هو الآتي: إنَّ بعض التَّرجمات تُشيرُ إلى القرية، وبعض التَّرجمات تُشير إلى البلدة بأسْرِها. لذا فإنَّنا نقرأ عن كورة الجَدَرِيِّين لأنَّها كانت بلدة كبيرة. ومعَ أنَّ البلدة الكبيرة كانت بعيدة عن البحر فإنَّ الضواحي كانت تمتدُّ إلى الشَّاطئ ورُبَّما تحمل الاسم نفسه. لذلك، في كُورة الجَدَرِيِّين بالقرب من قرية "جَرْسَة" أو "جِرْجَسَة" (وَكِلاهُما صَحيح)، جاءَ يسوعُ وتلاميذُهُ. وبالمناسبة، فإنهم لم يجيئوا إلى أيِّ مكانٍ قديمٍ اعتباطًا، بل إنَّ ذلك كان بترتيبٍ إلهيٍّ.

إذًا فقد جاءت القوارب الصغيرة إلى الشاطئ فاستقبلهُ مجنونان. ومَرقُس ولوقا يذكُران لنا مجنونًا واحدًا مِنَ الاثنين فقط لأنَّ تركيزهما كان مُنْصَبًّا على ذلك الشخص. لكنَّ أيًّا منهما لا يقول إنَّه كان هناك مجنونٌ واحدٌ فقط. فمن الواضح أنه كان هناك مجنونان، ولكنَّ واحدًا منهما هو الشخص الرئيسيّ الذي يجري معه الحوار في الأصحاح الخامس من إنجيل مَرقُس. أمَّا مَتَّى فيُخبرنا عن وجود مجنونَيْن. ولكنَّ البَشِيرَيْن الآخَرَيْن يُرَكِّزان على الشخص الذي تَكَلَّمَ والذي كان مَرْكِز الاهتمام.

والآن، ما معنى الكلمة "مجنون" هُنا؟ إنَّ الكلمة اليونانيَّة هي كلمة واحدة وهي تعني: "مَسْكُونٌ بالشياطين" - مَسْكُونٌ بالشياطين: ("دِيامَنيتزامينَس" [daimonizomenous])، أيْ: "مَسْكونٌ بالشَّياطين". وما معنى أن يكون الشخص مَسْكونًا بالشياطين؟ عندما نقول اليوم إنَّ شخصًا ما مَسْكونٌ بالشياطين ما الذي نعنيه بذلك؟ قد يقول بعض الناس إنَّ الهَوَسْ شيء، وإنَّ الجُنون شيء، وإنَّ سُكْنى الشياطين شيء آخر. ولكنَّ الكتاب المقدَّس لا يُفَرِّق بين هذا وذاك. فسُكنى الشياطين تعني أن يكون المرء خاضعًا لسيطرة الشياطين سواء كانوا في الدَّاخل هنا، أو في الدَّاخل هنا، أو خارج أُذُنيك، أو كانوا يخرجون ويدخلون كما يَشاؤون - لا أدري! فهناك حالات كثيرة، ولكنها ليست مُحدَّدة جدًّا. فسُكْنى الشياطين تعني أن يكون الشخص تحت هيمنة الأرواح الشريرة.

والشياطين تقدر أن تفعل أمورًا كثيرة بالناس. ونحن نَعلمُ ذلك. فَهُمْ قادرونَ أنْ يُجَرِّبوهم. فهذا هو ما يفعلونه بالناس. فَهُمْ يُجَرِّبوهم. ولكي ينجحوا في تجريبهم، يجب عليهم أن يَدخلوا أذهاننا ويَعبثوا بأفكارنا. وهم قادرونَ أن يُصيبوا الإنسان بالمرض. وقد سَمَّى بولُس ذلك المرض، أو تلك الشَّوْكَة الَّتي في الجَسَد: "مَلاَك الشَّيْطَان لِيَلْطِمَنِي". لذا فإنَّ الشياطين يملكون القدرة على مُهاجمتنا جسديًّا. وهُمْ يملكون القدرة على مُهاجمتنا رُوحيًّا، وهُمْ يملكون القدرة على مُهاجمتنا فِكريًّا لأنَّ الكتاب المقدَّس يُخبرنا أنَّ تعاليم الشياطين موجودة لتحريف الحَقِّ وإيقاع الناس في الوثنيَّة والخطأ. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ الكتاب المقدَّس يتحدث عن هذه الجوانب الجسديَّة والفكريَّة والروحيَّة، ورَكَّزنا على الجانب الجسديِّ، نجد أنَّ هناك أمثلةً توضيحيَّةً في العهد الجديد تُبَيِّنُ أنَّ الشياطينَ يُصيبونَ النَّاسَ بالبكم (كما جاء في مَتَّى 9) إذْ يَعجزُ الشخصُ عن الكلام. وَهُمْ يُصيبونَ النَّاسَ بالعَمى (كما جاء في إنجيل مَتَّى 12)، وبالاعتلالاتِ الجسديَّةَ (كما جاء في لوقا 13)، وبالصَّرَع (كما جاء في مَتَّى 17). فهُم قادرون أن يهاجموا الجسد. وهم قادرون أيضًا (كما قُلت) أن يُهاجموا الذِّهِنَ أوِ العقل. فَهُمْ قادرون أن يُصيبوا النَّاس بالجُنون [كما فعلوا في هذه الحالة]. وهُم قادرون أن يدفعوا النَّاسَ إلى الانتحار [كما جاء في إنجيل مَرقُس والأصحاح التاسع] إذْ إنَّ الشخص الذي كان مسكونًا بالأرواح الشريرة كان يحاول دائمًا أن يقتل نفسه. وهُمْ قادرون أن يجعلوا الشخص عِدائِيًّا - كما رأينا في هذه الحالة إذْ نقرأ في الأصحاح الخامس مِن إنجيل مَرقُس أنَّ ذلك المَجنون كان "يَصِيحُ وَيُجَرِّحُ نَفْسَهُ بِالْحِجَارَة". وهُمْ قادرون أن يَقتلوا كما جاء في الأصحاحَيْن التاسع والثامن عشر مِن سفر الرُّؤيا. لذا فإنَّ الشياطين قادرون أن يُصيبوا أجساد النَّاس بالأمراض وأن يُضِلُّوا عُقولهم.

كذلك، فإنهم قادرون أن يُهاجموا الجانب الروحيَّ. فهم يُحَرِّفونَ الحَقَّ، ويُرَوِّجونَ للديانات الباطلة والممارسات السحريَّة وجميع أشكال السلوكيَّات المُنحرِفة. وهُمْ يُنْتِجونَ الشَّرَّ دائمًا وكُلَّ ما يَعْقُب ذلك مِنْ رَذيلة. والآن، سأحاول أن أُقَدِّم لكم تعريفًا عن سُكْنى الشياطين قد يُساعدُكم. وبالمناسبة، إذا حاولتم أن تفهموا هذا الأمر فهمًا كاملاً فإنكم ستهدرون وقتكُم، يا أحبَّائي، لأنه يجب عليكم أن تُدركوا أنَّ هذا الأمر هو أمرٌ خارقٌ للطبيعة ولا يُمكننا أن نفهم عنه أكثر مما يُخبرنا به الكتاب المقدَّس. ولكنَّ هذا التعريف قد يُساعدكم: "إنَّ سُكنى الأرواح الشريرة هي حالة يسكُن فيها شيطانٌ أو أكثر جسد إنسان. وقد تتحكم هذه الشَّياطين بذلك الشخص إنْ سَمَحَ لها بذلك". فهذا هو معنى "سُكْنى الشياطين". وقد تكون هناك درجات مُختلفة وأنواع مُختلفة، ولكنَّ هذا هو المعنى الرئيسيّ المقصود. وبالمناسبة فإنَّ الكلمة اليونانيَّة "دِيامَنيتزامينَس" (daimonizomenous) تُستخدَم اثْنَتا عشرةَ مَرَّة في العهد الجديد، وهي تعني: "مَسْكونٌ بالشياطين". وقد أَقَرَّ رَبُّنا بِصحَّة ذلك. والكتاب المقدَّس يُقِرُّ بأنَّ هذه حقيقة. والحقيقة هي أنَّ موهبة القيام بالمعجزات في الكنيسة الباكرة (أو تحديدًا مواهب "عَمَل القُوَّات") كانت هي القُدرة على إخراج الشَّياطين. فقد كانت تلك مشكلة رئيسيَّة في حياة الناس. والشيء الذي يُدهشني دائمًا في جميع تلك الحوادث المُختصَّة بسُكْنى الشَّياطين في العهد الجديد هو أنَّه لا توجد حادثة واحدة منها حَدَثَتْ (أو دُوِّنَ أنها حَدَثت) في مدينة أورشليم. ولا أدري تمامًا إن كانت هذه نقطة مهمَّة، ولكِنْ يبدو أنها كذلك. فعندما تنظرون إلى الأمر في ضوء حقيقة أنه لم تحدث حادثة واحدة في أورشليم، وأنَّ جميع الحوادث الأخرى حدثت في بيئات ريفيَّة، فإنَّ هذا قد يَعني أنَّ الشيطان قادر على التَّأقلُم مع بساطة أو تعقيد أيِّ بيئة يوجد فيها في المجتمع. فعلى سبيل المثال، فإنَّ المُرْسَلين يرجِعون مِن رِحْلاتِهِم ويُخبروننا عن تلك الحالات الشائعة جدًّا مِن سُكْنى الأرواح الشريرة (مَعَ أنَّها قد تبدو أمرًا غريبًا بالنِّسبة إلينا). أمَّا أنا، مَثَلاً، فلم أَشْهَدْ طَوال حياتي سوى حادثة واحدة تختصُّ بسُكنى الأرواح الشريرة في امرأة إذْ إنِّي تَكَلَّمْتُ معَ سبعة شياطين مُختلفة كانت تتحدَّث مِنْ خلال تلك المرأة. وتلك هي المَرَّة الوحيدة التي حدث فيها هذا الأمر. وإذا حاولتُ أنْ أَتَتَبَّعَ ذلك وأن أبحثَ عن ذلك، مِنَ المُحتمل أنِّي سأجد حالات أكثر. ولكن يبدو أنَّ هذا ليس أمرًا شائعًا في المُجتمعات المُتمدِّنة. فالشيطان يعمل بِطُرق أخرى. ولكِنْ في المُجتمعات الأقلّ تعقيدًا والأكثر بساطةً، يبدو أنَّ هذا الأمر أكثر شُيوعًا. فمثلاً، في المجتمعات التي تكثُر فيها الديانات الوثنيَّة، هناك خوفٌ أكبر لأنَّ كل تلك الآلهة الوثنيَّة هي آلهة تمتلك عناصر شِرِّيرة بطبيعتها. لذلك ينبغي إرْضاؤُها. وعندما تُعَبِّر تلك الآلهة عن نفسها بطرق شريرة فإنها تَزرع الخوف في قلوب النَّاس وتُرغمهم على تحقيق ما تُريد. وعندما يَتصرَّفُ الناسُ في مُجتمعنا بهذه الطريقة فإننا نَحجزهم في مكانٍ صغيرٍ مُغلَقٍ ونَعزلُهم عنِ المجتمع. فنحن نُقْصيهم بعيدًا عَنَّا، ونَحبسُهُم، ونُخفيهم في مكانٍ ما، ونَتجنَّبهُم لكي لا يتركوا تأثيرًا في مجتمعنا أكبر مِنْ ذلك التَّأثير الَّذي قد يتركونه لو كانوا أقلَّ جُنونًا أو أكثرَ اتِّزانًا (إنْ شِئْتُم). أمَّا في هذا المجتمع الريفيّ الذي نقرأ عنه هنا، فإنَّ هَذَيْنِ المَجْنونَيْن كانا يُثيرانِ المتاعب حقًّا.

والآن دَقِّقوا النَّظر في هَذَيْن الشخصين المِسكينَيْن. واسمحوا لي أن أُضيف هذه الفكرة: عندما يَسْكُنُ الشيطانُ إنسانًا فإنَّ شخصية الشيطان تَطغى على شخصية ذلك الشخص. ففي رواية مَرْقُس، عندما قالَ يسوع لذلك الشخص: "مَا اسْمُكَ؟" أَجَابَ الشَّيطانُ قائِلاً: "اسْمِي لَجِئُونُ". بعبارة أخرى: "نحنُ كَثيرون". فالشخص يَعجز حتَّى عنِ التكلُّم. وقد رأيتُ مَرَّةً تلك المرأة التي كانت تسكُنُها تلك الشياطين. وعندما كنتُ أَطرحُ عليها أسئلةً، كنتُ أَسمعُ سبعة أصوات مُختلفة على الأقلّ. وكان لكُلِّ صوتٍ اسمٌ مُختلف. وحتَّى إنَّها كانت عاجزة عن التكلُّم بصوتِها. وهذا هو ما يحدث بصورة أساسيَّة في هذه الحالة. فَسُكنى الشياطين تعني أنَّ شخصيَّةً جديدةً شِرِّيرةً جدًّا تَطغى على شخصيَّة الإنسان. وهي قد تأتي وتذهب أو قد تَسكُنُ في الإنسان بصورة دائمة. وأنا على يقين بأنَّ أشخاصًا كثيرين في مُجتمعنا يتمُّ تشخيصُهم بأنهم مَرضى عقليًّا، ولكنهم في الحقيقة مسكونون بالأرواح الشريرة. وأودُّ أن أقول إنَّ الحلَّ لهؤلاء هو الحل الموجود دائمًا. فالشخص الوحيد الذي يقدر أن يُخرِج تلك الشياطين ويتغلب عليها هو الربُّ يسوعُ المسيح.

ثُمَّ انظروا أين كان هذان المَجنونان المِسْكينان يَعيشان (بحسب ما جاء في العدد 28). فقد خَرَجا مِنْ بين القُبور. هل تَتخيَّلون ذلك؟ وما أعنيه هو أنني إذا اقتربتُ مِنْ قَبْرٍ في الليل أو مَشَيْتُ في ذلك الشارع فإنَّ جسدي يَقْشَعِرّ. ولكنَّ هَذَيْن الرَّجُلَيْن كانا يعيشان بين القبور! وبالنسبة إلى اليهود فإنَّ النجاسة التي تَفوقُ أيَّ نجاسةٍ أُخرى هي أن تَلْمَسَ جَسَدًا مَيِّتًا. لذلك، كم كانت حالةُ هَذَيْنِ الرَّجُليْنِ المِسكينَيْنِ صعبة إذْ كانا يعيشان بين القبور؟ وبالمناسبة، في تلك المنطقة المعروفة بشدة مُنْحَدَراتِها عند الشاطئ الشرقيِّ لبحر الجليل، كانتِ القبور منحوتةً طبيعيًّا، أو كان الناس يَنحتونها في الصخر ويستخدمونها كقبور. وقد كان هَذان الرَّجُلان يعيشان في القبور. ونحن نقرأ أنهما كانا هائِجَيْن جدًّا. وهذا يعني أنهما كانا عَنيفَيْن. فقد كانا مَجنونَيْن وَشَرِسَيْن. وإذا دَرَسْتُم الروايات الأخرى ستعرفون المزيد عنهما.

فنحن نقرأ في إنجيل لوقا 8: 27 أنهما لم يكونا يَرتديان أيَّة ملابس. فقد كانا عُريانَيْن. والآن، استمعوا إليَّ: أنا أعرف أنَّ هناك أُناسًا يقولون: "لا عَيْبَ في ذلك. فأنا أَنتمي إلى نَادي العُراة الفُلانيّ". ولكنَّ الكتابَ المقدَّس يُبَيِّنُ لنا أنَّ الأشخاص الوحيدين الذين كانوا يَجُولون وهم عُراة هُمُ المجانين (وأرجو أن يُساعدُكم ذلك). فَهُما لم يكونا مُتَّزِنانِ اجتماعيًّا. وهُما لم يكونا يَشعُران بأهميَّة أنْ يَحْتَشِما. فقد كانا مَجْنُونَيْن تمامًا. ونحن نقرأ في الأصحاح الخامس مِن إنجيل مَرقُس أنَّ النَّاسَ حاولوا أن يُقَيِّدوا هَذَيْن الرَّجُلَيْن بِسلاسل، ولكنَّ مُحاولاتِهم باءت بالفشل. فأيًّا كانت قُوَّة السلاسل، كانا يُقَطِّعانها. فقد كانا يمتلكانِ قُوَّةً هائلة.

ولنْ أَنسى يومًا تلك الفتاة التي كُنَّا نتحدث إليها. فقد قَلَبَتْ بإصبَعَيْنِ فقط المكتب الثَّقيلَ الموجود في الغرفة على رأس واحدٍ مِنَ الرجال هناك. فقد كانت تَملِك قوَّةً هائلة. ونحن نقرأ في الأصحاح الخامس مِن إنجيل مَرقُس أنَّ هَذَيْن الرَّجُلَيْن كانا يَصرُخان، ويُجَرِّحان نَفْسيهِما، ويؤذيان نَفْسيهِما، ويَضربان نفسيهما بالحجارة الحادَّة. وقد كانا يَصيحان ويَصرُخان بصوتٍ عالٍ. ونحن نقرأ الكلمة "كراتزو" (krazo) وهي تعني صُراخًا غير مفهوم. وربما اتَّضحت لكم الصورة الآن. أليس كذلك؟ فقد كانا عُريانَيْن، ويُجَرِّحان نَفسيهما بالحجارة، ويصرُخان، ويَركُضان على طول تلك المُنحدرات، ويمتلكان قوَّة هائلة. وبسبب ذلك، نقرأ أنَّ أحدًا لم يكُن يجرؤ على السَّيْر في ذلك الطريق. والحقيقة هي أنني أرجو ألَّا يَسيرَ أحدٌ هناك، وألَّا يَمشي أحدٌ في ذلك الطريق. فعندما كان أيُّ شخصٍ يَمشي هناك، كان هذانِ المَجنونان يَخرجان مِنْ بين القبور ويصرُخان بأعلى صوتهما في ذلك المُنْحَدَر. وهل تَعلمون ما الذي حدث؟ لقد خرجتِ الشياطينُ لاستقبال القادِمِين. فقد رَأَوْا القوارب الصغيرة فخرجوا لاستقبالِ القادِمين. فقد خرجوا مِنْ تلك القبور وراحوا يَصرُخون. ثُمَّ حدثَ شيءٌ مُفاجئٌ!

فنحن نقرأ لا عن استقبال الشياطين فحسب، بل عن اعتراف الشياطين أيضًا في العدد 29: "وَإِذَا هُمَا قَدْ صَرَخَا قَائِلَيْنِ: مَا لَـنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ؟" توقَّفوا هنا. فما قَصَداهُ حقًّا بحسبِ النصِّ اليونانيِّ هو: "لماذا تُضايِقُنا؟ لماذا أنتَ هُنا؟" وهل تَعلمونَ ما جاءَ في إنجيل مَرقُس؟ نقرأ في إنجيل مرقس 5: 6: "فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ مِنْ بَعِيدٍ رَكَضَ وَسَجَدَ لَهُ" – "بروسكونيئو" (proskuneo). فقد جَثَيا، وانْطَرَحا، وسَجَدا لَهُ. ومنَ المدهشِ أنهما سَجَدا ليسوع! ولكنَّهما فعلا ذلك! فالكلمة "بروسكونيئو" تَعني تَقبيل اليد، والرُكوع على الرُّكْبَتَيْن، وطأطأة الرَّأس إلى الأرض. فهي كلمة تُشير إلى الإجلال العَظيم، والتَّوقير، والاحترام، والعبادة. وقد تقول: "ولماذا فَعَلا ذلك؟" لأنهما عَلِما تمامًا من يكون. اسمعوني: إنَّ الشياطين هي ملائكة ساقطة. فقد كان هؤلاء الشياطين ملائكة قدِّيسين قبل أن ينضموا إلى إبليس في تمرُّده، وكانوا يخدمون الله، وكانوا يعرفون الأُقنوم الثاني في الثالوث. لذلك لم يكونوا بحاجة إلى مُساعدة فيما يختصُّ بمعرفة المسيح. فقد كانوا يعرفونه ويعرفون أنه خصمُهم، وأنه ديَّانُهم، وأنه مَنْ سيُهلِكُهُم. لذلك فقد قالا: "لماذا جئتَ إلى هذا المكان لمضايَقَتِنا؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا لِتُعَذِّبَنَا [ثُمَّ استمعوا إلى هذا] قَبْلَ الْوَقْت؟" فقد كانت تلك الأرواح تعرف الأمور المستقبليَّة معرفة صحيحة. فقد قالوا: "لقد جئتَ قبلَ الأوان". فقد كان هؤلاء الشَّياطين يؤمنون بأنَّ الضِّيقة العظيمة ستحدث قبل المُلْك الألفيّ: "إنَّ الوقتَ لم يَحنْ بعد. فقد جئتَ قبلَ الأوان. أَجِئْتَ إِلَى هُنَا لِتُعَذِّبَنَا قَبْلَ الْوَقْتِ؟" فكِّروا في ذلك! فتلك الكائنات قد حُكِمَ عليها بالدَّينونة إلى أبد الآبدين. وَهُمْ يعرفون ذلك. وَهُمْ يَحتقرون يسوع، ويُبغضونه، ويكرهونه، ولكنهم يَسجُدون له رُغْمًا عنهم بسبب قُدرته. فَهُمْ لا يستطيعون أن يُقاوموا ذلك. وكما تَرَوْن، فإنهم يعرفون ما جاء في رسالة فيلبِّي 2: 10 - أيْ أنه ينبغي أن يُعْبَد وأنَّ كُلَّ رُكْبَة ستَنحني له: ليس فقط مِمَّن فوق الأرض وعلى الأرض، بل أيضًا ومِمَّا تحت الأرض. وقد كانوا يعرفون بديهيًّا أنهم يقفون في حضرة الأقنوم الثاني في الثالوث. وقد كانوا يعرفون بديهيًّا أنهم يقفون هناك أمام قُدُّوس الله الذي يَقدر أن يُهلِكَهُم. لذلك فقد قالوا: "لا يُعقل أنَّ هذا يحدُث. فالوقتُ لم يحِن بعد". وحتَّى أنهم كانوا يعرفون خُطة الفداء. اسمعوني: لقد كان هؤلاء الشياطين يَفهمون اللَّاهوت أفضل مِن أُناسٍ كثيرين. فهم يعرفون إنَّ هذا هو المسيح ابن الله الحيّ. وأنا أَعرفُ بعض البِدَع مِمَّن لا يَعرفون ما يعرفه الشياطين. وقد كان هؤلاء يعرفون الخُطَّة المُستقبليَّة ويعرفون أنهم محكومٌ عليهم بالهلاكِ الأبديّ.

لذلك فقد سَجدوا للمسيحِ الَّذي سيَدينَهُم. وهذا أمرٌ مُدهشٌ جدًّا بالنسبة إليّ. وهذا قد يُفسِّر أحيانًا حقيقة أنَّ الشياطين يَبدون قادرين أحيانًا على التنبُّؤ بالمستقبل مِن خلال الوسطاء وأشخاصٍ آخرين. فربما تَمَّ إطلاعُهم [بطريقةٍ ما] على الخُطَّة الإلهيَّة، ورُبَّما يمكنهم أحيانًا أن يتوقَّعوا ما سيحدُث. فقد كانوا يَتقدَّمونَ كثيرًا حتَّى على تلاميذ الرب. فَسِفْر الرؤيا لم يكُن قد كُتِبَ بعد. والتلاميذ لم يكونوا واثقين تمامًا متى ستحدُث كل هذه الأشياء. أمَّا هُمْ فكانوا يعرفون. ومِنَ المُدهِش بالنسبة إليَّ أنهم يُخاطبونهُ قائلين في العدد 29: "يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ". ويا لها مِنْ كلمات مُهمَّة جدًّا! فهل تعلمون أنَّ العبارة "ابنَ الله" مُرادفة لكلمة "المسيَّا"؟ فنحن نقرأ في إنجيل مَتَّى 16: 16: "فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!»". وقد كان هذا هو ما قالهُ الآبُ مِنْ خلال بُطرس. فقد كان ذلك إعلانًا إلهيًّا بأنَّ المسيَّا هو ابنُ اللهِ الحيّ. لذلك عندما قالا: "أنتَ ابنُ الله" كانا يقولان في الحقيقة: "أنتَ الملك، وأنتَ المسيَّا، وأنت المَمْسوح، وأنت المسيح". ولا ينبغي أن تُدهَشوا. فنحن نقرأ في رسالة يعقوب 2: 19 أنَّ الشَّيَاطِينَ "يُؤْمِنُونَ" وماذا؟ "وَيَقْشَعِرُّون" لأنهم يعرفون النَّتيجة. فقد كانوا يعرفون ما سيحدث.

واسمحوا لي أن أقرأ لكم ما جاء في إنجيل لوقا 4: 41 إذْ نقرأ: "وَكَانَتْ شَيَاطِينُ أَيْضًا تَخْرُجُ مِنْ كَثِيرِينَ وَهِيَ تَصْرُخُ وَتَقُولُ: «أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الله!» لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ أَنَّهُ الْمَسِيحُ". وهذا رائع! فقد كانوا يعرفون. وقد كانوا يَعلمون يقينًا أنهُ محكومٌ عليهم بالعذاب في النار الأبديَّة. فكيف سينجون؟ ولا أظن أنهم فكَّروا يومًا أنهم سينجون. فقد كانوا يعرفون قُدرة الله. وقد تقول: "ولكِنْ لماذا هاجموا المسيح؟ ولماذا جرَّبوا المسيح؟" هل تعلمون ما هُوَ رأيي الشَّخصيّ؟ أعتقد أنهم ظَنُّوا أنه بمقدورهم أنْ يَجُرُّوا المسيحَ معهم إلى الهاوية إن تَمَكَّنوا مِنْ جَعْلِهِ يُخطئ. فقد كانوا يكرهونهُ جدًّا ويرغبون في جَرِّهِ إلى الهاوية. ولكنهم لم يكونوا قادرين على مَسِّ لاهوتِه. لذلك، ربما فكَّروا في التغلُّب عليه في ناسوتهِ! ولكنهم لم يتمكنوا مِن ذلك.

وبعد استقبالِهم له واعترافِهم به، نأتي إلى طِلْبَتِهِم في العدد 30. فقد طَلبوا شيئًا. وَهُوَ طَلَبٌ غَريب: "وَكَانَ بَعِيدًا مِنْهُمْ قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى. فَالشَّيَاطِينُ طَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنَا" – فقد كانوا يَعلمون أنَّ ذلكَ الأمر سيحدث حتمًا، وكانوا يَعرفون كُلّ شيء عن رِقَّته ومحبَّته وتعاطُفه معَ الأسرى: "إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنَا فَأْذَنْ لَــنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ". ويا له مِن طلبٍ غريب! وما أعنيه هو: ما الفائدة الَّتي حَقَّقوها مِنْ ذلك؟ خِنْزيرٌ مسكونٌ بالشيطان؟ فالخنزير يبقى خِنزيرًا. إنه خِنزير. أليس كذلك؟ فكيف تُميِّز خِنزيرًا مسكونًا بالشياطين عن أيِّ خِنزيرٍ آخر؟ وما الهدف مِن ذلك؟ قد تقول إنَّ الشياطين تُريد أنْ تَسكُنَ في شيءٍ ما وحسب. وربما كان هذا صحيحًا. فربما أرادوا ذلك. ولكنْ مَرَّةً أُخرى، فإننا لا نعرف لماذا طلبوا ذلك. فربما يُفَضِّلون السَكَنْ في مكانٍ ما. وربما ظَنُّوا أنَّ ذلك سيكون تنازلاً لطيفًا: "إن كنتَ لا تُريدُ أن نؤذي الناس، سنَرضى أن نَسكُنَ في الخنازير. ولكنَّنا نرجوك ألَّا تُرسلنا إلى الهاوية". فقد كانوا يَخافونَ مِنَ المسيح. وقد كانوا يرتعبون منه. وهم لم يُريدوا أن يذهبوا إلى الهاوية: "اسمح لنا فقط أن نسكُن في شيءٍ أقل أهميَّة". وقد كان أقلُّ الأشياء أهميَّةً يُمكنهم أن يُفكِّروا فيه هو الخنازير لأنَّها [بصراحة، يا أحبائي] ليست مُحَلَّلَة، ولأنه لم يكُن يُسمَح لليهود بتربية الخنازير في ذلك الجزء مِنَ البلاد بأيِّ حال مِن الأحوال.

وقد كان ذلك جزءًا مِن المعايير اليهوديَّة في ذلك الوقت. ولم يكُن ذلك قد أُبْطِل، ولكِنْ مِنَ المُرجَّح جدًّا أو المُحتمل جدًّا أنَّ بعض اليهود كانوا يملكون تلك الخنازير. وقد كان ذلك مُخالِفًا لشريعة الله. وبالمناسبة، نقرأ في إنجيل مَرقُس 5: 13 أنَّ ذلك القَطيع كان يَضُمُّ نحو أَلْفَي خِنزير. لذلك فقد كان قطيعًا كبيرًا مِنَ الخنازير. وهذا يعني أنَّه كان يوجد عددٌ كبيرٌ مِنَ الشياطين: "أرسلنا إلى قَطيعِ الخنازيرِ ذاك". والحقيقة هي أنَّ هذا هو كل ما نعرفه. ولا يَسَعُنا إلَّا أن نُخَمِّن ما كان يدور في أذهانهم. فربما فكَّروا أنهم سيذهبون إلى الخنازير وأنهم سيتجنَّبون الهاوية. أو ربما ظَنُّوا [أعتقد أنهم ظنُّوا أو فكَّروا] أنهم سيَقتلون الخنازير ويَجعلون الجميع يَغضبون مِن يسوع ويقتلونه لأنه تَسَبَّبَ في موت تلك الخنازير. ولكن بغَضِّ النَّظر عن السبب، فقد كانت لديهم خُطَّة صغيرة. ولكنَّ المُدهِش هو رَدُّ يسوع. لذلك، سننتقل مِنْ سُكْنى الشياطين إلى قُدرة المسيح في العدد 32.

والآن، لنُبعد أفكارنا عنِ الشَّياطين ونُرَكِّزها على المسيح. "فَقَالَ لَهُمُ: «امْضُوا»". وهل تعلمون شيئًا؟ عندما يحاول الناس أن يُخرِجوا الشياطين، يجب عليهم أن يبذلوا جهدًا كبيرًا لطرد الشياطين. ولكِنْ عندما جاء يسوع، أرادتِ الشَّياطين أن تذهب. وكل ما أرادوا أن يَعرفوه هو: إلى أين سيَسمح لهم بالذَّهاب. وقد قال لهم: "امْضُوا". وعندما خَرَجُوا "مَضَوْا إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ، وَإِذَا قَطِيعُ الْخَنَازِيرِ كُلُّهُ قَدِ انْدَفَعَ مِنْ عَلَى الْجُرُفِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمَاتَ فِي الْمِيَاهِ". فقدِ اندفعت جميع الخنازير مِنْ على الجُرُفِ إلى البحر وغَرِقَت جميعُها (أَلْفانِ خِنْزير). وهناك بعض الأشخاص الذين ينزعجون مِن هذه المُعجزة لأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ يسوعَ كان قاسيًّا على الحيوانات. ولا أدري إن كان هؤلاء يُفَكِّرون في ذلك وَهُمْ يأكلون شَطيرةً مِنْ لحم الخِنزير. ولكنَّ الحيوانات خُلِقَتْ أصلاً للاستهلاك عاجلاً أَمْ آجلاً. أو ربما انهَمَكَ كثيرونَ في إخراج تلك الخنازير الغَريقَةِ مِنَ المياه مِنْ أجل طَبْخِها. لا أدري! وعلى أيِّ حال، فقد أَقْدَمَ القَطيعُ بأسره على انتحارٍ جَماعيّ.

والآن، اسمحوا لي أن أَحْفِزَكُمْ على التَّفكير في هذه النقطة قليلاً: كيف طَرَدَ يسوعُ كُلَّ تلك الشياطين؟ فقد قال: "امْضُوا". هذا هو كل شيء! فقد قال: "امْضُوا". فعندما جاءَ، أرادت الشياطين أن تُغادر. وقد أَمَرَهُم أن يغادروا: "امْضُوا". إنَّها كلمة واحدة! وهذا هو الشيء الذي صَدَم الجميع. فالأمر لا يقتصر على ما فعله، بل على طريقة قيامه بذلك. فقد تَحَقَّقَ ذلك حالاً وبصورة تامَّة. ويجب عليكم أن تفهموا، يا أحبائي، أنَّ تلك الشياطين هي كائنات قويَّة جدًّا، وأنَّ البشر لا يستطيعون أن يَتغلَّبوا عليهم. فلا يُمكننا أن نتغلَّب على تلك الكائنات بقدراتنا البشريَّة. فما أسخفَ أنَّ يَظُنَّ البعض أنه بمقدورهم أن يطردوا الشياطين باستخدام ذكائِهم! فالشياطين أذكى جدًّا مِنَّا. فنحن نقرأ في رسالة بطرس الثانية 2: 11: "حَيْثُ مَلاَئِكَةٌ وَهُمْ أَعْظَمُ قُوَّةً وَقُدْرَةً [مِنَ البَشَر]". ونقرأ في المزمور 103 (الَّذي قرأتُه في هذا الصَّباح) إنَّ الملائكةَ "مُقْتَدِرونَ قُوَّةً". وقد تقولون: "هل تُماثِل قُوَّة الشياطين قُوَّة الملائكة القِدِّيسين؟ لا بدَّ أنهم كذلك لأننا رأينا في الأصحاح العاشِر من سفر دانيال أنَّ الملاكَ القِدِّيسَ جاء يحملُ رسالةً مِنَ الله إلى دانيال، ولكنَّ شيطانًا مَنَعَه وحَبَسَهُ مُدَّةَ ثلاثة أسابيع إلى أنْ أَرسل اللهُ الملاكَ ميخائيل لتحريره. فالشياطينُ أقوياء. والحقيقة هي أننا نقرأ في الأصحاح السادس مِن رسالة أفسُس أنه لكي نتغلب عليهم ينبغي أن نلبَس سلاح الله الكامل. فينبغي أن نَتَقَوَّى في شدة قوَّته. فالشَّياطينُ أقوياء.

ونقرأ في سفر الملوك الثاني 19: 35 أنَّ ملاكًا قدِّيسًا واحدًا قَتَلَ مِئَةً وخمسةً وثمانين ألفَ أشوريّ في ضربةٍ واحدة. لذلك فإنَّ الكائنات الروحيَّة تفوق البشر في القُدرة. وهُم يفوقون البشر ذكاءً. وهذا واضحٌ مِنْ خلال ما جاء في حِزقيال 28. فهُم يمتلكون قوَّةً هائلة. ويُمكنكم أن تَرَوْا ذلك مِن خلال ذلك المجنون في مَرقُس 5 لأنه استمرَّ في تكسير القيود. ويُمكنكم أن تروا ذلك في أعمال الرُسُل 19، وفي إنجيل مَتَّى 17. فَهُمْ يملِكون قوَّة هائلة. وهُم قادرون على القيام بالآيات والعجائب - كما جاء في رسالة تسالونيكي الثانية والأصحاح الثاني. وهُم يَعملون على نِطاقٍ واسعٍ جدًّا لأنهم يَجوبونَ السماوات بحسب ما جاء في دانيال 10. وهم يملكون خِبْرةً واسعةً جدًّا لأنهم خُلِقوا قبلَ الإنسان وعاشوا طَوال تاريخ الإنسان. فَهُمْ موجودون منذ وقتٍ طويلٍ جدًّا. وَهُمْ يَعرفون عَمَلَهُم، وهُم يَفهمون كيف يعمل الإنسان ويُفكِّر. وهُم يملكون طبيعةً خارقة. فَهُمْ كائنات روحيَّة. وهُم ليسوا مُقيَّدين بهيئة مُعيَّنة. لذلك فإنهم مخلوقات خارقة جدًّا للطبيعة. والربُّ يسوعُ المسيح هو الوحيد الذي يَقدر أن يَسحق رأس الحيَّة. والربُّ يسوعُ المسيح هو الوحيد الذي يَقدر أن يَطرَحَهُم في الهاوية (كما جاء في الأصحاح 20 مِنْ سِفْر الرُّؤيا). وهو الوحيد الذي يقْدِر أنَّ يَطْرُدَهُم هنا. لذلك فقد حَقَّقَ لهُم طِلْبَتَهُم، ولكِنْ ليس لأجلِهِم، بل لأجله هو. فقد أرسلهم إلى قطيع الخنازير ذاك. وقد يقول الناس: "لماذا فَعَلَ ذلك؟ لماذا فعل ذلك؟" وقد يَرُدُّ البعضُ قائلين: "لأنَّه لم يكُنْ يجوز لهم أن يُرَبُّوا تلك الخنازير، لذلك فقد كان ذلك درْسًا جَيِّدًا لهم". ولكني لا أعتقد أنَّ هذا هو الدرس هنا. فلا أعتقد أنَّ الدرس هنا يَختصُّ بصِحَّة أو خطأ تربية الخنازير. فلا أعتقد أنَّ هذا هو الدرس. بل إنَّ الدَّرسَ هنا هو أنَّ المسيح قادرٌ أنْ يُخْرِج الشياطين.

فلو أنَّه قال للشَّياطين: "امْضُوا"، كيف سيعرفُ النَّاسُ أنهم قد مَضَوْا إلى أيِّ مكان - كيف سيعرفُ الناس أنهم ذهبوا إلى أيِّ مكان؟ فإنْ أَرْسَلَهُم يسوعُ إلى أشخاصٍ آخرين، ستتكرَّر المشكلة مُجَدَّدًا. فسوف يَصير لديهم أشخاصٌ آخرون تَسكُنُهُم الشياطين. ولكنْ كيف سيُؤكِّد أنه قد طَرَدَهُم؟ انظروا إلى قطيعٍ عاديٍّ ومُسالمٍ مِنَ الخنازير. فالخنازير لا تَسْبَح عادةً. وهي ليست خِرافًا. وهي لا تذهب إلى أيِّ مكانٍ معًا. والآن، إذا راقبتُم أَلْفَيْ خِنزيرٍ يَندفعون مِنْ فوق ذلك المُنحَدَر ويقفزون مِنْ فوق الحَافَة ويسقطون في الماء ويَغرقون، فإنَّ النتيجةَ التي ستخرجون بها هي أنَّ شيئًا خارقًا للطبيعة قد حدث. وفي نفس الجزء مِنَ الثانية فإنكم تَلتَفِتونَ فتجدون أنَّ الشخصَيْن اللَّذَيْنِ كانا مَجنونَيْن يَجْلِسان (كما يقول مَرْقُس) وَهُما يَرتديان ملابسهما، ويبدوان عاقِلَيْن، ويُجريانِ حديثًا رائعًا مع يسوع! فعندئذٍ، ستربطونَ بينَ الحَدَثَيْن بسهولة.

وكما تَرَوْن، فإنَّ ما فَعَلَهُ يسوعُ هو أنه قَدَّمَ عَرْضًا حيًّا على تحرير هَذَيْن الرَّجُلَيْن بطريقةٍ لا تُنسى. وفي الوقت نفسهِ فإنَّ ذلك أَظْهَرَ الطبيعة المُدَمِّرة للشياطين لأنه عندما دخلت تلك الشياطين في الخنازير فإنَّها أَهلكتهُم حالاً. وأعتقد أنَّ تلك الخنازير قَدَّمت للشياطين عرضًا حَيًّا عن هلاكِهم الآتي. وإذا كُنتم تشعرون بالحُزن على الخنازير فإنكم لم تفهموا المعنى المقصود. فهُناك الكثيرُ مِنَ الخنازير. ولا بأسَ في أنْ نُضَحِّي ببضعة آلاف مِنَ الخنازير مِن أجل يسوع لكي يُظْهِرَ قُدرته الخارقة. وأعتقد أنه أراد أنْ يُقَدِّمَ دليلاً حيًّا على أنَّ تلك الشياطين قد خرجت مِنْ هذَيْن الرَّجُلَيْن، وأنه أرسلهم إلى تلك الحيوانات لكي تكون تلك الحيوانات مَثَلاً حَيًّا لا يُنْسى. وهذا يقودنا إلى النقطة الأخيرة وهي: رَدُّ فِعْلِ الناس. فكيف كان رَدُّ فِعْل الناس؟ كيف كان رَدُّ فِعْلِهِم؟ وبالمناسبة، فإننا نقرأ في العدد 32 هذه الكلمات المُدهشة: "وَإِذَا قَطِيعُ الْخَنَازِيرِ كُلُّهُ قَدِ انْدَفَعَ مِنْ عَلَى الْجُرُف". وهي نفس الفكرة الواردة في العدد 28 والتي تقول إنَّ الرَّجُلَيْنِ المَسْكونَيْنِ بالشَّياطين كانا شَرِسَيْنِ جِدًّا. فتلك الشراسة وذلك العُنف انتقلا إلى الخنازير فصارت تلك الخنازير تتصرَّف بجنون كما كان يَتصرَّف هَذان الرَّجُلان. لذلك فقد كان الرَّابطُ واضحًا في أذهان الناس بخصوص ما حدث. ثم نقرأ في العدد 33: "أَمَّا الرُّعَاةُ فَهَرَبُوا". ولم يكُن هؤلاء الأشخاص يملكون تلك الخنازير، بل كانوا رُعاةَ خنازير فقط. فقد كانوا يَرْعون تلك الخنازير على التلال. وعندما رَأَوْا أنَّ تلك الخنازير قامت بانتحارٍ جَماعيٍّ، وأنها قفزت بجنون مِن فوق ذلك المُنحدر إلى البحر، هَرَبوا وَمَضَوْا إلى المدينة. فقد هربوا، وأسرعوا، وركضوا، وانطلقوا بأقصى سُرعتهم "وَأَخْبَرُوا عَنْ كُلِّ شَيءٍ وعَنْ أَمْرِ الخنازير". هل هذا هو ما نقرأه؟ لا، بل إنهم "أَخبروا عَنْ أمْرِ" مَنْ؟ "المَجْنونَيْن". بعبارةٍ أُخرى، فقد فَهِموا الرسالة. فالخنازير لم تكُن هي النقطة الجوهريَّة، بل أنَّ النقطة الجوهريَّة هي أنَّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ قد تَحَرَّرا مِنَ الشياطين. فقد كانت الخنازير مُجرَّد دليل. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر.

لذلك فقد هَرَبَ الرُّعاة وقالوا: "إليكم ما حدث!" وقد أَخبَروهم عن كُلِّ شيء. وما الذي حدث حينئذٍ؟ نقرأ في العدد 34: "فَإِذَا كُلُّ الْمَدِينَةِ قَدْ خَرَجَتْ لِمُلاَقَاةِ يَسُوع". أليس ذلك رائعًا؟ إنها نهضةٌ حقيقيَّة. فقد اجتمعتِ المدينةُ كُلُّها، وكان الرَّجُلان اللَّذان تَحَرَّرا مِنَ الشياطين يجلسان هناك وهما يرتديان ملابسهما وقد رَجَعَ إليهما عَقْلُهُما وكانا يتحدثان مع الربّ. ولكن كيف تَصَرَّفَ الناس؟ لقد جاءت كُلُّ المدينة. وعندما رأوه سَجدوا له. لا! فالحقيقة هي أنهم كانوا يُشبِهون الشياطين إلى حدٍّ ما. "وَلَمَّا أَبْصَرُوهُ طَلَبُوا أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ تُخُومِهِمْ". أُخرُج. أُخرج. ولكنَّ لماذا قالوا ذلك؟ تقول جميع كُتُب التَّفسير الَّتي قرأتُها: "لأنهم كانوا يُبالون بخنازيِهِم أكثر مِمَّا يُبالون بيسوع، ولأنهم كانوا يهتمون بالأمور الماديَّة. بعبارة أُخرى: نحن نُريد خنازيرَنا. كيف تجرؤ على القيام بهذا الأمر؟ فَهُمْ لم يكونوا يَهتمون بالأمور الروحيَّة ولا بحالة هَذَيْن الرَّجُلَيْن اللَّذَيْن كانا مَسْكونَيْنِ بالأرواح الشرِّيرة". ولكنَّ هذه ليست الإجابات الصحيحة. فهل تُريدون أن تعرِفوا شيئًا؟ إننا لا نقرأ أيَّة كلمة عن أصحاب الخنازير. فلا توجد رواية واحدة مِنَ الرِّوايات الثلاث تَذكر أيَّ شيءٍ عن رَدَّ فِعْل أصحاب الخنازير. فهؤلاء لم يكونوا أصحاب الخنازير. بل إنَّ هذه هي المدينة بأسرها إذْ إنَّ سُكَّان المدينة جميعًا قد خرجوا. "وَلَمَّا أَبْصَرُوهُ طَلَبُوا أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ تُخُومِهِمْ". لماذا؟ نقرأ في إنجيل مَرقُس 5: 15 أنهم خافوا. فَهُمْ لم يكونوا ثائِرين، ولم يكونوا غاضبين، بل كانوا خائفين جدًّا.

ونقرأ في إنجيل لوقا 8: 37 القصة نفسَها: "لأَنَّهُ اعْتَرَاهُمْ خَوْفٌ عَظِيمٌ". وإذا كُنتم معنا، يا أحبَّائي، خلال الأسابيع القليلة الماضية، فإنكم تعرفون ما جاءَ هُنا. فقد تَكرَّرَ الكلامُ نفسُهُ مِرارًا وتكرارًا. فعندما يُواجه الناسُ غيرُ القِدِّيسينَ اللهَ القدُّوس فإنهم يشعرون بالذُّعْر. وهذا يُرْجِعُنا إلى ما جاء في الأصحاح السادس مِن سفر إشعياء: "وَيْلٌ لي". والكلمة "وَيْل" تُشير إلى اللعنة. فإشعياء الذي كان مِنْ خِيرة الرجال في الأرض أعلنَ اللعنة على نفسه عندما رأى الله لأنَّ نجاسته ظَهَرَت. وعندما رأى بطرسُ يسوعَ المسيحَ وجلالَ قُدْرته قال: "اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَا رَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ!" وقد قُلت لكم في الأسبوع الماضي إنه عندما هَبَّت العاصفة فإنَّ التلاميذَ خافوا. وعندما هَدَّأ يسوع العاصفة خافوا جدًّا. فقد خافوا عند تهدئة العاصفة أكثر ممَّا خافوا مِنَ العاصفة نفسها لأنهم عَلِموا أنَّ اللهَ موجودٌ معهم في قاربِهِم فشعروا بالرَّهبة مِن الله. فقد رأَوْا أُمورًا خارقةً للطبيعة فَذُعِرُوا. فقد رَأَوْا الشخص القادر على طَرْد الشياطين. وقد رأوا الشخص القادر على التحكُّم بالحيوانات. وقد رأوا الشخص القادر على أخْذِ نَفْسِ الإنسان ورَدِّها إليه بعد أنْ يَجعلَها بيضاءَ ونقيَّةً كالثلج. لذلك فقد خافوا خوفًا عظيمًا. فقد رأوا الله. فهذا هو ما رأَوْه. ولا أدري إن كانوا جميعًا قد فهموا ذلك. ولكنهم عَلِموا إنَّ ما حدث هو أمرٌ خارقٌ للطبيعة. والناس لا يُحبون ذلك. فهذا يُزعزعُ راحَتَهُم: "أَعِدْ إلينا خنازيرنا وارْحَل". فالناس يستطيعون أن يتعاملوا مع الخنازير، ولكنهم لا يستطيعون أن يتعاملوا مع الله. فَهُمْ لا يستطيعون أن يتعاملوا مع الأشياء الغامضة الخارقة للطبيعة.

وبالمناسبة فإنَّ هذه أوَّل حادثة مُدوَّنة عنِ المُعارضة العَلَنِيَّة للمسيَّا، وهي مُعارضة ستشتدُّ مِنَ الآن فصاعدًا. فقد كَشَفَهُم على حقيقتهم. فقد كانوا يُبغِضونهُ. فقد كان أفضل منهم، وأعظم منهم، وأطهر منهم، وأقوى منهم، وأقدَسَ منهم. وقد كرهوا ذلك. فقد شعروا أنهم قَذِرون وأنهم ليسوا جَديرينَ بحضوره لأنه كان قُدُّوسًا، ولأنهم شعروا بعدم استحقاقهم. وبالمعنى البشريّ البسيط، فإنَّ "آر. سي. سبرول" (R. C. Sproul) يَعقِدُ مُقارنةً مُدهشةً بخصوص هذا النوع مِن التفكير فيقول: "إنَّ الأمر يُشبه ما جاء في كتاب ’قاعدة بُطرس‘ (The Peter Principle)". فهل تَذكرون كتاب "قاعدة بطرس"؟ فهو يقول إنه في مجال الصناعة تحديدًا فإنَّ كل شخص يَصِلُ إلى المستوى الَّذي يصيرُ فيه عاجزًا عنِ الأداء. بعبارة أُخرى فإنَّك تُبْلي حسنًا في المستوى (أ) فَيُرَقُّونَكَ إلى المستوى (ب). ثُمَّ إنك تُبْلي حسنًا في المستوى (ب) فَيُرَقُّونَكَ إلى المستوى (ج). وسُرعان ما تَجِدُ نفسك في مستوى لا يُمكنك فيه أن تعمل البَتَّة. لذلك فإنَّ كُلَّ شخص يرتقي إلى المستوى الَّذي يَصيرُ فيه عاجزًا عنِ الأداء. وهذا يَعني بصورة رئيسيَّة أنَّ كل مجالات العمل وكُلَّ درجات الهَرَمِ الوظيفيِّ تُدار مِن قِبَل مجموعة مِنَ الأشخاص غير الأكْفاء. ولكنه يُوضِّح أيضًا في ذلك الكتاب نفسه بُعْدًا آخر. فهو يتحدث عن الأشخاص غير الأكْفاء فيقول إنَّ هناك أشخاصًا غير مُؤهَّلينَ أصلاً. فَهُمْ لا يَرْتَقونَ إلى مُستوى عدم الكفاءة لأنهم غيرُ مُؤهَّلينَ أصلاً. وهو يقول إنَّ هؤلاء يُعَيَّنونَ في المؤسسات ويَبقون فيها وقتًا طويلاً لأنَّ وُجودَهُم لا يُهَدِّدُ أيَّ شخص. فَهُمْ غيرُ مُؤهَّلين بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. ثُمَّ إنه يقول إنَّ المبدأ الأوَّل في الهَرَمِ الوَظيفيِّ هو أنَّ الهَرَمَ الوظيفيَّ يجب أن يبقى قائمًا. وإنْ كان جميع الأشخاصِ المَعْنِيِّينَ بالهرم الوظيفيِّ يقولون إنه يجب أن يَبقى قائمًا، يجب الاحتفاظ بالأشخاص غير المؤهَّلين لأنهم لا يُهَدِّدون الهَرَمَ الوظيفيّ. ولكنه يقول أيضًا إنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وجود شخصٍ مُوهَّلٍ جدًّا. والشخص المؤهَّل جدًّا هو شخصٌ غير محبوب مِنْ أيِّ شخصٍ لأنه يُهَدِّدُ الجميع ولا يمكن ترقيته إداريًّا لأنه يُهَدِّد كلَّ شخصٍ أعلى منه. والطريقة الوحيدة التي يَستطيع أن يرتقي فيها هي مِن خلال العمل في مؤسَّسة أُخرى. فيجب عليه أن ينتقل مِنْ مؤسسة إلى أُخرى لأنه لا يستطيع أن يَرتقي في مؤسَّسته لأنه يُهَدِّد الجميع. لذا فإنَّ الناس لا يُحبُّون الأشخاص المُؤهَّلين جدًّا.

وهذا يُشبه الطفلة الصغيرة الَّتي يَحصل جميع طلبة صَفِّها على علامة 32 مِنْ مئة أو أقل، ولكنَّها تحصل على علامة مِئَة مِنْ مِئَة. فإنْ كان الامتحانُ عادلاً فهذا يعني أنَّ جميع الطَّلبة الآخرين أغبياء. ولأنَّها أَظْهَرَتْ غَباوَتَهُمْ، فإنَّ جميعَ الطَّلبة يُبغضونها. وعلى نحوٍ مُشابه، فإنَّ يسوع حَطَّمَ معاييرَ النَّاسِ. لِذا فإنهم لم يَحتملوا يسوع بسبب كماله. وَهُمْ لم يحتملوه بسبب قداسته المُطلقة. فقد تَفَوَّقَ عليهم كثيرًا، وكَشَفَ زِيْفَهُمْ، وأَظهر غباوتَهُم في حياتِهِم الشخصيَّة. لذلك فقد عقدوا العزم على أن يقتلوه. وقد ابتدأتْ خُيوطُ تلك المؤامرة تَتَّضِحْ تدريجيًّا. فقد رأَوْهُ، ورأوا قُدرته، وخافوا خوفًا شديدًا مِنَ الله. وبدلاً مِنْ أن يَنطرِحوا على وجوههم ويسجدوا عند قدميه، قالوا له: "اخْرُج! اذهب! نحن لا نُريدُك". والناس يقولون: "إذا رأيتُم المُعجزاتِ فقط فإنَّكُم ستؤمنون". ولكنِ اسمعوني: إنَّ الناس الذين رأوا المعجزات لم يُؤمنوا. فقد سَمَّرُوه على الصَّليب مع أنهم رأوا المعجزة، تلو المعجزة، تلو المعجزة، تلو المعجزة. ومع ذلك، فقد استمرُّوا في عدم إيمانِهم. وقد جَعَلَتْهُم تلك المعجزات يُبغضونه أكثر، فأكثر، فأكثر، فأكثر. والناس يعتقدون اليوم أنهم إذا تمكنوا مِنْ صُنْع عددٍ مِنَ المعجزات أمام الناس، فإنَّ الجميع سيؤمنون. ولكنَّ هذا غير صحيح لأنَّ بعض الناس، عندما يَرَوْنَ حضور الله القدوس وعظمتَه، فإنهم سيهربون حرفيًّا لأنهم يُحِبُّون الظُلمة التي يعيشون فيها. فهل رَفَعْتَ حَجَرًا يومًا فوجدتَ تَحتَهُ حَشراتٍ صغيرةً كثيرة مَضَى على وجودها هناك وقتًا طويلاً؟ فما أنْ تُزيلَ الحجرَ وتُعرِّضَها للنور حَتَّى تهرُب وتحاول أن تَجِدَ لها حُفرةً تختبئ فيها! فهذه هي حال الإنسان. فإذا عَرَّضْتَهُم لنور الله، ستجد أنهم يُحِبُّون الظُّلمة الَّتي يعيشون فيها. لذلك فإنهم سيَختبئون مَرَّةً أُخرى بحثًا على الظلام. فَهُمْ يَنتمون إلى ذلك المكان.

ولكنَّ اللهَ أَبْدَى نعمةً كبيرةً تُجاهَ هؤلاء. فالقصة تنتهي في القِصَّة المُوازية في إنجيل مرقس 5: 19. ويجب أن تستمعوا إلى هَذَيْن العَدَدَيْن إذْ نقرأ: "وَلَمَّا دَخَلَ السَّفِينَةَ طَلَبَ إِلَيْهِ الَّذِي كَانَ مَجْنُونًا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ". فقد أرادَ أن يذهب معَ يسوع. لقد أرادَ أن يَدخُلَ السَّفينة معه وأن يذهب معه. ولكنَّنا نقرأ في إنجيل مَرقُس 5: 19 "فَلَمْ يَدَعْهُ يَسُوعُ". فهو لم يسمح له بذلك، بَلْ قَالَ لَهُ: "اذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ وَإِلَى أَهْلِكَ، وَأَخْبِرْهُمْ كَمْ صَنَعَ الرَّبُّ بِكَ وَرَحِمَكَ". "فَمَضَى وَابْتَدَأَ يُنَادِي فِي الْعَشْرِ الْمُدُنِ [أي في تلك المنطقة] كَمْ صَنَعَ بِهِ يَسُوعُ. فَتَعَجَّبَ الْجَمِيعُ". فهل تعلمون ما الذي فَعَلَهُ؟ إنَّ هؤلاء الأشخاص الذين كَرِهوا يسوع وطَلَبوا إليه أن يُغادر بلدتهم لم ينجحوا في تحطيم تعاطُف يسوع أو رَحمتَهُ مِنْ نحوهم. لذلك فقد تَرَكَ لهم ذلك المُرْسَلَ الوحيدَ (وصَديقَهُ) بِصِفَتِهِ دليلاً حَيًّا في وَسْطهم على قُدرته الفائقة. فهو مُرْسَلٌ. وما أعظمَ نعمة المسيح المُقدَّمة حَتَّى للأشخاص الذين لا يُريدونها. لِنَحْنِ رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، نحن لا نَعلمُ المزيد عن هذه القصة. لذلك فإننا لا نعرف كم كانت فاعليَّة شَهادة ذلك الرَّجُل. ولكنْ لا يَسَعُنا إلَّا أنْ نُؤمِنَ أنه كان الأداةَ الَّتي اسْتَخْدَمْتَها لفداء نفوسٍ أُناسٍ آخرين. وكم نشكرك على هذه القصة العظيمة التي هي دليلٌ على قُدرتك على الشيطان. فنحن نَعلم أنها تعني أنك صاحب السُّلطان على الخطيَّة والموت (وَهُما أداتان يستخدمهما الشيطان)، ونَعلم أنك في يومٍ ما سَتُصَحِّح كُلَّ شيءٍ في هذه الأرض وفي هذا الكون. فسوف تَخلُقُ سَماءً جديدةً وأرضًا جديدة، وتُعطينا أجسادًا مُمجَّدةً. ونحنُ نَعلمُ أنه لن يكون هناك فيما بَعْد مَرَض، أو حُزْن، أو دُموع، أو بكاء، أو ألم، أو موت. فنحن نَرى، يا أبانا، أنَّ جلال يسوعَ المسيح يَفوقُ أيَّ شَكّ. فقد شَهِدتِ الشياطينُ أنه ابنُ الله، وأنه سيأتي بوصفهِ دَيَّانًا، وأنه سَيَطْرحُ في الهاوية جميعَ الأشرار. فهذه هي شَهادة الشياطين الذين يَعلمون ذلك. ولَيْتَنا نكون حُكماء نحن أيضًا فنعرف ذلك دون أدنى شَكّ، ونَعرف أنَّ هذا هو مَسيحُ الله، وأنه الدَّيَّان. ولكِنْ لَيْتَنا نَعلم أيضًا ما لا يمكن للشياطين أنْ تَعرفه وَهُوَ: نِعمتَهُ المُخلِّصة. فهو لم يَقُلْ لذلك الرَّجُل أن يُخْبِرَ الشياطين، ولا أنْ يَشهدَ لهم لأنهُ لم يَتِمّ تَعيينُهم للفداء، بل أوصاهُ بأن يُخْبِرَ أَهْلَهُ أنَّ خُطة الخلاص هي لأجل البَشَر. ولَيْتَنا، يا رَبُّ، نَسمع الرِّسالة عنِ المسيح المُخَلِّص ونأتي إلى معرفته ومعرفة مجد ملكوته. نُصَلِّي هذا باسمه. آمين.

عندما أُقَدِّمُ رسالةً كهذه، فإنني أُدْهَش مِنْ جديد بسبب جَلال المسيح. وهذا يَقودُني ثانيةً إلى تكريس نفسي للمُناداة به وإطاعته. أرجو أن يِصِحَّ ذلك على حياتكم أنتُم أيضًا. وفي الخِتام، لَيْتَ نعمةَ اللهِ، ومحبةَ الربِّ يسوعَ المسيح، وشركةَ الروحِ القُدس تكون مَعنا إلى أن نلتقي ثانيَّةً. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize