Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في مَعْرِضِ دِراسَتِنا لكلمةِ اللهِ، نَجِدُ أنفسنَا في هذا الصباحِ في الأصحاحِ العشرين مِنْ إنجيلِ لوقا (لوقا، الأصحاح 20) إذْ نأتي إلى ختامِ هذا الأصحاحِ العشرينَ الغَنِيِّ.

وربَّما كان الشَّيءُ الأهَمُّ مِنَ الأصحاحِ ذاتِهِ هو التَّسَلسُلُ الزمنيُّ للأحداث. فنحن هنا في وقتٍ متأخر مِن يوم الأربعاء في الأسبوع الأخير من حياةِ رَبِّنا. فهو سيُصلبُ يوم الجُمُعة ويقومُ صَباح يوم الأحد. أما اليومُ فهو الأربعاء.

ومن المرجحِ أنه كان قد دخلَ مدينةَ أورشليمَ يومَ الإثنين على هُتافِ الجُموعِ قائلين: "أُوْصَنَّا". وفي يوم الأربعاء هذا، كان قد صَرَفَ اليومَ كله في منطقة الهيكل وما حولَها يُعَلِّمُ الجموعَ الكثيرةَ ويُواجِهُ الهُجومَ مِنَ القادةِ الدِّينيِّين. وقد بَذَلَ هؤلاءِ كُلَّ جُهْدٍ ممكنٍ في ذلك اليوم لِتَشكيكِ الناسِ في مِصْداقيَّتِهِ. فقد حاول الفَرِّيسيُّون ذلك. وقد حاول الهِيرودُسِيُّون ذلك. وقد حاول الصَّدُّوقيُّونَ ذلك.

ولكنَّ جميعَ مُحاولاتهم باءَتْ بالفشل. وقد شَعَرُوا جميعًا بالإذلال. وقد فُضِحَت نواياهم الخبيثة بواسطةِ حِكمةِ ووضوحِ وقوَّةِ أَجْوِبَةِ رَبِّنا. ويقول لوقا في العدد 40: "وَلَمْ يَتَجَاسَرُوا أَيْضًا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ". والآنْ، حانَ دَوْرُهُ لطرحِ الأسئلة. ونقرأُ ابتداءً مِنَ العدد 41: "وَقَالَ لَهُمْ: «كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ وَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ الْمَزَامِيرِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِذًا دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟»"

وإنْ أردتُ أنْ أَضَعَ عُنوانًا لهذهِ الرسالةِ، قد أُعَنْوِنُها ببساطة: "ابْنُ دَاوُدَ وَرَبُّهُ". وهذا في حَدِّ ذاتِهِ عنوانٌ مُدهشٌ. فلا يمكنُ لأيِّ أبٍ شَرْقِيٍّ، تحتَ أيِّ ظرفٍ مِنَ الظُّروف، أنْ يَدعو ابْنَهُ: "رَبِّيّ". فهذا يَعني قَلْبَ الإكرامِ والاحترامِ رأسًا على عَقِب. وبالرغم من ذلك فإنَّ ابْنَ داود هوَ أيضًا رَبُّ داودَ.

إنَّ طبيعةَ الربِّ يَسوعَ المسيحِ (أيِ الطَّبيعةَ الأساسيَّةَ ليسوع المسيح) كانت مَوْضِعَ جَدَلٍ منذُ أن جاءَ إلى هذه الأرض إلى هذا اليوم. وسوفَ تَبقى مَوْضِعَ جَدَلٍ طَوالَ تاريخِ الجنسِ البشريِّ. ويمكنُ تَلخيصُ ذلكَ بهذا السُّؤال: هل يسوعُ هوَ الله؟ أَمْ هو مُجَرَّد إنسان؟

إنَّ الإجْماعَ العامَّ في العالم هو أنَّ يسوع كان إنسانًا، وأنه عاشَ وماتَ، وأنه كانَ رَجُلًا نَبيلًا يَتمتَّعُ بالبصيرةِ والحِكمةِ والوَرَعِ، وأنهُ كان مُتديِّنًا، ومتعاطفًا، ومُضَحِّيًا، وحَسَنَ النِّيَّةِ، وأنَّهُ كانَ يَمْتَلِكُ مجموعةً مِنَ الصِّفاتِ الأخرى المُحَبَّبة إلى القلب. ولكنَّهُ كان إنسانًا وحَسْب. وهذا يتوافقُ، دونَ شَكٍّ، معَ خُطَّةِ إبليس لأنَّهُ إن كان يسوع مُجَرَّد إنسانٍ، فَهُوَ ليس الله، وهُوَ ليس المخلِّص، والكتابُ المقدَّسُ ليسَ صحيحًا، والمسيحيَّةُ ليست صَحيحةً، بل هي ديانة باطِلَة. مِنْ جهةٍ أخرى، إنْ كان يسوع هو الله ... إن كان هو الله، فهو صاحبُ السِّيادة، وهو المُهَيْمِن، والكتابُ المقدَّسُ صَحيحٌ، والمسيحيَّةُ صحيحةٌ. لذلك فإنَّ هذه المسألةَ مُهمَّةٌ جدًّا.

لقد تَسَلَّمْتُ إعلانًا في البريد. وإليكم ما يَقولُهُ هذا الإعلان: "كنيسةُ إخْوانِ المَسيح تَدعوكُمْ يومَ الأحدِ، في الساعةِ السابعةِ مساءً، إلى دراسةٍ كِتابيَّةٍ عن موضوع ’يسوع هو ليس الله‘". دراسةٌ كِتابِيَّةٌ عن موضوعِ أنَّ يسوعَ هو ليسَ الله في كنيسةِ إخْوانِ المَسيح؟ وَهِيَ جَماعةٌ يَعْني اسْمُها في اليونانيَّة "إخْوَةُ [أو أَحِبَّاءُ] المسيح". ولكِنَّ رَفْضَ لاهوتِ يسوعَ المسيحِ لا يَقْتَصِرُ على جماعةِ إخْوانِ المسيحِ الغَريبةِ المُبْتَدِعَة. فهكذا هي حَالُ اليَهودِ، والمُسلمينَ، والهندوسِ، والبوذيِّينَ، والمُورمون، وشُهودِ يَهوَه، وجماعةِ العِلْمِ المسيحيِّ، وجماعةِ السَّيْنتولوجيا، وغيرِها. فإنْ كنتَ تَرفضُ المسيحيَّةَ وتُنكرُ صِحَّتَها، مِنَ المؤكَّدِ أنَّكَ تُنكرُ لاهوتَ يسوعَ المسيحِ لأنَّكَ لا تؤمنُ أنَّ يَسوعَ هُوَ الله. ولكِنْ إنْ كانَ هو الله، فإنَّ هذه هي الديانةُ الصحيحة.

لذلكَ فإنَّ هَدفَ الدياناتِ الزائفةِ هو دائمًا التَّشكيكُ في شخصِ يَسوعَ المسيح. وهناك أخطاءٌ أخرى شبيهةٌ بهذا الخطأ بينَ البِدَعِ الَّتي تَزْعُمُ أنها مسيحيَّة، مِمَّن يَعتنقُ أصحابُها مُعتقداتٍ خاطئةً أُخرى كأن لا يُؤمِنوا بأنَّنا "بالنِّعْمَةِ مُخَلَّصونَ بالإيمانِ" فقط. ولكنَّ المسيحيَّةَ الحقيقيَّةَ تَقولُ إنَّ يسوعَ هوَ الله. وأيُّ ديانةٍ تُساوِمُ على هذا الحَقِّ فيما يَختصُّ بتحديدِ طَبيعَتِهِ هِيَ ديانةٌ غير مسيحيَّة.

فَضْلًا عن ذلك، يَقتضي التَّنويهُ إلى وجود مَسيحيِّين مُرتَدِّين. ويمكننا أنْ نَدعو هؤلاءِ "مَسيحيِّين ليبرالِيِّين [أوْ مُتَحَرِّرين]" لأنهم يَزْعُمون أنهم مسيحيُّونَ ولكنهم يُنكرون أنَّ يسوع هو الله. ولكنَّ هذه ليست مسيحيَّة. واليهودُ اليومَ، وطَوالَ تاريخهم، وفي زمنِ يسوع، لم يكونوا يَعْتَرِفونَ بأنَّه الله. فَهُمْ لم يَعترفوا بأنَّهُ يَهْوَه المُتَجَسِّد. وهُم لم يَعترفوا بأنه الله، وبأنه الأقنومُ الثَّاني في الثَّالوث. والحقيقةُ هي أنهم لم يكونوا يؤمنون أنَّ المسيَّا سيكون الله. بل كانوا يؤمنون أنَّ المسيَّا سيكون مُجَرَّدَ إنسان، لا أكثر. فهو سيكون رَجُلًا نبيلًا، وذا قُوَّةٍ ونُفوذٍ، ورَجُلًا يَمْتَلِكُ جَميعَ صِفاتِ الرُّجولةِ، ورَجُلًا مَنَحَهُ اللهُ كُلَّ ما يَلْزَمُ ليكونَ أَسْمَى إنْسانٍ، وليتمكَّنْ [بقوَّةٍ اللهِ] مِنْ تَنفيذِ أمورٍ تَفوقُ في عَظَمَتِها كُلَّ ما قامَ بهِ البَشَر. ولكنَّهُ مُجَرَّد إنسان.

لقد كانوا يَفْتَرِضونَ أنَّهُ يَنبغي للمسيَّا أن يكونَ إنسانًا. فقد كان ينبغي أن يكونَ إنسانًا جاءَ إلى العالمِ، وصارَ حاكِمًا لإسرائيل، وأعادَ تأسيسَ مَملكةِ اللهِ، وأَخْضَعَ جميعَ أعداءِ إسرائيل، وحَكَمَ عالَمَ الأُمَمِ مِنْ أورُشليم، وحَقَّقَ جَميعَ الوعودِ الَّتي قَطَعَها اللهُ لإبراهيمَ وداود. فَهُمْ لم يَرَوْا المسيَّا بِوَصْفِهِ الله، أوِ ابْنِ اللهِ، أوْ مُخَلِّصِ الخُطاة. بل رأَوْهُ فقط بوَصْفِهِ إنسانًا.

كانَ مِنَ الواضحِ أنَّ هذا هو ما آمَنَ بهِ الشَّعْبُ لأنَّ هذا هوَ ما عَلَّمهم إيَّاهُ القادة. وعندما قالَ يسوعُ إنهُّ الله، صَارَ فورًا في نَظَرِهِمْ مُجَدِّفًا. فكأنَّهُ اقتَرَفَ أفْظَعَ خَطيئةٍ يمكنُ للمرءِ أنْ يَقْتَرِفَها بحسبِ نِظامهمِ الدينيِّ. وكانَ ادِّعاءُ الألوهِيَّةِ ضَرْبًا مِنَ الجُنون.

فَضلًا عن ذلك، كانَ قدِ ابتدأَ هُجومًا شَرِسًا على عَقائِدِهِم، وعلى سُلْطَتِهِمْ، وعلى نُفوذهم، وعلى مَناصِبِهِم، وعلى بِرِّهمِ المَزْعومِ، وحَتَّى على تِجارَةِ الهيكلِ. وقد حَدَثَ ذلكَ في بدايةِ خِدمتِهِ. وقد حَدَثَ ذلكَ أيضًا طَوالَ فترةِ خِدمَتِهِ، ثُمَّ في نهايةِ خِدمتهِ في هذا الأسبوع. فقد طَهَّرَ الهيكل، وتَصَدَّى لفَسادِهِم، وكَشَفَ رِياءَهُمْ، وَصَعَّدَ رَغْبَتَهُمْ في التَّخَلُّصِ مِنه.

لقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّ المسيَّا الحقيقيَّ سيكونُ إنسانًا وَحَسْب. ولكنَّ يسوعَ قالَ إنهُ الله. وقد جاءَ لِيَنْقُضَ سُلْطانَهُمْ، ولْيُطَهِّرَ الهيكلَ قائلًا إنَّ عَقائِدَهُمْ، وبِرَّهُم الذَّاتِيَّ، ودِيانَتَهُمْ هِيَ جَرائِمُ تَستحقُّ عُقوبَةَ المَوت. لذلكَ فقد حاولوا في هذا الأسبوعِ أنْ يَتَصَّدّوْا لهُ، ولكِنهم لم يَنجحوا. وأخيرًا، نَقرأُ في العدد 40 أنَّهُمْ أغْلَقوا أفْواهَهُمْ.

وقد حانَ دَوْرُهُ الآن. فهذهِ هي المَرَّة الأخيرة الَّتي سَيَتَحَدَّثُ فيها إلى القادةِ الدينيِّينَ لإسرائيل، أيْ إلى أصْحابِ النُّفوذ. إنَّها المَرَّة الأخيرة لَهُ. وهيَ المُحادَثَة الأخيرة. وماذا ستكونُ هذه المُحادَثَة في رأيكم؟ قد تَفترِضونَ أنَّهُ إنْ كانتْ تلكَ هي مُحادَثَتُهُ الأخيرة معهم، فإنهُ سيُناقشُ معهم الشَّيءَ الأكثرَ أهميَّةً. وهذا هوَ ما فَعَلَهُ. فقد طَرَحَ عليهم السُّؤالَ التَّالي إذْ نَقرأُ في العدد 41: "وَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟" ويُمكِنُنا أنْ نَقولَ إنَّ هذا السُّؤالَ فاحِصٌ. إنَّهُ سؤالٌ فاحِصٌ. فهوَ سُؤالٌ يَصِلُ إلى الأعْماقِ ويَخْتَرِقُ النَّفْسَ. فَهُوَ سُؤالٌ اسْتِفْزازِيٌّ فاحِصٌ. "كيفَ يقولونَ إنَّ المسيحَ ابْنُ داود؟"

والآنْ، أُذَكِّرُكُم أنَّ مَتَّى ذَكَرَ قِصَّةَ هذا السُّؤالِ الَّذي طَرَحَهُ يَسوع. ومَرْقُسُ ذَكَرَ قِصَّةَ هذا السُّؤالِ الَّذي طَرَحَهُ يَسوع. وَرِوايَتا مَتَّى ومَرْقُس تُثْرِيانِ هذه القِصَّةَ كما نَرى غالبًا في هذهِ الأناجيلِ المُتَشابِهَةِ. وإذا رَجَعنا إلى مَتَّى ومَرْقُس، نَجِدُ العديدَ مِنَ الأشياءِ الَّتي تُساعِدُنا. والشيءُ الأوَّلُ هو أنْ نَسْألَ: لماذا طَرَحَ يسوعُ هذا الموضوع؟ ألم يَكُنْ يُدركُ في هذا الوقتِ أنَّهم قد رَفضوهُ تَمامًا؟ إذًا ما النَّفْعُ مِنَ العودةِ لتوضيحِ هُوِيَّتِهِ مَرَّة أخرى؟ ما الغايَةُ مِنْ ذلك؟

لقد كانوا قد أَظْهَروا لَهُ كُلَّ عداوةٍ، وكَراهِيَّةٍ، وحِقْدٍ. وقد أرادوا أنْ يَقتلوهُ. وفي كُلِّ لَحْظَة، كانوا يَتَلَهَّفونَ إلى ذلكَ بِشِدَّة. إذًا لماذا يَطْرَحُ هذهِ المسألةِ عنْ هُوِيَّتِهِ مَرَّة أخرى؟ نَجِدُ الجوابُ في إنجيل مَرْقُس 12: 34. فقد كانَ يَعلمُ بوجودِ أشخاصٍ ليسوا بعيدينَ عنِ الملكوت. لقد كانَ يَعلمُ بوجودِ أشخاصٍ ليسوا بعيدينَ عَنِ الملكوت. وهذا يَضُمُّ (مَثَلًا) واحدًا مِنَ القادَةِ يُدْعى "يوسُف" وَهُوَ مِنْ مَدينَةِ الرَّامَة. وَهُوَ شخصٌ تُقابِلونَهُ لاحقًا لأنَّهُ الَّذي قَدَّمَ القَبْرَ الَّذي سَيُدْفَنُ فيهِ الرَّبّ.

إذًا فقد كانَتْ تلكَ (إنْ شِئْتُمْ) آخِرَ مُحاولةٍ تَبشيريَّة. فحتَّى بعدَ أنْ عَبَّرَ هؤلاءِ القادَة عَنْ كُلِّ هذهِ الكَراهِيَةِ، وبعدَ أنْ أَظْهَرَ الشَّعْبُ المُتَقَلِّب والمُتَذَبْذِب كُلَّ هذا الاهتمامَ السَّطْحِيَّ بسببِ اتِّباعِهِ للقادة الدِّينيِّينَ، ... بالرَّغْمِ مِن ذلكَ كُلِّهِ، كانَ يسوعُ ما زالَ مَبَشِّرًا مُتَعاطِفًا. وهُوَ ما زالَ يُحاوِلُ (حَتَّى في المحادثةِ الأخيرةِ مَعَهُمْ) أنْ يَدعوا الخُطاةَ الذَّاهبينَ إلى الهلاكِ أنْ يَعرفوهُ على حَقيقَتِهِ، وأنْ يَتوقَّفوا عنْ رَفْضِهِمْ العَلَنِيِّ لَهُ، وأنْ يَتَوَقَّفوا عَنِ التَّذَبْذُب.

أجل، لقد واجَهَهُم بأقوى تَوبيخٍ. وقد فَضَحَهُمْ علانِيَةً بسببِ فَسادِهم وأكاذيبِهم. ولكنه ما يزالُ يُظْهِرُ اهتمامًا كافِيًا في قَوْلِ الحَقِّ للمرَّةِ الأخيرةِ لأنهُ، بِوَصْفِهِ اللهَ، لا يُسَرُّ بموتِ الأشرار. بل إنَّهُ يُسَرُّ بخلاصِ الخُطاة. ولكنهُ يَحْزَنُ بهَلاكِهِم.

وعَوْدَة إلى الأصحاح 19 والعَدد 41. فعندما اقْتَرَبَ مِنْ أورُشَليمَ حينَ دَخَلَها ظافِرًا يومَ الإثْنَيْنِ (أيْ قَبْلَ بِضْعَةِ أيَّامٍ مِنْ هذهِ المُواجَهَة)، نَظَرَ إلى المدينةِ وبَكى عليها. فَهُوَ المُخَلِّصُ الباكي. لذلكَ فإنَّهُ يَدعوهم مَرَّة أخرى إلى قَبولِ الحَقِّ المُخْتَصِّ بِهِ. وهذا، يا أصدقائي الأعِزَّاء، ضَروريٌّ جِدًّا مِنْ أجلِ الخَلاص. فلا أحدَ سيَذهب إلى السَّماءِ إنْ لم يُؤمِنْ أنَّ يَسوعَ هُوَ الله. لا أحَد. لا أحد.

وهذه هي شَهادةُ الكِتابِ المقدَّسِ الواضحةِ، والتي لا لُبْسَ ولا غُموضَ فيها. فعلى سبيلِ المِثالِ، نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 5: 37: "وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي. لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَهُ قَطُّ، وَلاَ أَبْصَرْتُمْ هَيْئَتَهُ، وَلَيْسَتْ لَكُمْ كَلِمَتُهُ ثَابِتَةً فِيكُمْ، لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ لَسْتُمْ أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِهِ". فإنْ لم تُؤمنوا بالحَقِّ المُختصِّ بالمسيح، لن تكونَ لكم علاقة بالله.

وقد عَبَّرَ الرسولُ بولسُ عن ذلكَ بالقول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ (أيْ إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهُوِيَّتِهِ الحَقيقيَّةِ) فَلْيَكُنْ مَلْعونًا". ونَقرأُ في رسالةِ يوحنَّا الأولى 2: 22: "مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ. كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا". فلا يمكنك أنْ تَتمتَّعَ بعلاقةٍ بالآب إلَّا إذا اعْتَرَفْتَ بالحقِّ المُخْتَصِّ بالابْنِ.

لذلكَ، مَرَّة أخرى، فإنَّ الربَّ يسوعَ يَقولُ ويؤكِّدُ طَبيعَتَهُ الإلهيَّةَ بِوَصْفِهِ الله. وعليهِ فإنَّهُ يُقدِّمُ نَفْسَهُ حَتَّى لأولئكَ الذينَ كانُوا يَحْتَقِرونَهُ. ارْجِعوا إلى الأصحاح 15 لِلَحْظَة ... إلى الأصحاح 15، وتَحديدًا إلى تلكَ القصَّةِ الرَّائعةِ الَّتي تُعْرَفُ بِقِصَّةِ الابْنِ الضَّالّ. وَهِيَ في الحقيقة قِصَّةُ ابْنَيْنِ وأبٍ مُدْهِشٍ. فإنْ رَجَعْتُمْ إلى تلكَ القِصَّةِ لَعَلَّكُمْ تَذكرونَ أنَّ الابنَ الضَّالَّ قد عاد. وقد قَبِلَهُ الأبُ، وتَصالَحُ مَعَهُ، وقَبَّلَهُ، ووضَعَ خاتَمًا في إصْبَعِهِ، وأَلْبَسَهُ رِداءً وَحِذاءً، وَأقامَ حَفْلاً. وفي مُنتصفِ الحَفْلِ، جاءَ الابْنُ الأكْبَر إذْ نَقرأُ في العدد 25: "وَكَانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ. فَلَمَّا جَاءَ وَقَرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، سَمِعَ صَوْتَ آلاَتِ طَرَبٍ وَرَقْصًا. فَدَعَا وَاحِدًا مِنَ الْغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا؟ فَقَالَ لَهُ: أَخُوكَ جَاءَ فَذَبَحَ أَبُوكَ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ، لأَنَّهُ قَبِلَهُ سَالِمًا. فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَطْلُبُ [أيْ: يَتَوَسَّلُ] إِلَيْهِ".

والأخُ الأكْبَرُ، إنْ كُنْتُمْ تَذكرونَ، يُمَثِّلُ مَنْ؟ إنَّهُ يُمَثِّلُ الفَريسيِّينَ، والكَتَبَة، والنَّاموسِيِّينَ، والقادةَ الدينيِّينَ. أمَّا الابنُ الضَّالُ فيُمَثِّلُ المَنبوذينَ، والعَشَّارينَ، والزُّناةَ، والرُّعاعَ، والخُطاةَ. فقد كانَ هؤلاءِ يأتونَ إلى اللهِ. لقد كانوا يأتونَ إلى المسيحِ. وقد حَصَلوا على الحُبِّ، والغُفرانِ، والقَبول. وقد أثارَ ذلكَ غَضَبَ الفَرِّيسيِّينَ النَّاموسِيِّينَ الذينَ كانوا أبرارًا في نَظَرِ أنفُسِهِم، والذينَ يُرْمَزُ إليهم في هذا الأخِ الأكبَر. وماذا كانَ رَدُّ فِعْلِ الأبِ على ذلك؟

لقد خَرَجَ وراحَ يَتَوَسَّلُ إليهِ. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 29: "فَأَجَابَ وَقَالَ لأَبِيهِ: هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هذَا عَدَدُهَا، وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ، وَجَدْيًا لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي. وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هذَا الَّذِي أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ! فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ، وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ". فَأنا أُقَدِّمُ الكُلَّ لَكَ. وقد كُنْتُ دائمًا أُقَدِّمُ الكُلَّ لَك.

وها هُوَ يَسوعُ (في إنجيل لوقا 20) يُواجِهُ الأخَ الأكْبَرَ، أيْ يُواجِهُ الفَريسيِّينَ، والكَتَبَةَ، والقادةَ الدينِيِّينَ مَرَّةً أخرى، مَعَ أنَّهم تَذَمَّروا عليهِ المَرَّةَ تلوَ المَرَّة تِلْوَ المَرَّة لأنَّهُ يَقْبَلُ الخُطاةَ والضَّالِّين. ويُقَدِّمُ يَسوعُ هنا الدَّعوة إليهم مَرَّةً أخرى لكي يَتَفَكَّروا في هُوِيَّتِهِ، وليَقبَلوا البَرَكاتِ الَّتي هُوَ مُسْتَعِدٌّ أنْ يُعْطيها لأيِّ مُراءٍ يَتوب.

لذلكَ فإنَّ الربَّ يَسألُهُم السُّؤالَ المُناسِبَ. ولكِنْ لا بُدَّ مِنَ اصْطِحابِكُمْ إلى إنجيل مَتَّى، إلى مَتَّى 22: 41. فهُنا ابْتَدَأ الحَديثُ في الواقِع. ولعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ مَتَّى ومَرْقُس ولوقا يُدَوِّنونَ الحادثةَ نَفسَها إذْ يُقَدِّمُ لنا كُلٌّ مِنْهُمْ بعضَ التَّفاصيلِ الصَّغيرة. ونَقرأُ في مَتَّى 22: 41 كيفَ ابتدأَ الأمْرُ. وإليكُم ما قالَهُ يَسوعُ أوَّلًا: "مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟" "مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟" فقالوا لَهُ كَلِمَتَيْنِ لا غَيْر: "ابْنُ داوُد". وقد كانَ هذا هوَ ما يَتَوَقَّعُ مِنهُم أنْ يَقولوه تَمامًا. مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ مَا رَأيُكُمْ فِي الْمَسِيَّا؟ لِنَتَحَدَّثْ عنْ طَبيعةِ المَسِيَّا. لِنَتَحَدَّثْ عن جَوْهَرِ المَسِيَّا. ابْنُ مَنْ هُوَ؟ وما الطَّبيعةُ الَّتي يَتَّصِفُ بها؟ وقد أَجَابوهُ حالًا بالجوابِ اليَهودِيِّ التَّقليديِّ: "ابْنُ داوُد".

ونأتي الآنَ إلى لوقا فنَقرأُ أنَّ يَسوعَ قال: "كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟" كيفَ وَصَلْتُمْ إلى هذا الاستنتاج؟ إنَّهُ يُحاجِجُهُمْ في جَوابِهِم المُعْتاد لأنَّهُ كانَ الجَوابَ المَألوفَ لديهم. فقد كانوا يُؤمنونَ أنَّ المسيَّا سيكونُ مُجَرَّدَ إنسانٍ وحَسْب. ولكنَّهُ سيكونُ خَيْرُ النَّاسِ، وَأشْرَفُ النَّاسِ، وأكْثَرُ النَّاسِ تَمَتُّعًا بالمواهبِ والبَرَكاتِ، وَأنَّهُ سيكونُ مِنْ نَسْلِ داود. وأُذَكِّرُكُم مَرَّةً أخرى أنَّ السُّؤالَ الرِّئيسيَّ للمسيحيَّةِ يَخْتَصُّ بطبيعةِ يسوعَ المسيح. فإنْ كانَ مُجَرَّدَ إنْسانٍ آخَر، فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَكْذِب، وَهُوَ ليسَ الله، ويُمْكِنُكُمْ أنْ تَنْسَوْا أمْرَ المسيحيَّة. إذًا فقد كانوا مُقْتَنِعينَ أنَّ المسيَّا سيكونُ مُجَرَّدَ إنْسانٍ. لذلكَ فقد طَرَحَ عليهم هذا السُّؤالَ المُهِمَّ جِدًّا، والجَوهريَّ جِدًّا، والضَّروريَّ جِدًّا. وأنا أُسَمِّيهَ "سُؤالًا فَاحِصًا" لأنهُ يَفْحَصُ أعْماقَ المَرْءِ رُوْحِيًّا.

وقد أَعْقَبَهُ جَوابٌ هَزيلٌ ... جَوابٌ هَزيلٌ. فقد أجابوا قائِلين: "ابْنُ داود" (كَما قَرَأتُ لَكُمْ مِنْ إنْجيل مَتَّى 22). "ابْنُ داوُد" ... "ابْنُ داود". وهل هذا صحيح؟ أَجَل. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ صموئيلَ الثَّاني 7: 12-14 نُبوءَةً واضِحَةً أنَّ المسيَّا سيَأتي مِنْ نَسْلِ داود. وإذا قَرأتُم المزمور 89، ستَجِدونَ ذلكَ هُناكَ خَمْسَ أوْ سِتَّ مَرَّاتٍ. فالمسيَّا سيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ داوُد. ونَقرأُ في سِفْرِ عاموس 9: 11 وسِفْرِ ميخا 5: 2 أنَّهُ سيَأتي مِنْ نَسْلِ داود.

وقد كانَ هذا هوَ ما يُؤمنُ بهِ اليهودُ عامَّةً في زمنِ يسوع. وقد كانَ ذلكَ واضحًا تمامًا مِنْ خِلالِ العهدِ القديمِ، وكانوا جميعًا يؤمنونَ بِذلك. فمثلًا، نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 9: 27: "وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، تَبِعَهُ أَعْمَيَانِ يَصْرَخَانِ وَيَقُولاَنِ: «ارْحَمْنَا يَا ابْنَ دَاوُدَ!»". ولكِنْ لم يَكُنِ المَسِيَّا فقط ابْنًا لداود. فهذا أمْرٌ كانَ يَعْلَمُهُ الجَميع. ولكِنَّ يَسوعَ كانَ في الحقيقةِ ابْنًا لداود. فقد كانَ مِنْ نَسْلِ داوُد. ومِنَ الواضحِ أنَّ الشعبَ كانوا يَعلمونَ ليسَ فقط أنَّ المسيَّا سيكونُ مِنْ نَسْلِ داود، بل أيضًا أنَّ يَسوعَ هُوَ ابْنُ داود.

والحقيقةُ هي أنَّ هذا كانَ تَعبيرًا شائعًا في إنْجيل مَتَّى 12: 23، بعدَ أنْ شَفَى يسوعُ رَجُلًا مَجْنونًا أَعْمى وأَخْرَس. "فَبُهِتَ كُلُّ الْجُمُوعِ وَقَالُوا: «أَلَعَلَّ هذَا هُوَ ابْنُ دَاوُدَ؟»" وهذا يَدُلُّ مَرَّة أخرى على فَهْمِهِمْ لحقيقةِ أنَّ المسيَّا سيكونُ ابنًا لداود.

ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 15: 22: "وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: «ارْحَمْنِــي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِــي مَجْنُونَةٌ جِدًّا»". هَذا مَذكورٌ في إنْجيلِ مَتَّى 15: 22. ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 20: 30 أنَّ حَشْدًا كبيرًا تَبِعَهُ وَهُوَ خارِجٌ مِنْ أريحا. وَإِذَا أَعْمَيَانِ جَالِسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ. فَلَمَّا سَمِعَا أَنَّ يَسُوعَ مُجْتَازٌ صَرَخَا قَائِلَيْنِ: "ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!" وعندما دَخَلَ المدينةَ: صَرَخَ النَّاسُ قَائِلِين: "أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ!" (في إنجيل مَتَّى 21: 9). لذلكَ فقد كانَ الجميعُ يَفهمُ ذلك. ونقرأُ أيضًا في إنجيل لوقا 18: 38 و 39 نَفْسَ التَّعبيرِ المُسْتَخْدَم في حادِثَةِ الأعْمَيَيْنِ في أريحا: "ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!".

صحيحٌ أنهُ كانَ مِنْ نَسْلِ داوُد. فسِلْسِلَةُ النَّسَبِ في الأصْحاحِ الأوَّلِ مِنْ إنْجيلِ مَتَّى تَقولُ إنَّهُ كانَ مِنْ نَسْلِ داوُد. وسِلْسلةُ النَّسبِ في الأصحاحِ الثالثِ مِن إنجيلِ لوقا تقولُ إنهُ كانَ مِنْ نَسْلِ داود. وقد كانَ أبوهُ يُوسُفُ مِنْ نَسْلِ داود. وكانتْ أُمُّهُ مَرْيَم مِنْ نَسْلِ داوُد. لذلكَ فقد كانَ يَسوعُ وَريثًا للنَّسَبِ المُلوكِيِّ مِنَ الجِهَتَيْنِ: مِنْ خِلالِ رابِطَةِ الدَّمِّ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ، وَمِنْ خِلالِ حَقِّهِ الشَّرْعِيِّ مِنْ خِلالِ أبيهِ، مَعَ أنَّ يُوسُفَ لم يَكُنْ أبًا لَهُ مِنْ جِهَةِ الوِلادَةِ البَشَرِيَّةِ. وبالرَّغْمِ مِن ذلكَ فقد كانَ ابْنًا لداود.

وبالمناسبة، لو لم يكن يَسوعُ ابنًا لداود لَواجَهوهُ بهذهِ الحَقيقَةِ بسُرعة لأنَّ الكَتَبَةَ والفَرِّيسيِّينَ والصَّدُّوقيِّينَ كانوا يَحْتَفِظونَ بسِجِلَّاتٍ دقيقةٍ جِدًّا جِدًّا للأنساب. ولكنَّها تَلَفَتْ جَميعَها في سنةِ 70 ميلاديَّة في واحدةٍ مِنْ أكْبَرِ الخَسائِرِ الَّتي مُنِيَ بِها اليهود في حَياتِهِم. ولكِنْ لا بُدَّ مِنَ القولِ إنَّهُ كانَ يَتِمُّ تَتَبُّعُ الأجْناسِ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ والعائلاتِ بِكُلِّ دِقَّةٍ مِنْ خِلالِ سِلْسِلَةِ النَّسَبِ في الجِنْسِ اليهودِيِّ. وقد كانَتْ هُناكَ سِجِلَّاتٌ دقيقةٌ بذلك. ولو لم يكن يسوعُ في الحقيقة ابْنًا لداود، لاكتشفوا ذلكَ حالًا مِنْ خِلالِ سِجِلَّاتِ الأنْسابِ المحفوظةِ في الهيكلِ، وكَذَّبوهُ في ذاتِ اللَّحْظَة.

وقد كانَ الكَتَبَة يَحتفظونَ بهذه السجلاتِ بعنايةٍ شديدةٍ وفائقةٍ مِن أجلِ الحفاظِ على المعلوماتِ المختصَّةِ بالأسباطِ والعشائرِ والميراثِ مِن أجلِ الملكوتِ المجيدِ والعظيمِ الَّذي كانوا يَترقَّبونَ مَجيئَهُ. وقد كانَ منَ السَّهْلِ عليهم أن يَتَحَقَّقُوا من هذا الأمر. وأنا على يقينٍ أنهم تَحَقَّقُوا مِن ذلكَ وأنهم كانوا يَعلمونَ، في الحقيقةِ، أنهُ أبنُ داود. لذلكَ فقد كانَ جوابهم صحيحًا. ولكنه كانَ جوابًا ناقصًا. فهوَ ليسَ جوابًا خاطئًا، ولكنه كانَ جوابًا ناقصًا وغير مُكْتَمِل.

والحقيقةُ هي أنهُ عندما دَعاهُ الشَّعْبُ "ابنَ داود ... ابنَ داود"، فإنَّ رَدَّ فِعْلِ القادةِ على ذلكَ كانَ سلبيًّا لأنهم كانوا يَعلمونَ أنهم لا يَدعونهُ "ابنَ داود" لمُجَرَّد ذِكْرِ نَسَبِهِ، بل إنهم كانوا يَدعونَهُ ابنَ داود بوَصْفِهِ ابْنَ داود الَّذي هُوَ أيضًا المسيَّا. لذلكَ فقد كانوا مُسْتائين. فقد كانَ هناكَ عشراتُ الآلافِ مِنَ الأشخاصِ الذينَ جَاءُوا مِنْ صُلْبِ داود. وكانَ مِنَ الحَسَنِ أنْ يكونَ مِنْ واحدٍ مِنْ تلكَ الأنْسابِ، ولكِنْ أنْ يكونَ ابْنَ داود فإنَّ هذا لَقَبًا يُشيرُ إلى أنَّهُ المَسِيَّا. لذلكَ فقد أجابوا إجابةً صحيحةً بأنَّ المسيَّا سيكونُ مِنْ سُلالَةِ داود وبأنَّهُ سيكونُ مِنْ نَسْلِ داود. ولكنَّ تلكَ الإجابةَ لم تَكُنْ كافِيَة.

لذا فإنَّنا نَنتقلُ مِنَ السُّؤالِ الفاحِصِ والجوابِ غيرِ الكامِلِ إلى ما سَأُسَمِّيه "الواقِعَ الإلَهِيَّ" ... الواقِعَ الإلهِيَّ. وهذا مُدْهِشٌ. وهَذا يُرينا الكَثيرَ مَرَّة أخرى. فنحنُ نَقرأُ ابتداءً مِنَ العدد 42: "وَقَالَ لَهُمْ: «كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ وَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ الْمَزَامِيرِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِذًا دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟»". وهذا مُدْهِشٌ حقًّا.

واسمحوا لي أنْ أُطْلِعَكُمْ على ما كانَ يَسوعُ يَفْعَلُهُ هُنا في هذهِ المُجادَلَةِ. لماذا تَدْعونَ المَسِيَّا ابْنَ داودَ فقط في حينِ أنَّ داوُدَ نَفْسَهُ يَقولُ في المزمور 110: 1 (وَهُوَ المَزمورُ الَّذي يَقْتَبِسُهُ – المَزمور 110: 1): "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»".

والآنْ، دَعوني أُطْلِعُكُمْ على أسَاسَ حُجَّةِ رَبِّنا. فقد كانَ كُلُّ شخصٍ ... كانَ كُلُّ شَخصٍ يَعرفُ أنَّ المزمور 110 هُوَ مَزمورٌ مَسيحانِيٌّ ... كُلُّ شخصٍ. فالتَّفسيرُ اليَهودِيُّ المِعيارِيُّ والمُتَعارَفُ عليهِ للمزمور 110 هُوَ أنَّهُ يَتحدثُ عنِ المسيَّا الآتي. وهذا المسيَّا الَّذي سيأتي هُوَ الَّذي سيَجلسُ عَنْ يمينِ اللهِ (إشَارَةً إلى القُوَّةِ والسُّلْطانِ) ويَجْعَلُ كُلَّ أعْداءِ إسْرائيلَ (الذينَ هُمْ أيْضًا أعْداءُ اللهِ) مَوْطِئًا لِقَدَمَيْهِ. فَهُوَ البَطَلُ المُنْتَصِرُ. إنَّهُ البَطَلُ المُنْتَصِرُ. وهذا شَبيهٌ جِدًّا بالمزمورِ الثَّاني. وقد كانَ هذا هوَ تَفسيرُ اليهودِ للمزمور 110. وقد كانَ هذا هُوَ التَّفسيرُ المُتَداوَل. فَهُوَ مَزْمورٌ مَسيحانِيٌّ. فعندما يَأتي المسيَّا، فإنَّهُ سيَجْلِسُ عَنْ يَمينِ اللهِ (وَهُوَ تَعْبيرٌ يَرْمِزُ إلى سُّلْطانِ اللهِ وقُوَّتِهِ). وَهُوَ سَيُخْضِعُ جَميعَ أعْداءِ اللهِ (أيْ أعداءَ إسرائيل) ويُخْضِعُهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْه.

وبالمناسبة، يُمكننا التَّوسُّعُ في هذا التَّفسير. فلم يَكُنْ أَحَدٌ يَرْغَبُ في أنْ يَكونَ تَحْتَ قَدَمِ أيِّ حاكِمْ لأنَّ ذلكَ كانَ يُشيرُ إلى الإعْدام. فنحنُ نَقرأُ في الأصْحاحِ العاشِرِ مِنْ سِفْرِ يَشوع أنَّهُمْ أَحْضَروا خَمْسَةَ مُلوكٍ أمامَ يَشوع. ثُمَّ نَقرأُ ابْتِداءً مِنَ العدد 24: "وَكَانَ لَمَّا أَخْرَجُوا أُولئِكَ الْمُلُوكَ إِلَى يَشُوعَ أَنَّ يَشُوعَ دَعَا كُلَّ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ لِقُوَّادِ رِجَالِ الْحَرْبِ الَّذِينَ سَارُوا مَعَهُ: «تَقَدَّمُوا وَضَعُوا أَرْجُلَكُمْ عَلَى أَعْنَاقِ هؤُلاَءِ الْمُلُوكِ». فَتَقَدَّمُوا وَوَضَعُوا أَرْجُلَهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 26: "وَضَرَبَهُمْ يَشُوعُ بَعْدَ ذلِكَ وَقَتَلَهُمْ وَعَلَّقَهُمْ عَلَى خَمْسِ خَشَبٍ".

لذلكَ فقد كانَ الجميعُ يَعْلَمونَ مَعْنى العِبارَة "أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ". فَهِيَ تَعْني أنْ يَضَعَ قَدَمَهُ على رِقابِ أَعْدائِهِ. فهذا مَزْمورٌ مَسيحانِيٌّ. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ المسيَّا سيأتي ويُهْلِكُ أعْداءَ اللهِ لأنَّ هذا هو ما تَنَبَّأَ عنهُ العهدُ القديم. إذًا، إنْ كانَ هذا المزمورُ مَسيحانِيًّا، والمسيَّا سيكونُ ابنًا لداود، كيفَ يَدعوهُ داودُ "رَبّ"؟

فالعَدَدُ الأوَّلُ مِنَ المَزمور 110 يَبْتَدَئُ بهذهِ الكلمات: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي". والمقصودُ هنا هوَ أنَّ يَهْوَه يَتحدثُ إلى المسيَّا، وداودُ يَقولُ إنَّ المسيَّا رَبُّهُ. ولكِنْ كيفَ يُمْكِنُ للمسيَّا أنْ يكونَ ابْنَ داوُدَ وَرَبَّ داوُد؟ هناكَ طريقة واحدة فقط وَهِيَ أنْ يكونَ اللهُ الأزَلِيُّ الَّذي صارَ إنْسانًا. فينبغي أنْ يكونَ إلهًا أبديًّا صارَ في الوقتِ المُعَيَّنِ إنْسانًا.

وقد كانَ هذا الكلامُ صَاعِقًا بالنِّسبةِ إليهم. والحقيقةُ هي أنَّ هذهِ المُجادلةَ كانَتْ صادِمَةً جِدًّا حتى إنَّ اليهودَ ظَلُّوا مُشَوَّشينَ لقرونٍ عديدةٍ بسببِ هذهِ الحادثةِ تَحديدًا. وبعدَ فترةٍ ليستْ طويلة مِنَ اكْتِمالِ العهدِ الجديدِ وتَوَفُّرِهِ بينَ أيْدي النَّاسِ، غَيَّرَ اليهودُ مَوقِفَهُمْ مِنَ المزمور 110 وقالوا إنهُ يُشيرُ إلى إبراهيم بطريقة غريبة جدًّا. وهناكَ مَنْ يَقول: "لا، إنهُ يُشيرُ إلى مَلْكي صَادِق". وهناكَ مَنْ يَقولُ: "لا، إنهُ يُشيرُ إلى يهوذا المَكابِيِّ" الَّذي كانَ حاكِمًا ما بينَ سَنَةِ 135 وسنة 143 (أوْ بالأحْرى ما بينَ سنة 143 وسنة 135 قبلَ الميلاد). والأشخاصُ الَّذينَ اقْتَرَحوا فِكرةَ يهوذا المَكابِيَّ أخذوا النَّصَّ العِبْرِيَّ وفَسَّروهُ بِطَريقَةٍ رَمْزِيَّةٍ لِكي يَجْعَلوهُ يُشيرُ إلى اسْمِ يَهوذا المَكابِيِّ. فَهُمُ الَّذينَ ابْتَدَعوا ما يُعْرَفُ بالرُّموزِ الكِتابِيَّةِ. وقد فَعَلَ هؤلاءِ كُلَّ ما أَمْكَنَهُمْ فِعْلُهُ للتَّلاعُبِ بِنَصِّ المَزمور 110 ولِجَعْلِهِ غَيْرَ مَسيحانِيٍّ لأنَّهُ إنْ كانَ الرَّبُّ يَتَحَدَّثُ فيهِ إلى المسيَّا، وكانَ المسيَّا هوَ ابْنُ داود (وَهُوَ كَذلكَ بِكُلِّ تَأكيدٍ)، فإنَّ داوُدَ يَدعوهُ أيضًا "رَبَّهُ".

إنَّ المسيَّا إنْسانٌ، وَهُوَ الله. فَهُوَ الابْنُ الأزَلِيُّ للهِ، وَهُوَ أيضًا إنْسانٌ، ابْنُ داوُد. وَهُوَ ابْنُ داوُد، وَرَبُّ داوُد. ولو أنَّهُ كانَ مُجَرَّدَ واحِدٍ مِنْ نَسْلِ داودَ الَّذينَ سيُولَدونَ بَعْدَ قُرونٍ عَديدةٍ، كيفَ يَدْعوهُ داودُ بصيغةِ المُضارِعِ: "رَبِّي"؟ وإذا كُنتم لا تَعتقدونَ أنَّ التَّدقيقَ في تَفسيرِ الكِتابِ المُقَدَّسِ مُهِمٌّ، وَأنَّهُ يَقْتَضي أيضًا التَّدقيقَ في الضَّمائِرِ الشخصيَّةِ، فإنَّ هذا النَّصَّ سيُصَحِّحُ نَظْرَتَكُمْ. أليسَ كذلك؟ إذًا، ما أهميَّةُ التَّركيزِ على الكلماتِ، والعِباراتِ، وَحَتَّى على حُروفِ الجَرِّ والضَّمائِرِ؟

حسنًا، هناكَ مُفَسِّرونَ مُتَحَرِّرونَ يَقولون: "لقد أَخْطَأَ داودُ في قَوْلِ ذلك. وقد كانَتْ تلكَ لَحْظَةُ جُنونٍ مِنْ داوُد. لقد كانَ مُخْطِئًا". وإذا كُنتُم تَقرأونَ إنجيلَ لوقا، قد تَستنتجونَ أنَّ داودَ قالَ ذلكَ مَعَ أنَّهُ لم يَكُنْ يَنبغي أنْ يَقولَ هذا الكَلام. ولكِنَّنا نَقرأُ في إنْجيل مَتَّى 22: 43 (اسْتَمِعوا إلى ذلك) ... نَقرأُ أنَّ دَاوُدَ قَالَ ذلكَ بِالرُّوح. أوْ، إذا شِئْتُمْ، إنْجيل مَرْقُس 12: 36: "لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ". ومِنَ الواضِحِ أنَّهُ لا يُشيرُ هُنا إلى الرُّوحِ البشريَّة. فَقَدْ قالَ ذلكَ ... لقد قالَ ذلكَ بالرُّوح. لقد قالَ ذلكَ بالروحِ القُدُس. لذلكَ فإنَّ جَميعَ الأَساساتِ مَوجودة هُنا.

إذًا فإنَّ ما قالَهُ داوُدُ لم يَكُنْ خَطَأً، بل كانَ صَحيحًا، وصحيحًا تَمامًا، ودَقيقًا تَمامًا. ونَجِدُ في إنْجيلِ مَرْقُس نَفْسَ الصيغَةِ الموجودة في أعْمالِ الرُّسُل 4: 25 إذْ نَقْرَأُ: "الْقَائِلُ [بالرُّوحِ القُدُسِ] بِفَمِ دَاوُدَ فَتَاكَ". فالكَلامُ هُنا هُوَ نَفْسُهُ. فروحُ اللهِ هوَ الَّذي أَوْحَى لداودَ أنْ يَقولُ ذلك. وقد قالَ داودُ عَنِ المسيَّا (الَّذي لم يكن قد جاءَ بَعْد في ذلكَ الوقت): "رَبِّي". وهذا يُذَكِّرُني بما قالَهُ تُوما حينَ رَأى يَسوعَ بعدَ قِيامَتِهِ إذْ قال: "رَبِّي وَإِلهِي!".

وقد كانَ ذلكَ كافِيًا لإثارَةِ الرُّعْبِ الدَّائِمِ في قُلوبِهِمْ لأنَّهُ فَسَّرَ المَزمورَ الَّذي كانوا يُؤكِّدونَ جَميعًا أنَّهُ مَسيحانِيٌّ. وقد عادَ اليهودُ، ابْتِداءً مِنَ العُصورِ الوُسْطى وَحَتَّى الآنْ (ولا سِيَّما أولئكَ الذينَ يَأخذونَ كلمةَ اللهِ على مَحْمَلِ الجِدِّ)، عادوا إلى حقيقةِ أنَّ هذا المَزمورَ هُوَ مَزمورٌ مَسيحانِيٌّ عَامَّةً. ولا أعْلَمُ ما الذي يَفْعَلونَهُ للتَّمَلُّصِ مِنْ حَقيقَةِ أنَّ هذا يَعني أنَّ المسيَّا كانَ حَيًّا في زَمَنِ داوُدَ، وَأنَّهُ جاءَ أيْضًا في المُستقبلِ مِنْ نَسْلِ داود. ولكِنْ إنْ كانوا يُفَكِّرونَ أصْلًا، فإنَّ هذِهِ الحُجَّةَ هِيَ حُجَّةٌ قَويَّةٌ للرَّبِّ يَسوعَ المسيح.

وفي يومٍ ما، بِمُقْتَضى مَقاصِدِ اللهِ، وَعِنايَتِهِ، وخُطَّتِهِ الكامِلَةِ، سوفَ يَأتي المسيَّا لِيَسُودَ وَلْيَضَعَ قَدَمَهُ على أعْناقِ أعْدائِهِ في ذلكَ الحَدَثِ الأُخْرَوِيِّ العَظيمِ المُتَمَثِّلِ في عَوْدَتِهِ المَجيدَةِ، ودَينونَتِهِ، وتَأسيسِ مَمْلَكَتِهِ. ولكِنْ إلى أنْ يَأتي ذلكَ اليوم، فإنَّ قَدَمَهُ مَوضوعَةٌ على عُنُقِ أعْدائِهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ. فدينونةُ المسيحِ للخُطاةِ والرَّافِضينَ لا تَنْتَظِرُ الدَّينونةَ الأخيرةَ. بل إنها مُسْتَمِرَّةٌ في كُلِّ يومٍ. فأعْداؤُهُ هُمْ دائمِاً تَحْتَ قَدَمَيْه.

ثُمَّ نَجِدُ تَلْخيصَ الأمْرِ كُلِّهِ في العدد 44: "فَإِذًا دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا". ثُمَّ يَأتي السُّؤال: "فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟" فَقَدْ كانوا أمامَ مُعْضِلَةٍ لا حَلَّ لها. وقد كانَ ذلكَ كَفيلًا بِرَدْعِ اليهودِ تمامًا. والحقيقةُ هي أنَّ هذا هوَ ما يَقولُهُ مَتَّى. فَمَتَّى يَقولُ أَسَاسًا ما يَقولُهُ لوقا قَبْلَ هَذِهِ الحادِثَةِ. فَمَتَّى يَقولُها بَعْدَ هذهِ الحادِثَةِ إذْ نَقرأُ في العدد 46: "فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً".

وبعدَ المُجادَلَةِ مَعَ الصَّدُّوقِيِّين، يَقولُ لوقا إنَّ الأمْرَ انْتَهى. ولكِنَّ الفَريسيِّينَ جَاءوا إليهِ ثانِيَةً بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ معًا. وقد كانَتْ هناكَ مَسْألةٌ أُخرى يُريدونَ أنْ يَطرحوها عليه. وقد تَصَدَّى لهم يَسوعُ في تلكَ المَسْألة. وقدِ انْتَهى الأمْر. ولكنَّهُ جاءَ إليهم. بعدَ ذلك، كانَ أمْرُهُمْ قدِ انْتَهى بِكُلِّ تَأكيد. ويقولُ لوقا إنَّهُ لم يَعُدْ لديهم شيءٌ يَقولونَهُ. إذًا، فقد طَرَحَ يسوعُ السُّؤالَ. وَهُمْ لم يَتمكَّنوا مِنَ الإجابةِ عليه. لذلكَ فقد صَمَتوا صَمْتًا مُطْبِقًا.

لا يوجدُ مكانٌ تَذْهَبُ إليه إنْ رَفَضْتَ يسوعَ المسيح. لذلك، لا تحاول إيجادَ المُبَرِّراتِ قائلًا إنَّكَ تَعتقدُ أنَّ يسوعَ شَخْصٌ صَالِحٌ وأنَّ الكِتابَ المقدَّس كِتابٌ رائع. فالكتابُ المقدَّسُ يقولُ إنَّ يسوعَ هوَ الله. وَهُوَ ابْنُ داودَ وَرَبُّ داود. وَهُوَ اللهُ-الإنسان. فإذا كنتَ تُؤمنُ بذلك، فإنَّكَ تُقِرُّ بما يقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ. أمَّا إنْ لم تَكُن تؤمنُ بذلكَ فإنَّكَ تُنْكِرُ الكِتابَ المقدَّسَ. وحينئذٍ يكونُ الكتابُ المقدَّسُ في نَظَرِكَ مُجَرَّدَ خِداعٍ، ويكونُ يَسوعُ بالنِّسبةِ إليكَ شَخْصًا مُحْتالًا، ويكونُ الكِتابُ المقدَّسُ في نَظَرِكَ مَليئًا بالأكاذيب. وإنْ كانَ هذا صحيحًا، اتْرُكِ المَسيحيَّةَ، واتْرُكِ الكَنيسَةَ، وابْتَعِدْ عَنها قَدْرَ ما تَسْتَطيع. أمَّا إذا كانَ الكتابُ المقدَّسُ صحيحًا (وَهُوَ كذلك)، ويَسوعُ هُوَ اللهُ المُتَجَسِّدُ في هَيْئَةِ إنْسانٍ، فإنَّ ما يَقولَهُ صَحيحٌ، وَما فَعَلَهُ هُوَ الطَّريقُ الوَحيدُ للخَلاصِ، والإيمانُ بِهِ وَحْدَهُ هُوَ الطَّريقُ إلى السَّماء.

ويمكننا أنْ تَتَحَدَّثَ عَنْ لاهوتِ يَسوعَ المسيحِ بِطُرُقٍ عَديدةٍ جدًّا. فَهُوَ يُظْهِرُ صِفاتِ اللهِ: فقد كانَ كُلِّيَّ القَدْرَةِ. فقد كانَ يَأمُرُ الطَّبيعَةَ، ويأمُرُ الشَّياطينَ، ويأمُرُ العالَمَ المادِّيَّ، ويأمُرُ المَوْتَ، ويأمُرُ الحَياةَ، ويَغْفِرُ الخَطايا. وقد كانَ كُلِّيَّ الحُضورِ. فقد كانَ قادرًا على الوُجودِ في أيِّ مَكانٍ في أيِّ وقتٍ إنْ أرادَ ذلك. وقد كانَ كُلِّيَّ العِلْمِ. فقد كانَ يَعْلَمُ كُلَّ شيءٍ بما في ذلكَ أفكارَ البَشَر. وقد كانَ ثابتًا وَلا يَتَغَيَّرُ البَتَّة. وقد كانَ قُدُّوسًا، وحكيمًا، وصَاحِبَ سُلْطانٍ، ومُحِبًّا، وأبديًّا، ومَجيدًا دُوْنَ أنْ يَتَغَيَّر. فَهُوَ الله. وَهُوَ مُعادِلٌ للهِ وَلا يَقِلُّ عَنْهُ في شَيء.

وَإنْ أرادَ اللهُ أنْ يَصيرَ إنْسانًا – فَلْنَفْتَرِضْ ذلكَ جَدَلًا. إنْ أرادَ اللهُ أنْ يَصيرَ إنْسانًا، ماذا نَتوقَّعُ مِنْهُ أنْ يَكون؟ حسنًا، أعتقدُ أنَّنا نَتوقَّعَ مِنْهُ، في المقامِ الأوَّلِ، أنْ يَكونَ بِلا خَطِيَّة لأنَّ اللهَ، أيِ اللهَ الحَقيقيَّ الَّذي أَعْلَنَ عَنْ ذاتِهِ في الكِتابِ المقدَّسِ قُدَّوسٌ: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوس". لذلكَ، إنْ أرادَ اللهُ أنْ يَصيرَ إنْسانًا، فإنهُ سيكونُ بلا خطيَّة. وهل كانَ يسوعُ بلا خطيَّة؟ أجل. فحتَّى أعداؤُهُ لم يتمكَّنوا مِنْ إمْساكِ تُهْمَةٍ واحِدَةٍ عليه. فقد كانَ قُدُّوسًا، ومُسالِمًا، وطاهِرًا، ومُنْفَصِلًا عَنِ الخُطاة.

وإنْ أرادَ اللهُ أنْ يَصيرَ إنسانًا، فإننا نَتوقَّعُ منهُ لا أنْ يكونَ بِلا خطيَّة فحسب، أيْ أنْ يَكونَ خَاليًا مِنَ الخطيَّةِ فقط، بل نَتوقَّعُ مِنهُ، ثانيًا، أنْ يكونَ بارًّا تَمامًا. فينبغي أنْ يكونَ أَطْهَرَ شَخْصٍ عاشَ على الأرْض.

وإنْ أرادَ اللهُ أنْ يَصيرَ إنسانًا، فإننا نَتوقَّعُ أنْ تَكونَ كَلِماتُهُ أَعْظَمَ كَلِماتٍ قالَها إنْسانٌ لأنَّهُ يَنبغي أنْ يَمتَلِكَ أعْظَمَ ذَكاءٍ، وأعْظَمَ حِكْمَةٍ، وأعْظَمَ حَقٍّ، وأعْظَمَ طَريقةٍ للتَّعبيرِ عنْ هذا الحَقِّ. وقد كانتْ كلماتُ يسوعَ مُخْتَلِفَةً تَمامًا عَنْ أيِّ كَلامٍ قالَهُ أيُّ شخصٍ في أيِّ زمانٍ وأيِّ مكانٍ. وقد قيلَ عَنْهُ: "لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ!" وقد قالَ هُوَ: "آمِنوا بي لأجْلِ أعمالي". فقد كانَ بلا خَطِيَّة، وكانَ بارًّا، وكانَ ذو سُلْطانٍ. "وآمِنوا بي لأجْلِ كَلامي".

وإنْ أرادَ اللهُ أنْ يَصيرَ إنسانًا، فإننا نَتوقَّعُ منهُ أنْ يُظْهِرَ قُوَّةً خارقةً بسهولةٍ لأنَّ ذلكَ سيكونُ انْعِكاسًا لطبيعَتِهِ. وقد كانَ يَسوعُ يُسَيْطِرُ على الطَّبيعةِ، ويَشفي النَّاسَ، ويَمشي على الماءِ، ويُقيمُ المَوتى، ويُهَيْمِنُ على مَمْلَكَةِ الشَّياطينِ، ويَنْجو مِنَ الأشْخاصِ الَّذينَ يُحاوِلونَ قَتْلَهُ قَبْلَ الأوان. وقد صْنَعَ مُعْجِزاتٍ كثيرةً لا يُمْكِنُ عَدُّها. لذلكَ فإنَّ يُوحَنَّا يَخْتِمُ إنْجيلَهُ بالقولِ إنَّ الآياتِ الَّتي صَنَعَها يَسوعُ لا تَتَّسِعُ لها كُلُّ الكُتُب.

وإنْ أرادَ اللهُ أنْ يَصيرَ إنسانًا، فإننا نَتوقَّعُ منهُ أنْ يُمارِسَ نُفوذًا كَبيرًا على البشريَّةِ. وقد فَعَلَ يَسوعُ ما لم يَفْعَلهُ أيُّ إنسانٍ في التاريخِ البشريِّ. فقد غَيَّرَ العالَم.

وإنْ أرادَ اللهُ أنْ يَصيرَ إنسانًا، فإننا نَتوقَّعُ منهُ أنْ يُظْهِرَ مَحَبَّةَ اللهِ، ونِعْمَةَ اللهِ، ولُطْفَ اللهِ، وتَعاطُفَ اللهِ. وهُوَ يَفْعَلُ ذلك. ونحنُ نَتوقَّعُ مِنْهُ أيضًا أنْ يُظْهِرَ عَدالَةَ اللهِ، وغَضَبَ اللهِ. وَهُوَ يَفْعَلُ ذلك.

وإنْ قَرأتُمُ العهدَ القَديمَ يُمكنكُم أنْ تَتخيَّلوا اللهَ. وإنْ قَرأتمُ العهدَ الجديدَ ستجدونَ أنَّ المسيحَ هُوَ التَّعبيرُ الكامِلُ عَنِ اللهِ في هيئةٍ بَشريَّةٍ. وهذا واضحٌ في عِبرانِيِّين 1.

ولكنَّ اليهودَ لم يُصَدِّقوا ذلك. فبِصَرْفِ النَّظَرِ عَمَّا كانَ يَقومُ بِهِ، لم يكونوا يُصَدِّقونَهُ. انْظُروا إلى الأصْحاحِ الثَّاني والعِشرينَ مِنْ إنجيل لوقا (إنجيل لوقا 22: 66). وقد حَدَثَ ذلكَ بعدَ القبضِ عليهِ. العدد 66: "وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ اجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ الشَّعْبِ [أيِ القادَةُ]: رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ، وَأَصْعَدُوهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ قَائِلِينَ [اسْتَمِعوا إلى ما قالوه]: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمسِيحَ، فَقُلْ لَنَا!» هَلْ تَمْزَحون؟ أَتريدونَ أنْ تَعْلَموا كَمْ كانوا مُتَحَجِّري القُلوبِ؟ «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمسِيحَ، فَقُلْ لَنَا!» فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ، [أيْ: ما النَّفْعُ؟] وَإِنْ سَأَلْتُ لاَ تُجِيبُونَنِي»".

أتَعلمونَ أنَّهم لم يُنْكِروا يومًا مُعْجِزاتِهِ؟ ولا واحِدَةً مِنْها. وَهُمْ لم يُنْكِروا يومًا حِكْمَةَ يَسوع. وَهُمْ لم يَعْتَرِضوا يومًا على تَفْسيرِهِ للأسفارِ المُقَدَّسَةِ. وَهُمْ لم يُشَكِّكوا يومًا في الإجاباتِ الَّتي قَدَّمَها. ولكنَّهم لم يُؤمِنوا بِهِ. وهذا خَطَأٌ فَادِحٌ يَقْتَرِفُهُ الناسُ طَوالَ التَّاريخِ حَتَّى اليوم.

وماذا بِشَأنِكَ؟ هل أنْتَ مَعَ هؤلاءِ القادَةِ القُساةِ القُلوبِ الذينَ يَرَوْنَ كُلَّ شيءٍ ولَكِنَّهُمْ لا يَرَوْنَ شيئًا؟ والذينَ لم يُنْكِروا أيَّ شيءٍ ولكنهم يُصِرُّونَ على عَدَمِ الإيمانِ؟ أَو هل أنْتَ مَعَ أولئكَ الجَمْعِ الذينَ كانوا عاجِزينَ عَنِ اتِّخاذِ قَرارٍ حازِمٍ، وكانوا يَسْبَحونَ مَعَ التَّيَّارِ، وكانوا يَهْتِفونَ يومًا "أُوْصَنَّا" ويَصيحونَ بَعْدَ أيَّامٍ قليلةٍ: "اصْلِبْهُ"؟ فما هُوَ مَوْقِفُكَ مِنَ السُّؤالِ: "ابْنُ مَنْ هُوَ يَسوعُ المَسيح؟" فإنْ كانَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فإنَّهُ المَسِيَّا الحَقيقيّ، والرَّبّ، والمُخَلِّصُ الوحيد، والطَّريقُ الوحيدُ الَّذي يُمْكِنُ للخاطِئِ مِنْ خِلالِهِ، بواسِطَةِ الإيمانِ فقط، أنْ يَنْجو مِنْ جَهَنَّمَ وَيَدْخُلَ السَّماءَ.

يا أبانا، نَحْنُ نَرى مَرَّةً أُخرى (وكما هيَ الحالُ دائمًا)، نَرى جَمالَ وجَلالَ يَسوعَ المسيحِ مِنْ خِلالِ الكَلِمَة. ونحنُ نَرى اسْتِخْدامَهُ البَديعَ للأسفارِ المقدَّسَةِ بِهَدَفِ إظْهارِ لاهوتِهِ ومَجْدِهِ. ونحنُ نَرى تَعاطُفَهُ مَعَ الأشْخاصِ القُساةِ القُلوبِ والأشْخاصِ غيرِ الحَازِمين. ونحنُ نُدْرِكُ، يا رَبُّ، أنَّ ما سَمِعْناهُ اليومَ هُوَ دَعْوَةٌ لأولئكَ الذينَ يَرْفُضونَ عَلَنًا أوْ لا يأخذونَ قَرارًا حازمًا بِخُصوصِ السُّؤالِ: ابْنُ مَنْ أنْتَ؟ ابْنُ داوُد؟ أجل! ولكنَّكَ أيضًا ابْنُ اللهِ الأزَلِيّ، والمُخَلِّصُ الوَحيدُ إذْ إنَّكَ جِئْتَ في المَرَّةِ الأولى لتكونَ ذَبيحَةَ خَطِيَّة، وسَتأتي مَرَّةً ثانيةً لِتَكونَ المَلِكَ الوَحيد.

أُصَلِّي، يا أبانا، أنْ لا يكونَ هُناكَ أيُّ قَلْبٍ بَعيدٍ عَنْكَ في هذا المَكانِ، بل

الجميعُ المُخَلِّصَ، ويُؤمِنوا بِهِ، ويَتوبُوا، ويَقْبَلُوا هِبَةَ الحياةِ الأبديَّة. نَسْألُ هَذا باسْمِهِ. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize