Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَعودُ في دِراسَتَنا في هذا الصَّباح إلى رِسالةِ كورِنثوس الثانية والأصحاح الثَّالِث. وقد باءَتْ كُلُّ محاولاتي الجادَّة لإنهاءِ هذه الدراسة اليوم بالفشل. ويجب علينا أن ننتظر إلى الأحد القادم. وقد كان ينبغي أنْ تكون الحال كذلك في الأصل لأنَّ ما سَيَتَبَقَّى بعدَ عظة هذا الصَّباح يَصْلُح كرسالة مُستقلَّة مِنَ الربِّ إلينا. والأصحاح الثالث مِن رسالة كورِنثوس الثانية يتحدَّث عن مجد العهد الجديد. وأنا حَزينٌ على الأشخاصِ الزَّائرين أوِ الأشخاصِ الَّذينَ لم يأتوا إلى الكنيسة مُنذ فترة لأنَّ هذا هو الجزء السَّادس في هذه السِّلسلة. ولكِنَّ الأجزاءَ السَّابقة مُسَجَّلة. وهذه واحدة مِن أَهَمِّ الدِّراساتِ الَّتي قُمْنا بها. وأنا أُشَجِّعُكَم على الحصول على هذه التَّسجيلات. وهي مُتاحة في مركز التَّسجيلات.

نحنُ نَتأمَّل في مجد العهد الجديد هُنا في هذا الأصحاح. واسمحوا لي أن أَبتدئَ بهذه المُراجعة السَّريعة. فالرِّسالة المسيحيَّة هي أنَّ يسوعَ المسيحَ ماتَ لكي يَغفرَ الخطيَّة. فهذا هو الإنجيل. وهذا هو الخَبَرُ السَّارّ: أنَّ اللهَ يَعِدُ بغُفران الخطيَّة لجميعِ الذينَ يؤمنونَ بالربِّ يسوعَ المسيح. فهذا هو الخَبَرُ السَّارّ. وهذا هو الإنجيلُ المَسيحيُّ. وهذه هي رسالتنا. فكُلُّ الرِّجال والنِّساء خُطاة. وَهُمْ عاجِزونَ عنِ القيامِ بأيِّ شيءٍ لإنقاذِ أنفسهم مِن عواقبِ خطاياهم؛ أيْ مِنْ جَهَنَّم الأبديَّة، والعقاب الأبديّ تحتَ دينونةِ الله. فهذا هو الخبرُ المَشؤوم. فالعالمُ كُلُّهُ مَحكومٌ عليهِ بالذَّهابِ إلى جَهَنَّم. واللهُ يَسُدُّ كُلَّ فَمٍ. فالعالمُ كُلُّهُ مُذْنِب. وهذا يَشمَلُ كُلَّ شخصٍ حَيٍّ في الماضي، والحاضر، والمستقبل. فَهُم جميعًا في طريقهم إلى جَهَنَّم.

أمَّا الخَبَرُ السَّارُّ فهو أنَّ المَسيحَ يسوعَ، اللهَ الظَّاهرَ في جَسَدٍ بَشريٍّ، قد جاءَ إلى العالم لكي يَدفعَ الأُجرةَ عَنْ خطايا العالَم. وقد كانَ موتُهُ بَديلاً عنِ الخُطاة لكي يُشْبِعَ غَضَبَ اللهِ وعدالةَ اللهِ، ولكي يَسمحَ للهِ بأنْ يَغفِرَ لأنَّ الأُجرةَ قد دُفِعَت مِنْ قِبَلِ يسوعَ المسيح. فهذا هو الإنجيلُ المسيحيُّ. وهذا هو أيضًا العهد الجديد. هذا هو العهد الجديد. فهو الوعدُ بغُفران الخطيَّة بسبب عمل يسوعَ المسيح على الصليب. لِذا فقد قالَ يسوع: "هذا هو العَهْدُ الجَدِيدُ بِدَمِي". فهو عَهْدٌ مُصَادَقٌ عليه بِسَفْكِ الدَّم. فالعهدُ الجديدُ، أوِ الإنجيل، أوِ الخَبَرُ السَّارُّ، أو الرِّسالةُ المسيحيَّة هي مُصطلحاتٌ تُشيرُ إلى الشيءِ نفسِه. فاللهُ يَعِدُ بغُفرانِ الخطيَّة لجميعِ الَّذينَ يؤمنونَ بالربِّ يسوعَ المسيح لأنَّ المسيحَ أَرْضَى عَدالةَ اللهِ مِنْ خلالِ موتِهِ الَّذي دَفَعَ الأُجرة المطلوبة عنِ الخطيَّة.

لِذا، لم يَكُن موتُ يسوعَ على الصليب مَوتًا لأجلِه، بل موتًا لأجلِكُم ولأجلي عن خطايانا. وَهُوَ مَوْتٌ يَسْمَحُ للهِ بأنْ يُقَدِّمَ لنا الوعدَ بالخلاصِ الكامل إنْ تُبْنا وآمَنَّا. فهذا هو العهدُ الجديدُ بِدَمِه. وهذا هو الوعد. فالعَهْدُ وَعْدٌ. وهذا هو الوَعْد.

وفي المقطعِ الَّذي أمامَنا، والذي يَبتدئ بالعدد 6 ويَستمرّ إلى نهاية العدد 18، يَستعرِضُ الرُّوحُ القُدُسُ مِن خلالِ الرسولِ بولس تَفَوُّقَ العهد الجديد هذا على العهد القديم الَّذي جاءَ مِنْ خلالِ مُوسَى. والرَّسولُ بولسُ يَدعو هذا العهدَ القديم في العدد 7: "خِدْمَةَ مَوْت"، ويَدعوه في العدد 9: "خِدْمَة دَيْنُونَة". وبولُس يقول: "لقد رأيتُ ناموسَ اللهِ فَمُتُّ. فقد رأيتُ كم كُنْتُ خاطئًا مُريعًا فَقَتَلَني". فقد كانَ القصدُ مِنَ النَّاموسِ هو أنْ يَقودَ الخاطئَ إلى اليأس. وعندما يَشْعُرُ باليأسِ فإنَّهُ سَيَلتجئُ إلى اللهِ قائلاً: "لا يمكنني أنْ أحفظَ هذا النَّاموس. ولا يمكنني أنْ أحفظَ هذا المِعيار. أنا أَعلمُ أنَّني تحتَ لَعنةِ الموت. أرجوكَ أنْ تَغفِرَ لي". وبروحٍ تائبة ومُنكسرة ونادمة، فإنَّ الخاطئَ سيُلقي بنفسِهِ على رَحمةِ ونِعْمَةِ اللهِ الغَفور.

وكما قرأنا في المزمور 99 في هذا الصباح، فإنَّنا نَعلم أنَّهُم كانوا يَعلمونَ أنَّ اللهَ إلَهٌ غَفور، وأنَّهُ إلَهٌ صَفوح، وأنَّهُ يُعطي نِعمةً ورَحمةً وغًفرانًا للشخص الَّذي يأتي إليه ويَطلب ذلك. ونحنُ نَرفُضُ أيَّة رسالة تُنادي بأنَّ الخلاصَ هو بالأعمال، أو بالأخلاق، أو بالطُّقوس، أو بالشَّعائر، أو أنَّهُ حَقٌّ مُكْتَسَب. فالواعظُ الحقيقيُّ الوحيدُ (كما جاءَ في العدد 6) هو خادِمُ عهدٍ جديد. ونحنُ نَكْرِزُ بأنَّهُ يجب على جميعِ النَّاسِ أنْ يأتوا إلى المسيحِ الَّذي هو وَسيطُ العهدِ الجديد (كما جاءَ في عِبرانِيِّين 12: 24) إنْ أرادوا أنْ يَخلَصوا.

وَحَتَّى إنَّ قِدِّيسي العهد القديم الَّذي عاشوا، بِكُلِّ تأكيد، قبلَ وقتٍ طويلٍ مِنْ وِلادةِ المسيح، كانوا بحاجة إلى أنْ يأتوا إلى اللهِ وأنْ يَلتمسوا رَحمَتَهُ ونِعمتَه. وقد كانَ اللهُ يَمنحهم ذلك على أساسِ موتِ المسيح الَّذي لم يكن قد حَدَثَ بعد، بل كانَ سيحدثُ لاحقًا ويَسْري بأثَرٍ رَجْعِيٍّ. لِذا فقد عَلِمنا أنَّ قِدِّيسي العهد القديم كانوا يَخلَصونَ بموتِ المسيح. ولكنَّهم لم يكونوا يَفهمونَ ذلكَ تمامًا. وأنا واثقٌ مِنْ أنَّهم كانوا يَعلمونَ أنَّ اللهَ سَيُدَبِّر لهم مُخَلِّصًا – تَمامًا كما عَلِمَ إبراهيم أنَّ اللهَ سَيُدَبِّر خَروفًا. فقد عَلِموا ذلكَ، ولكنَّهم لم يتمكَّنوا مِن رؤيةِ ذلك. وبالرَّغمِ مِن ذلك، فقد عَمِلَ موتُ المسيحِ بأثَرٍ رَجْعِيٍّ. لِذا، فقد سَمَحَ موتُ المسيحِ للهِ أنْ يَغفِرَ الخطيَّة في العهد القديم وأنْ يَبقى عادلاً وبارًّا لأنَّ تلكَ الخطيَّة سَيُكَفَّر عنها مِن خلالِ ذبيحةِ الحَمَل المذبوح مِن قبل تأسيسِ العالم.

وقد جاءَ إلى كورِنثوس مُعَلِّمونَ كذبة يَكرِزونَ بالعهدِ القديم. ويَكْتُبُ بولسُ قائلاً: "إنَّهُم ليسوا مُعَلِّمينَ حقيقيِّين، وليسوا رُسُلاً حقيقيِّين". فالواعظُ الحقيقيُّ والمُعلِّمُ الحقيقيُّ والرَّسولُ الحقيقيُّ هو خادمٌ لِعَهْدٍ جديد. فنحنُ نَكرِزُ بالإنجيل. وهذا هو العهد الجديد والخَبَر السَّارّ. وَهُوَ يُدافع عن نفسِه في هذه الرسالة. وَهُوَ يُدافعُ عن نفسه هنا بصفته كارِزًا حقيقيًّا على النَّقيضِ مِن هؤلاء الكارِزينَ الكذبة لأنَّهُ كانَ يَكرِزُ بِحَقِّ العهدِ الجديد. ثُمَّ إنَّهُ يبتدئُ في العدد 6 بالحديثِ عن تَفَوُّقِ العهد الجديد. فهو يُسمو على العهد القديم لِعِدَّة أسباب.

والآن، اسمحوا لي أنْ أَذكرَ لكم الأسباب الَّتي تَحدَّثنا عنها: أوَّلاً، إنَّهُ يُعطي حياةً (كما جاءَ في العدد 6). فالعهدُ القديمُ يَقتُل. أمَّا العهدُ الجديدُ الَّذي بالرُّوح فَيُحْيي. ثانيًا، إنَّهُ يُنْشِئُ بِرًّا. فالعهدُ القديمُ (بحسب العدد 7) هو خِدمةُ موت. وبحسب العدد 9، إنَّهُ خِدمةُ دينونة. أمَّا العهدُ الجديد فهو خدمةُ بِرٍّ تَزيدُ في مَجْد (كما جاءَ في العدد 9).

ثالثًا، العهدُ الجديدُ دائمٌ ... دائمٌ. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في نهايةِ العدد 11 إنَّ العهدَ الجديدَ دائمٌ. فهو ليسَ زائلاً، بل هو بَاقٍ. ولن يكونَ هناكَ عهدٌ آخر. فهذا هو العهدُ الأخير. وهذا هو العهدُ النِّهائيُّ. وهذا هو الذُّروة. وهذا هو الأَوْج. وَهُوَ النِّهاية. فهو يُعطي حياةً، ويُنشِئُ بِرًّا. وَهُوَ دائمٌ.

رابعًا، إنَّهُ يُعطي رجاءً. فهو يَقولُ في العدد 12: "فَإِذْ لَنَا رَجَاءٌ مِثْلُ هذَا نَسْتَعْمِلُ مُجَاهَرَةً كَثِيرَةً". فالعهدُ الجديد هو عهدُ رجاء. خامسًا، لقد رأينا أنَّهُ كانَ واضحًا. ونحنُ نَعلمُ الآنَ أنَّ هذا النَّصَّ كُلَّهُ مَبْنِيٌّ على الحادثة المذكورة في سِفْر الخروج والأصحاح 34 بخصوصِ أنَّ مُوسَى رأى مجدَ اللهِ ووَضَعَ بُرْقُعًا على وَجهِه. وقد تَحدَّثنا عن ذلك في المرَّة الماضية في نِهايةِ العِظَة ورأينا أنَّ مُوسى كانَ مُضطرًّا إلى وَضْعِ بُرقُعٍ على وَجهِه. ثُمَّ عندما كانَ يَرجِعُ لكي يَرى اللهَ في الجبل (كما جاءَ في سِفْر الخروج 34: 34)، كانَ يَرفَعُ البُرقُعَ ويَرى مجدَ اللهِ. وكانَ المجدُ يَظهرُ على وجهه. ثُمَّ كانَ يَنزِلُ لكي يَتَكَلَّمَ معَ الشَّعبِ. وحينئذٍ، كانَ يَضَعُ بُرْقُعًا على وجهه.

ويَقولُ بولُس إنَّ العهدَ القديمَ كانَ مَحجوبًا. فقد كانَ هُناكَ شيءٌ ناقِصٌ فيه. وقد كانَ هناكَ شيءٌ في العهد القديم مُخْفَى ومَحجوبًا ومُغْلَقًا. وَهُوَ يقول: "لأَنَّهُ حَتَّى الْيَوْمِ" [في العدد 14] ذلِكَ الْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ بَاق غَيْرُ مُنْكَشِفٍ". فهناكَ شيءٌ غامِضٌ فيه. وهناكَ شيءٌ مُظْلِمٌ فيه. وهناكَ شيءٌ لم يَنْكَشِف. وإذا نَظرتُم إليهِ اليوم، أو إذا نَظرتُم إلى اليهودِ الذينَ يَعرفونَ العهدَ القديمَ جَيِّدًا جِدًّا، وإلى اليهودِ التَّقليديِّينَ الَّذينَ يَدرسونَ العهدَ القديم، ستجدونَ أنَّ هُناكَ لُغزًا بالنِّسبة إليهم. فهناكَ سِرٌّ عَميقٌ وكبير. فأينَ يَقودُ ذلكَ كُلُّه؟ وما الَّذي يَعنيه كُلُّ ذلك؟ وما الَّذي يَرمي إليه؟ إنَّهُ مَحجوبٌ ومَستورٌ. وصُعوبَتُهُ تَزدادُ أيضًا بسبب قساوة قُلوبِهم وتَحَجُّرِ أذهانِهم. فهذا يَزيدُ البُرقُعَ سُوْءًا. ونحنُ نقرأُ في العدد 15: "لكِنْ حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ".

 

ولكِنَّ العهدَ الجديدَ ليسَ كذلك (بحسب العدد 13). فهو ليسَ مِثلَ مُوسى. فهو واضحٌ. إنَّهُ واضحٌ جِدًّا. وقد رأينا هذا الوضوح؛ أيْ كيفَ أنَّكُم حينَ تَأتون إلى العهد الجديد فإنَّكم تَجِدونَ أنَّ كُلَّ شيءٍ واضح. فَمَنْ سَلَكَ فِي الطَّرِيقِ المُقَدَّسَةِ (حَتَّى الْجُهَّالُ)، لاَ يَضِلُّ. فيمكنكَ أنْ تَصيرَ كَطِفْلٍ صغير. فهو بسيطٌ جِدًّا. وَهُوَ واضحٌ جدًّا. فالعهدُ الجديدُ بيسوعَ المسيح واضحٌ تمامًا. أمَّا العهدُ القديم فكانَ مُجَرَّدَ رُموز، وأسرار، وأشياء غامضة. فالعهدُ الجديدُ هو الحقيقة. فقد زالَ السِّرُّ، وزالت الأشياء الغامضة. فالإنجيلُ بسيطٌ وواضح.

والآنْ، لننتقل إلى النُّقطة السَّادسة. وهذه مُراجَعة. فالعهدُ الجديدُ مُتُفَوِّقٌ لأنَّهُ يَتمركزُ حولَ المسيح. إنَّهُ مُتَمَرْكِزٌ حول المسيح. فهو يَتَمَحورُ حولَ المسيح. ارجعوا إلى العدد 14، إلى نهايةِ العدد. فالبُرْقُعُ "يُبْطَلُ فِي المَسِيح". فَكُلُّ الصُّوَر والرُّموز والتَّشبيهات والأمور المُبهَمَة، وكُلُّ الأسرار تَتَلاشى كما يَتلاشى الضَّبابُ بسببِ رٍيحٍ قويَّة عندما تأتي إلى المسيح. ففي حقيقةِ العهد الجديد، يُرفَعُ البُرقُع. وقد رأى النبيُّ الحبيبُ إشعياء ذلك وكَتَبَ عنهُ بوحيٍ مِنَ الرُّوح القُدُس. ففي سِفْر إشعياء والأصحاح 25، يَتحدَّثُ إشعياء عَمَّا سيفعَلُهُ الربُّ ذاتَ يوم، وعَمَّا سيَحدثُ في المستقبل حينَ يُرَفِّعُ اللهُ نَفسَهُ إذْ نَقرأ في العدد 6: "وَيَصْنَعُ رَبُّ الْجُنُودِ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ فِي هذَا الْجَبَلِ وَلِيمَةَ سَمَائِنَ، وَلِيمَةَ خَمْرٍ عَلَى دَرْدِيّ، سَمَائِنَ مُمِخَّةٍ، دَرْدِيّ مُصَفًّى". فهو احتفالٌ عظيم.

ثُمَّ نقرأ في العدد 7 كلماتٍ تَتَحَدَّثُ، بِكُلِّ تأكيد، عنِ الخلاص. فهو يتحدَّثُ عنِ الوقتِ الَّذي سيَخلَص فيهِ إسرائيل. وليسَ إسرائيل فحسب، بل إنَّ جميع الأمم أيضًا سيأتونَ إلى مَعرفةِ المسيح. وَهُوَ يَتحدَّثُ هنا عن وقتِ النِّهاية وعنِ الأزمنةِ المُستقبليَّة حينَ يأتي الملكوت. ونقرأُ في العدد 7: "وَيُفْنِي فِي هذَا الْجَبَلِ وَجْهَ النِّقَابِ. النِّقَابِ الَّذِي عَلَى كُلِّ الشُّعُوبِ، وَالْغِطَاءَ الْمُغَطَّى بِهِ عَلَى كُلِّ الأُمَمِ". فسوفَ يأتي وقتٌ يُرفَعُ فيهِ البُرقُع حينَ يَنظرونَ إلى الَّذي طَعَنوه. والآن، عِوَضًا عن أنْ يَرَوْهُ بغموضٍ وتشويشٍ، وحَتَّى بعداوة وكَراهِيَة، سَينَظرونَ إلى الَّذي طَعَنوه ويَنوحونَ عليهِ كَنائِحٍ على ابْنِهِ الوَحيد. فوجهُ المسيحُ سيصيرُ واضحًا لهم. وكُلُّ شيءٍ سَيأخُذُ مَنْحَىً مُختلِفًا.

فقد رُفِعَ البُرقُع في المسيح. والطريقة الوحيدة الَّتي تستطيعُ مِن خلالها أنْ تَفهمَ مَعنى ناموسِ اللهِ؛ أيِ الطريقة الوحيدة الَّتي تستطيعُ مِن خلالها أنْ تَفهمَ مَعنى العهد القديم والقصدَ مِنه هي أنْ تَرى المسيح. فحينَ تَنظُرُ إلى وَجهِ المسيحِ، سيَصيرُ كُلُّ شيءٍ واضحًا. وَحَتَّى إنَّ قِدِّيسي العهد القديم [اسمعوني جَيِّدًا]: حتَّى إنَّ قِدِّيسي العهد القديم الَّذينَ رأوْا النَّاموس على حقيقَتِه، فإنَّهُ دَفَعَهُم إلى التَّوبة. فقد جاءوا إلى الله. وقد التمسوا مِنَ اللهِ الرَّحمة والنِّعمة. وقد مَنَحَهُم ذلك على أساسِ استحقاقِ المسيح الَّذي كانَ مُزمِعًا أن يموتَ لأجلهم. ولكِنَّ هؤلاءِ النَّاس لم يَفهموا كُلَّ مجدِ اللهِ المُعلَن في ذلك العهد الجديد لأنَّهم لم يكونوا يَعرفونَ المسيح لأنَّهُ لم يكن قد جاءَ بعد.

ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ عندما صَعِدَ مُوسى ثانيةً إلى الجبل (بحسب سِفْر الخروج 34: 34)، أيْ عندما عَادَ لكي يَرى اللهَ مَرَّةً أخرى ولكي يَتَكَلَّم معَ اللهِ، كانَ يَرْفَعُ البُرقُع. وقد كانَ يَنظرُ إلى مجدِ اللهِ المُعلن لَهُ هُناك، بصورة جُزئيَّة على الأقل. فقد كانَ يَرى مَجدَ اللهِ. وهكذا هي الحالُ بالنِّسبة إلى المؤمِنِ المسيحيّ. فالبُرقُعُ قد رُفِع. وأنتَ تَرى مَجْدَ اللهِ الظَّاهر في وجهِ يسوعَ المسيح.

انظروا إلى العدد 6 مِنَ الأصحاح الرَّابع. فالعدد 6 مِنَ الأصحاح 4 يقول: "لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: «أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ» [أيْ: الله الَّذي يُخْرِجُ النُّورَ مِنْ وَسْطِ الظُّلمة]، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا". فقد أنارَ المِصباحَ في قُلوبِنا "لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيح". فهذا هو ما يَحدث عندما تَخلَص. ففجأةً، يُنيرُ اللهُ النُّور. وأنتَ تَنظر إلى يسوعَ المسيح وتَرى فيه مَجْدَ اللهِ مُشِعًّا.

وهذا، يا أصدقائي، ليسَ شيئًا يَحدث لأنَّ شخصًا قالَ لكَ كلامًا ذَكيًّا جدًّا. وهذا ليسَ شيئًا يَحدث لأنَّكَ نَهَضْتَ فجأةً ذاتَ يومٍ وقُلت: "هذا مَعقول!" وهذا ليسَ شيئًا يَحدث لك لأنَّكَ فَكَّرتَ في الحُجَج ووجدتَ أنَّها معقولة مِنْ وُجهة نَظر جَدَلِيَّة بأنَّ يسوعَ المسيحَ هو على الأرجح الله الظَّاهر في الجسد بناءً على الأشياء الَّتي فَعَلَها وَقالَها. فالسَّببُ في أنَّكَ نَهَضْتَ مِنْ نومِكَ ذاتَ يومٍ وتَمَكَّنْتَ مِنَ النَّظرِ إلى وجهِ يسوعَ المسيحِ بالإيمان، ومِنْ رُؤيةِ مَجْدِ اللهِ البَهِيِّ ذاكَ هو أنَّ اللهَ نَفسَهُ أَنارَ النُّورَ لَكَ فصارَ كُلُّ شيءٍ واضحًا.

ولكِنْ قبلَ كِتابةِ العهد الجديد، كانت هناكَ صُعوبة بالغة في فَهْمِ كُلِّ عمليَّة الفداء. لِذا، لم يكن قِدِّيسو العهد القديم يَرَوْنَ الأمورَ حَقًّا بالوضوحِ الَّذي نَراها فيه. فالعهدُ الجديدُ مُتَفَوِّقٌ جِدًّا لأنَّ مَجدَ اللهِ أُعْلِنَ في وَجْهِ يَسوعَ المسيح. فلا توجد طريقة أفضل لرؤية ذلك. فقد كانَ بمقدورِ قِدِّيسِ العهد القديم أن يقول: "لقد رأيتُ مجدَ اللهِ مَرَّةً. فقد كانَ سابِحًا في الفضاء. لقد رأيتُ مجدَ اللهِ مَرَّةً. فقد نَزَلَ على خَيمةِ الاجتماعِ أوِ الهيكل. لقد رأيتُ مجدَ اللهِ مَرَّةً. فقد أُعلِن".

وَحَتَّى إنَّهُ كانَ بمقدورِ الرُّسُل أن يقولوا: "لقد رأيتُ مجدَ اللهِ في وجهِ يسوعَ المسيح عندما تَجَلَّى". ولكِنْ لا يوجد شيء مُساوٍ (وهذا هو ما قالَهُ بُطرس) لا يوجد شيء مُساوٍ لرؤية الإعلان غير المحجوب لمجدِ اللهِ في وجهِ المسيح كما هو مُعلن في الكتاب المقدَّس. فهُنا تَرَى حَقًّا مَجْدَهُ. فأنتَ لا تَرى بعينيكَ البَشريَّتَيْن، بل تَرى بعينيِّ الإيمان والفهم لأنَّ اللهَ سَمَحَ لَكَ بذلك. فَمَجْدُ العهد الجديد يَتَجَلَّى في أنَّهُ يَنظُر مُباشرةً في وجهِ يسوعَ ويَرى مَجدَ اللهِ. فالبُرقُعُ رُفِعَ. ونحنُ نَصْعَدُ إلى الجَبَلَ، ونَدخُلُ إلى حَضرةِ اللهِ مُباشرةً، وإلى مَجْدِهِ مُباشرةً. ونحنُ نَراهُ مُشْرِقًا في وجهِ يسوع.

فنحنُ لسنا بحاجة إلى النَّظرِ إلى الكلمة النَّبويَّة وأنْ نحاولَ أنْ نَكتشفَ مَعناها ونَفهمها، ولا أنْ نُخَمِّنَ الشَّخصَ المُشار إليه، أو الوقتَ الَّذي سيتحقَّق فيهِ ذلك، والطريقة الَّتي سيحدث فيها ذلك. فنحنُ لا نَعيشُ في هذا الغُموض. بل يمكننا أنْ نَنظرَ إلى الإعلانِ الباهرِ لمجدِ اللهِ في وَجْهِ يسوع. فنحنُ نَستوعِبُ نِعمَتَهُ. ونحنُ نَستوعبُ رَحمتَهُ. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ مَجدَ اللهِ هو ببساطة: إعلانُ صِفاتِه. وهي جميعُها ماثِلَةً في يسوعَ المسيح. لِذا فإنَّ يوحنَّا يقولُ في إنجيل يوحنَّا 1: 14: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا".

 

وما الَّذي رأيناهُ فيه؟ لقد رأينا مَجْدَهُ. وما هو المَجْد؟ النِّعمةَ والحَقَّ، والصِّفاتِ الإلهيَّة المُعلَنة في حياةِ يسوعَ المسيح. فقد نَظرنا إلى المسيحِ ذاتَ يومٍ، بِمُقْتَضَى رَحْمَةِ اللهِ، فرأينا أنَّ الَّذي خَلَقَ كُلَّ الأشياءِ في الخليقة قد صارَ جَسَدًا لكي يُعطي خَلاصًا. وقد نَظرنا إلى يسوعَ المسيحِ ذاتَ يومٍ ووجدنا أنَّ ذاكَ الَّذي خَلَقَ الإنسانَ قد جُعِلَ على صُورةِ الإنسان، وأنَّ ذاكَ الَّذي وَضَعَ النَّاموسَ قد صارَ تحتَ النَّاموس، وأنَّ ذاكَ الَّذي كانَ يَتَسَرْبَلُ بالكرامةِ والجلالِ قدِ اكتسَى بثيابٍ بالية، وأنَّ ذاكَ الَّذي جاءَ في ضُعفٍ سيأتي في قُوَّة. وقد نَظرنا إلى يسوعَ المسيح ذاتَ يومٍ فرأينا كُلَّ شيءٍ بوضوحٍ تامٍّ. وقد رأينا أنَّهُ الَّذي هُوَ حِكمةُ اللهِ كانَ ما يَزال يَنمو في الحِكمة والقامة، وأنَّهُ الَّذي قيلَ عنه: "هُوَذا إلَهُكُم" قد قيلَ عَنْهُ على فَمِ بيلاطُس: "هُوَذَا الإِنْسَانُ!"

فقد رأينا المسيحَ ورأينا أنَّ ذاكَ الَّذي ستَنحني أمامَهُ كُلُّ رُكبةٍ قد حَنى رُكْبَتَيْهِ وَغَسَلَ أرجُلَ تلاميذِه. وقد رأينا المسيحَ ورأينا أنَّ ذاكَ الَّذي لم يَعرِف خطيَّة، والذي لم يُخطئ يومًا، والذي كانَ بِلا خطيَّة، والذي لم توجد فيه خطيَّة، قد حَمَلَ خطايانا في جسده على الصَّليب. فذاتَ يومٍ، أَشرَقَ النُّورُ فنظرنا إلى المسيحِ ورأينا ذاكَ الَّذي رَفَضَتْهُ الأرضُ هو نفسُهُ الَّذي قَبِلَتْهُ السَّماء. وقد رأينا أنَّ ذاكَ الَّذي ألبَسوهُ إكليلَ شَوْكٍ سَيُكَلَّلُ بالمجدِ والكرامة. فهو الَّذي عُلِّقَ على خشبة سيَجلسُ على عَرش. وَهُوَ الَّذي أبعدَ الخطيَّةَ يَظهرُ الآنَ في حَضرةِ اللهِ ليَشفعَ فينا. وَهُوَ الَّذي جاءَ ليموتَ سيأتي ليَملِك. وقد صارَ هذا كُلُّهُ واضحًا لنا لأنَّ النُّورَ أَشرقَ في قُلوبنا لكي يُرينا مَجدَ اللهِ في وَجْهِ يسوعَ المسيح.

ونقرأُ في العدد 16: "وَلكِنْ عِنْدَمَا يَرْجعُ [الإنسانُ] إِلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ الْبُرْقُعُ". فلا يعود هناكَ غُموض. وَهُوَ يَتحدَّث هنا عنِ الخلاص. فالرُّجوعُ إلى الربِّ مُصطلحٌ يَعني: الخلاص، ويَعني تَرْكَ الخطيَّة والرُّجوع إلى الربّ. وعندما يَحدثُ ذلك، فإنَّ البُرقُعَ يُرفَع. فلا يعود هناكَ غُموض. فإذا نَظرتم إلى وجهِ يسوعَ المسيحِ ستَرَوْنَ مجدَ الله. فهو كُلُّهُ هُناك. فهل تريدونَ أنْ تَعرفوا كيفَ هو الله؟ انظروا إلى يسوع. وهل تريدونَ أن تَعرفوا كيفَ يتصرَّفُ الله؟ انظروا إلى يسوع. وهل تريدونَ أن تَعرفوا رُدودَ فِعلِ الله؟ انظروا إلى يسوع. فهو مَجْدُ اللهِ الظَّاهِر في جَسَدٍ بشريٍّ. ولكنَّكم لن تَنظروا إليهِ وتَرَوا ذلكَ المجد إلَّا إذا أَنَارَ اللهُ لكم النُّورَ في الدَّاخل. أليس كذلك؟ أيْ إلَّا إذا أعطاكُم رُوحَ الحِكمةِ والمعرفةِ وفَهْمِ الإعلانِ الَّذي أعلَنَهُ في المسيح.

وهناكَ آية أخرى تُسهِمُ في هَذا الحَقِّ العَظيمِ بأنَّ العهد الجديد يَتَمَحور حول المسيح. انظروا إلى العدد 18: "وَنَحْنُ جَمِيعًا". ويجب أن أتوقَّفَ عندَ هذه النقطة. فالعبارة "نحنُ جميعًا" هي عبارة مُدهشة لأنَّهُ حَتَّى هذه النقطة في هذا التَّشبيهِ مَعَ ما حَدَثَ لِمُوسى، كانَ هناكَ شخصٌ واحدٌ فقط رَفَعَ حَقًّا البُرقُعُ ونَظَرَ إلى الله. أليسَ كذلك؟ مُوسى. فقد كانَ مُوسى الشخصَ الوحيدَ الَّذي استطاعَ أنْ يَنظرَ إلى وجهِ اللهِ، والذي استطاعَ أن يَنظرَ إلى مجدِ اللهِ، وأنْ يَصعدَ مَرَّةً أخرى إلى الجبل (كما جاءَ في سِفْر الخروج 34: 34)، وأنْ يَرفعَ البُرقُعَ ويَرى مجدَ الله.

والآن، يَقولُ بولُس إنَّ الأمرَ لا يَقتصِر على مُوسى. فهو لا يَقتصر على رَجُلٍ واحدٍ في مُناسبة واحدة استطاعَ أنْ يَرى المَجْدَ بوجهٍ مَكشوف، بل "نحنُ جَميعًا" ... نحنُ جميعًا. فهذا أمرٌ لا يَقتَصِرُ على الأنبياءِ والرُّسُل والكَارِزينَ، بل "نحنُ جميعًا". "وَنَحْنُ جميعًا، نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ". توقَّفوا هُنا. فيمكننا جميعًا أنْ نَرى ذلك ... جميعًا ... أي جَميع الَّذينَ هُم في المسيح. فما الَّذي سيَجعلُكم تَرغبونَ في العودة إلى الظِّلال؟ وما الَّذي يَجعلكم تَرغبونَ في العودة إلى النَّماذِج والطُّقوس والرُّموز والشَّعائر؟ فأنا لستُ في حاجة إلى الذَّهابِ إلى خدمة دينيَّة تَفعل ذلك. بل أريدُ أن أذهبَ إلى خِدمة دينيَّة تُعَلِّي المَسيح! لماذا؟ لأنَّني أرى مجدَ اللهِ في وجهِ يسوعَ المسيح. فأنا لا أريدُ أن أنظرَ إلى أدواتٍ مُقَدَّسة. وأنا لا أريدُ أن أُمارسَ طُقوسًا وشعائرَ وأمورًا خارجيَّة. بل أريدُ فقط أنْ أرى المسيحَ بوجهٍ مَكشوف. فأنا لا أريدُ أنْ تُروني رُموزًا. فأنا أستطيعُ أنْ أَرى الحقيقة. فهي ليست كَثيرةً عَلَيَّ. فالحِجابُ رُفِعَ ويمكنني أن أنظرَ إلى مجدِ اللهِ بوجهٍ مَكشوف في وجهِ يسوعَ المسيح.

وَهُوَ يَستخدمُ تَعبيرًا بسيطًا وصغيرًا إذْ يقول: "كَمَا في مِرْآةٍ". ولكن لماذا يَختارُ ذلك؟ بسبب وُضوحِها، وبسببِ الشَّبَهِ الحَميم. فهذا هو المقصودُ هُنا. والتَّركيزُ لا يَنْصَبُّ على فِكرةِ المرآةِ وما تَفعَلُهُ المرآة، بل إنَّ الفكرة هي أنَّكَ تستطيع أنْ تَجْعَلَ الشَّيءَ قريبًا إلى هذا الحَدِّ، وأنْ تَقتربَ مِنْهُ هكذا، وأنْ تَنظُرَ إليهِ مُباشرةً. وبالمُناسبة، كانتِ المرايا آنذاك تُصنعُ مِنْ مَعْدَنٍ مَصقول. وفي وقتٍ لم تكن فيه نَظَّاراتٌ بَعْد، وكانَ فيهِ أغلبيَّةُ النَّاسِ يُعانونَ أمراضًا في أعيُنهم، لم يَكُنِ النَّاسُ يَرَوْنَ بوضوح. ولكِنْ يمكنكَ أنْ تَرى بوضوح مَجدَ اللهِ في وجهِ يسوعَ المسيح كما تَرى صورَتَكَ في قطعة مَعدِنيَّة مَصقولة بعناية شديدة لرؤية الأشياء بأوضحٍ صورة مُمكِنَة. فيمكنكَ أنْ تُقَرِّبَها مِن وَجهِكَ وأنْ تَنظرَ إليها. فهذا هو ما قَصَدَهُ هُنا.

فرؤيتُنا لمجدِ اللهِ في وَجْهِ المسيحِ واضحة تمامًا في العهد الجديد. وإليكم هذه الملاحظة الصغيرة بخصوصِ ذلك. فلا يمكنني أنْ أُقاوِمَ رَغْبَتي في قَولِ ذلك: لقد كانت تلك المَرايا المَعدنيَّة القديمة مصنوعة مِن مَعْدِنٍ مَصقول. فقد كانوا يَطرُقونَ المَعْدِنَ قدرَ الإمكان وبأكبر قُوَّة مُمكنة لِتَطويعِهِ وجَعلِهِ مُسَطَّحًا. ولكِنْ كانت تبقى فيهِ تَمَوُّجات. لذا، لم تكن الرُّؤية في تلك المرايا واضحة تمامًا. فلم تكن لديهم الأساليب التِّقَنِيَّة الموجودة لدينا اليوم. ولكِنَّ الرُّؤيةَ كانت أوضح مِن أيِّ شيءٍ آخر، وبلا مُعَوِّقات لأنَّه لا يوجد شيءٌ بين عيني وبينَ الشَّيء الَّذي أنظر إليه. ولكِنَّها لم تَكُن رُؤية كامِلَة.

ويا لها مِن فكرة رائعة! أليس كذلك؟ لأنَّنا لا نَعرف بعد الصُّورة الَّتي سنكون عليها. فنحنُ نَنظرُ في مرآة ونَرى مجدَ اللهِ مُعلَنًا، ولكنَّنا لا نَراهُ بالطريقة الَّتي سنَراهُ عليها حينَ نَراهُ بوضوحٍ تامٍّ. فنحنُ نقرأ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 13: "الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ". فهناكَ كَمالٌ سنَختبرُهُ لاحقًا. ولكِنْ حَتَّى معَ هذه النَّظرة غير الكاملة لدينا لمجدِ اللهِ، فإنَّنا نَراهُ بجلال، وبصورة رائعة، وبوضوح. أليس كذلك؟ فنحنُ نَراهُ بوضوح في وجهِ يسوعَ المسيح.

فيسوعُ هو ذاكَ الَّذي صارَ فيهِ مجدُ اللهِ مَنظورًا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 17 أنَّهُم صَعِدوا إلى الجبل، وأنَّ يسوعَ هُوَ الَّذي أَراهُم ذلكَ في الحقيقة. فقد رَفَعَ البُرقُعَ عن جَسَدِه إذْ نَقرأ في العددَيْن الأوَّل والثاني: "وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَــتُهُ قُدَّامَهُمْ". وقد كَتَبَ بُطرسُ عن ذلك. فهو يقول في رسالة بطرس الثانية والأصحاح الأول: "وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ". فهو مجدُ اللهِ المَكشوف لعيونِ الإيمان. فالشخصُ غير المؤمن ينظر إلى يسوعَ المسيح ولا يَرى ذلك. أليس كذلك؟ ومِنَ المؤكَّد أنَّ الرُّومان لم يروا ذلك. فقد دَقُّوا المساميرَ وحَسْب وَعَلَّقوهُ على صليب. ومِنَ المؤكد أن القادة اليهود لم يروا ذلك. فقد بَصَقوا عليه، ولَعنوهُ، وسَخِروا منه، وأرادوا أنْ يتحقَّقوا مِنْ أنَّهُ لن يَملِك عليهم.

ولكِن لِعَيْنِ الإيمان، إنَّهُ مَجدُ الله. والسَّعيُ في الحياةِ المسيحيَّة يصيرُ حينئذٍ سَعْيًا لمعرفةِ المسيح. والعهدُ الجديدُ هو الوحيدُ الَّذي يَملِكُ القدرة على رَفْع البُرقُع وإعطاءِ عينَيِّ الإيمان القُدرة على رُؤية المسيح غير المَحجوب. وقد كانت تلكَ لحظةً رائعةً حينَ حدثَ ذلك لبولس. وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ يوجد بُرقُعٌ سَميكٌ على عينيه. أجل. وقد يَظُنُّ النَّاسُ أنَّهُ كانَ يَهوديًّا تَقِيًّا جدًّا، ومُتديِّنًا جدًّا، وغَيورًا جدًّا قبلَ أنْ يَهتدي. ولكنَّهُ كانَ أيضًا يهوديًّا يَتَّكِلُ كثيرًا على البِرِّ الذَّاتيِّ. ولا يوجد ما هو أسوأُ مِن ذلك.

وعندما أقرأُ قصَّةَ اهتداءِ بولس، فإنَّني لا أقرأُ عن رَجُلٍ كانَ مَكسورًا أمامَ ناموسِ الله. بل أقرأُ عن رَجُلٍ كانَ يَظُنُّ أنَّهُ يَستطيعُ أنْ يَخْلَصَ مِنْ خلالِ حِفْظِ ناموسِ الله. وأنا أقرأُ عن رجل كانَت لديهِ كبرياءٌ روحيَّة عالية. فأنا لا أقرأُ عن رجلٍ كانَ قِدِّيسًا حقيقيًّا مِنْ قِدِّيسي العهد القديم، ولا عن رَجُلٍ كانَ مُنقادًا حقًّا مِنَ اللهِ وَمُنْقادًا بروحِ الله. فأنا لستُ واثقًا بخصوصِ ذلك. فلو كانَ حقًّا مُنقادًا بروحِ اللهِ، هل كانَ سيَسمح لنفسِه بالاشتراكِ في قَتلِ المسيحيِّين؟ ألم يكن سيختبرُ انتقالاً سَلِسًا إلى إيمانِ العهدِ الجديد؟ فأنا أَظُنُّ أنَّهُ كانَ رجُلاً مُتَكَبِّرًا. وأعتقد أنه كان رجلاً أَسَاءَ استخدامَ ناموسِ اللهِ على أملِ الحصولِ على الخلاص.

وفي الوقتِ نفسِه، أعتقد أنَّهُ كانَ رجُلاً صادقًا، ولكنِّي أعتقد جازِمًا (وَفقًا لشَهادَتِه عن نفسه) بأنَّهُ كانَ يحاولُ أنْ يُبَرِّرَ نفسَهُ بماذا؟ بنفسه. فهو يقولُ ذلك. فهو يقولُ ذلك. لننظر إلى رسالة فيلبِّي والأصحاح الثالث. ولننظر إلى الانتعاشِ الرُّوحيِّ الَّذي حَدَث في حياةِ هذا الرجل. فقد كانَ يَتَقَيَّدُ بِحَرْفِ النَّاموس. فقد كانَ يَخْضَعُ لِحَرْفِ الناموس الَّذي يَقتُل، ويحاولُ أنْ يَحصلَ على الخلاصِ مِن خلاس وسيلةٍ لا تَستطيعُ أنْ تُخَلِّص. انظروا إلى ما يقوله في العدد 3. أتريدونَ أن تتحدَّثوا عنِ الاتِّكالِ على الجسد؟ في العدد 4: "مَعَ أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ أَيْضًا. إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ فَأَنَا بِالأَوْلَى". فأنا لديَّ أكثرُ جَسَدٍ جَسَدِيٍّ في الوجود.

وهل تريدونَ أنْ تتحدَّثوا عن الإنجازات؟ يمكنني أنْ أَضَعَ إنجازاتي مُقابِلَ إنجازاتِكُم في أيِّ يوم. فلنتحدَّث عنِ الإنجازاتِ البشريَّة. وهذا ليسَ حديثًا يَصدُرُ عن شخصٍ رُوحيٍّ. وهذا ليسَ حديثًا يَصدُرُ عن أحدِ قِدِّيسي العهد القديم. وهذا ليس حديثًا يَصدُر عن شخصٍ مُنكسرٍ على إثمِهِ وخطيئتِه، ولا عن شخصٍ يَتضرَّعُ لأجلِ الرَّحمة والنِّعمة بقلبٍ تائبٍ أمامَ الله. وأنا لا أَرى أنَّهُ يَقرَعُ على صَدرِهِ هُنا. فهو رَجُلٌ واثِقٌ بنفسه. دَعوني أُخبركُم عن مَصْدَرِ ثِقَتي: مَختونٌ في اليومِ الثامن. أتريدونَ أنْ تَقولوا إنَّ الخلاصَ يَتِمُّ مِن خلالِ الطُّقوس؟ أنا مُؤهَّلٌ لذلك. فأنا مِنْ بَني إسرائيل. وهل تُريدونَ أنْ تَقولوا إنَّ الخلاصَ هُوَ مِنْ خلالِ العِرْق؟ أنا مُؤهَّلٌ لذلك. فأنا مِنْ سِبْطِ بَنْيامين. وهل تُريدونَ أنْ تَقولوا إنَّ الخلاصِ يَتِمُّ مِن خلالِ الامتيازات؟ أنا مُؤهَّلٌ لذلك. فأنا عِبرانِيٌّ مِنَ العِبرانِيِّين. وهل تُريدونَ أنْ تَقولوا إنَّ الخلاصِ مِن خلالِ التَّقاليد؟ أنا أحفظُ التَّقاليد. فهذا هو ما يَعنيه. أنا عِبرانِيٌّ مِنَ العِبرانِيِّين. وأنا لم أَهْجُرْ يومًا التَّقاليد. ومِن جهةِ النَّاموسِ؟ فَرِّيسيٌّ. وماذا عنِ الخلاصِ مِن خلالِ الدِّينِ وَمِنْ خِلالِ والنَّاموسيَّة؟ أنا مُؤهَّلٌ لذلك. فقد كانَ واحدًا مِنَ الفَرِّيسيِّينَ الذينَ يَحفظونَ النَّاموسَ بِدِقَّة. وكانَ يوجد منهم سِتَّة آلاف شخص فقط في ذلك الوقت إذْ كانُوا نُخبةً. ومِن جهِ الغَيْرَة (في العدد 6)، لقد كنتُ مُضطهِدًا للكنيسة. فإنْ كانَ الخلاصٌ مُرتبطًا بالغَيْرَة والدَّافع، فإنَّني مُؤهَّلٌ لذلك. ثُمَّ إنَّهُ يقول: "مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ". فإنْ كانَ الخلاصُ يَتِمُّ مِن خلالِ الأخلاق، فإنَّني مُؤهَّلٌ لذلك. فإنْ كانَ الخلاصُ يَتِمُّ مِن خلالِ الطُّقوسِ، أوِ العِرْقِ، أوِ الامتيازاتِ، أوِ التَّقاليد، أوِ الدِّين، أوِ الغَيْرَة، أوِ الأخلاق، فإنَّني أمْلِكُ كُلَّ هذه المُؤهِّلات.

ثُمَّ إنه يقول في العدد 7 إنَّهُ كانَ يَحْسَبُ هذه الأشياء رِبْحًا. فقد كانَ يَتَّكِلُ عليها في خلاصِه إلى أنِ التقى المسيح. فقد كانَ ذاهبًا إلى دِمَشق. وقد أنارَ اللهُ النُّورَ حَرفيًّا. أليسَ كذلك؟ لا مِنَ الداخلِ فقط، بل أينَ أيضًا؟ مِنَ الخارج. فقد أَعْماهُ اللهُ بنُورٍ سماويٍّ فأنارَ النُّور. وفي الحال، حَسِبَ كُلَّ الأشياءِ الَّتي لديه (بحسب العدد 7) ماذا؟ خسارة. فالبرقعُ رُفِع. فقد رُفِعَ واختفى! وقد صارَتِ الرُّؤية واضحة. وَهُوَ يقول في العدد 8: "بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً". فَكُلُّ شيءٍ آخر هو خَسارة. "مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي". فهذا هو الكُلُّ في الكُلِّ. فكل شيء هو في المسيح. فالمسيحُ هو كُلُّ شيء. فقد رأيتُ مَجدَ اللهِ مُعلنًا في وجهِ يسوعَ المسيح. وأنا أُسَرُّ بأنْ أخسرَ كُلَّ الأشياء وأنْ أَحْسِبَها نُفاية. فكل ما أريدُهُ هو أنْ أَربحَ المسيح. فالمسيحُ هو كُلُّ ما أريد. لماذا؟ العدد 9: لكي "أُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ". فهذا هو تمامًا ما كان يحاول أن يَفعلَه.

هذا هو تمامًا ما كان يحاول أن يَفعلَه. فقد كان يحاول أن يَستمدَّ البِرَّ مِنَ النَّاموس. ولا يُمكنكَ أن تَفعلَ ذلك. "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ". فقد كَتَبَ ذلك. وقد رُفِعَ البُرقُع فكتبَ يقول: أنا أُريدُ أنْ "أُوجَدَ فِيهِ". ففجأةً، "لَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَان".

فقد رُفِعَ البُرقُع. وقد نَظرَ إلى وجهِ يسوعَ المسيح. وقد رأى مجدَ اللهِ لأنَّ اللهَ أنارَ النُّور. فقد صارَ المسيحُ كُلَّ شيءٍ بالنسبة إليه. وقد صارَ كُلُّ شيءٍ آخر نُفاية، وقُمامة، وقاذورات، وفَضلات بَشريَّه (وهي الكلمة اليونانيَّة الحقيقيَّة المُستخدمة هنا بِمَعنى "أسوأ شيء"). وهو يقولُ: مِنَ الآن فصاعدًا، أريدُ أن أعرفَ المسيح، وقوَّة قيامَتِه، وشركة آلامِه، مُتَشَبِّهًا بموتِه. فالمسيحُ هو الكُلُّ في الكُلّ. والمسيح هو كل شيء. وهذا هو مجدُ العهد الجديد. ولماذا يرغبُ أيُّ شخصٍ في العودة إلى الظِّلال والصُّور الَّتي لا تَقدر أن تُخَلِّص، وأن يُديرَ ظَهرَهُ للعهدِ الجديد؟ وما الَّذي سيَدفعُ أيَّ شخصٍ إلى الانغماس في أيَّة ديانة تحوي ظِلالاً ورموزًا وطقوسًا وشعائرَ بدلاً مِنَ الحقيقة الظَّاهرة في وجهِ يسوعَ المسيح؟

وهذا أمرٌ مُحزنٌ نَسمعُهُ طَوالَ الوقتِ وكُلَّ الوقتِ مِنَ الناسِ عَبْرَ تَاريخِ هذه الكنيسة. فلا يَمُرُّ أسبوعٌ لا أَسمعُ فيهِ عن هذا الأمر لأنَّ شخصًا جاءَ إلى المسيح، أو أسمعُهُ في مياهِ المعموديَّة، أو أَقرأُهُ في رسالة، أو أنَّ شخصًا يقولُ لي: "لقد كنتُ في الكنيسة الكاثوليكيَّة لسنواتٍ طويلة ولم أَعرف يومًا المسيح". أو: "لقد كنتُ في كنيسة ميثوديَّة ولم أَعرف يومًا المسيح"، أو: "لقد كنتُ مُنغمسًا في هذا النوعِ أو ذاكَ مِنْ دِيانَةٍ تَدَّعي أنَّها مسيحيَّة؛ ولكنِّي لم أتمتَّع يومًا بعلاقةٍ بالمسيح".

فقد كانَ البُرقُعُ موضوعًا طَوالَ الوقت. وَهُم لم يَعرفوا الحقيقة يومًا، ولم يكن بمقدورهم أنْ يَرَوْا وَجْهَ يسوعَ المسيحِ يُشِعُّ مَجْدَ الله. فهذهِ حقيقة تَختصُّ بالعهدِ الجديد. وهذا هو ما حَدَثَ للرسول بولس حينَ حَصَرَهُ اللهُ، وغَيَّرَهُ، وأنارَ النُّورَ لَهُ. لِذا فإنَّ العهدَ الجديدَ مُتفوِّقٌ لأنَّهُ يُعطي حياةً، ويُنْشِئُ بِرًّا، ولأنَّهُ دائمٌ، ويُعطي رجاءً، ولأنَّهُ واضحٌ، ويَتَمَرْكَزُ حَوْلَ المسيح.

والآن، ننتقل إلى النقطة السابعة. وسوفَ أتحدَّث فقط عن جُزءٍ مِنها. فالعهدُ الجديدُ يَستمدُّ القوَّةَ مِنَ الرُّوح القُدُس. العهدُ الجديدُ يَستمدُّ القوَّةَ مِنَ الرُّوح القُدُس.

وقد قلتُ سابقًا، وأُكَرِّرُ مَرَّةً أخرى، إنَّهُ لم يكن يوجد شيءٌ مُتأصِّلٌ في العهد القديم يَدفعُ الإنسانَ إلى الطَّاعة. أمَّا في العهد الجديد، هناكَ قُوَّة الرُّوح القُدُس. انظروا إلى العدد 17. فهذه الآية تَتحدَّثُ عن أمورٍ كثيرة جدًّا: "وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ".

واسمحوا لي أنْ أُفَسِّرَها لكم بطريقة بسيطة: فالنَّاموسُ كانَ عُبوديَّةً. والنَّاموسُ كانَ سَجَّانًا. والنَّاموسُ سَجَنَ الخاطئَ وَحَكَمَ عليهِ بالموتِ والذهابِ إلى جَهَنَّم. أمَّا العهدُ الجديدُ فيُحَرِّر. وعامِلُ التَّحريرِ هو الرُّوح القُدُس المذكور في العدد 6 حيثُ نَقرأ إنَّ: "الرُّوحَ يُحْيِي". إذًا، العهدُ الجديدُ يُحَرِّرُ السَّجين إذْ يَفتحُ أبوابَ السِّجنَ ويُحَرِّر السَّجين مِنْ سِجْنِ العار، والشُّعور بالذَّنب، وتأنيبِ الضَّمير، والإخفاق، والخوف، والرُّعب، والموت، وجَهَنَّم.

انظروا إلى الكلمة "وأمَّا" ... "وأمَّا". فما المقصود بالكلمة "وأمَّا"؟ "وأمَّا عِنْدَمَا يَرْجعُ الخُطاةُ إِلَى الرَّبِّ، وَيُرْفَعُ الْبُرْقُعُ، فإنَّ الرَّبَّ هُوَ الرُّوحُ الَّذي يُعطي الحُرِّيَّة". فعندما تَزولُ قَبْضَةُ العهد القديم، ويَبتدئُ وَعْدُ العهدِ الجديدِ بالغُفران، فإنَّ الربَّ هو الَّذي يُحَرِّرُ السَّجين. فالربُّ هو الرُّوحُ الَّذي يُحَرِّر.

وقد يَقولُ قائِلٌ: "لا أدري ما فائدةُ هذا العهد الجديد، ولكِنْ مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ ليسَ مِنْ عندِ يَهوه لأنَّ عهدَ يَهْوَه، أو عهدَ الربِّ، أو عهدَ اللهِ مُبَيَّنٌ في العهد القديم، ولأنَّ بولس يقولُ إنَّ الربَّ هو الرُّوحُ الَّذي يُحَرِّر في العهد الجديد". إنَّهُ نفسُ يَهوه، ونفسُ الربِّ، ونفسُ اللهِ. فحُريَّة العهد الجديد هي عمل إلَه العهد القديم. فاللهُ لم يَقصِد أنْ يكونَ هناكَ عَهْدٌ قَديمٌ وَحَسْب. بل قَصَدَ أنْ يكونَ هناكَ عهدٌ قديمٌ يَقودُ الإنسانَ إلى اليأسِ لكي يَطلبَ الرَّحمة والنِّعمة على أساسِ العهد الجديد في المسيح.

لِذا فإنَّ الخلاصَ يَتِمُّ مِن خلالِ العهد الجديد بواسطةِ الرُّوح القُدُس. وهذا واضحٌ تمامًا. فلا أحدَ يقومُ بذلك سوى الرُّوحُ الَّذي هو اللهُ نَفسُه. والخلاصُ، اسمعوني جَيِّدًا: في أيِّ وقتٍ ... في أيِّ وقتٍ مِنَ الأوقات، سواءٌ كُنتُم تتحدَّثونَ عنِ العهد القديم أوِ العهد الجديد، فإنَّ الخلاصَ في أيِّ وقتٍ مِنَ الأوقات يَقومُ على عمل المسيح في العهد الجديد. فَالخلاصُ هو دائمًا عَمَل الرُّوح القُدُس ... دائمًا.

وأنا أَتعجَّب مِن تشويش النَّاس في هذا الموضوع. فلا سبب لهذا التَّشويش. فروحُ اللهِ هو العامِلُ المُخَلِّص، وقد كانَ هو العامِل المُخَلِّصُ في الماضي، وسيكونُ دائمًا العامِل المُخَلِّص. إنَّهُ الرُّوح. وقد كانَ دائمًا وسيبقى الرُّوح الَّذي يُطَبِّقُ خَلاصَ العهد الجديد، والذي يُقَدِّمُ الخلاصَ للمؤمنِ التَّائبِ في أيِّ عصرٍ ... في أيِّ عَصْر. فعملُ الروح القدس هو عملُ التَّجديد.

وهذا يَدفَعُنا إلى أنْ نَطرحَ السُّؤالَ التَّالي. وسوفَ أُجيبُ عنهُ باختصار. وسوفَ نَخْتِمُ دِراسَتَنا في المرَّة القادمة. ما هو عمل الرُّوح القُدُس في العهد القديم؟ ما الشيء الَّذي كانَ يَفعلُه؟ إنَّ الدراسةَ الدقيقةَ للعهد القديم تَكشِفُ ذلك. والأمرُ ليسَ صَعبًا. صحيحٌ أنَّ شَرْحَهُ يَتطلَّبُ وقتًا، ولكنَّهُ ليسَ صعبًا.

وسوفَ أحاولُ أنْ أشرحَ ذلكَ بأبسط طريقة مُمكنة. فإنْ أَجْرَيْتُم دراسةً مَسْحِيَّةً للعهدِ القديم، ستَصِلونَ إلى حقيقة مَفادُها أنَّ عَمَلَ الرُّوحِ يُمكِن أنْ يُلَخَّص في أربعِ فِئاتٍ. فقد كانَ الرُّوحُ القُدُسُ يَعْمَلُ بأربعِ طُرُقٍ مُختلفة في العهد القديم. وأودُّ أنْ أُشاركَ هذه الفئات معكم لأنِّي لا أريدُ أنْ تكونوا مُشَوَّشينَ لأنَّ هناكَ أُناسًا كثيرينَ مُشَوَّشين؛ ولا سِيَّما أولئكَ الذينَ جاءوا مِن خَلفيَّة تَدْبيريَّة لأنَّ أُمورًا كثيرةً قد قيلت عنْ قيامِ الرُّوحِ القُدُسِ بشيءٍ في أحدِ الأجيال، وعن قيامِهِ بشيءٍ آخر في جيلٍ آخر، وعن قيامِهِ بشيءٍ آخر في جيلٍ ثالث، أو في تَدبيرٍ آخر، أو في حِقبة أخرى؛ في حين أنَّ عمل الرُّوح القُدُس هو نَفسُهُ في كُلِّ الأوقاتِ ودائمًا. وَهُوَ سيبقى كذلك. وبالرَّغمِ مِنْ وُجودِ تَغييراتٍ طَفيفة، فإنَّ عَمَلَهُ بصورة عامَّة هو نَفسُه.

والآنْ، لننظر إلى الأشياءِ الأربعة الَّتي نَرى أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ كانَ يَقومُ بها في العهد القديم. أوَّلاً، الخَلْق ... الخَلْق. فَمِنَ الواضح تمامًا أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَقومُ بدورٍ مُهمٌّ في الخَلْق. وكما يَقولُ بعضُ اللَّاهوتيِّينَ، فإنَّهُ ليسَ خَلْقً مِنَ العَدَم؛ أيْ أنَّهُ ليسَ خَلْقًا مِنْ لا شيء. فنحنُ نَقرأ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح الأوَّل أنَّ المسيحَ هو الخالِقُ مِنَ العَدَم إذْ نَقرأُ: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ". والمقصودُ بذلك هو أنَّ يسوعَ المسيحَ هو الَّذي خَلَقَ الأساسَ الَّذي سيصيرُ الزَّمانَ، والمكانَ، والمادَّةَ، والطَّاقة. ولكِنَّنا نَقرأ في سِفْر التَّكوين والأصحاح الأوَّل: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَكَانَتِ الأَرْضُ [ماذا؟] خَرِبَةً وَخَالِيَةً". فاللهُ هو الخالِقُ الأساسيُّ بِكُلِّ تأكيد. فهو اللهُ الخالِقُ الَّذي عَمِلَ مِنْ خلالِ المسيح كُلَّ شيءٍ مِنَ العَدَم لِتَشكيلِ عناصِرِ الحياةِ في الكَوْن. ثُمَّ نَقرأُ: "وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ". فقد كانَ دَوْرُهُ هو أنْ يَجْعَلَ تلكَ الأرض الخَرِبَة والخالية على الصُّورة الَّتي أرادَها اللهُ للخليقة.

فقد وَضَعَ اللهُ الخُطَّةَ مِن خلالِ ابْنِهِ (أيِ الأقنومِ الثَّاني في الثَّالوث) فَتَشَكَّلَت المادَّة، والزَّمان، والمكان، والطَّاقة. ولكِنَّ كُلَّ شيءٍ كانَ خَرِبًا وخالِيًا وبلا مَلامِح إلى أنْ رَفَّ رُوْحُ اللهِ عليها وَأعطاها شَكْلاً مُعَيَّنًا. ونَجِدُ أنَّ شَهادةَ أيُّوب 33: 6 تُؤكِّد ذلكَ أيضًا؛ أيْ أنَّها تُؤكِّد أنَّ رُوحَ اللهِ يَتحرَّك ويُشَكِّل الخَليقة. فنحنُ نَقرأ في سِفْر أيُّوب 33 والعدد الرَّابع (في الحقيقة): "رُوحُ اللهِ صَنَعَنِي وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي". وفي المزمور 104 ومَزامير أخرى، تَجِدونَ نفسَ التَّركيز بصورة رئيسيَّة.

وهناكَ نَصٌّ آخر أوَدُّ أنْ أذكُرَهُ وَهُوَ إشعياء 40 حيثُ تَقرأونَ عن عَمَلِ الخلقِ الَّذي قامَ به الرُّوحُ القُدُس. وَهُوَ يُذكَرُ بطريقة رائعة ابتداءً مِنَ العدد 12: "مَنْ كَالَ بِكَفِّهِ الْمِيَاهَ، وَقَاسَ السَّمَاوَاتِ بِالشِّبْرِ، وَكَالَ بِالْكَيْلِ تُرَابَ الأَرْضِ، وَوَزَنَ الْجِبَالَ بِالْقَبَّانِ، وَالآكَامَ بِالْمِيزَانِ؟" فهذهِ كُلُّهُا أعْمالُ خَلْق. وفي العدد الَّذي يَليه (أيِ العدد 13): "مَنْ قَاسَ رُوحَ الرَّبِّ، وَمَنْ مُشِيرُهُ يُعَلِّمُهُ؟" فَمَنِ الَّذي سَاعَدَ الرُّوحَ القُدُسَ على الخَلْق؟ والنُّقطة الَّتي نريدُ أنْ نُرَكِّزَ عليها هي أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ كانَ يَخْلِق وأنَّهُ لم يكن بحاجة إلى أيِّ مُساعدة. وقد كانَ دَوْرُهُ بالنِّيابة عنِ الثَّالوث في عمليَّة الخلق هو أنْ يَقومَ بعمليَّة الخَلْق في سِتَّة أيَّام؛ أيْ أنْ يَخْلِقَ العالمَ بصورَتِه النِّهائيَّة ونِظامِهِ النِّهائيِّ. ولا شَكَّ أنَّ عَمَلَهُ كانَ يَشْمَلُ تاجَ الخليقةِ بأنْ يَخْلِقَ الرَّجُلَ والمرأةَ على صُورةِ الله. فقد خَلَقَ الابْنُ الأشياءَ مِنَ العَدَم، أيْ أنَّهُ أَوْجَدَها مِنْ لا شيء وَجَعَلَها شَيئًا. والرُّوحُ أَخَذَ المادَّة وَقامَ بعمليَّة الخَلْق، وأَوْجَدَ مَبدأَ الحياة، وشَكَّلَ الأشياءَ الَّتي صَمَّمَها اللهُ الآبُ في صُورةِ الخليقةِ الَّتي نَعرِفُها.

إذًا، نَجِدُ في كُلِّ العهدِ القديم أنَّ الرُّوحَ يَقومُ بعمليَّة الخَلْق. ثانيًا، إعطاءُ القُوَّة ... إعطاءُ القُوَّة. فأيُّ قارئٍ للعهدِ القديم يَعلمُ أنَّنا نَقرأُ هذه العبارة كثيرًا: "فَحَلَّ رُوحُ الربِّ على فُلان فَفَعَلَ كذا". أَتَذكرونَ هذه العِبارة؟ إنَّها تَتكرَّرُ مِرارًا في العهد القديم. ونَقرأُ أحيانًا أنَّ رُوحَ الربِّ فَارَقَ. فنحنُ نَقرأُ ذلكَ كَثيرًا.

والآنْ، اسمعوا جَيِّدًا ما سأقول: لقد افتَرَضَ بعضُ النَّاسِ أنَّهُ بسببِ تَكرارِ هذه العبارة، فإنَّها تَصِفُ العلاقة الطبيعيَّة بينَ الرُّوح القُدُس ومُؤمِني العهد القديم. ولكِنَّ هذا ليسَ المَعنى المقصود. إنَّهُ ليسَ المَعنى المقصود. فَإلى مَتى سيبقى المؤمنُ مؤمِنًا إنْ غادَرَ الرُّوحُ القُدُس - في أيِّ عَصْر؟ لن يبقى أحد لأنَّ الحياة الإلهيَّةَ ليست شيئًا يمكنكَ أنْ تَفعلَهُ بقُدرتكَ البشريَّة.

لِذا، حينَ تقرأونَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حَلَّ وَفارَقَ فإنَّكم لا تَقرأونَ عَمَّا يحدث في الحالةِ الطبيعيَّة للمؤمنين، بل أنتم تَقرأونَ عن إعطاءَ قُوَّة غير عاديَّة، وإعطاءِ قُدرة. فهذا يُشيرُ دائمًا إلى أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ أَعطى قُوَّةً لأشخاصٍ مُعَيَّنين للقيامِ بمهامّ خاصَّة أرادَ اللهُ مِنهم أن يقوموا بها وتتطلَّب قُدرة فوقَ المُعتاد. فهي قُوَّة تُمْنَح للقيام بمهام خاصَّة.

اسمعوني الآن: في كُلِّ مَرَّة ... في كُلِّ مَرَّة يُقال فيها إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حَلَّ على شخصٍ ما أوْ فَارَقَ فُلانًا، فإنَّ الحَديثَ هو عن هذه القوَّة الخاصَّة الَّتي ذَكَرناها. فلا توجد آية واحدة تتحدَّث بهذا المعنى عنِ الخلاصِ الشَّخصيّ. والحقيقة هي أنَّكَ إنْ جَمَعْتَ كُلَّ هذه الآيات الكِتابيَّة، سَتَجِدُ أنَّ هناكَ أربعة أنواعٍ مِنَ النَّاس قيلَ إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حَلَّ عليهم، أو إنَّ الرُّوح القُدُس فارَقَهُم. أربعة أنواع مِنَ النَّاس: أوَّلاً، القُضاة ... القُضاة الَّذينَ كانوا يَحملونَ مسؤوليَّة كبيرة في تَخليصِ شعبِ اللهِ إسرائيل. وقد حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ وَفارَقَ أربعةَ أشخاص: "عُثْنِيئِيل"، وَ "يَفْتاح"، وَ "جِدْعون"، وَ "شَمْشون". ويمكنكم أن تقرأوا عنهم في سِفْر القُضاة وأنْ تُلاحظوا ذلك. فَهُمْ أربعة فقط. وفي كُلِّ مَرَّة، كان هناكَ قَصْدٌ خاصٌّ لدى الله.

وما الَّذي حدثَ لشمشون عندما فَارَقَهُ رُوحُ الله؟ لقد صارَ ماذا؟ ضَعيفًا. فقد صارَ كأيِّ رَجُلٍ آخر. ثُمَّ ماذا حدثَ عندما حَلَّ رُوحُ اللهِ عليه؟ لقد تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِ كثيرين. وقد هَدَمَ المَبْنى كُلَّهُ. وهذا شيءٌ يَفوقُ قُدرةَ شمشون البشريَّة أو قُدرةَ أيِّ إنسان. فقد كانَ "عُثْنِيئِيل"، وَ "يَفْتاح"، وَ "جِدْعون"، وَ "شَمْشون" قُضاةً حَلَّ الرُّوحُ عليهم.

أمَّا الفئة الثَّانية مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ اختَبروا ذلكَ فَهُمُ الحِرَفِيُّونَ المَهَرة الذينَ أُوْكِلَتْ إليهم مَهَامٌّ تَختصُّ بعبادةِ الله. فقد كانوا مَسؤولينَ عنِ القيامِ بأمورٍ تَختصُّ بعبادةِ اللهِ وتتطلَّب مهارةً خاصَّةً. لِذا فقد وَهَبَهُمُ اللهُ قُدرات خاصَّة للقيام بذلك.

ثالثًا، القادة ... القادة المَدَنِيُّون، أوْ يُمْكِنُنا أنْ نُسَمِّيهم: القادة الحُكوميُّونَ أو الحُكَّام. وقد اختبرَ أربعة منهم ذلك وَهُمْ: مُوسى، وداود، وشاوُل، ويشوع. فقد اختبروا الشيءَ نفسَهُ. فقد حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ وَفارَق. وهذا لا علاقة لَهُ بعلاقتهم الشخصيَّة بالله. فهو لم يكن الشَّيءَ المُعْتادَ في حياتهم الروحيَّة. بل كانَت قُدرة إلهيَّة خاصَّة للقيامِ بدورٍ قياديٍّ مُهِمٍّ جدًّا.

وهذا واضحٌ بصورة رائعة في المزمور 51: 11 حيثُ إنَّهُ بعدَ أنْ أخطأَ داود معَ بَثْشَبَع وتَسَبَّبَ في مَقْتَلِ زوجِها، وَنَدِمَ نَدَمًا شديدًا على خطيئته، مِنَ الواضحِ أنَّ رُوحَ اللهِ أَنَّبَهُ في قلبِه فقالَ للهِ: "يا رَبّ، رُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي". وما الَّذي قَصَدَهُ؟ هل قَصَدَ أنْ يقول: "لا تَجْعَلْني أفقِد خلاصي؟ وهل قَصَدَ أنْ يقول: "هناكَ شيءٌ تَفعَلُهُ، يا رَبّ، عندما تَغضَبُ مِنْ شخصٍ ما وَهُوَ أنَّكَ تَحْرِمَهُ مِنَ الخلاص"، أو: "يا رَبّ، أنتَ تَجعَلُ ذلكَ الشَّخص يَعيشَ حياةَ الإيمان مِنْ دونِ رُوْحِكَ؟" لا، إنَّهُ لا يَعني ذلك. بل هو يقول: "لا تَحْرِمْني مِنَ القُدرة الإلهيَّة اللَّازمة الَّتي تُمَكِّنُني مِنَ الحُكْم". فهذا هو ما يَقولُه. فالأمرُ يَختصُّ بِمُلْكِه، لا باختبارِهِ الشَّخصيِّ. وَهُوَ يَختصُّ بحقيقةِ أنَّهُ أُعطيَ مَسؤوليَّةً عظيمةً في أنْ يَقودَ الأُمَّةَ الدِّينيَّة، وأنَّهُ كانَ عاجِزًا عنِ القيامِ بذلك وَحْدَهُ، وقد ظَهَرَ ذلكَ مِنْ خلالِ خَطيئَتِه. وهو يَتَضَرَّعُ إلى اللهِ قائلاً: "لا تَحْرِمْني مِن تلك المَسْحَة الرُّوحيَّة الفريدة الَّتي تَجْعَلُني مَلِكًا فَعَّالاً نِيابَةً عَنْكَ".

وهناكَ فئة أخرى مِنَ النَّاسِ الَّذينَ قيلَ عنهم ذلك. رابعًا: الأنبياء. فقد حَلَّ رُوحُ الربِّ على فُلان فَتَكَلَّم. وقد كانَ كَلامُهُ إعلانًا إلهيًّا. وهناكَ العديدُ مِن هؤلاء مِثْلَ "أخَزيا" و "يَحْزَئِيل" و "زكريَّا" و "بَلعام" و "أَمَصْيَا". ثُمَّ هناكَ "إيليَّا" و "أليشَع" و ميخا" وأنبياء آخرون. فنحنُ نَقرأُ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حَلَّ عليهم. لماذا؟ لكي يُعطيهم قدرة فريدة وخاصَّة تُمَكِّنُهُم مِنَ القيامِ بمهمَّة فريدة تَختصُّ بإعلانِ الله.

وسأذكرُ مَثَلًا توضيحيًّا واحدًا فقط على ذلك مِنْ بين أمثلة كثيرة، وَهُوَ مِن سِفْر حِزْقيال والأصحاح 11، وَهُوَ مَثَلٌ جَيِّد. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر حزقيال 11: 5: "وَحَلَّ عَلَيَّ رُوحُ الرَّبِّ وَقَالَ لِي". وهذا مَثَلٌ جَيِّد. فقد كانَ الأمرُ يَحدثُ هكذا. فقد كانَ رُوحُ الربِّ يَحِلُّ على الشَّخصِ ويتكلَّم. ويُمكنكم أنْ تَجِدوا ذلكَ الأمر يَتكرَّر معَ الأنبياء.

لِذا، ماذا تَجِدون؟ تَجِدونَ خِدمة فريدة جدًّا للرُّوحِ في حياةِ القُضاة. فقد كانَ القُضاةُ مُخَلِّصِين. فقد كانوا رِجالاً ونساءً [أحيانًا] أقامَهُمُ اللهُ لتخليصِ بني إسرائيل. فقد كانت مسؤوليَّة قياديَّة تتطلَّب تَدَخُّلاً خارقًا للطَّبيعةِ وإلهيًّا. وقد كانَ الحِرَفِيُّونَ المَهَرَة لازِمونَ للأمورِ المُختصَّة بعبادةِ الله. وهُناكَ القادة المَدنِيُّونَ (مِثلَ مُوسى وداوُد وشاوُل ويشوع). ونحنُ نَتحدَّثُ عن قادة رَئيسيِّين. وهؤلاءِ هُمُ الأربعة الوحيدونَ الَّذينَ قِيْلَ عنهم إنَّ الرُّوحَ حَلَّ عليهم. وهناكَ الأنبياء.

إذًا، الخِدمةُ الأولى لِروحِ اللهِ في العهد القديم هي بِكُلِّ وُضوح: الخَلْق. والخدمة الثانية هي مَنْحُ القُوَّة. والمقصودُ بذلك هي أنْ يُعطي قُوَّةً خاصَّةً للقيامِ بمهمَّة خاصَّة. أمَّا الخدمة الثالثة فهي: الإعلان ... الإعلان. وهذه خدمة تَختصُّ بالأنبياء. فقد كانت خِدمةُ الرُّوح القُدُس هي أنْ يُعلِنَ كلمةَ اللهِ ... أنْ يُعلِنَ كلمةَ الله.

وقد كانَ الرُّوحُ القُدُسُ بصورة رئيسيَّة هو مُؤلِّفُ العهد القديم. فالكِتابُ المقدَّسُ كُلُّهُ مُوْحَى بهِ مِنَ الله. فَكُلُّ الكِتابِ مُوحى بِهِ مِنَ الله. وهو مُوحى بِهِ مِنْ رُوحِ اللهِ. والكلمة اليونانيَّة هي "نوما" (pneuma) ومَعناها: "رُوْح الله". فَكُلُّ الكتاب المقدَّس موحى به مِنَ الرُّوح القُدُس.

فَمَا الَّذي قالَهُ بُطرس؟ نقرأُ في رسالة بطرس الثانية 1: 20: "عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس". فهو مُؤلِّفُ الكتاب المقدَّس. واسمعوا ما جاءَ في سِفْر زَكريَّا 7: 12: "بَلْ جَعَلُوا قَلْبَهُمْ مَاسًا لِئَلاَّ يَسْمَعُوا الشَّرِيعَةَ وَالْكَلاَمَ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّ الْجُنُودِ بِرُوحِهِ عَنْ يَدِ الأَنْبِيَاء" (زَكريَّا 7: 12).

إذًا، ماذا كانَ الرُّوح القُدُس يفعل في العهد القديم؟ لقد شارَكَ بعمليَّةِ الخَلْق. وهذا واضحٌ تمامًا. فهو الَّذي أَعطى الكونَ شَكلَهُ وصُورَتَهُ. وقد كانَ هو الَّذي يُعطي القوَّة. وقد كانَ هو الَّذي يُعطي الإعلان. رابعًا، وهذه هي النُّقطةُ الأهَمّ: لقد كانَ هُوَ المَسؤولُ عنِ التَّجديد. وسوفَ نَخْتِمُ بهذه الفِكرة. اسمعوني جيِّدًا. فهو المسؤولُ في العهد القديم عنِ التَّجديد.

فالنَّاسُ يقولون: "هل يُعَلِّمُ العهدُ القديمُ أنَّ النَّاسَ كانُوا يَختبرونَ التَّجديد؟" هناكَ أُناسٌ كثيرونَ كَتَبوا أنَّهُ لا وُجودَ لِمِثلِ هذا التعليم، وأنَّهُ لا وُجودَ للولادة الجديدة، وأنَّهُ لا وجودَ للتَّجديدِ في العهد القديم. ولكنِّي أَعتقدُ أنَّ هذا خطأ. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ الرُّوحَ هُوَ رُوْحٌ يُعْطي حياةً، وأنَّ قُدرةَ الرُّوح القُدُس كانت تَعملُ بالنِّيابةِ عن العهدِ الجديدِ الَّذي لم يكن حاضِرًا بعد في حياةِ مُؤمِني العهد القديم حَتَّى يُولَدوا ثانيةً. فقد اختبروا التَّجديدَ حَقًّا. لقد اختبروا التجديدَ حقًّا، وتَغَيَّروا، وصاروا أشخاصًا آخرين. لذا، لا يجوزُ لنا أنْ نُعَلِّمَ أنَّهُ لم يكن هناكَ تَجديد في العهد القديم.

والآن، قَبْلَ التَّجديد، ماذا كانَ الرُّوح القُدُس يَفعَل؟ ماذا كانَ يَفعَل؟ إذا استَمَعْنا إلى العهد الجديد، وتحديدًا إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 16، نَرى أنَّ يسوعَ يقول: "وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ". فهل هذا شيء جَديد؟ وهل قامَ الرُّوح بذلكَ مِنْ قَبْل؟ أعتقدُ ذلك. فاللهُ يقولُ في سِفْر التَّكوين والأصحاح 6: "لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَد".

إنَّ جِهادَ رُوحِ اللهِ معَ القُلوبِ الخاطئة ليسَ شيئًا يَقتَصِرُ على العهد الجديد. فتَبْكيتُ رُوْحِ اللهِ للنَّاسِ على الخطيَّة لا يَقتصِرُ على العهد الجديد. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ عملَ تَبكيتِ الرُّوحِ كانَ قائمًا منذُ أنْ دَخَلَتِ الخطيَّة إلى العالَم.

اسمعوني: إنَّ "جون كالفِن" (John Calvin) لم يَخْتَرِع عقيدةَ "الفَساد التَّامّ"، بل عَرَّفَها فقط. فهي موجودة منذُ السُّقوط. فعقيدةُ الفسادِ التَّام لم تبتدئ حينَ فَهِمتموها. وهي لم تَبتدئ بالعهدِ الجديد. وإنْ تُرِكَ الشَّخصُ الفاسدُ تمامًا لنفسِهِ فإنَّهُ لن يُدرِكَ ذَنْبَهُ. بل إنَّ هذا هو عَمَلُ رُوحِ اللهِ الفاحِص. فهو لن يَتمكَّن مِنْ تَقييمِ شَرِّهِ تَقييمًا صحيحًا، أو تَقييمِ خَطيئتِه.

وقد كانَ النَّاسُ في العهد القديم فاسِدينَ كما هي حالُهم اليوم. ولا يُمكنُ لأيِّ جانِبٍ مِنَ الصَّليب أنْ يُغَيِّرَ سُقوطَ الإنسان. فيجب عليكم أنْ تَرجِعوا إلى جَنَّةِ عَدْن لمعرفة ذلك. فعندما سَقَطَ آدم، سَقَطَ الجِنسُ البشريُّ كُلُّه وبَقِيَ كذلك مُنذُ ذلكَ الحين. لِذا فقد كانَ النَّاسُ في العهد القديم فاسِدينَ. والفَسادُ يَعني أنَّكَ لا تستطيعُ أن تُخَلِّصَ نفسَك. فهذا هو معناها الجوهريّ. فهي تعني أنَّكَ خاطئ. صحيحٌ أنَّ النَّاسَ لا يَتساوونَ في فَداحَةِ الخطايا الَّتي يَقترِفونَها، ولكِنَّ الجميعَ خاطئٌ، والجميعَ يُعانونَ مِنْ نفسِ المشكلة الَّتي يَعجَزونَ فيها عنِ القيامِ بأيِّ شيءٍ لمعالجة خطيَّتِهم.

استمعوا إلى تَعريفِ العهد الجديد للفساد في رسالة رُومية والأصحاح الثالث. فبولس كَتَبَ هذه الرسالة بعدَ الصَّليب. وقد تقولُ إنَّ هذه الرِّسالة هي في العهدِ الجديد. وهذا صحيح. اسمعوا ما جاءَ في رُومية 3 إذْ نَجِدُ هُنا وَصفًا للفَسادِ ابتداءً مِنَ العدد 10: "أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ. وَفَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. فِي طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسُحْقٌ. وَطَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ. لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ". وهل تَعلمونَ مَصْدَرَ كُلِّ كلمة مِن هذه الكلمات؟ مِن أينَ جاءت؟ مِنَ العهد القديم ... كُلُّ كلمة مِنها. فبولسُ اقتبسَ كُلَّ كلمة مِن هذه الكلماتِ مِنَ العهد القديم. والأغلبيَّة مِنها مِن سِفْر المزامير. فهذا وَصْفٌ لِفسادِ الإنسان.

والآنْ، أخبروني كيفَ يُمكن لأيِّ شخصٍ فاسدٍ بهذا القَدْرِ أنْ يأتي بِمُفرَدِه إلى الله! فهذا غيرُ مُمْكِن. وكيفَ يُمكن لهذا أن يَحدُث؟ مِن خلالِ تَدَخُّلِ رُوحِ الله. وحينئذٍ، أجيبوني على ما يَلي: عندما يَتدخَّلُ الرُّوحُ القُدُس، كيفَ سيتمكَّنُ ذلكَ الشَّخص مِن أن يقولَ فجأةً: "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ" إنْ كانَ الخلاصُ بالنِّسبة إليه أمرًا قَضائيًّا فقط؟ فلو كانَ مُعْلَنًا ولم يكن هناكَ تَجديد، كيفَ كانَ سَيَصِلُ إلى النُّقطةِ الَّتي يُحِبُّ فيها الربَّ إلَهَهُ بِكُلِّ قلبِه، ونفسِه، وفِكرِه، وقُدرتِه؟ فكيفَ كانَ سَيَصِلُ إلى النُّقطة الَّتي يُحِبُّ فيها الشَّريعة، والتي تَصيرُ فيها وصايا الله لَذيذة بالنِّسبة إليه، والتي تَصيرُ فيها أَحلى لِفَمِهِ مِنَ العَسَل، وأَثْمَنَ لديهِ مِنَ الذَّهَبِ الخَالِص؟

فكيفَ سَيَصِلُ إلى النُّقطةِ الَّتي يَرغَبُ فيها أنْ يَتْبَعَ شَريعةَ اللهِ، وأنْ يُرضي اللهَ، وأنْ يُحِبَّ اللهَ، وأنْ يُرَفِّعَ اللهَ، وأنْ يُسَبِّحَ اللهَ، وأنْ يَعْبُدَ الله؟ وكيفَ سَيَصِلُ إلى النُّقطة الَّتي يَتمتَّعُ فيها بعقليَّةِ سِفْرِ المَزامير لو كانَ كُلُّ ما حَصَلَ عليهِ هُوَ البِرُّ القَضائيُّ؛ أيْ أنَّ اللهَ أَعْلَنَهُ بارًّا مِنْ دُوْنِ أنْ يُجَدِّدَهُ. هذا غيرُ مُمْكِن. فيجب عليكَ أنْ تَحصُلَ على خِدمةِ تَبكيتِ الرُّوحِ القُدُس. ويجب عليكَ أنْ تَحصُلَ على خِدمةِ التَّجديدِ الَّتي يقومُ بها الرُّوحُ القُدُس لأنَّكَ فاسِدٌ حَتَّى نُخاعِ عَظْمِ وُجودِكَ البشريِّ.

فقد كانُوا جميعًا فاسِدينَ تمامًا. ولم يكن لديهم القُوَّة للتغلُّب على خطاياهُم. وإرْميا يَقول: "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ". وقد قالَ أيضًا: "هَلْ يُغَيِّرُ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟ هل يُغَيِّرُ الْكُوشِيُّ جِلْدَهُ [الأسودَ الدَّاكِن]؟" بالطَّبْعِ لا. فَهُما لا يَستطيعان أنْ يَفعلا ذلك. وكيفَ تُفَسِّرونَ أنَّ نُوحًا دُعِيَ رَجُلاً بارًّا وكاملاً في جيلِه لولا الرُّوح القُدُس؟ فهل كانَ بمقدورِه أنْ يكونَ رَجُلاً بارًّا وكاملاً في جيله بمُفرَدِه؟ وماذا عن إبراهيم الَّذي صارَ رَجُلاً عظيمًا في الإيمان؟ هل فَعَلَ ذلكَ بمُفردِه؟

وماذا عن مُوسى الَّذي بَلَغَ مَكانًا صارَ فيه عارُ المسيحِ أَكثر أهميَّة لديه مِنْ كُنوزِ مِصْر؟ فهل تُريدونَ أنْ تقولوا إنَّهُ فَعَلَ ذلكَ مِنْ تِلقاءِ نَفسِه ... مُوسى الخاطئ؟ وكيفَ قِيْلَ إنَّ قَلْبَ داوُد كانَ كامِلاً أمامَ الربِّ إلَهَهُ في سِفْر المُلوك الأوَّل 15: 3؟ وفوقَ هذا كُلِّه، كيفَ نَقرأُ عن إبراهيم (في رُومية 4 وفي غلاطيَّة 3) أنَّهُ قُدوَتُنا في الإيمان؟ فكيفَ كانَ قُدوةً في الإيمانِ القائم على التَّجديد إنْ لم يكن قدِ اختبَرَ التَّجديد؟ فنحنُ لا نَتحدَّث عن شيءٍ قَضائيٍّ، ولا عن شيءٍ مُعْلَن، ولا عن شيءٍ قانونيٍّ. بل إنَّنا نَتحدَّثُ عن واقعٍ هُنا. وقد كانَ إبراهيمُ رَجلاً اختَبَرَ تَغييرًا. وَمَنِ الَّذي غَيَّرَه؟ لا بُدَّ أنَّهُ رُوحُ الله.

 

ثُمَّ عندما تَأتونَ إلى الأصحاحِ الحادي عشر مِنَ الرسالة إلى العِبرانيِّين، تَقرأونَ عن كُلِّ هؤلاءِ الأشخاصِ في العهد القديم. وَهُمْ أشخاصٌ يُبَرْهِنونَ لنا على صِدْقِ حياةِ الإيمان. وَهُمْ أشخاصٌ يُبَيِّنونَ لنا كيفَ ينبغي أنْ نَحيا. وهؤلاءِ النَّاس (سواءٌ كانَ إبراهيم، أو يَعقوب، أو سارة، أو مُوسى، أو جَميعَ هؤلاء) هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ لم يكن العالمُ مُسْتَحِقًّا لهم. وَهُمْ أشخاصٌ عاشوا جميعًا في العهد القديم. ونحنُ نَطرَحُ السُّؤال: كيفَ تَمَكَّنَ هؤلاء مِنْ أنْ يَعيشوا ويكونوا قُدوةً لنا في حياةِ الإيمان لو لم يَتَجَدَّدوا بواسطةِ الرُّوح القُدُس؟ فقد كانَ لا بُدَّ مِنْ تَجديدِهم. وإنْ كانَ اللَّاهوتُ المُختصُّ بهذه المسألة لم يَتَّضِحْ تمامًا إلى أنْ جاءَ العهد الجديد فإنَّ هذا لا يَعني أنَّ ذلكَ لم يَحْدُث في الحقيقة.

وسوفَ أَخْتِمُ بهذا المَثَلِ التَّوضيحيّ. إنجيل يوحنَّا والأصحاح الثالث. يوحنَّا 3. يوحنَّا 3. وأريدُ منكم أنْ تَفهموا هذه النُّقطة. فأنتم قد تَجاوزتُم ذلك الجُزء المُتوسِّط مِنَ الكِتابِ المقدَّس الَّذي يقولُ إنَّكُم في العهدِ الجديد حينَ تَصِلونَ إلى إنجيل يوحنَّا. ولكِنَّكُم لستُم بعد في العهد الجديد لأنَّ ... [هل أنتُم مُستعدُّونَ لما سأقول؟] لأنَّ يَسوعَ لم يكن قد ماتَ بعد، ولم يكن قد قامَ بعد، ولأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لم يكن قد جاءَ بعد. إذًا، فإنَّ ما لدينا هُنا، يا أحبَّائي، هو حَديثٌ جَرى في العهد الجديد بينَ يسوع وأحد القادة اليهود اسْمُهُ نيقوديموس. ومُصطلحاتُ هذا الحديث لا صِلَةَ لها بالصَّليب والقيامة ومجيء الروح القدس في يومِ الخمسين لأنَّ هذه الأمور لم تكن قد حَدَثَتْ بعد.

إِذًا، فقد جاءَ هذا الرَّجُل إلى يسوع في اللَّيل وأرادَ أنْ يَعرِف كيفَ يَدْخُل ملكوتَ الله. وَهُوَ لا يَسأل كيفَ يمكنهُ أنْ يَنْضَمَّ إلى كنيسة مَحليَّة. بل هو يريد أن يَعرف كيفَ يمكنه أنْ يَدخُلَ الملكوت. وفي العدد 3، قالَ يَسوعُ لَهُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ [ماذا؟] لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ". فيجب عليكَ أنْ تَتغيَّر. والآنْ، هل هذا حَقٌّ مُختصٌّ بالعهد الجديد؟ لا. فهذا هو الجوابُ المِعياريُّ لأيِّ يهوديٍّ كانَ يَعيشُ قبلَ الصَّليب عَمَّا يجب أنْ يحدث لكي يَدْخُلَ الملكوت. فيجب عليكَ أنْ تَتَجَدَّد. ويجب عليكَ أنْ تتغيَّر؛ وإلَّا لن تتمكَّنَ مِنْ رُؤيةِ ملكوتِ الله. فهو ليسَ فقط مِنْ نَصيبِ الأشخاصِ الذينَ تَمَّ الإعلانُ عن بِرِّهم، بل هو للأشخاصِ الذينَ تَجَدَّدوا، والَّذين اختبروا الحياةَ الجديدة.

قَالَ لَهُ نِيقُودِيمُوسُ: "كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟" وقبلَ أنْ تُسيئوا الحُكْمَ على نيقوديموس قائِلين: "يا لَهُ مِنْ كَلامٍ يُعَبِّرُ عَنْ جَهْل!" فإنَّهُ لم يَقْصِد ذلك. فقد كانَ رَجُلاً ذكيًّا. إنَّهُ رَجُلٌ ذَكِيٌّ جدًّا. وما قَصَدَهُ هو: "أنا مُنغمسٌ جدًّا في هذه النِّظامِ الدِّينيِّ. فكيفَ يمكنني أنْ أبتدئَ مِنْ جديد؟ ما هذا الكلامُ الَّذي تَقولُه لي؟"

 

وكما تَرَوْن، فقد كانَ الدِّينُ بالنِّسبة إليهم محاولات تَستمرُّ طَوالَ الحياةِ لاكتسابِ البِرّ. هل تَفهمونَ ذلك؟ تمامًا مِثلَ بولس. فَهُوَ يقول: "ماذا؟ لقد فَعلتُ الكثيرَ في حياتي وجَهَّزْتُ قائمتي الخاصَّة [على غِرارِ بولُس] بالأشياءِ الَّتي حِسِبْتُها رِبْحًا. فكيفَ سأبتدئُ في القيامِ بذلكَ مِنْ جديد؟" وقد أَجابَهُ يسوعُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ الله". والتَّعبير "الماء والرُّوح" مُقتبسٌ من حِزْقيال والأصحاح 36. أليسَ كذلك؟ ففي العهدِ الجديد ... وفي ضَوْءِ الخلاصِ الَّذي كانَ اللهُ مُزْمِعًا أنْ يُطَبِّقَهُ مِن خلالِ المسيحِ في العهدِ الجديد على قِدِّيسي العهد القديم، هُناكَ تَطهيرٌ وَغَسْلٌ. وهذا هو ما يُشيرُ إليهِ الماء. وهُناكَ عَمَلُ الرُّوح القُدُس.

وَهُوَ يقول: "ولكنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تَدخُلَ الملكوتَ بِمَعْزِلٍ عنِ الرُّوح" إذْ نَقرأُ في العدد 6: "اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ". فأنتُم مُستمرّونَ في الاتِّكالِ على أعمالِ الجسد. وأنتُم مُستمرُّونَ في الاتِّكالِ على البِرِّ الجسديِّ، والمزيدِ مِنْ أعمالِ الجسد، والمَزيدِ مِنْ أعمالِ الجسد. ولكِنَّ الملكوتَ الروحيَّ يَعْتَمِد على رُوحِ الله. "الْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ. اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوح". فهذا شيءٌ لا يمكنكم أنْ تَرَوْه. فهو شيءٌ رُوحِيّ.

ونحنُ نَجِدُ هنا صُورةً رائعةً عنِ الشَّهادةِ في العهد القديم، أوْ عن إخبارِ شخصٍ ما بأنَّهُ بحاجة إلى التَّطهيرِ مِنْ خطاياه وإلى التَّجديدِ بواسطة الرُّوح القُدُس. فهذا هو الاهتداءُ في العهد القديم. فهكذا يَتِمُّ الأمر. والدَّليلُ هو أنَّ رُوحَ اللهِ يُبَكِّت. فَرُوحُ اللهِ يُرْغِمُ الخاطئَ على رُؤيةِ خطيئته. وعندما يكونُ هُناكَ إيمانٌ فإنَّ رُوحَ اللهِ ... أيْ عندما يُنْشِئُ رُوحُ اللهِ إيمانًا في قِدِّيسِ العهد القديم، فإنَّهُ يُجَدِّدُ ذلكَ القِدِّيس. فَهُوَ يأخُذُ ذلكَ الشَّخصَ كما هو ويَجْعَلُهُ مُحِبًّا للهِ، ومُحِبًّا للحَقِّ، ومُحِبًّا للنَّاموس، وشخصًا يُريدُ أنْ يُطيعَ اللهَ، وشخصًا يُريدُ أنْ يُرضي اللهَ، وشخصًا يُريدُ أنْ يَتَعَبَّد، وشخصًا يُريدُ أنْ يَخْدِم. وكُلُّ هذه الرَّغباتِ تَعْكِسُ عَمَلَ التَّجديدِ ذاكَ الَّذي يقومُ بهِ الرُّوح القُدُس.

ورُبَّما قَطَعْنا ثُلْثَ الطَّريق في هذه النُّقطة المُختصَّة بعمل الرُّوح القُدُس. وما زالَ لديَّ الكثيرَ لأقوله. ولكِنَّني سَأُرْجئُ ذلكَ إلى الأسبوعِ القادِم.

دَعونا نُصَلِّي. نَشكُرُكَ على حَقِّكَ، يا أبانا. ومعَ أنَّنا، يَا رَبّ، نَدْرُسُ أُمورًا لاهوتيَّةً وأمورًا عقائديَّةً، فإنَّنا نَسألُكَ أنْ يَغْرِسَ رُوْحُكَ القُدُّوسُ هذه الأشياء في قُلوبِنا بطريقة عمليَّة لكي نَتَمَكَّنَ، في المَقامِ الأوَّل، مِنَ التَعبيرِ بطريقة عمليَّة عنْ عبادَتِنا وتَسبيحِنا وشُكرِنا على حَقِّكَ العَجيبِ الَّذي لا يتغيَّر. ونحنُ نَشكُركَ، يا أبانا، على بَرَكاتِ العهد الجديد، ونَشكركَ على كُلِّ شيءٍ في المسيح، وعلى أنَّ الرُّوحَ حَرَّرَنا. ونحنُ نَشكركَ، يا ربّ، لأنَّهُ "حيثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ"، ولأنَّ الحَرْفَ يَقْتُل، ولكِنَّ الرُّوحَ يُحْيي. وَهُوَ دائمًا يَهَبُ حَياةً.

فقد وَهَبَ حياةً لنوح، وَوَهَبَ حياةً لموسى، وَوَهَبَ حياةً لداود، وَوَهَبَ حياةً لجميعِ أبطالِ الإيمان المذكورين في عِبرانِيِّين 11 ولأشخاصٍ كثيرينَ آخرينَ لم تُذْكَر أسماؤهم. وقد وَهَبَهُم حُرِّيَّةً وَخَلَّصَهُم مِنْ عُبوديَّةِ النَّاموس. ونحنُ نَشكرُكَ على عَمَلِ التَّجديدِ الَّذي قامَ بهِ رُوْحُكَ فأعطاهُم القُدرةَ على أنْ يُحِبُّوكَ، وأنْ يَتوقوا إلى عِبادَتِكَ وتَسبيحِكَ وإطاعَتِكَ، وعلى أنْ يَكرهوا الخطيَّةَ، وأعطاهُم قلبًا مُنْسَحِقًا. فهي جَميعُها بَراهينُ على القُوَّة المُجَدِّدَة. ونحنُ نَشكُرُكَ على ثَباتِ عَمَلِكَ، وعلى أنَّهُ مُستمرٌّ حتَّى الآن في هذا الجانِبِ مِنَ الصَّليب. ونحنُ نَشكركَ لأنَّكَ أعطيتَنا الجانبَ الأسهَل. فبمقدورنا أنْ نَرى المسيح. وبمقدورِنا أنْ نَرى المجدَ للكاملَ غيرَ مَحْجوبٍ حينَ نَنظرُ إلى وَجْهِهِ المَجيد. نشكُرُكَ، يا أبانا، على كُلِّ ما صَنَعْتَهُ وتَصْنَعُهُ لأجلِنا مِنْ مُنْطَلَقِ مَحَبَّتِكَ بالرَّغمِ مِنْ عَدَمِ استحقاقِنا لأيِّ شيء. نَشكُرُكَ مِنْ أعماقِ قُلوبِنا على هذا كُلِّه. باسْمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize