Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المقدَّسة على رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاح الثَّالث. وإذْ نَأتي إلى نهايةِ هذه الدراسة الرائعة لهذا الأصحاحِ العظيمِ الَّذي يتحدَّث عن مَجْدِ العهدِ الجديد، أوَدُّ أنْ أَعتَذِر مِنَ الأشخاصِ الَّذين لم يكونوا مَعَنا في هذه السِّلْسِلَة لأنَّنا في الجُزْءِ الخِتامِيِّ مِنها. وأعتذر أيضًا لأنَّ بعضَ ما سأقولُه سيكونُ صعبَ الفَهْمِ قليلاً لأنَّكم لم تَعرفوا الأمورَ الأساسيَّة الَّتي تَحَدَّثنا عنها في الشَّهْرَيْنِ الأخيرَيْنِ أثناءَ دراسَتِنا لهذا الأصحاح. ولكِنَّنا نَتَّكِلُ على أنَّ رُوحَ اللهِ سيَغرِسُ الحَقَّ في قُلوبِكُم لأنَّهُ قادِرٌ أنْ يَفعلَ ذلك.

في رسالَتِنا الأخيرة عن هذا الأصحاحِ الغَنِيِّ، نأتي إلى الآيةِ الَّتي بَقِيَتْ مُفَضَّلَةً لديَّ لِسَنواتٍ طويلة. والحقيقة هي أنَّني عِندما كنتُ أُوَقِّعُ اسْمي على كِتابٍ أوْ على نُسخةٍ مِنَ الكتابِ المقدَّس، كُنْتُ أَكْتُبُ غالبًا الشَّاهِد (2كورنثوس 3: 18) تَحْتَ اسْمي لأنَّني أَحْبَبْتُ هذه الآية لسنواتٍ وسَنوات. والحقيقة هي أنَّني اعْتَدْتُ أنْ أقولَ إنَّها كانت الآية المُفَضَّلة لديَّ. ولكنَّ الآيةَ المُفَضَّلَة لديَّ تَتغيَّرُ وتَتَبَدَّلُ مِنْ حينٍ إلى آخر بحسب عَمَلِ الربِّ في حياتي مِنْ خلالِها.

وذاتَ مَرَّة، قبلَ سنواتٍ طويلة، رُبَّما قبلَ عَشْرِ سنوات، طُلِبَ مِنِّي أن أكتُبَ كِتابًا عنِ الآية المُفضَّلة لديَّ. وفي ذلكَ الوقت، اخترتُ هذه الآية وكَتَبْتُ كِتابًا رُبَّما يَذْكُرُهُ بَعْضٌ منكم. فهذه الآية كَنْزٌ. واسمحوا لي أنْ أقرأها لكم. الآية 18: "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوح".

إنَّ هذه الآية تَستعرِض حَقًّا عمليَّةَ النُّموِّ المسيحيّ. وهي تَستعرِضُ عمليَّةَ التَّقديس الَّتي يَتغيَّر مِن خلالها المؤمن ليصيرَ مُشابهًا ليسوعَ المسيح. واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مُراجعة سريعة. ففي رسالة رُومية 8: 29، يُخْبِرُنا بولس عن قَصْدِ اللهِ مِنْ تَخليصِ شعبِه. وَهُوَ يَقولُ الآتي: "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ". فالقصدُ الخَلاصِيٌّ للهِ هو أنْ يَخْلِقَ بَشَرًا مَفْدِيِّينَ يُشْبِهونَ ابْنَهُ.

فالتَّقليدُ هو أعلى أشكالِ الإطْراء. ومِنَ المؤّكِّدِ أنَّ هذا يَصِحُّ في الثَّالوث إذْ إنَّ اللهَ قَطَعَ وَعْدًا أبديًّا معَ ابْنِهِ بأنْ يَخْلِقَ شَعْبًا مَفْدِيًّا على صُورَتِهِ. لِذا فقد خَلَصْنا لكي نُشابِهِ المسيح. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول: "لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ". فهذا هو الهَدف. وهذا هو القَصْدُ مِنْ فِدائِنا. وهذا هو السَّبَبُ الَّذي خَلَّصَنا اللهُ لأجلِه: لكي يَجعَلَنا مِثْلَ المسيح. وبمرورِ الوقتِ، إذْ نَنتظر تحقيقَ ذلك، فإنَّنا نَتغيَّرُ تدريجيًّا ونصيرُ أكثرَ شَبَهًا بالمسيح. وهذا التَّقديسُ يَنْتَظِرُ التَّمْجيد. فنحنُ سنستمرُّ في التَّغَيُّرِ أكثر فأكثر على صُورةِ المسيح.

وقد كانَ بولسُ يَرى أنَّ هذا الأمرَ هو سَبَبُ حَياةِ المؤمِن. فقد قال: "وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا". وهذه عبارة مُدهشة حقًّا. فإنْ أردتَ أنْ تُلَخِّصَ كُلَّ لاهوتِ بولُس فيما يَختصُّ بالحياةِ المسيحيَّة في جُملة واحدة، سيكونُ ذلكَ شيئًا مُهِمًّا جدًّا. فلو أرادَ أنْ يَفعلَ شيئًا واحدًا، أَوَدُّ أنْ أَعرِفَ ما هو هذا الشيء. فهو يقول: "أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ. أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا".

وما هي الجَعالة (أوِ الجائزة)؟ أنْ نَصيرَ مِثْلَ المسيح. فهذا هو ما سنصيرُ عليه حينَ نَذهبُ إلى السَّماء. وما هو الهدف؟ إنَّ جائزَتنا في الأبديَّة هي أنْ نكونَ مِثْلَ المسيح. وما هو الهدف؟ الهدفُ هو أنْ نَتَشَبَّهَ يومًا فيومًا بالمسيح. وبولس يقول: "أنا أَعْرِفُ ماذا سأصير. وأنا أَسْعى إلى تحقيقِ ذلك هُنا والآن. فقد كانت مَعرفَتُهُ للمسيح، وشَرِكَةُ آلامِهِ، والتَّشَبُّهُ بموتِه، واختبار قُوَّة قِيامَتِه، والتَّشَبُّه بِالمسيح هو شَغَفُ حَياتِه. فقد كانَ هذا هو الشَّيءُ الوحيدُ الَّذي كانَ مُنْهَمِكًا بِهِ. وقد كانَ هذا الأمرُ شُغْلَهُ الشَّاغِل.

وفي هذا العَدَد، نَقرأُ أنَّنا إذْ نَنظرُ إلى مَجْدِ الربِّ، أيْ عندما نُرَكِّزُ في حقيقةِ يسوعَ المسيحِ، نَرى أنَّ اللهَ مُعْلَنٌ في المسيح وأنَّهُ يُظْهِرُ مَجْدَهُ. وحينَ ننظرُ إلى ذلكَ المجد، فإنَّنا نتغيَّرُ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس مِنْ مُستوى مِنَ المجد إلى الصُّورةِ نَفْسِها. بعبارة أخرى، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُغَيِّرُنا تدريجيًّا وبصورة دائمة لنصيرَ مُشابِهينَ للمسيح. وهذا هو التَّقديس. وهذا هو هَدَفُ الحياةِ المسيحيَّة.

وإنْ كانت هناكَ آية مُنفرِدَة تُبَيِّن كيفَ أنَّ المؤمنينَ يَصيرونَ على شَبَهِ المسيح، فإنَّها هذه الآية. ولا شَكَّ أنَّ هذا هو الهدف مِنَ الحياةِ المسيحيَّة. فيجب علينا جميعًا أنْ نأتي جَميعًا "إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيح" بحسب ما جاءَ في رسالة أفسُس والأصحاح 4. وبولُس يَكْتُب إلى أهلِ غلاطيَّة في الأصحاح 4 والعدد 19 فيقول: "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ". وَهُوَ يقولُ لأهلِ كولوسي: "الَّذِي نُنَادِي بِهِ مُنْذِرِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". بعبارة أخرى: "نحنُ نُريدُ أنْ نَجْعَلَ كُلَّ شخصٍ مِنْكُم أَشْبَهَ ما يكون بصورةِ المسيح". فهذا هو هدفُ الحياة المسيحيَّة. وهذا هو ما تقولُهُ تلك الآية. فاللهُ يَعْمَلُ مِنْ خلالِ رُوحِهِ على تَغييرِنا لكي نَصيرَ مُشابِهينَ صُورةَ المسيح. وَهُوَ يَنْقِلُنا منْ مُستوى مِنَ المجدِ إلى المُستوى التَّالي، والمُستوى التَّالي، والمُستوى التَّالي.

لِذا فإنَّ هذه الآية تَصُبُّ في صَميمِ الاختبارِ المسيحيِّ. وهي أيضًا آية تتحدث عنِ المجد. فالمَجْدُ فِكرة رئيسيَّة في هذا المقطع، كما تَعلمون. وما تَقولُهُ هُنا هو أنَّ هناكَ مَجْدًا مُتزايدًا في حياةِ المؤمن. هل فَهِمْتُم ذلك؟ هناكَ مَجْدٌ مُتزايِدٌ في حياةِ المؤمِن. فمؤمِنو العهد الجديد يَختبرونَ مَجْدًا مُتزايدًا؛ على النَّقيضِ مِنْ مُوسى الَّذي كانَ يَظْهَرُ في وَجْهِهِ مَجْدٌ مِنْ أيِّ نَوْع؟ مَجْدٌ مُتناقِصٌ أو مَجْدٌ زَائِلٌ.

والحقيقةُ هي أنَّ ظُهورَ مجدِ اللهِ لِشَعْبِه ليسَ أمرًا جديدًا. فلا يوجد ما هو جديد بخصوصِ أنَّ اللهَ أَعلنَ مَجْدَهُ لشعبِه. فقد فَعَل. فقد أظهَرَ مَجدَهُ لآدمَ وحَوَّاءَ في الجَنَّة حينَ كانَ حُضورُهُ هُناكَ. وقد مَشَيا وتَحَدَّثا مَعَهُ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَار. وقد أَظهرَ مَجدَهُ لبني إسرائيلَ حينَ كانَ يَظْهَرُ في سَحابة في النَّهار وعَمودِ نارٍ في اللَّيل. وقد قُلتُ لكم في السَّابق إنَّ اللهَ أَخَذَ كُلَّ صِفاتِهِ (كالرَّحمة، والنِّعمة، واللُّطْف، والمحبَّة، والقداسة)، وأنَّهُ نَقَلَها بطريقةٍ ما إليهم في صُورةِ نُوْرٍ مَنْظور. وقد كانَ هذا النُّورُ يُمَثِّلُ حُضورَهُ. فقد أَعلنَ مَجْدَهُ لشعبِه.

وقد أَظهرَ مَجْدَهُ لشعبِه حينَ حَلَّ على خيمةِ الاجتماعِ وَمَلأَ مَجْدُهُ الخيمة حَتَّى إنَّ الكَهَنَة لم يتمكَّنوا مِنَ القيامِ بخدمتهم. وقد أَظْهَرَ مَجدَهُ لشعبِهِ عندما حَلَّ على الهَيْكَلِ عندَ اكتمالِهِ فَصارَ مَجْدُهُ ظاهِرًا. وقد دَعا اللَّاهوتيُّونَ ذلكَ دائمًا "الشَّكينة"، ومَعْناها: "حُضور". فَحُضورُ اللهِ مُعْلَنٌ في هَيئةِ نُوْر. وحيثُ إنَّ اللهَ رُوْح، وإنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نَرى الرُّوح، فإنَّ اللهَ أَظهرَ نَفسَهُ في هيئةِ نُوْرٍ بَهِيٍّ.

ولكِنْ مِنَ المؤكَّدِ أنَّ أغْرَبَ إعلانٍ للشَّكينة حَدَثَ في سِفْر الخُروج والأصحاح 34. ففي سِفْر الخروج 34، نَقرأُ عَنْ مُوسى. فقد صَعِدَ إلى الجبل. وسوفَ أُنْعِشُ ذاكِرَتَكُمْ وَحَسْب لأنَّ بعضَ الأشخاصِ رُبَّما لم يَسمعوا ذلك. فهذا هوَ ما يُشيرُ إليهِ هذا النَّصُّ، كما ذَكَرْنا سابقًا. فقد صَعِدَ مُوسى إلى الجبل، أيْ إلى جَبَلِ سِيْناء، لكي يَتَسَلَّمَ ناموسَ اللهِ. وهُناكَ، وَجَدَ نَفْسَهُ وَجْهًا لوجهٍ أمامَ مَجْدِ الله.

ونقرأُ في سِفْر الخروج 34: 29: "وَكَانَ لَمَّا نَزَلَ مُوسَى مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِ مُوسَى، عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ الْجَبَلِ، أَنَّ مُوسَى لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ فِي كَلاَمِهِ مَعَهُ". وما حَدَثَ هُوَ أنَّ مجدَ اللهِ كانَ ظاهِرًا على وَجْهِ مُوسى. فقد كانَ ظَاهِرًا فيه. فَمَجْدُ اللهِ لم يُعْلَنْ فقط للبَشَر، بل في البَشَرِ أيضًا. وهذه هي المَرَّةُ الأولى الَّتي يَظهرُ فيها مجدُ اللهِ حَرفيًّا في وَجْهِ إنسان. "فَنَظَرَ هَارُونُ وَجَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى وَإِذَا جِلْدُ وَجْهِهِ يَلْمَعُ، فَخَافُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ". فقد كانَ مُتَوَهِّجًا كالشَّمس.

"فَدَعَاهُمْ مُوسَى. فَرَجَعَ إِلَيْهِ هَارُونُ وَجَمِيعُ الرُّؤَسَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ" بعدَ هذا الفَرَار بسببِ لَمَعانِهِ. "فَكَلَّمَهُمْ مُوسَى". وَبِكُلِّ تأكيد، لقد كَلَّمَهُم بالأشياءِ الَّتي أَمَرَهُ اللهُ أنْ يَقولَها لهم. "وَبَعْدَ ذلِكَ اقْتَرَبَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَوْصَاهُمْ بِكُلِّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ مَعَهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ. وَلَمَّا فَرَغَ مُوسَى مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُمْ، جَعَلَ عَلَى وَجْهِهِ بُرْقُعًا". لِماذا؟ لكي يَتمكَّنوا مِنَ النَّظرِ إليه. ولكي يتمكَّنوا مِنَ الوُقوفِ بِجانِبِهِ مِنْ دونِ أنْ يُصابَوْا بالعَمَى.

"وَكَانَ مُوسَى عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ يَنْزِعُ الْبُرْقُعَ حَتَّى يَخْرُجَ، ثُمَّ يَخْرُجُ وَيُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا يُوصَى. فَإِذَا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ وَجْهَ مُوسَى أَنَّ جِلْدَهُ يَلْمَعُ كَانَ مُوسَى يَرُدُّ الْبُرْقُعَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَدْخُلَ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ".

 

فعندما كانَ يَتكلَّم معَ اللهِ، كانَ يَرْفَعُ البُرقُع. وعندما كانَ يَخْرُجُ ليتكلَّم معَ الشَّعبِ، كانَ يَتْرُكُ البُرقُعَ مَرفوعًا لكي يَتمكَّنوا مِن رُؤيةِ مَجْدِ اللهِ المُشِعِّ. وقد كانوا، في الحقيقة، يَرَوْنَ مَجْدَ العهدِ القديم (أيِ المَجْدَ المُعْلَنَ في العهد القديم) ظاهِرًا في وَجْهِهِ. وبعدَ أنْ يَنتهي مِنْ إبلاغِهم بِكُلِّ ما أرادَ مِنْهُ اللهُ أنْ يُبْلِغَهُم إيَّاه مِنَ العهد القديم، كانَ يُعيدُ البُرْقُعَ على وَجْهِهِ لِئَلَّا يُصابَ الشَّعْبُ بالعَمَى.

لِذا فإنَّنا نَرى مِنْ خلالِ تلكَ الحادثة أنَّ مجدَ اللهِ قد أُعْلِنَ في زَمَنِ العهدِ القديم للشَّعب، وَحَتَّى في هذه المَرَّة في إنسان. فقد كانَ للعهدِ القديم مَجْد؛ في مُحتواه المَدَنِيّ، والطَّقسيّ، والأدبيّ. فقد كانَ للعهد القديم مَجْد. فقد كانَ مِنَ الله. وقد كانَ مُقَدَّسًا، وعادلًا، وصالحًا. وقد كانَ يَمْتَلِك سِماتٍ إلهيَّة. وقد كانَ إعلانًا إلهيًّا. وهذا يَعني أنَّهُ أَعْلَنَ طَبيعةَ اللهِ. وقد أَعلنَ مَشيئةَ اللهِ. وقد أَعلنَ القَصْدَ الفِدائيَّ وخُطَّةَ اللهِ. وفقد كانَ لهُ مَجْدٌ دُوْنَ أَدْنى شَكٍّ.

وبولسُ يُريدُ مِنَّا أنْ نَعلمَ ذلك. والحقيقة هي أنَّهُ يقولُ في العدد 7 إنَّ "خِدْمَةَ الْمَوْتِ، الْمَنْقُوشَة بِأَحْرُفٍ فِي حِجَارَةٍ، قَدْ حَصَلَتْ فِي مَجْد". فقد اتَّهَمَ المُهَوِّدونَ وَأهْلُ الخِتانِ بُولُسَ بالحَطِّ مِنْ شأنِ ناموسِ اللهِ، والتَّقليلِ مِنْ شأنِه، واحتقارِه. ولكِنَّهُ يَقولُ هُنا: "هذا غيرُ صحيح. فقد جاءَ العهدُ القديمُ في مَجْد". والحقيقة هي أنَّهُ يقولُ "في مَجْدٍ كثير" إذْ نَقرأُ في العدد 7: "حَتَّى لَمْ يَقْدِرْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى وَجْهِ مُوسَى لِسَبَبِ مَجْدِ وَجْهِهِ".

أجل! لقد كانَ للعهد القديم مَجْد. فقد كانَ مِنْ عندِ الله. وقد أَظْهَرَ صِفاتِ الله، ومشيئةَ اللهِ للإنسان، وخُطَّةَ فِداءِ اللهِ وَقَصْدَهُ. ولكِنَّ العهدَ الجديدَ (كما يَقولُ بولُس) لَهُ مَجْدٌ أعظَم. وَهُوَ يقولُ في العدد 9 إنَّ العهدَ الجديد يُدْعى "خِدْمَة البِرّ" وإنَّ هذه الخِدمة تَزيدُ في مَجْد. وهو (بحسب العدد 10): "مَجْدٌ فائِق". وَهُوَ (بحسب العدد 11) "مَجْدٌ دائِم".

والحقيقةُ هي أنَّ هذا المجدَ الفائقَ، والكثيرَ، والدَّائم للعهدِ الجديد هو الفِكرة الرئيسيَّة للعدد 18. والآنْ اسمعوني جَيِّدًا فيما أُلَمْلِمُ هذه الخُيوطَ مَعًا. فقد كانَ للعهد القديم مَجْدٌ أُعْطِيَ للنَّاس ووُضِعَ في وَجْهِ إنسان. ولكِنَّ العهدَ الجديدَ لَهُ مَجْدٌ وُضِعَ في البَشَر ... في البَشَر. واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ ذلكَ لكم بأبسطِ طريقة مُمْكِنَة. فنحنُ لدينا صِفاتٌ مُشتركة معَ المَسيحِ المُتَجَلِّي أكثرَ مِنْ مُوسَى لأنَّ المَسيحَ (كما تَذكرونَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 17) رَفَعَ بُرْقُعَ جَسَدِهِ وَتَجَلَّى أمامَهُ. فقد تَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ واختلفَتْ. وقد جاءَ المَجْدُ مِنَ الدَّاخل (كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 1: 14) إذْ نَقرأ: "وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا".

إنَّهُ مَجْدٌ داخليٌّ كانَ يُشِعُّ مِنَ المسيح. أمَّا فيما يَختصُّ بِمُوسَى، فقد كانَ انعكاسًا خارجيًّا للمَجْد. فقد كانَ مَجْدًا خارجيًّا. ونحنُ لدينا صِفات مُشتركة معَ المجدِ الَّذي أَعْلَنَهُ المسيحُ عندَما تَجَلَّى أكثرَ مِنَ المجدِ الَّذي أَعْلَنَهُ مُوسى على الجَبَل لأنَّ المَجْدَ الَّذي لنا في المسيح هُوَ مَجْدٌ داخليٌّ. لماذا؟ لأنَّ هذه هي طبيعة العهد الجديد. فالمجدُ موضوعٌ فينا. لماذا؟ لأنَّ المسيحَ الحَيَّ يَحْيا فينا: "الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ [ماذا؟] الْمَجْد".

لِذا، عندما كانَ المُهَوِّدونَ يأتونَ إلى مدينة كورِنثوس أو إلى أيِّ مكانٍ آخر، كما فَعَلوا هُنا، ويَبتدئونَ في الكِرازةِ عن مجدِ العهدِ القديم، وناموسِ العهد القديم، وطُقوسِ العهد القديم، ويُحاولونَ إقناعَ النَّاسِ بأنَّ العهدَ القديمَ كانَ لازِمًا للخلاص، وبأنَّ العهدَ القديمَ يَحْوي عُنْصُرًا مُخَلِّصًا، كانَ الرَّسولُ بولسُ يُنْكِرُ ذلك. وَهُوَ هُنا يُنْكِرُ ذلكَ بِعِدَّة طُرُق، كما ذَكرنا سابقًا، ويَخْلُصُ إلى القولِ بأنَّ العهدَ القديمَ كانَ لَهُ مَجْدٌ خارجيٌّ؛ ولكِنَّ العهدَ الجديدَ لَهُ مَجْدٌ داخليّ. والحقيقة هي أنَّهُ حينَ نَنظرُ إلى مجدِ الربِّ فإنَّنا نَنتقلُ (أوْ حَرفيًّا: "نَتغيَّرُ") مِنْ مُستوى مِنَ المجدِ إلى الَّذي يَليه مِنْ خلالِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس.

فقد كانَ للعهدِ القديم مَجْدٌ زائل. أمَّا العهدُ الجديدُ فَلَهُ مَجْدٌ غيرُ زائل. وقد كانَ مَجْدُ العهدِ القديم مُتناقِص إذْ كانَ يَتلاشَى مِنْ وَجْهِ مُوسى. وقد كانَ ينبغي لهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الجبل للحصولِ على جُرعة أُخرى مِنْه. أمَّا العهدُ الجديد فإنَّ مَجْدَهُ لا يَتلاشى ولا يَزول، بل إنَّ مَجْدَهُ مُتزايِد. فَمَجْدُ العهدِ القديمِ الزَّائل لا يَقدرُ أنْ يُخَلِّص. أمَّا مَجْدُ العهدِ الجديد المُتزايِد فيقدرُ أنْ يُخَلِّص، وَهوَ يُخَلِّص. لِذا فإنَّ العهدَ الجديدَ مُتَفَوِّقٌ على العهد القديم.

وهذه هي النُّقطةُ الأخيرةُ الَّتي يَستعرِضُها بولسُ هنا. فَهُوَ يُدافعُ عن نفسهِ وعن جَميعِ الكارِزينَ الحقيقيِّينَ الَّذينَ يَكرِزونَ بالعهدِ الجديد. فبولُس يُدرك أنَّ العهدَ القديمَ الَّذي لا يُخَلِّص كانَ لَهُ مجد، ولكِنَّهُ كانَ مَجدًا زائلاً. وقد كانَ مَجدًا مَحجوبًا. وقد كانَ لا بُدَّ أنْ يَزولَ وأنْ يأتي عِوَضًا عنهُ عَهْدٌ جديد. فالعهدُ القديمُ كانَ خِدمةَ مَوْتٍ (كما جاءَ في العدد 7)، وخِدمةَ دَينونة (كما جاءَ في العدد 9). فقد كانَ قادرًا فقط على كَشْفِ الخطيَّة وإعلانِ أنَّ النَّاسَ خُطاة؛ ولكنَّهُ لم يكن يَقدرُ أنْ يُخَلِّصَهُم.

مِن جهة أخرى، فإنَّ العهدَ الجديدَ مُتفوِّقٌ جِدًّا عليه. لماذا؟ اسمحوا لي أنْ أُذَكِّرَكُم بالنِّقاط. فهو يُعْطي حَياةً (كما جاءَ في العدد 6): "لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ [العامِلَ مِنْ خلالِ العهدِ الجديد] يُحْيِي". ثانيًا، إنَّهُ يُنْشِئُ بِرًّا. فهو يَدْعو العهدَ الجديدَ في العدد 9: "خِدْمَةَ البِرِّ". فلا أحدَ يَستطيعُ مِنْ خلالِ حِفْظِ ناموسِ اللهِ أنْ يَصيرَ بارًّا. ثالثًا، إنَّهُ دائمٌ. إنَّهُ دائمٌ. فَهُوَ بَاقٍ (كما جاءَ في العدد 11). فهو دائمٌ؛ على النَّقيضِ مِنَ العهدِ القديم الَّذي تَمَّ استبدالُه.

رابعًا، إنَّ العهدَ الجديدَ مُتفوِّقٌ لأنَّهُ يُعطي رَجاءً إذْ نَقرأُ في العدد 12: ""فَإِذْ لَنَا رَجَاءٌ مِثْلُ هذَا نَسْتَعْمِلُ مُجَاهَرَةً كَثِيرَةً". فالعهدُ القديمُ كانَ شيئًا عَديمَ الرَّجاء. فكُلُّ ما كانَ يَفعَلُهُ هو أنْ يَأتي بالخاطئِ إلى النُّقطةِ الَّتي يَشعرُ فيها بالذَّنبِ والعارِ الشَّديدَيْن. فهو يُدركُ خطيئَتَهُ. وَهُوَ يُدركُ أنَّهُ لا يوجدُ فيه أيّ شيءٍ يستطيعُ أنْ يُغَيِّرَ ذلك، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ القدرةَ على الحصولِ على البِرِّ مِنْ تِلقاءِ نفسِه. فهو يَجْعَلُهُ في حالةِ يأسٍ شديد، ويَدفَعُهُ إلى طَلَبِ الرَّحمةِ مِنَ الله. أمَّا العهدُ الجديدُ فيُعطي رجاءً.

خامسًا، لقد قُلنا إنَّ العهدَ الجديدَ واضحٌ. ففي الأعداد 13-15، يَتحدَّثُ بولسُ عن حقيقةِ أنَّ مجدَ العهد القديم كانَ ينبغي أن يكونَ مَحجوبًا، وأنَّهُ كانَ بِذلك يُشيرُ إلى غُموضِ العهد القديم، وإلى الاستعاراتِ والرُّموزِ والصُّورِ والطُّقوسِ والتَّقدماتِ الَّتي لم يَكُنْ أيٌّ منها حقيقيًّا، بل كانت جميعُها صُوَرًا للحقيقةِ الَّتي ستأتي. فقد كان هناكَ غُموضٌ مُعَيَّنٌ في العهد القديم تَمَّ الإعلانُ عنهُ في المسيح. فالأَسْرارُ قد كُشِفَتْ في العهد الجديد.

سادسًا، العهدُ الجديدُ مُتَفَوِّقٌ لأنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حولَ المسيح. وكم أُحِبُّ ذلك. فهو يقول في نهاية العدد 14 إنَّ البُرْقُعَ أُبْطِلَ في المسيح. وَهُوَ يقول في العدد 16: "وَلكِنْ عِنْدَمَا يَرْجعُ [الإنسانُ] إِلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ الْبُرْقُعُ". فَكُلُّ شيءٍ يَصيرُ واضحًا في الحياةِ الَّتي تَتَمَركزُ حولَ المسيح. لِذا فإنَّ العهدَ الجديدَ مُتفوِّقٌ لأنَّهُ يُعطي حَياةً، ويُنْشِئُ بِرًّا، ولأنَّهُ دائمٌ، ويُعطي رَجاءً، ولأنَّهُ واضحٌ، ولأنَّهُ يَتَمَرْكَزُ حولَ المسيح. سابعًا، إنَّهُ يَستمدُّ القوَّةَ مِنَ الرُّوح القُدُس. وقد كُنْتُ أتمنَّى أنْ أُنْهي هذه النُّقطة في المَرَّة السَّابقة؛ ولكنَّنا لم نتمكَّن مِن ذلك. لِذا، دَعوني أُنْهيها اليوم.

فنحنُ نقرأ في العدد 17: "وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ". فالعامِلُ، أوِ العامِلُ الإلهيُّ في العهدِ الجديد هو الرُّوح القُدُس. والرُّوحُ هُوَ يَهْوَه نَفسُهُ. بعبارة أخرى، فإنَّ اللهَ نَفسَهُ الَّذي كَتَبَ العهدَ القديمَ هُوَ الَّذي كَتَبَ العهدَ الجديدَ بِوَحْيٍ مِنْ رُوحِهِ. فاللهُ نَفسُهُ الَّذي كَتَبَ الشريعة الأدبيَّة الَّتي تَدينُ النَّاسَ هو اللهُ الَّذي كَتَبَ العهدَ الجديدَ الَّذي يَفديهم. واللهُ نَفسُهُ الَّذي يَحْكُمُ على جميعِ الناسِ بالدَّينونة، والذي يَسُدُّ كُلَّ فَمٍ، هو اللهُ الَّذي يُعلِنُ عن ذاتِهِ مِنْ خلالِ رُوْحِهِ لكي يُخَلِّصَ النَّاسَ ويُحَرِّرَهُم. واللهُ نَفسُهُ الَّذي سَمَحَ لهم أنْ يَصيروا عَبيدًا تحتَ النَّاموسِ هو اللهُ الَّذي يُحَرِّرُهُم مِنْ خلالِ رُوحِهِ.

بعبارة أخرى، لا يوجد تَناقُض. فلا يوجد إلهٌ للعهد القديمِ (أوِ المِيثاقِ القديمِ) وإلهٌ آخر للعهدِ الجديد (أوِ المِيثاقِ الجديد). فهو نفسُ الإلَه. فالربُّ هو نفسُ الرُّوحِ الَّذي يُحَرِّرُ مِنْ عُبوديَّةِ العهد القديم. فَكُلُّ ما قَصَدَ العهدُ القديمُ أنْ يَفعلَهُ هو أنْ يَدْفَعَ النَّاسَ إلى اليأس لكي يَقودهُم يأسُهُم إلى التَّضَرُّعِ طَلَبًا للرَّحمةِ والنِّعمةِ مِنَ اللهِ الحَنونِ والمُحِبّ. وَرُوحُ الربِّ هو نفسُ تلكَ القُوَّة المُخَلِّصة، وهو الَّذي يُطَبِّقُ خَلاصَ العهد الجديد على المُؤمِنِ التَّائب (اسمعوني جَيِّدًا): في أيِّ عَصْر.

فعندما كانَ النَّاسُ في العهد القديم يَرَوْنَ النَّاموسَ على حقيقَتِه (أيْ أنَّهُ خِدمة دينونة وخِدمة موت)، وعندما كانوا يَرَوْنَ أنَّهُ يَقْتُل، وعندما كانوا يَشعرونَ بالخوفِ مِنْ جَهَنَّم، وعندما كانوا يُدركونَ أنَّهُم خُطاة، وعندما كانَ النَّاموسُ يَقومُ بِعَمَلِهِ وكانوا يَتوبونَ مِنْ قُلوبهم ويأتونَ إلى اللهِ ويتضرَّعونَ لأجلِ الرَّحمة، ويَتضرَّعونَ لأجلِ النِّعمة، ويتضرَّعونَ لأجلِ المغفرةِ الَّتي لم يكونوا يَستحقِّونَها بالرَّغمِ مِنْ تَضَرُّعِهِمْ للحصولِ عليها، كانَ اللهُ يُسْبِغُ نِعْمَتَهُ عليهم ويَغفِر لهم. وقد كانَ عَمَلُ التَّغييرِ ذاكَ هُوَ عَمَلُ رُوْحِ الله. وقد كانَ يُطَبِّقُ [اسمَعوني:] لقد كانُ يُطَبِّقُ عَمَلَ المسيحِ في العهدِ الجديد بأثَرٍ رجْعِيٍّ على ذلكَ الخاطئ التَّائب. ولكنَّهُ كانَ عَمَلَ الرُّوح. فالخلاصُ في أيِّ وقتٍ، سواءٌ كانَ في العهد القديم أوِ العهد الجديد، وسواءٌ كانَ تحتَ الميثاقِ القديمِ أوِ الميثاقِ الجديد، هو دائمًا وأبدًا عَمَل الرُّوح القُدُس الَّذي هو الربُّ نَفسُه. وأليسَ أمرًا رائعًا أنَّ اللهَ نَفسَهُ الَّذي كَتَبَ النَّاموسَ هو الَّذي يُحَرِّرُ الخاطئَ التَّائبَ مِنْ عُبوديَّةِ الناموس (كما جاءَ في رُومية 8) ويُحَرِّرُهُ مِنْ حِفْظِ الناموس، لا كوسيلة للموتِ بعدَ الآن، بل كوسيلة للحياةِ والبَرَكَة.

والآن، في أثناءِ حَديثِنا عن ذلك (وقد كانت تلكَ مُراجَعَة)، في أثناءِ حديثِنا عن ذلك، يُطْرَحُ السُّؤالُ التَّالي: ماذا كانَ دَوْرُ الرُّوحِ القُدُس في العهد القديم؟ فإذا كنتَ قادِمًا مِن خَلفيَّةٍ تَدبيريَّة وتَدرسُ الكتابَ المقدَّسَ، رُبَّما ظَنَنْتَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لم يكن يَفعلُ أيَّ شيءٍ في العهد القديم، وأنَّهُ لم يأتِ إلَّا في يومِ الخمسين، وأنَّهُ كانَ هُناكَ فَراغٌ كبيرٌ في العهد القديم مِنْ جِهَةِ خِدمةِ الرُّوحِ القُدُس.

ولكِنْ لا يوجد شيء أَبْعَدُ عنِ الحقيقة مِن هذا الشَّيء. وقد ابتدأنا في الحديثِ عن ذلك في الأسبوعِ الماضي. واسمحوا لي أنْ أُذَكِّرَكُم بما قُلتُه. ففي العهدِ القديم، نَرى عَمَلَ الرُّوحِ القُدُس في أربعةِ مَجالاتٍ بصورة واضحة تمامًا ولا جِدالَ فيها لأنَّ هذا مُعلنٌ في الكتاب المقدَّس. أوَّلاً: في الخليقة. وقد تحدَّثنا عن ذلك. ثانيًا: إعطاءِ القُدرة. فالرُّوحُ القُدُس حَلَّ على فُلان فَعَمِلَ كَذا وَكَذا. ثالثًا: الإعلان. فالعهدُ القديمُ كُلُّهُ أُوْحِيَ لِكُتَّابِ العهدِ القديم مِن خلالِ الرُّوحِ القُدُس. وهذا واضحٌ تمامًا في رسالة بُطرس الثانية 1: 21. رابعًا: وهذه نُقطة يَتعرَّضُ فيها النَّاسُ أحيانًا إلى التَّشويش. فالرُّوحُ القدس لم يَعملُ فقط في الخَلْقِ، وإعطاءِ القُدرة، والإعلان، بل أيضًا في التَّجديد ... في التَّجديد.

فقد اختبرَ مُؤمِنو العهدِ القديمِ التَّجديد. فقد وُلِدوا ثانيةً. وقد تَجَدَّدوا. وقد تَغَيَّروا بقُوَّةِ اللهِ مِن خلالِ عملِ الرُّوح القُدُس. وينبغي أنْ يكونَ هذا واضحًا تمامًا. لماذا؟ أوَّلًا، لقد كانوا جميعًا خُطاةً هالِكين. فقد كانوا فاسِدينَ تَمامًا. وكانت قُلوبُهم أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَنَجِسَة. ولم تكن لديهم القُدرة على أنْ يَتغيَّروا. ولم تكن لديهم القُدرة على القيامِ بأيِّ شيءٍ مِنْ شأنِهِ أنْ يُغَيِّرَ حَالَتَهُم البائسة. فهل يُغَيِّرُ الكُوْشِيُّ جِلْدَهُ؟ وَهَلْ يُغَيِّرُ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟ وقد أجابَ النبيُّ عن ذلك بالقول: "لا".

لِذا، فإنَّ البَشَرَ جميعًا عَالِقونَ في حَالةٍ مِنَ الفَسادِ التَّامِّ والعَجْز. وَهُمْ لا يَقدرونَ أنْ يَفعلوا أيَّ شيءٍ لإرضاءِ الله. وَحَتَّى إنَّ أعمالَ بِرِّهِمْ ... ماذا؟ كَثَوْبٍ قَذِر. والآن، كيفَ سيتمكَّن هؤلاء مِنْ تِلقاءِ أنفُسِهم مِنَ الابتداءِ في حُبِّ اللهِ، وإرضاءِ اللهِ، وكُرْهِ الخطيَّة، وخِدمةِ اللهِ، وعبادةِ الله؟ لا يُمكنهم ذلك. لا يمكنهم ذلك. فهي كَثَوْبٍ قَذِر. فيجب عليهم أنْ يُولَدوا ثانيةً.

وقد رأينا أيضًا في العهد القديم أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُبَكِّت على خطيَّة. وفي سِفْر التَّكوين والأصحاح 6، نَقرأُ أنَّ الرُّوح القُدُس يُجاهِدُ معَ البشر. وقد رأينا أيضًا في العهد القديم أنَّ المؤمنينَ كانوا يُحِبُّونَ اللهَ ويُحِبُّونَ كَلِمَتَه. ونَقرأُ في المزمور 119: "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ!" وهذا لا يَنْطَبِقُ على شخصٍ لم يُولَد ثانيةً. ولكنَّهم تَغَيَّروا وصاروا يُحِبُّونَ اللهَ. وقد تَغَيَّروا وصاروا يُحِبُّونَ كلمةَ اللهِ ويُطيعونَها. وقد تَغيَّروا وصاروا يَكرهونَ الخطيَّة. وقد كانَ هذا هو عمل الرُّوح القُدُس. فقد اختبروا التَّجديدَ وَوُلِدوا ثانيةً. فقد تَغَيَّروا كما تَغَيَّرْنا نحن. ولا شَكَّ في ذلك. وإلَّا، لَمَا كانوا قادرينَ، بالمفهومِ البَشريِّ، على أنْ يَتغيَّروا. لِذا، كانَ اللهُ هو الَّذي غَيَّرَهُم.

فَكِّروا في ذلك بالطريقة التَّالية: نَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح الحادي عَشَر عن جميعِ أبطالِ الإيمان ابتداءً بإبراهيم فَصَاعِدًا. فجميعُ هؤلاء هُمْ أبطالُ الإيمان. وَهُمْ نَماذِجَ لنا على كيفيَّة عَيْش حياة الإيمان. فنحنُ مُحاطونَ بسحابةٍ مِنَ الشُّهود الَّذينَ يَشهدونَ على قُوَّةِ حياةِ الإيمان. وَهُمْ جميعًا مُؤمنونَ مِنَ العهدِ القديم. وَهُمْ قُدْواتٌ لنا. فإبراهيمُ هُوَ أبو الإيمانِ بالنِّسبة إلينا. وقد كانَ إبراهيمُ رَجُلاً اختبرَ التَّجديد.

وقد خَتَمْنا دَرْسَنا في المَرَّة السَّابقة بإنجيل يوحنَّا والأصحاح الثَّالث. واسمحوا لي أنْ أَصْحَبَكُمْ إلى هُناكَ ثانيةً وأنْ أُذَكِّرَكُمْ بما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 3 إذْ نَقرأُ عنِ الحديثِ الَّذي دارَ بينَ يَسوعَ ونيقوديموس. والآنْ، تَذَكَّروا أنَّ يسوعَ لم يكن قد ماتَ بعد. فلم تكن هناكَ قيامة بعد. ولا يوم خمسين. فالرُّوحُ القُدُس لم يكن قد جاءَ بعد. والكنيسة لم تكن قد تأسَّسَتْ بعد. لِذا، فإنَّ ما لديكم هنا هو حَديثٌ جَرَى في العهدِ القديم ... حَديثٌ جَرى في العهد القديم. فقد تَمَّتِ المُصادقةُ على العهدِ الجديدِ بِدَمِ المسيح. ولكِنَّ دَمَهُ لم يَكُنْ قد سُفِكَ بعد. لِذا، لم يَكُنِ العهدُ الجديدُ قد أُعْطِيَ بعد. لِذا، فإنَّنا نَقرأُ هُنا عن شُروطِ العهد القديم.

فقالَ يسوعُ لنيقوديموس الَّذي كانَ واحدًا مِنْ قادةِ اليهود: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ [في العدد 3]: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ الله". وهذا مَبدأٌ ثابتٌ في خُطَّةِ الفِداءِ الإلهيَّة: "لا يمكنكَ أنْ تَدْخُلَ ملكوتي إلَّا إذا وُلِدْتَ ثانيةً". فهذا ليسَ شيئًا حَدَثَ بعدَ يومِ الخمسين. بل حَدَثَ قبلَ ذلكَ بوقتٍ طويل. فقد حَدَثَ ذلكَ حَتَّى قبلَ أنْ يموتَ يسوع. فهذا الشَّرْطُ كانَ موجودًا في فَترةِ العهدِ القديم. وَهُوَ يَقولُ أيضًا في العدد 6: "الْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ". ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في نهايةِ العدد 8: "هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوح". فالرُّوحُ هو العامِلُ في هذا التَّجديد. والرُّوحُ هو العاملُ في هذا التَّغيير، وفي هذه الولادة الجديدة، وفي هذا التَّحَوُّل الَّذي ينبغي أنْ يَحدُث لأنَّهُ إنْ لم يحدث، لا يمكنكَ أنْ تَدْخُل ملكوتَ الله. وقد كانَ هذا يَصُحُّ على نيقوديموس. وقد كانَ نيقوديموس يعيشُ قبلَ المُصادَقَة على العهدِ الجديد.

لِذا، حينَ تقول: "ماذا كانَ يَفعلُ الرُّوحُ القُدُسُ في حياةِ المؤمنِ في العهد القديم؟" سأقولُ لَكَ ما كانَ يَفعل. أوَّلاً، لقد قَدَّمَ الإعلانَ عنِ الحَقِّ لأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ كانَ وراءَ الإعلانِ والحَقِّ القائلِ إنَّهُ بمقدورِ المرءِ أنْ يُؤمِن. كذلكَ، كانَ الرُّوحُ القُدُسُ يُبَكِّت على خطيَّة. وكانَ الرُّوحُ القُدُسُ يُغَيِّرُ الإنسانَ، ويُعطي ذلكَ الإنسانَ القُدرة على أنْ يُطيعَ اللهَ، ويُحِبَّ اللهَ، ويَكْرَهَ الخطيَّة. فَضْلاً عن ذلك، سوفَ أَتَقدَّمُ خُطوةً أخرى. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ كانَ يَحفظُ المؤمِنَ في العهدِ القديمِ كَما يَحْفَظُهُم اليوم. فلم يكن بمقدورِكَ أنْ تُنْقِذَ نَفسَكَ ولا أنْ تُخَلِّصَ نفسَك. وهل تُريدونَ أنْ تَعلموا شيئًا؟ لا يُمْكِنُكَ أنْ تُبْقي نَفْسَكَ مُخَلَّصًا أيضًا. فأنتَ مَحْفوظٌ بقُدرَتِه. وقد كانَ هذا صحيحًا في العهدِ القديمِ أيضًا.

وأنا أُوْمِنُ بأنَّ الرُّوحَ القُدُسُ جَدَّدَ وحَفِظَ كُلَّ مُؤمِنٌ مُخْتار، وأنَّهُ هو الَّذي عَمِلَ في قُلوبهم. فلنأخُذ شَمْشون على سَبيلِ المِثال ... شَمشون الَّذي وَقَعَ في خطيئةٍ رَهيبة ومُريعةٍ معَ دَليلة. فكيفَ حَصَلَ على ذلكَ الانتصار في النهاية؟ سوفَ أُخبركم كيف: لأنَّ الرُّوحَ حَفِظَهُ. ففي وَسْطِ كُلِّ ذلك الإثم، لم يَتَخَلَّى اللهُ يومًا عن ذلك الرَّجُل. فقد كانَ مُتَّكِلاً على الرُّوح. فهل كانَ يَقدِرُ أنْ يَحفظَ نَفسَهُ في النِّعمة المُخَلِّصة؟ لا. وَهُوَ لم يكن يَقْدِرُ أيضًا أنْ يُخَلِّصَ نَفسَهُ أصلاً. وهل تَذكرونَ ما قالَهُ دَاوُدُ حينَ كانَ يُعَبِّرُ عنِ الألمِ الَّذي يَعْتَصِرُ قَلبَهُ عندما اعترَفَ بخطيئته في المزمور 51؛ أيْ عندما اعترفَ بخطيئته لأنَّهُ قَتَلَ أوريَّا وأقامَ علاقةً غير مَشروعة معَ زوجَتِه بَثْشَبَع؟ هل تَذكرونَ ما قال؟

"قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي". فما الَّذي كانَ يَطْلُبُهُ؟ لقد كانَ يَطلُبُ التَّدَخُّلَ الإلهيَّ في حياتِه، ويَطلُبُ الغَسْلَ والتَّطهير. فهو لم يَقُل: "يا رَبّ، لقد كانَ هذا الموقِفُ صَعْبًا لأنَّها كانت جميلة جدًّا. ولكنِّي سأفعلُ ... ولكنِّي سأفعلُ ... ولكنِّي سأفعلُ ما في وُسْعي! فسوفَ أُحْسِنُ التَّصَرُّف في المَرَّة القادمة. وسوفَ أُحاولُ أنْ أقاوِمَ في المرَّة القادمة". فهو لم يكن بمُفردِه. بل إنَّهُ كانَ يَعلمُ المَصدرَ الوحيدَ للتَّطهيرِ والقُوَّةِ وَهُوَ: الله. "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ. فإنْ لم تَفعل ذلك فإنَّني لا أستطيعُ أنْ أفعلَ ذلك". فقد كانَ يَعلمُ. فالطَّهارةُ والقداسةُ والتَّقديسُ والحِفْظُ هِيَ كُلُّها عَمَلُ الرُّوحِ القُدُس ... كُلُّها.

واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا آخر رُبَّما لم تَلتفتوا إليه مِنْ قَبْل ولم تُفَكِّروا فيه. انظروا إلى إنجيل لوقا والأصحاح 8. وقد صَدَمَني ذلكَ في هذا الأسبوع. فأنا لا أَذْكُرُ أنَّني فَكَّرْتُ في هذا الأمرِ مِنْ قَبْل. ولكِنْ في أثناءِ دراسَتي وقراءَتي لإنجيل مَتَّى في هذا الأسبوع، ولإنجيلِ لُوقا، بَحْثًا عَنْ شواهِد على الرُّوحِ القُدُس، قرأتُ ما جاءَ في إنجيل لوقا 8: 15. وقد كانت آيةً مُدهشةً حينَ قرأتُها في سِياقِ عَمَلِ الرُّوح القُدُس. وهي آية عن الزَّارِعِ والزَّرْع. أَتَذكرونَ ذلك؟ وإليكُم ما تقول: "وَالَّذِي فِي الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ، هُوَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ، وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْر". وقد قُلْتُ لنفسي: "مَنْ يكونُ هؤلاء الأشخاص؟" إنَّهُم الأشخاصُ "الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِح"؟ وَمَنْ يَستطيعُ أنْ يَفعلَ ذلك؟

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ النَّصَّ يقول إنَّ الزَّارِعَ خَرَجَ لِيَزْرَعَ زَرْعَهُ. وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ، وَسَقَطَ آخَرُ في وَسْطِ أرضٍ مَليئةٍ بالأعشابِ الضَّارَّةِ أوِ الأشواك، وسَقَطَ آخَرُ عَلَى أرضٍ صَخريَّة فلم يَصْنَعْ ثَمَرًا. ولكِنَّ بَعْضًا مِنْهُ سَقَطَ فِي الأَرْضِ الصَّالِحَةِ. أَتَذكرونَ ذلك؟ إذًا، فقد سَقَطَ بَعْضٌ في الأرضِ الصَّالحة. وما هي الأرضُ الصَّالحة؟ وقد تَحْتارُ في كيفيَّةِ الإجابةِ عن هذا السُّؤال. ولكِنَّ الأرضَ الصَّالحة هي ماذا؟ فإلى ماذا تُشيرُ الأرضُ؟ إلى قَلْبِ الإنسان. أليسَ كذلك؟ إلى قلبِ الإنسان. فهُناكَ إنسانٌ قَلْبُهُ قَاسٍ، وقلبٌ مُتَحَجِّر، وقلبٌ تَخْنُقُهُ هُمومُ العالم ومشاكِلُه، وقلبٌ غيرُ مُستعدٍّ لاحتمالِ الألم. إذًا، مَنِ الَّذي يَمْلِكُ قَلْبًا صالحًا؟ فهل هُناكَ شَريحة مُعَيَّنة مِنَ البَشَرِ الذينَ يَمْلِكونَ قُلوبًا صالحة؟ لا أَظُنُّ ذلك. فقلبُ الإنسانِ هو ماذا؟ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شيءٍ وَهُوَ نَجيس. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. فَهُمْ جَميعًا بائِسون، وفاسِدون، وأشرار. فقد فَسَدوا جميعًا وصاروا مِثْلَ الحَليبِ الفاسِد. سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ. وَهُمْ لا يَعْرِفونَ سِوى الإثْم. فلا يوجد في الوُجودِ كُلِّهِ شَيءٌ يُدْعى "قًلْبًا صَالِحًا". فلا يوجد شيءٌ كهذا. قَلْبٌ صَادِقٌ وَطَيِّبٌ؟ ماذا عَسَى هذا أنْ يَكون؟

سوفَ أُخبركُم ما هو. إنَّهُ قَلبٌ عَمِلَ بِهِ الرُّوحُ القُدُس. فيجب أنْ يَعْمَلَ الرُّوحُ القُدُسُ في ذلكَ القلب لكي يَجْعَلَهُ كذلك. "الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ، وَيُثْمِرُونَ بِالصَّبْر". وهل تَظُنُّونَ أنَّ هؤلاءِ يَفعلونَ ذلك لأنَّ هناكَ شيئًا فيهم أفضل مِنَ النَّاسِ الآخرين؟ وقد نَقولُ أحيانًا: "أتَدري أنَّ فُلانًا طَيِّبَ القلب؟" عُذْرًا! بعدَ أنْ يَعْمَلَ الرُّوحُ القُدُسُ فيهِ فإنَّهُ يَصيرُ قلبًا صالحًا. أمَّا قبلَ ذلك، فإنَّهُ ليسَ صَالِحًا. لِذا، كَما تَرَوْنَ، فإنَّ كُلَّ ما نَقرأهُ في العهد القديم وفي الأناجيل بخصوصِ الخلاص يَفْتَرِضُ تَدَخُّلاً إلهيًّا، وعَمَلاً إلهيًّا. وهذا هو عملُ الرُّوحِ القُدُس. فكما أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ رَفَّ على الخَليقةِ الخَرِبَة والخالية فَأعطاها شَكْلاً، فإنَّهُ وَاسِطَةُ الولادةِ الجديدة، والتَّجديد، والولادة الثَّانية بالرُّوح. والخلاصُ، حَالُهُ حَالُ أيِّ عَمَلٍ رُوحِيٍّ آخر، هو: "لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُود (زَكريَّا 4: 6).

لِذا فقد كانَ قِدِّيسو العهد القديم يَختبرونَ عملَ الرُّوح. فَضْلاً عن ذلك، أعتقدُ أنَّ الرُّوحَ كانَ حاضِرًا معهم في حياتِهم. واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم السَّبب. انظروا إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14 ... إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14. وهذا جُزْءٌ مُحَدَّدٌ جِدًّا جدًّا مِنَ الكتاب المقدَّس. الأصحاح 14 والعَدَدان 16 و 17. فقد كانَ يسوعُ في العِلِّيَّة يُخاطِبْ تلاميذَهُ ويُوَدِّعُهُم إذْ كانَ على وَشْكِ أنْ يَموت. وقد كانوا يَشعرونَ بالخسارة الفادِحَة. وَهُوَ يقول: "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ" مِثْلي. فَهُوَ يَستخدِمُ الكلمة "آلوس" (allos)، لا الكلمة "هيتيروس" (heteros)؛ أيْ: مُعَزِّيًا مُماثِلاً "لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَد". فأنا لن أَتْرُكَكُمْ وَحْدَكُم. لا تَقلقوا. صحيحٌ أنَّني سأُغادِر، ولكِنَّ شخصًا آخرَ سيأتي". وَمَنْ هو؟ نَقرأُ في العدد 17: "رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ". والآن، استمعوا إلى ما يقول: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ [أيْن؟] مَعَكُمْ".

والآنْ، هُناكَ كَلِمَة رئيسيَّة. فلم يكن بمقدورِ هؤلاءِ الأشخاص، أو هؤلاءِ التَّلاميذ، أنْ يَعْمَلوا بأيَّة طريقة مَرْضِيَّة أمامَ اللهِ لو لم يكن الرُّوحُ القُدُسُ ماكِثًا مَعَهُم، ولو لم يكن يَقودُهُم، ويُرشدهُم، ويحميهم، ويحفظهم، ويمنحهم القوَّة. "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ". فَهُوَ يَسْكُنُ مَعَكُم. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ الآتي: "وَيَكُونُ [ماذا؟] فِيكُمْ". وَهُنا يَكْمُنُ مَجْدُ العهد الجديد. فهو مَاكِثٌ مَعَكُم. وَهُوَ سيكونُ فيكُم. وقد تقول: "وما الفَرْق؟ إنَّهُ أَمْرٌ يَعْسُرُ عَلَيَّ أنْ أَفْهَمَه". ولكِنْ هناكَ مِلْءٌ، أو هُناكَ دَرَجةٌ نَختبرُ فيها قُوَّةَ وقُدرةَ رُوْحِ اللهِ تَفوقُ خِبْرَةَ مُؤْمِنِ العهدِ القديم.

افتحوا معي قليلاً على إنجيل يوحنَّا والأصحاح السَّابِع ... إنجيل يوحنَّا والأصحاح السابع. وانظروا إلى العدد 37 إذْ يَقولُ يَسوع: "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ" ثُمَّ يقول في العدد 38: "مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ..." [وَهُوَ يَقتبِسُ مِنْ سِفْر إشعياء]: "...تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ". فَكُلُّ مُنْ يُؤمِنُ بي تَجري مِنْ داخِلِهِ أنهارُ مَاءٍ؛ أيْ مِنْ كِيانِهِ الدَّاخليِّ؛ "مِنْ بَطْنِهِ" (أيْ مِنْ أعماقِ كِيانِهِ). ونقرأُ في العدد 39: "قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ". ماذا؟ لقد قالَ للتَّوّ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14 إنَّهُ يَمْكُثُ مَعَكُم. فما الَّذي قَصَدَهُ بأنَّ المؤمنينَ بهِ كانُوا مُزْمِعينَ أنْ يَقْبَلوه؟ " الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ". فهو معكم، ولكنَّكم لم تَقبلوهُ بعد. ماذا؟ كيفَ يكونُ مَعَكُم ولكنَّكم لم تَقبلوه بعد؟ والجوابُ هو أنَّ قِدِّيسي العهد القديم اختبروا حُضورَ الرُّوح القُدُس؛ وإلَّا لما كانوا قِدِّيسي العهد القديم. ولكِنَّ هناكَ مِلْئًا، وغِنىً، ودرجةً، وعُمْقًا يَختبر فيها مُؤمِنُ العهدِ الجديدِ الرُّوحَ القُدُس لم يكن معروفًا لدى مؤمني العهد القديم. وَهُوَ مِلْءٌ أوْ نَهْرٌ مُتَدَفِّقٌ مِنَ الداخل. لِذا فإنَّني أقولُ، مَرَّةً أخرى، إنَّنا نُشْبِهُ المَسيحَ المُتَجَلِّي أكثرَ مِمَّا نُشْبِهُ مُوْسَى المُشِعّ.

ما الفَرْقُ، إذًا، بينَ عَمَلِ الرُّوح في مُؤمِنِ العهد الجديد ومُؤمِنِ العهد القديم؟ الجوابُ الوحيدُ الَّذي أَعْرِفُهُ هو أنَّ الفَرْقَ يَكْمُنُ في الدَّرَجَة، أو أنَّ الفَرْقَ يَكْمُنُ في العُمْق، أو في الإعلان، أو في المِلْء. ويجب علينا أنْ نَشكُرَ الربَّ وأنْ نُسَبِّحَهُ لأنَّهُ أَعْطانا هذا الامتيازَ العظيمَ بأنْ نكونَ مُؤمِني عَهْدٍ جديد. فالحياةُ المسيحيَّةُ هذهِ صَعْبَة أصلاً. والأمرُ يَتطلَّبُ كُلَّ ذَرَّةٍ مِنْ مِلْءِ الرُّوح يمكنني الحُصولُ عليها. أليست هذه هي حالُكُم أنتُم أيضًا؟

وَلِئَلَّا تَظُنُّونَ أنَّهُ ليسَ مِنَ العَدْلِ أنْ يَحْصُلَ هؤلاءِ الأشخاص على مِلْءٍ أَقَلُّ مِنَّا مِنْ هذا النَّهْرِ المُتدفِّقِ مِنَ القُوَّة، اسمحوا لي أنْ أُذَكِّرَكُم بأنَّنا نَمْلِكُ مِلْئًا أقَلّ مِنَ الأشخاصِ الذينَ سيأتونَ بعدَنا. أجل. وقد تقول: "ما الَّذي تَعنيه؟" حَسَنًا! ما الَّذي حَدَثَ في يومِ الخمسين، عندما جاءَ الرُّوحُ القدُس، وتَمَجَّدَ يَسوعُ، وجاءَ الرُّوحُ، وعندما ابتدأَ النَّهرُ يَتدفَّقُ مِنْ داخلِ المؤمنين، وَهُوَ ما يَزالُ يَتدفَّق اليوم بحسبِ عَمَلِ اللهِ الرِّائعِ الَّذي يُعْطينا رُوحَهُ، فَصِرْنا هَيْكلاً للرُّوحِ القُدُس الَّذي حَصَلْتُم عليهِ مِنَ اللهِ والذي يَسْكُنُ فينا؟ بِقَدْر ما كانَ هذا الحَدَثُ رائعًا في يومِ الخمسين، فإنَّهُ كانَ مُجَرَّدَ لَمْحَةٍ عَمَّا قالَهُ يُوئيل في سِفْر يوئيل والأصحاح الثَّاني.

فقد قالَ يوئيل في سِفْر يوئيل والأصحاح الثاني (وهي كلماتٌ كَرَّرَها بُطرسُ في يومِ الخمسين في سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح الثَّاني): "وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا. وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضًا وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ. وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَآيَاتٍ عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. وما الَّذي يَتحدَّثُ عنه؟ إنَّهُ يَتحدَّثُ عن يومِ الربِّ العظيمِ الَّذي تَكْثُرُ فيهِ الكوارِث، وعن تأسيسِ ملكوتِ يسوعَ المسيح. اسمعوني: إنَّ مِلْءَ الرُّوحِ القُدُسِ في مَلكوتِ المسيح سيكونُ أعظم مِمَّا نَخْتَبِرُهُ اليوم.

إنَّ اللهَ حُرٌّ في أنْ يُعطي هذا المِلْءَ بالمُستوى الَّذي يَشاء والدَّرجة الَّتي يَشاء. فلم يَكُن بمقدورِ قِدِّيسي العهدِ القديم أنْ يُكْمَلُوا بِدونِنا. فقد كانوا يَفْتَقِرونَ إلى جُزْءٍ مِنَ النَّهرِ الدَّاخليِّ المُتَدَفِّقِ مِنْ قُوَّةِ الرُّوحِ الَّتي نَمْتَلِكُها. ولكِنَّنا نَفْتَقِرُ إلى جُزءٍ مِنْ مِلْءِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس الَّذي سيَختبِرُهُ أبناءُ الملكوتِ الآتي عندما يَمْلِكُ يسوعُ على الأرض.

لِذا، فقد كانَ قِدِّيسو العهد القديم مولودينَ ثانيةً. وقد كانوا مُخَلَّصين. وقد كانوا مَحفوظينَ بقوَّةِ الرُّوح القُدُس. وقد كانوا يَحصُلونَ على المَعونةِ مِنَ الرُّوح القُدُس. فقد كانَ حاضِرًا هُناكَ مَعهُم، وكانَ يَحُضُّهُم على المحبَّة والطَّاعة، وعلى كُرْهِ الخطيَّة. ولكِنْ في العهد الجديد، صارَ الرُّوحُ القُدُسُ يَسْكُنُ في الدَّاخِل. وهناكَ مِلْءٌ وغِنى لم يَكُنْ مَعروفًا مِنْ قَبْل. وأعتقد أنَّ ذلكَ يتحقَّق مِنْ خلالِ العلاقةِ الحميمةِ معَ اللهِ، ويزدادُ قُوَّةً وقُدرةً وثباتًا حينَ نَصيرُ هَيكلاً يَسْكُنُ فيهِ الرُّوح. كذلكَ، يجب عليكم أنْ تُضيفوا البُعْدَ المذكورَ في رسالة كورِنثوس الأولى 12: 13 حيثُ نقرأُ إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَجْعَلُنا جسدًا واحدًا في تأسيسِ الكنيسة.

إذًا، هذا هو عملُ الرُّوح القُدُس. وإذا رَجَعْتُم إلى رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاح 3، ستَرَوْنَ أنَّهُ لا يَختلِف في النَّوع، بل يَختلف فقط في الدَّرجة بين العهد القديم والعهد الجديد. والخَبَرُ السَّارُّ [بحسب العدد 17] هو أنَّهُ حيثُ يَحِلُّ رُوْحُ الربِّ وَيَقومُ بخدمةِ التَّجديد، هناكَ حُرِّيَّة ... هُناكَ حُرِّيَّة. فنحنُ لم نَعُد عبيدًا للنَّاموس، ولم نَعُد عبيدًا للشَّيطان، ولم نَعُد عبيدًا للخوف، ولم نَعُد عبيدًا للفساد، ولم نَعُد عبيدًا للخطيَّة، ولم نَعُد عبيدًا للموت. فالرُّوحُ يُحَرِّرُ النَّاس مِنْ كُلِّ تلك العُبوديَّة. وهذا يَعني أنَّ اللهَ الَّذي أَعْطى النَّاموسَ لم يُعْطِ النَّاموسَ حَتَّى يَدينَ البَشَر، بل إنَّهُ أَعطى الناموسَ لكي يَقودَ النَّاسَ إلى حقيقةِ أنَّهُم في حاجة إلى مُخَلِّص لكي يأتوا إلى تَدْبيرِهِ في العهد الجديد. فاللهُ نَفسُهُ الَّذي أَعْلَنَ بِروحِهِ العهدَ القديمَ، أَعْلَنَ الحُريَّةَ والتَّحَرُّرَ النَّاشِئَيْنِ مِنَ العهد الجديد.

وهذا يَقودُنا إلى النُّقطة الأخيرة. فقد وَصلنا أخيرًا إلى العدد 18. وقد تَحَدَّثنا عَنْ جُزْءٍ مِنْه للتَّوّ. فالعهدُ الجديدُ مُتَفَوِّقٌ لأنَّهُ يُعْطي حياةً، ويُنْشِئُ بِرًّا، ولأنَّهُ دائمٌ، ويُعطي رجاءً، ولأنَّهُ واضحٌ، ويَتَمَحْوَرُ حولَ المسيح، ولأنَّهُ يَستمدُّ القُوَّةَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وأخيرًا، العهدُ الجديدُ مُغَيِّرٌ ... إنَّهُ مُغَيِّرٌ. فهو مُغَيِّرٌ بطريقة مُذهلة. فعندما يُرْفَعُ البُرْقُعُ، يمكننا أنْ نَرى المسيح. فنحنُ نقرأُ في الأصحاح 4 والعدد 6 إنَّنا نَرى "مَجْدَ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيح". وعندما يَحْدُثُ ذلك فإنَّنا نَتغيَّر. لِنَنْظُر إلى العدد 18:

"وَنَحْنُ جَمِيعًا" [فهذا الأمرُ لا يَقْتَصِر على رَجُلٍ واحدٍ، أيْ مُوْسى]، بل: وَنَحْنُ جَمِيْعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ". فحالما تَرَوْنَ المسيح، وحالما تَرَوْنَ مجدَ اللهِ مُعْلَنًا في المسيح (كما جاءَ في الأصحاح 4 والعدد 6) إذْ أَعْلَنَ اللهُ مَجْدَهُ في وجهِ المسيح. وحالما تَنظرونَ إلى وجهِ المسيح، وتَرَوْنَ مَجْدَ اللهِ مُشِعًّا، اعْلَموا أنَّ كُلَّ صِفاتِ اللهِ مُعْلَنَة في المسيح. فحينئذٍ سَتَرَوْنَ أنَّ المسيحَ هو الله، وأنَّ اللهَ مُعْلَنٌ فيه. وحينئذٍ ستَرْونَهُ على حقيقَتِه. وهذه آية تتحدَّثُ عنِ الخلاص.

فحالَما يُرْفَعُ البُرْقُع، وتَنظرونَ بوضوحٍ تامٍّ كما تَنْظُرونَ في مِرآةٍ مَوضوعَةٍ أمامَ أعْيُنِكُم مِنْ دونِ أيِّ عَوائِق، وَتَرَوْنَ مَجْدَ الربِّ، فإنَّ عمليَّةَ التَّغييرِ تَحْدُث. والكلمة المُستخدمة هنا هي "ميتامورفيئو" (metamorphoo). وهي تُشيرُ إلى عمليَّة تغيير دائمة وتدريجيَّة. وما الصُّورة الَّتي نَتغيَّر إليها؟ إلى تلكَ الصُّورةِ عَيْنِها. أيِّ صُورة؟ إلى صُورةِ مَجْدٍ اللهِ ... إلى صُورةِ مجدِ اللهِ المُعْلَنَة في وَجْهِ يَسوعَ المسيح. وما مَعنى هذا؟ أنَّنا نَتغيَّر دائمًا إلى صُورةِ المسيح، ونتغيَّرُ باستمرار إلى صُورةِ المسيح، وننتقلُ مِنْ مُستوى مِنَ المجد إلى المُستوى الَّذي يَليه، والذي يَليه، والذي يَليه، والذي يَليه.

وهذا يُشيرُ وَحَسْب إلى عمليَّةِ تَقديسٍ دَائمة. فعلى النَّقيضِ مِنَ المجدِ الَّذي ظَهَرَ في وَجْهِ مُوسى والذي كانَ يَزولُ شيئًا فشيئًا فشيئًا فشيئًا، فإنَّ المجدَ الَّذي لدينا بوصفِنا مُؤمِني عهدٍ جديد يَزيدُ ويَزيدُ ويَزيد. فهو ليسَ مَجْدًا زائلاً. بل هو مَجْدٌ مُشِعٌّ دائمٌ يَزيدُ باستمرار. ونحنُ نَذْهَبُ [كما جاءَ في المزمور 84: 7] "مِنْ قُوَّةٍ إِلَى قُوَّةٍ إلى قُوَّةٍ إِلَى قُوَّة". وَمَنِ الَّذي يَفعلُ ذلك؟ نَقرأُ في نهاية العدد 18: "كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوح". فالرُّوحُ هُوَ الرُّوحُ الَّذي يُحَرِّرُنا مِنَ النَّاموس.

فهو لا يُريدُ مِنَّا أنْ نَعودَ إلى العهد القديم: "وَلاَ تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ". فالمسيحُ قد حَرَّرَنا (كما جاءَ في رسالة غلاطيَّة والأصحاح الخامس). لا تَرْجِعوا إلى الوراء. فإنْ رَجَعْتُم إلى نِيْرِ العُبوديَّة فإنَّكم تُلْغُونَ عَمَلَ المسيح. فأنتُم لديكم العهد الجديد. فلماذا تَرجِعونَ إلى مَجْدٍ يَتلاشى ويَزول في حين أنَّهُ بمقدوركم أنْ تأتوا إلى العهد الجديد؟ وفي حين أنَّهُ بمقدوركم أنْ تَنظروا إلى مَجْدِ يسوعَ المسيح؟ فحينَ تَنظرونَ إلى مَجْدِهِ فإنَّكم تتغيَّرونَ مِنْ مُستوى مِنَ المجدِ إلى الَّذي يليه. فلا توجد قُوَّة تستطيع أنْ تُوْقِفَ ذلك. "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ. ... وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ [ماذا؟] مَجَّدَهُمْ أَيْضًا".

فلا يُمكن لأيِّ شيء أنْ يُوقِفَ العمليَّة. فنحنُ نَنتقلُ وَحَسْب مِنْ مَجْدٍ إلى مَجْد، ومِنْ مُستوى مِنْ إظهارِ المسيحِ إلى المُستوى الَّذي يَليه. فعندما تكونُ مُؤمِنًا جديدًا، فإنَّكَ تكونُ مُشابهًا قليلاً للمسيح. فهو يَظْهَرُ قليلاً في حياتِك. ولكِنَّهُ مَجْدٌ يَكفي لأنْ يَدعوكَ الوثنيُّونَ مَسيحيًّا. وقد كانوا يَستخدمونَ هذه الكلمة للسُّخرية لأنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ كانوا يَتصرَّفونَ مِثْلَ المسيح. وكُلَّما زادَ نُمُوُّكَ، زادَ ظُهورُ المسيحِ أكثر فأكثر في حياتِك. وهذا هو الشَّيءُ الَّذي ينبغي أنْ نَلْتَفِتَ إليه. هذا هو الشيءُ الوحيدُ الَّذي ينبغي أنْ نَلْتَفِتَ إليه: التَّقديسُ التَّدريجيّ. فهذا هو هَدَفُ حياتي. وأنا أريدُ وَحَسْب أنْ أنتقلَ مِنْ مُستوى مِنَ المجدِ إلى المُستوى الَّذي يَليه، وأنْ أصيرَ مِثْلَ المسيح أكثر فأكثر.

وهل تَذكرونَ قِصَّةَ "فَرْخِ البَطِّ القَبيح؟" إنَّها قصَّة رائعة. فقد كانَ فَرْخُ البَطِّ ذاكَ أكبر حَجْمًا، وغريبَ الشَّكل، وأقَلَّ جاذبيَّة مِنَ البَطِّ الآخر. وكان البَطُّ يَسْخَرُ مِنْهُ لأنَّهُ أَخْرَق ولأنَّ شَكْلَهُ غَريب. وبسببِ شُعورِهِ باليأسِ والبُؤس، حاولَ أنْ يَجِدَ مَأوىً لهُ في بيتٍ يُؤوي قِطَّةً ودجاجة، ولكنَّهما سَخِرتا مِنْهُ أيضًا لأنَّهُ لم يكن يَستطيعُ أنْ يُصْدِرَ صَوْتًا كالقِطَّة وَلا أنْ يَبيض. وقد قالَ مُحْتَجًّا: "أنتما لا تَفْهَمانَني". ولكِنَّهما سَخِرَتا منهُ أكثر وأكثر.

وذاتَ يوم، بينما كانَ يَتَمَشَّى خارجًا حولَ البِرْكَة مُحاولاً أفضلَ ما لديه أنْ يكونَ كالبَطِّ الآخر، لَمَحَ نَوْعًا جميلاً مِنَ الإِوَزِّ البديع. وقد حَسِبَ أنَّها أَجْمَلُ طُيورٍ رأتها عَيناهُ يومًا. وبينما كانَ يُراقِبُ حَركاتِ الإِوَزِّ الجميلة، اعْتَراهُ شُعورٌ غريب. وقد عَجِزَ عن إبعادِ عينيهِ عنها، ولم يتمكَّن مِنَ التَّخَلُّصِ مِنَ الشُّعورِ الجديدِ الَّذي اعْتَراه بطريقةٍ ما فيما يَختصُّ بِقَدَرِه. وعندما طَارَ الإوَزُّ، مَدَّ عُنُقَهُ مُحاولاً أنْ يُتابِعَها في طَيرانِها، وراحَ يُفَكِّرُ في أنَّهُ أَحَبَّ ذلكَ الإوَزّ أكثرَ مِنْ أيِّ شيءٍ أَحَبَّهُ مِنْ قَبْل.

وعندما حَلَّ الشِّتاء، وجاءت تلك الأشهرُ الباردة، راحَ فَرْخُ البَطِّ القبيح يُفَكِّرُ في الطُّيورِ البديعةِ الَّتي رآها. وهو لم يكن يَعْرِفُ اسْمَها أوْ مِنْ أينَ جاءت، ولكنَّهُ كانَ يَأمُلُ في أنْ يَراها مَرَّةً أُخرى ذاتَ يوم. وأخيرًا، أذابَ فَصْلُ الرَّبيعِ الثَّلْجَ المُتَجَمِّد على سَطْحِ البُحيرة، وَتَمَكَّنَ فَرْخُ البَطِّ القبيح مِنَ العَوْمِ ثانيةً. وذاتَ يوم، عندما كانَ الرَّبيعُ ما يَزالُ في أَوْجِهِ، رأى اثْنانِ مِنْ تلك الطُّيورِ الجميلة. وعندما رآهُما يَعومانِ باتِّجاهِه، اعْتَراهُ خَوْفٌ شديد. فقد كانَ يَشعُرُ بالحَرَجِ مِنْ أنْ يَرى هذانِ المُخلوقانِ البَديعانِ أنَّهُ مُجَرَّدُ فَرْخِ بَطٍّ قَبيحٍ وَأَخْرَق.

وحينَ اقتربا مِنْه، حَنَى رأسَهُ في خَجَلٍ وغَطَّى وَجْهَهُ بجناحَيْه. وحينَ فَعَلَ ذلك، دُهِشَ لأنَّهُ رأى، أوَّلَ مَرَّةٍ في حياتِهِ، صُورَتَهُ المُنْعَكِسَة في الماء. فقد كانَ مُشابهًا تمامًا لتلك المخلوقاتِ البديعة! فهو لم يكن فَرْخَ بَطٍّ يومًا، بل كانَ إِوَزَّة. وعندما رَفَعَ جَناحَيْهِ عن عينَيْه ورَفَعَ رأسَهُ، لم يَرْفَعْهُ باستقامة إلى أعلى كالنَّعامة، بل رَفَعَهُ قليلاً في تَعْبيرٍ عنِ الامْتِنانِ والاتِّضاع.

ويُمكنني أنْ أَرى مَدى الشَّبَهِ بيني وبينَهُ. فَخِبرتي المسيحيَّة الشَّخصيَّة مُشابهة. فقد كانت نَظرتي الأولى إلى المسيح تُشْبِهُ نَظرةَ فَرْخِ البَطِّ القبيح عندما رأى الإِوَزَّ أوَّلَ مَرَّة. فقد شَعرتُ بمشاعر قويَّة بالخطيَّة وعدمِ الاستحقاق. ولكنِّي شَعرتُ أيضًا بانجذابٍ لا يُقاوم تُجاهَ المسيح غَيَّرَ قَلبي مِنَ الدَّاخلِ قبلَ الخارج. وقد تَجاوبتُ مِنْ أعماقِ كِياني لأنِّي عَلِمْتُ أنَّهُ كانَ يُمَثِّلُ ما ينبغي أنْ أكون. وأنا أَشعرُ بالاتِّضاعِ والدَّهشة لأنَّ عمليَّةَ التَّغييرِ تَحْدُث، ولأنَّني أصيرُ أكثرَ شَبَهًا بِهِ طَوالَ الوقت مِنْ خلالِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس. وهذه عمليَّة تَجْري في العهد الجديد.

وأليسَ صَحيحًا، كما تَعلمونَ، أنَّنا سنصيرُ في النهاية مُشابهينَ للإلَهِ الَّذي نَعْبُدُه؟ فإنْ كُنَّا نَعْبُدُ المالَ، سنَصيرُ مَادِّيِّين. وإنْ كُنَّا نَعْبُدُ السُّلْطَةَ والمَكانَةَ المَرموقة، سنَصيرُ بارِدينَ وَمُتَحَجِّرين. وإنْ كُنَّا نَعْبُدُ صَنَمًا، سنَصيرُ مَيِّتينَ رُوحيًّا وبلا حَياةٍ كالحَجَر. مِنْ جِهَةً أُخرى، إنْ كُنَّا نَعْبُدُ المسيحَ، فإنَّنا سنتغيَّرُ إلى صُورَتِه. وإنْ رُفِعَ البُرْقُعُ، ورأينا مَجْدَ الربِّ مُشْرِقًا في وَجْهِ يسوعَ المسيح، وإنْ كانَ هُوَ شُغْلُنا الشَّاغِلُ بصورة مُتزايدة، فإنَّنا سَنَتَغَيَّرُ دُوْنَ أدنى شَكٍّ لنصيرَ مُشابِهينَ صُورَتَهُ مِنْ خلالِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس.

وهذا هو هَدَف العهد الجديد. وهذه الآية الرَّائعة تُرينا مَجْدَ التَّقديسِ المُتنامي الَّذي يَحْدُثُ بقوَّةِ الرُّوحِ القُدُس في العهد الجديد. فالطُّقوسُ، يا أحبَّائي، والشَّعائرُ، والأعمالُ الدينيَّةُ، وأعمالُ البِرِّ لا تُقَدِّمُ لنا شيئًا. فهي لم تُقَدِّم شيئًا لأهلِ كورِنثوس. وهي لا تُقَدِّمُ أيَّ شيءٍ لكم أنتم أيضًا. فَكُلُّ ما أنتُم بحاجة إليهِ هو المسيح. وكُلُّ ما أنتم بحاجة إليهِ هو أنْ تَرْفَعُوا البُرْقُعَ، وأنْ تَنْظُروا إلى وجهِ يسوعَ المسيح. فحينئذٍ، سيبتدئُ روحُ اللهِ بالعملِ على تَغييرِكُم تدريجيًّا لتصيروا مُشابِهينَ لَهُ. فهذه هي المسيحيَّة. فهي ليست أجْراسًا وصَفَّارات. وهي ليست شُموعًا وأثوابًا. وهي ليست بابوات وكاردينالات. فالمسيحيَّة هي علاقة بيسوعَ المسيح. وهي حياةٌ تَتَمَحْوَرُ حولَ شيءٍ واحدٍ فقط وهو النَّظَرُ إلى مجدِ الربِّ الَّذي يُشْرِقُ في وَجْهِ يسوعَ المسيح، والتغيُّرُ على صُورَتِهِ. فالعلاقةُ هي المُهِمَّة. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

نَشكُرُكَ، يا أبانا، مَرَّةً أخرى على حَقِّكَ، وعلى القُوَّة الكامِنَة في حَقِّكَ. ونَشكركَ على الامتيازِ بأنْ نكونَ مُؤمِني عَهْدٍ جديد، وعلى أنَّنا حَصَلْنا على كُلِّ هذه المَزايا: الحياة، والبِرّ، والرَّجاء، والمسيح، والرُّوح القُدُس، والتَّغيير. وكم نَشكُرُكَ، يا أبانا، لأنَّنا لسنا في حاجة إلى النَّظر إلى شيءٍ آخر سِوى الإنْجيلِ الصِّرْف لأنَّ كُلَّ ما نَحْنُ بحاجة إليه موجودٌ فيه. ساعِدنا على أنْ نَفعلَ ذلكَ الشيء الواحد، أيْ على أنْ نُرَكِّزَ على المسيح حَتَّى يَزْداد المجدُ المُشِعُّ مِنْ داخِلِنا أكثر فأكثر، وَحَتَّى يَدعونا العالَمُ بِحَقّ "مَسيحيِّين" لأنَّنا نُشابِهُ المَسيحَ ولو قليلاً، ولأنَّنا نُعْلِنُ مَجْدَكَ الَّذي يُشْرِقُ فيه. ونحنُ نُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ تُزيلَ مِنْ حياتِنا تلكَ الأشياءَ الَّتي تَجْعَلِ المَجْدَ يَتلاشَى، وأنْ تُعْطينا بَدَلاً مِنْها أشياءً ذاتَ مَجْدٍ أعظَم. واجْعَلْنا نُرَكِّز أنظارَنا لا على أنفُسِنا، بل على مَجْدِ الربِّ المُعْلَن في وَجْهِ المسيح إذْ نُسْبَى في شخصِ المسيح لكي تُغَيِّرَنا مِنْ خلالِ رُوْحِكَ لنصيرَ مُشابهينَ لَهُ. وليتَ المسيحَ يكونُ بُؤْرَةَ حياتِنا. وليتَهُ يَكونُ شُغْلَنا الشَّاغِل. ونحنُ نَعلَمُ أنَّ النَّظَرَ إليه وإلى مَجْدِهِ يَعني أنْ نَفْتَحَ الكلمة، وأنْ نَراهُ بِكُلِّ جَمالِه. اجْعَلْنا أُمناءَ في النَّظرِ إلى تلكَ المرآةِ الَّتي هي الكتاب المقدَّس، والتي تَعْكِسُ لنا مَجْدَ المسيح، وأعْطِنا أنْ نَصيرَ مِثْلَهُ لكي يكونَ هُوَ حَقًّا بِكْرًا بينَ إخوةٍ كثيرين، لا فقط في الحياةِ الآتية، بل في هذه الحياةِ أيضًا. وليتَنا نُمَجِّد اسْمَهُ لأنَّ اسْمَهُ قد دُعِيَ عَلينا. نُصَلِّي هذا باسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize