Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسة على الأصحاحِ الأوَّل مِنْ رسالة يَعقوب. وأودُّ أنْ أقرأَ على مَسامِعِكُم الآيات 2-12. رسالة يَعقوب 1: 2-12:

"اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ. وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ. وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ، لأَنَّ الْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. فَلاَ يَظُنَّ ذلِكَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ. رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَلْيَفْتَخِرِ الأَخُ الْمُتَّضِعُ بِارْتِفَاعِهِ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَبِاتِّضَاعِهِ، لأَنَّهُ كَزَهْرِ الْعُشْبِ يَزُولُ. لأَنَّ الشَّمْسَ أَشْرَقَتْ بِالْحَرِّ، فَيَبَّسَتِ الْعُشْبَ، فَسَقَطَ زَهْرُهُ وَفَنِيَ جَمَالُ مَنْظَرِهِ. هكَذَا يَذْبُلُ الْغَنِيُّ أَيْضًا فِي طُرُقِهِ. طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ".

وقد قالَ "جي. كي. شيستيرتون" (G.K. Chesterton): "أنا أُوْمِنُ بفاعليَّةِ المياهِ السَّاخنة. فهي تُبْقيكَ نَظيفًا". ولا شَكَّ في أنَّ هناكَ حاجة إلى الامتحاناتِ في حياتِنا لكي نَرى إنْ كُنَّا مُؤمِنينَ حَقًّا. وأحيانًا، لا يوجد امتحانٌ أفضل مِنَ المياهِ السَّاخنة، أوْ مِياه الأحزان والتَّجارِب. فكيفيَّة تَعامُل المَرْء معَ الضِّيقات يُعطي فِكرة عن إيمانِه. فحينَ تأتي الضِّيقاتُ إلى حياتِكَ وحياتي، فإنَّها ستُعطي فِكرةً عن حقيقةِ وُجودِ إيمانِنا أوْ عَدَمِ وُجودِه. لِذا، بِحَسَبِ قَصْدِ يَعقوب (وهو أنْ نَخْضَعَ لامْتحاناتٍ تُبَيِّنُ الإيمانَ الحَيَّ)، فإنَّ أوَّلَ شيءٍ يريدُ أنْ يتحدَّثَ عنهُ هو امتِحان التَّجارِبِ لأنَّ التَّجاربَ تَكْشِفُ مَا إذا كانَ إيمانُكَ حَيًّا أوْ مَيْتًا، أو مَا إذا كانَ إيمانًا حَقيقيًّا أوْ إيمانًا زائفًا، ومَا إذا كانَ إيمانًا مُخَلِّصًا أَمْ إيمانًا غيرَ مُخَلِّص.

وهذه نُقطةُ بدايةٍ بَديهيَّة جِدًّا لأنَّ كُلَّ شخصٍ يَعيشُ في العالمِ يَعيشُ في وسط التَّجارِب. والحقيقة هي أنَّنا مَخلوقاتٌ سَاقِطة، وبَشَرٌ خُطاة، وأنَّنا نَعيشُ في مُجتمعٍ ساقِطٍ وخاطئ. ونتيجة لذلك، فإنَّنا نَقَعُ دائمًا في المشاكل. والحقيقة هي أنَّ المَشاكِلَ لا تُفارِقنا كثيرًا، أوْ لا تُفارِقنا أصلاً. وقد عَبَّرَ أَيُّوبُ عن ذلكَ بأنْ قالَ في الأصحاحِ الخامسِ والعدد 7: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ الْجَوَارِحَ لارْتِفَاعِ الْجَنَاح". وكأنَّ المَعنى المَقصودَ هُوَ أنَّ طبيعةَ الإنسانِ السَّاقطة هي نارٌ تَقْذِفُ شَرارات. والنَّتيجةُ الطَّبيعيَّةُ لِنَارِ سُقوطِ الإنسانِ هي المَتاعِب. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْر أَيُّوب 14: 1: "اَلإِنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ" – وَمِنَ الواضِحِ أنَّ هذهِ الكلماتِ تَشْمَلُنا جَميعًا – "اَلإِنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأَيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا".

وفي المزمور 22: 11، قالَ داوُد: "لاَ تَتَبَاعَدْ عَنِّي" (صَارِخًا إلى اللهِ): "لاَ تَتَبَاعَدْ عَنِّي لأَنَّ الضِّيقَ قَرِيبٌ". وفي سِفْر إشعياء 8: 22، يَتحدَّثُ اللهُ مِن خلالِ إشعياء عنْ دينونَتِهِ في العالمِ، والتي تَجْعَلُ النَّاسَ "يَنْظُرُونَ إِلَى الأَرْضِ وَإِذَا شِدَّةٌ". ولا شَكَّ في أنَّكُم تَذكرونَ (ولا سِيَّما إذا كُنتُم قد قَرأتُم تلكَ الأقوال الرَّائعة المُختصَّة بالحِكمة البشريَّة الَّتي تُعْرَفُ بِسِفْرِ الجَامِعَة) لا شَكَّ أنَّكم تَذكرونَ هذه الكلماتِ المألوفة في الأصحاحِ الثَّاني: "فَكَرِهْتُ الْحَيَاةَ، لأَنَّهُ رَدِيءٌ عِنْدِي، الْعَمَلُ الَّذِي عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ، لأَنَّ الْكُلَّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ". ثُمَّ نَقرأ في العدد 23: "لأَنَّ كُلَّ أَيَّامِهِ أَحْزَانٌ، وَعَمَلَهُ غَمٌّ. أَيْضًا بِاللَّيْلِ لاَ يَسْتَرِيحُ قَلْبُهُ". فالحياةُ كُلُّها مَتاعِب، ومَتاعِب، ومَتاعِب. فالكُلُّ باطِلٌ – نَهارًا وليلا. فالحياةُ كُلُّها مَشَقَّة ... مَشَقَّة وَحَسْب.

وبصراحة، حَتَّى بالنِّسبة إلى المؤمنين؛ أيْ حَتَّى بالنِّسبة إلى الأشخاصِ الذينَ هُمْ أولادُ الله، هناكَ تَصادُمٌ دائمٌ معَ المَتاعِب، وتَصادُمٌ دائمٌ معَ التَّجارب في هذا العالمِ المُضْطَرِب. وحتَّى عندما نَنْجَحُ في جَعْلِ عَالَمِنا الصَّغيرِ تَحتَ السَّيطرة، فإنَّ شخصًا ما يَقْتَحِمُهُ ويُفْسِدُه في النِّهاية. فهذا أمرٌ مَحْتوم. ولا بُدَّ أنَّكُم تَعرفونَ ذلك إنْ جاءَتْ مَجموعة مِنَ الأطفالِ إلى بيتِكُم مُؤخَّرًا. فمَهما حاولتَ أنْ تَحمي عالَمَكَ الصَّغيرَ المَعزول، فإنَّهم قادرونَ على تَحطيمه. وَهُمْ مُجَرَّدُ نَموذَجٍ مُصَغَّرٍ عنِ الحياة. فنحنُ نَفعل كُلَّ ما في وُسْعِنا لكي نَحمي أنفُسَنا، ولكي نَنْعَمَ بالسَّلامِ الكامِلِ والرَّاحةِ التَّامَّة، ولكِنْ في النِّهاية فإنَّ المَتاعِبَ تأتي إمَّا مِنَ الخارجِ وإمَّا مِنَ الدَّاخل.

وهذا يُذَكِّرُنا بما قالَهُ المُرَنِّم. وقد ذَكَرْتُ في هذا الأسبوع بعضَ المَزاميرِ الَّتي كَتَبَها المُرَنِّمُ. وقد تَذَكَّرتُ مَرَّةً أخرى أنَّ المُرَنِّمَ تَحَدَّثَ مِرارًا إلى الربِّ وطَلَبَ مِنَ الرَّبِّ أنْ يُنَجِّيهِ حينَ تأتي الضِّيقات، ولكنَّهُ لم يكن يَتَجَرَّأُ كثيرًا على أنْ يَطلُبَ مِنَ الربِّ أنْ يُجَنِّبَهُ الضِّيقاتِ لأنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ هذا لن يحدث. بل هو يقولُ وَحَسْب: "لا تُخَلِّصْني مِنْها، بل نَجِّني مِنْها حينَ أَقَعُ فيها". وَحَتَّى في الزَّواجِ، فإنَّ بُطرسَ يَقولُ عنِ الزَّواجِ إنَّهُ " نِعْمَةُ الحَيَاةِ". وكأنَّهُ بذلكَ يَقولُ إنَّ الزَّواجَ هو "الكريما المَخفوقة الَّتي تُزَيِّنُ الحَياةَ". فهو أفضلُ شيءٍ في الحياة. ولكِنْ حَتَّى في الزَّواج، فإنَّنا نَقرأ في رسالة كورِنثوس الأولى 7: 28 إنَّ مَنْ يَتَزَوَّجونَ، فإنَّ: "مِثْلَ هؤُلاَءِ يَكُونُ لَهُمْ ضِيقٌ فِي الْجَسَد". فإنْ كنتَ تُواجِهُ المَتاعِبَ وأنتَ بِمُفرَدِك، تَخَيَّل كيفَ ستكونُ الحالُ حينَ تَصيرُ معَ شَخصٍ آخر لَديهِ مَتاعِبٌ أيضًا. فسوفَ تكونُ هناكَ مَشَقَّة حَتَّى في أفضلِ الأشياءِ الَّتي يُعطينا اللهُ إيَّاها.

ويسوعُ نَفسُهُ لم يتمكَّن مِنْ تَجَنُّبِ المَتاعِب. والحقيقة هي أنَّهُ قالَ لتلاميذِه: "أَنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعِي فِي تَجَارِبِي". وقد قالَ لهم: "مِنَ الطَّبيعِيِّ أنَّهُ سيكونُ لَكُمْ فِي العَالَم ضِيق". فيجب عليكم أنْ تتوقَّعوا ذلك. فالضِّيقاتُ موجودة في كُلِّ مكان. وقد "انْزَعَجَ يَسوعُ بِالرُّوح" (كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 11: 33). وقد ذُكِرَ ذلك في إنجيل يوحنَّا 12: 27. وحَتَّى في يوحنَّا 13، على ما أَظُنّ، رُبَّما في العدد 20 أو 21، ذُكِرَ ذلكَ مَرَّةً أخرى. وقد كانَ يَعرفُ مَعنى أنْ تَكونَ رُوْحُكَ مُضطرِبة. فقدِ اضطَرَب. وبولُس يقولُ إنَّهُ كانَ يُواجِهُ المَتاعِبِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْب (في رسالة كورِنثوس الثانية 4: 8).

فيجب علينا أنْ نَتوقَّعَ ذلك. فيجب علينا أن نتوقَّعَ المَتاعِب في عائلتِنا. ويجب علينا أن نتوقَّعَ المَتاعِب مِنْ أصدقائِنا. ويجب علينا أن نتوقَّعَ المَتاعِب في عَمَلِنا. ويجب علينا أن نتوقَّعَ المَتاعِب في مَدرسَتِنا. ويجب علينا أن نتوقَّعَ ذلكَ في العالمِ الاقتصاديِّ. ويجب علينا أن نتوقَّعَ ذلكَ مِنَ الانتقاد. ويجب علينا أن نتوقَّعَ المَتاعِب مِنْ خلالِ الأمراضِ والاعتلالات. ويجب علينا أنْ نتوقَّعَ ذلكَ في حياتِنا الشخصيَّةِ حَتَّى مِنْ خلالِ الموت إذْ إنَّنا قد نَفقِدُ شخصًا عزيزًا جِدًّا على قُلوبِنا. والمتاعبُ تأتي مِنَ الاضطهادِ. وما أعنيه هو أنَّ الحياةَ هي هكذا. وإذا كنتَ تَظُنُّ أنَّكَ الشَّخصَ الوحيدَ الَّذي يَختبرُ ذلك، فإنَّكَ لم تَكُنْ تَنظُرُ حَوْلَكَ مُؤخَّرًا. فكُلُّ شخصٍ يُواجِهُ المَوقفَ ذاتَهُ.

وما يَقولُهُ يَعقوبُ في الحقيقة هو أنَّهُ إذا كانَ إيمانُكَ حَقيقيًّا، فإنَّ الحَقيقةَ سَتَظْهَرُ مِن خلالِ الضِّيقات. وما أعنيه، بصراحة، هو أنَّهُ إنْ لم يَكُن إيمانُكَ يَصْمُدُ في التَّجارِب، فإنَّهُ ليسَ إيمانًا حقيقيًّا. فإنْ كانَ يَصْمُدُ فقط في الأوقاتِ الَّتي لا نَحتاجُ فيها إليهِ، فإنَّنا لَسْنا بحاجةٍ إليه. فإنْ كانَ إيماني باللهِ يَصْمُدُ فقط حينَ تكونُ أحوالي على ما يُرام، ما نَفْعُ إيماني إذًا؟ فيجب أن يكونَ إيماني قادرًا أنْ يَسْنِدَني في المِحَنِ والضِّيقات. فالضِّيقاتُ هي الامتحانُ الرَّسميُّ لِصِدْقِ الإيمانِ وللتحقُّقِ مِنْ أنَّهُ يَصْمُدُ في وَجْهِ الظُّروفِ الصَّعبة. والآن، لاحِظوا العدد الثَّاني إذْ نَتأمَّلُ في هذه الفِكرة قليلاً: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ". "بويكيلوس" (poikilos): مُتَعَدِّدة الألوان، مُزَرْكَشَة، مُتَنَوِّعة. والتَّركيزُ هنا لا يَنْصَبُّ على العَدَد، بل على تَنَوُّعِ التَّجارب. والفِكرة هنا هي ليست أنَّنا سنَختبر تَجارِب كثيرة (معَ أنَّ هذا صحيح)، ولكِنَّ الفِكرة هي أنَّنا سنَختبر تَجارِبَ مِنْ كُلِّ نَوْع ومِنْ كُلِّ صِنْف. وقد كانَ المَعنى الأصلِيُّ للكلمة يَعني: "مُتَعَدِّد الألوان"، أو مُتَعَدِّد الدَّرَجات والأحجام والأشكال. فهناكَ مُختلَف أنواع التَّجارب الَّتي قد تأتي مِنَ أفرادِ عائلتِنا، وقد تأتي مِن أقربائِنا، وقد تأتي مِنْ مَصادِر عديدة مُحْبِطَة، أيًّا كانت ومَهما كانَ نَوْعُ هذه المَتاعب.

والآن، لاحِظوا أيضًا التَّجاربَ المُتَنَوِّعة. فالكلمة "تَجارِب" هي كلمة شائعة جدًّا لدى دارِسِ الكِتابِ المقدَّس وهي: "بيراسموس" (peirasmos)، ومَعناها: "تَجارِب". وهي تُشيرُ بصورة أساسيَّة إلى مُشكلة أو إلى شيء يُعَكِّرُ صَفْوَ الهُدوء، ويُعَكِّر السَّلام، والرَّاحة، والفَرح، والسَّعادة. والحقيقة هي أنَّنا لا نَعلم تَحديدًا التَّجارب الَّتي قَصَدَها يَعقوب حينَ كَتَبَ هذه الكلمات. ونحنُ لا نَعلم حَقًّا ما كانَ يَجري في وَسط اليهود المُشَتَّتينَ وما قَصَدَهُ بالحديثِ عن بعضِ أنواعِ التَّجارِب. ورُبَّما كانَ مِنَ الأفضل أنْ لا نَعرف ذلك لأنَّ الحياةَ عامَّةً مُمتلئة بالتَّجارب. لذا فإنَّ الوَصايا العامَّة بهذا الخصوص تكونُ عمليَّة جدًّا وتَشملُ أمورًا كثيرةً جدًّا، ولا تَقتصِر فقط على الأشخاصِ الَّذينَ كَتَبَ إليهم يَعقوب؛ بل تَشْمَلُنا نحنُ أيضًا. وحيثُ إنَّهُ يَدعوها "تَجارب مُتَنَوِّعة"، أو تَجارِبَ مُتَعَدِّدَةَ الألوان، أو تجارب مُتبايِنَة، فإنَّهُ، دُوْنَ أَدنى شَكٍّ، يَفترِض أنَّها تأتي بمُختلفِ الأشكال. لِذا، لا يَهُمُّ حَقًّا أنْ نَعرفَ الأحوالَ المُحَدَّدةَ الَّتي كانَتْ سائدةً في حياةِ هؤلاء في ذلك الوقت.

والكلمة "تَجربة" لا تُشيرُ بالضَّرورة إلى إغْواءٍ مُحَدَّدٍ لِعَمَلِ الشَّرّ. وهي لا تَعني بالضَّرورة "تَجربة". فَمِنْ جِهَة، مِنَ المُؤسِفِ أنَّها تُرْجِمَتْ في بعضِ التَّرجماتِ "تَجربة". فهي تُتَرجَمُ في بعضِ تَرجماتٍ أخرى: "ضِيْقات". والكلمة الواردة في العَدَدِ الثَّاني تُتَرْجَم "تَجربة" في العدد 12. والحقيقة هي أنَّ المُتَرْجِمينَ لم يُوَفَّقوا كثيرًا في تَرْجَمَتِها هكذا. فهي تَعني ببساطة: "ضِيْقات". فهي لا تَعني بالضَّرورة إغواءً بالقيامِ بعملٍ شِرِّير. والسِّياقُ هُنا يُبَيِّنُ لنا بوضوح أنَّ الفِكرة هي ليست التَّركيز على إغواءٍ داخِلِيٍّ بالخطيَّة، بل بالحَرِيِّ إلى امتحانٍ خارجيٍّ لإثباتِ الإيمانِ وتَقويتِه. فهذه التَّجربة، في ذاتِها، ليست إغواءً بعملِ الشَّرّ، بل هي مُشكلة خارجيَّة تَقْتَحِم حياتَنا، وقد تكون اختبارًا لِصِدْقِ إيمانِنا.

وبالمناسبة، بحسب "مولتون" و "ميليغان" (Moulton/Milligan)، وَهُما عَالِمانِ رائعانِ قَدَّما لنا مُعْجَمًا في اللُّغة اليونانيَّة، فإنَّهما يقولان إنَّ هذه الكلمة تُشيرُ دائمًا إلى فِكرةِ الاختبار. فهي تُشيرُ دائمًا إلى فِكرةِ الاختبار. وهي كلمة نادرة جِدًّا في اللُّغة اليونانيَّة العِلمانيَّة، ولكنَّها كلمة شائعة جدًّا في النُّصوصِ الكِتابيَّةِ اليونانيَّة لأنَّ اختبارَ الإيمانِ هُوَ جُزءٌ مُهِمٌّ جِدًّا مِنَ الحياةِ الروحيَّة. والحقيقة هي أنَّ صِيغةَ الفِعْل للكلمة "بيراسموس" (peirasmos) وهي: "بيراتزو" (peirazo) تَعني: أنْ تُخْضِعَ شَخصًا للاختبار ... أنْ تُخْضِعَ شَخصًا للاختبار. لِذا فإنَّ الفِكرة مِنها هي الاختبار. وسواءٌ كانَ هذا الاختبارُ يُؤدِّي إلى نتائجَ إيجابيَّة أو سَلبيَّة، فإنَّ النُّقطة الجوهريَّة هنا هي الاختبار.

فَكُلُّ مُشكلة تَحدثُ في حياتِك، وكُلُّ تَجربة، سواءٌ كانت صَغيرة أو كبيرة، تَصيرُ فَحْصًا لإيمانِك. فأنتَ إمَّا أنْ تَنْجَحَ وإمَّا أنْ تَرْسُب. فإنْ نَجَحْتَ في الامتحان [لاحِظوا ما سأقول:]، فإنَّ ذلكَ سَيُبْقي ما حَدَثَ امتحانًا. وإنْ فَشَلْتَ فيهِ صارَ تَجربةً. فإنِ أدَّى إلى خطيَّة، يكونُ قد بَرْهَنَ على أنَّهُ تَجربة ناجحة. وإنِ انْتَهى بالنَّصر، يكونُ امتحانًا ناجحًا. فالتَّجربة تقودُكَ إلى الخطيَّة وتَجعَلُكَ تَسْقُط. أمَّا الامتحانُ فَيُقَوِّي إيمانَكَ ويَجعَلُكَ تَثْبُت. لِذا فإنَّ الامتحاناتِ هي اختبارات تَكْشَف عَنْ صِدْقِ وقُوَّةِ إيمانِك. فهي قادرة، مِن جهة أولى، على الكَشْفِ عن صِدْقِ إيمانِك. وهي قادرة، مِن جهة ثانية، على الكَشْفِ أيضًا عن قُوَّةِ إيمانِك. فما تَفعلُهُ في أثناءِ الضِّيقة سَيَكْشِفُ إنْ كنتَ تُؤمِنُ حَقًّا باللهِ وإنْ كنتَ مُخَلَّصًا بِحَقّ. وهي ستَكشفُ أيضًا عن قُوَّةِ ذلكَ الإيمانِ المُخَلِّص.

والآن، أتَسمحون لي أنْ أقولَ لكم شيئًا أعتقدُ أنَّ أُناسًا كثيرينَ عَبْرَ التَّاريخِ أَهْمَلوه؟ فهناكَ أُناسٌ كثيرونَ يَشعرونَ أنَّ يَعقوبَ كانَ يُرَكِّزُ على الأعمال. وأريدُ مِنكم أنْ تَعلموا أنَّهُ في هذه الرِّسالة، فإنَّ يَعقوبَ يُرَكِّزُ كثيرًا على الإيمان. فهو لم يَفْقِد تَوازُنَهُ. بل هُوَ قَوِيٌّ جِدًّا في الإيمان، لا فقط في الأعمال. وقد كانَ "مارتن لوثر" (Martin Luther) هو الَّذي قال: "هذه رِسالة مِنْ قَشّ"...مِنْ قَشّ، مُبَيِّنًا أنَّها رسالة عَديمَةَ المَعنى لأنَّها تُرَكِّز كثيرًا على البِرِّ مِنْ خلالِ الأعمال. ولكِنَّهُ أَخْفَقَ حَقًّا في فَهْمِ المَعنى المَقصود. فيعقوبُ يُرَكِّزُ بِقُوَّة على الإيمان. والأعمالُ هي النَّتيجة وَحَسْب. فهي فقط أَحَدُ اختباراتِ الإيمانِ الحقيقيّ.

والآن، اسمحوا لي أنْ أقولَ شيئًا آخر: يجب علينا أنْ نُلاحِظَ أنَّ يَعقوبَ لا يُفَرِّقُ هُنا بينَ التَّجارِب الدَّاخليَّة والخارجيَّة لأنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نُفَرِّقَ بينَها نحنُ أيضًا. وقد اكتشفتُ مِنْ خلالِ حَياتي الشخصيَّة أنَّ كُلَّ ضِيقة خارجيَّة تَصيرُ ماذا؟ داخليَّة أيضًا. فلا توجد ضيقة اختبرتُها بَقِيَتْ في الخارج فقط، وإلَّا لما كانت ضيقة بِحَقّ. ولكِنْ عندما تَدْخُلُ إلى الدَّاخل، وَتَتَفَشَّى في ذِهْني فإنَّها تَكونُ تَجربة بِحَقّ. لِذا فإنَّ يَعقوبَ لا يَقولُ: "نحنُ نَتحدَّثُ هنا عنِ الأمورِ الخارجيَّة، ثُمَّ إنَّنا سنتحدَّثُ في وقتٍ لاحقٍ عنِ الأمورِ الداخليَّة". فأيُّ تجربة هي خارجيَّة وداخليَّة. والحياةُ المسيحيَّة لا تُفَرِّقُ بينَ هذه وتلك. فهي تَجارِب بصورة عامَّة. وحياتُنا تَزْخُرُ بها. وهي تأتي في شكلِ خَيباتِ أَمَل، وإحباطاتٍ، وسُوءِ فَهْمٍ، وأحلامٍ لم تتحقَّق، وتوقُّعاتٍ لم تتحقَّق، وخَسائِرَ كبيرة، ووَحدة هائلة، وخوف، ونَقْد، واضطهاد، وخِصام. وهي قد تبتدئ جَميعُها في الخارج، ولكِنَّها عاجِلاً أَمْ آجِلاً تَصِلُ إلى الداخل. وهذا هو ما يَجْعَلُها تَجارِبَ بِحَقّ. وهذه هي الحياة! وكُلُّها تأتي [انظروا إلى العدد 3] بهدف فَحْصِ إيمانِكَ، ولمساعدتكَ على رُؤية ما إذا كانَ إيمانُكَ حَقيقيًّا، ولكي تَعرفَ قُوَّةَ إيمانِك. فهي اختباراتُ صِدْقٍ لأولئكَ الَّذينَ يَزْعُمونَ أنَّهُم مُؤمِنونَ حَقًّا، وهي اختباراتٌ لِقُوَّةِ الإيمان. لِذا فإنَّها تَسْري على غيرِ المؤمنينَ والمؤمنينَ أيضًا.

لِذا، تَذَكَّروا أنَّ قَصْدَ يَعقوب الآن هو أنْ يَفْحَصَ الإيمان. وأريدُ أن أُخبركم، يا أحبَّائي، أنَّهُ عندما تَمُرُّونَ في ضِيْقَة، يجب عليكم أنْ تَنظروا بِدِقَّة إلى تلكَ الضِّيقة، وأنْ تَفحصوها في ضَوْءِ رُدودِ أفعالِكُم، وفي ضَوْءِ ما تَقولُهُ عن إيمانِكُم. فهذا هو ما ينبغي أنْ تَتَعَلَّموهُ مِنها. وإنْ ثَبَتُّمْ في التَّجارب كَنَهْجِ حَياةٍ، إنْ ثَبَتُّم في الألمِ كَنَهْجِ حَياةٍ، ولم تَتَخَلَّوْا عنِ اتِّكالِكُم على اللهِ، فإنَّكُمْ تُبَرهِنونَ على أنَّ إيمانَكُم حَقيقيّ. وقد كَتَبَ "روبرت جونستون" (Robert Johnstone) في كِتابِ شَرْحٍ لرسالة يَعقوب قبلَ سنواتٍ طويلة: "يُبَيِّنُ يَعقوبُ أنَّهُ حينَ لا يوجد سوى الاعتراف الأَجْوَف أو العاطفة الحَالِمَة المُجَرَّدة الَّتي لا تَقومُ على حقائق راسخة وعقلانيَّة، فإنَّ نيرانَ التَّجارب سَتَحْرِقُها". وهو يَقولُ أيضًا: "أمَّا عندما يكونُ هناكَ إيمانٌ حَقيقيٌّ، فإنَّ العاطفةَ تُؤدِّي بصورة طبيعيَّة إلى تَفكيرٍ أَعْمَق مِنْ مُجَرَّد التَّفكير في الخطيَّة وإغراءاتِها؛ وبالتَّالي فإنَّهُ يُحَرِّرُ القلبَ مِنْ هَيْمَنَةِ البِرِّ الذَّاتِيِّ. فَمَصْدَرُ الضُّعفِ يُؤدِّي إلى جِهادٍ حَارٍّ معَ اللهِ مِن خلالِ الصَّلاةِ. وحينَ يَختبرُ المَرءُ النِّعمة الحافِظَة فإنَّ ذلكَ يُقَوِّي رَجاءَهُ ويُرَسِّخْهُ بخصوصِ الأوقاتِ القادمة". [نهاية الاقتباس]. وهذه كلماتٌ غَنِيَّة جِدًّا ومُحَمَّلة بالمَعاني. ولكِنَّ ما يَعنيهِ بصورة رئيسيَّة هو: إنْ أَخْضَعْتَ مَسيحيًّا زائفًا للاختبار، فإنَّ ذلكَ الاختبارَ سَيَكْشِفُه وَيَحْرِقُ إيمانَهُ الزَّائف. وإنْ أَخْضَعْتَ مُؤمِنًا حقيقيًّا للاختبار، فإنَّهُ سَيَقودُهُ إلى الشُّعورِ باليأسِ بسببِ ضُعفِهِ، وسَيَقودُهُ إلى الصَّلاةِ والاتِّكالِ على قُوَّةِ اللهِ عِوَضًا عن ضُعْفِهِ هُوَ.

لِذا فإنَّ الاختباراتِ الَّتي تَفْحَصُ الإيمانَ الزَّائِفَ تَحْرِقُه. والاختباراتُ الَّتي تَفْحَصُ الإيمانَ الحقيقيَّ تُسَبِّبُ الألم: أَلَمَ عَدَمِ الكِفايةِ والضُّعف. وهي تُؤدِّي إلى التَّخَلِّي عنِ البِرِّ الذَّاتِيِّ والاتِّكالِ على قُوَّةِ اللهِ. لِذا فإنَّ الضِّيقة أوِ المِحَنة تَصيرُ أوَّلَ اختبارٍ مِنَ اختباراتِ يَعقوب لِفَحْصِ الإيمانِ الحَيِّ. وَهُوَ يَبتدئُ هذا المَقطع بهذه الطريقة. وأوَدُّ أنْ أُريكم في هذا المساء كيفَ يَخْتِمُهُ. لِذا، لنذهب إلى العدد 12: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَة". بالمُناسَبَة، إنَّ هذه تَطويبَة مُشابهة جِدًّا لما جاءَ في الأصحاحِ الخامسِ مِنْ إنجيل مَتَّى حيثُ قالَ يسوعُ التَّطويبات. وقد أخبرتُكم في الأسبوعِ الماضي أنَّهُ وكأنَّ التَّطويباتِ والعظة على الجَبل هُما الأساسُ الَّذي تَستندُ إليهِ فِكرة يَعقوب. وسوفَ نَرى ذلكَ في الرِّسالةِ بِمُجملِها. ولكِنَّهُ يَقول: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى" [أو حَرفيًّا: "فإنَّهُ بعدَ أنْ يَجتازَ الامتحانَ بنجاح"] "يَنَالُ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ".

ونَجِدُ هنا إعلانًا للبركةِ الَّتي يَنالُها الإنسانُ الَّذي يَجتازُ الامتحان. والكلمة "طُوْبى" تَعْني: "يا لِسَعادة". والمَعنى الأَدَقّ هو: "يا لِغِبْطَة". والمَعنى الأدَقّ هو أنَّهُ يَحصُلُ على فَرَحٍ داخليٍّ فائِض إذْ يَمتلئُ بِفَرَحٍ داخليّ، وحالةٍ مِنَ نَشْوَةِ النَّفس، وحالةٍ مِنْ فَرَحِ النَّفس. والحقيقة أنَّهُ في الأصحاحِ الخامسِ مِن رسالة يَعقوب والعدد 11، فإنَّهُ يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ: "هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوب"، وَهَلُمَّ جَرَّا. "هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ" ونُطَوِّبُ الذينَ يَجتازونَ الضِّيقات. وهذه ليست سَعادة ناجمة عنِ النَّجاةِ مِنَ الضِّيقاتِ قبلَ حُدوثِها، بل هي سعادة ناجمة عنِ الانتصارِ على الضِّيقات. والفَرقُ بينَ الاثنين كَبير...إنَّهُ فَرقٌ كبير. فهي ليست تلكَ السَّعادة المُبتذَلة الَّتي يَشعرُ بها شخصٌ لم يَمُرَّ يومًا في مِحْنَة، بل هي السَّعادة الغامِرَة الَّتي يَشعرُ بها شخصٌ حارَبَ وَانتصَر – حارَبَ وانتصر. وهي ليست السَّعادة الَّتي يَشعرُ بها المُتَفَرِّج، بل هي السَّعادةُ الَّتي يَشعرُ بها المُشترِك. فيا للسَّعادةِ والرِّضى والقَناعةِ والفَرَحِ الَّذي يَنالُهُ الشَّخصُ الَّذي يَجتازُ الامتحانَ بنجاح! ومَرَّةً أخرى، فإنَّ الحديثَ هنا ليسَ عن الإغواءِ بارتكابِ خَطيَّة. فلو كانَ هذا هو المَعنى المقصود في العدد 12، أيْ لو كانَ التَّغَلُّبُ على الإغواءِ بارتكابِ خَطيَّة هو المَعنى المقصود، لما قالَ: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُها"، بَل لقالَ: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يُقاوِمُها". ولكِنَّ الآية تقول: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُها".

وهناكَ ثلاثُ آياتٍ مِفتاحيَّة في العدد 12: الكلمة "يَحْتَمِل"، والكلمة "تَجرِبة"، والكلمة "تَزَكَّى". والكلماتُ الثَّلاثُ نَفسُها تَظهرُ في العَدَدَيْن الثَّاني والثَّالث: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا". ثُمَّ في العدد 4: "وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ". ... "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ ... عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا". لِذا، هناكَ "التَّجربة"، و "الامتحان"، و "الصَّبر" في العَدَدَيْن الثَّاني والثَّالث. وهناكَ التَّجربة، والامتحان والاحتمال في العدد 12. لِذا، أَستنتِجُ أنَّ العدد 12 يَتحدَّثُ عنِ الشَّيءِ نَفسهِ الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ العدد الثَّاني، وأنَّ هاتينِ الآيَتَيْن تُغَلِّفان النَّصَّ الواقِعَ بينهما. والمقطعُ كُلُّهُ يَتحدَّثُ عنِ النُّصرة على الضِّيقات. فالفكرة نفسُها تَتكرَّرُ في العَدَد 2 والعَدَد 12.

ولاحِظوا أنَّ العدد 12 يقول: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِل". فهي نَفسُ الكلماتِ الَّتي جاءت في العدد الثَّالث: "عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا". فهي الفكرة نفسُها، والكلماتُ نَفسُها. و "الاحتمال" في العدد 12 يَعني الاحتمال بِصَبْر وانتصار. فهو لا يَعني أنْ تقول: "لقدِ احتملتُ ذلكَ، وصَرَرْتُ أسناني، وحَبَسْتُ أنفاسي، وَبَلْعُتُ ما حَدَث، وَتَحَمَّلْتُ ما جَرى". فالأمرُ ليسَ بهذا المعنى. فهو ليسَ احتمالاً سَلبيًّا. وَهُوَ ليسَ نَجاةً سَلبيَّة. بل هو يَعني أنْ تكونَ مُنتصرًا. فهي الكلمة "هوبوميني" (hupomeno)، وهي تَرِدُ بصيغةِ حالة الرَّفْع في الزَّمَنِ الحاضِر بِمَعنى أنْ تَصْبِرَ وَتُحَقِّقَ نَصْرًا عظيمًا. والفِكرةُ بسيطة: فالشَّخصُ الَّذي يَزْعُمُ أنَّهُ مُؤمِن، والذي يَمُرُّ في ضيقات، ويَخرجُ مِنها مُنتصرًا (أيْ أنَّهُ لا يَتَخَلَّى عن إيمانِه، ولا يَتخلَّى عنِ اللهِ) يُبَرْهِنُ على أنَّهُ مُؤمِنٌ حَقيقيّ. وهو سَينالُ إكليلَ الحياةِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ.

وما أعنيه هو أنَّ هناكَ أُناسًا يأتونَ – وأنتُم تَرَوْنَهُم، وأنا أَراهُم. فَهُمْ يأتونَ إلى الكنيسة، ويَعترفونَ بالمسيح، ويَتَعَمَّدون. وحينَ يَختبرونَ ضيقاتٍ في حياتهم فإنَّهُم يَخْتَفون. وما أعنيه هو أنَّهُم يَختفون. وقد لا يَرجعونَ ثانيةً. فقد يَتَوَرَّطونَ في عَلاقة. فقد تَتَعَلَّقُ أعينُهُم بفتاةٍ. وقد تَقولُ لهُ أنْ يَتْرُكَها وَشأنها لأنَّهُ ليسَ مِنَ النَّمَطِ المُفَضَّلِ لديها، أو أيَّ شيءٍ آخر. أو رُبَّما يأتونَ ويَختبرونَ صِراعًا ما. فقد يموتُ صَديقٌ أو أحدُ أفرادِ العائلة. وحينئذٍ، قد يَغرقونَ في الحُزْن ويَبتعدون. ورُبَّما يُلَوِّحونَ بِقَبْضَتِهِم في وَجْهِ اللهِ، ولا يَعودون. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الثَّباتَ في الضِّيقات هو الدَّليلُ على الإيمانِ الحَيِّ. وفي العدد 12، يَدْعو يَعقوبُ أولئكَ الَّذينَ يَثْبُتونَ: "الَّذينَ يُحِبُّونَهُ". وهذا وَصْفٌ رائعٌ لأنَّ هذا في الأصل هو أساسُ موقِفِنا تُجاهَ الربِّ في الخلاص. فنحنُ نُحِبُّهُ: "نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ [ماذا؟] هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً".

فالأمرُ بِرُمَّتِه يَتوقَّفُ على علاقةِ المحبَّة. فهذه ليست صَفْقَة يَقومُ فيها اللهُ بتخليصِنا بِغَضِّ النَّظَرِ عن موقفِنا. وحالما نَخْلَص يمكننا أنْ نَأخذَ الموقفَ الَّذي نَشاء. لا! فالأشخاصُ المُخَلَّصونَ حَقًّا يُحِبُّونَهُ مَحبَّةً مُستمرَّة وعميقة. ويمكنكم أنْ تَضَعوا خَطًّا تحتَ هذه الكلماتِ في كِتابِكُم المقدَّس لأنَّهُ تَعريفٌ رائعٌ للمؤمنِ الحقيقي: "لِلَّذينَ يُحِبُّونَهُ"؛ أيِ الرَّبَّ. ونحنُ نَقرأ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح الثَّاني أنَّنا إمَّا أنْ نُحِبَّهُ، وإمَّا أنْ نُحِبَّ العالم؛ ولكنَّنا لا نَقدرُ أنْ نُحِبَّ الاثنين: "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ". وهذا مَبدأُ أساسِيّ. كذلك، فهو يَقولُ في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 19: "مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا". وما يَقولُهُ يوحنَّا هُناكَ هو أنَّهُ حينَ يأتي الامتحانُ الَّذي يُظْهِرُ ما إذا كُنتَ تُحِبُّ اللهَ أوْ تُحِبُّ العالم، فإنَّهم أَحَبُّوا العالم. وقد انفصلوا عنِ المؤمنينَ. ولا بأسَ في ذلك لأنَّهُم لم يكونوا يَنتمونَ إليهم أصلاً. فَمِنْ خلالِ التَّجربة، تَظْهَرُ مَحَبَّتُنا الحقيقيَّةُ للهِ. وأرجو أنْ تَنظروا قليلاً إلى رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الأوَّل. فبُطرُس يتحدَّثُ عنِ الشَّيءِ نَفسِه. ففي العدد 6، يَتحدَّثُ عنِ التَّجاربِ العديدة كَتِلْكَ التَّجاربِ المُتنوِّعَةِ الَّتي يَتحدَّثُ عنها يَعقوب. ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في العدد 7، كما لو كانَ يَقتبسُ الفكرة نفسَها مِنْ يَعقوب: "لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ...". فهو يَقولُ إنَّ كُلَّ المِحَنِ الَّتي تَختبروها هي امتحانٌ لِصِدْقِ إيمانِكُم. "لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح". بعبارة أخرى، فإنَّهُ يقولُ إنَّ إيمانَكَ يُمْتَحَن لكي يُبَرْهِنَ على صِدْقِه. فإنْ كانَ إيمانًا صَحيحًا فإنَّكَ سَتَثْبُتُ أمامَ الرَّبِّ عندَ مَجيئِهِ. ثُمَّ إنَّهُ يُعَرِّفُ في العدد 8 ذلكَ الإيمانَ الحَقيقيّ: "الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ..." [ما الكلمة الَّتي تَلي ذلك؟] "تُحِبُّونَهُ". ومَرَّةً أخرى، نَجِدُ الفكرة نفسَها: فامتحانُ الإيمانِ لا يَجْتازُهُ سِوى الأشخاص الَّذين يُحِبُّونَ اللهَ ... الأشخاص الَّذينَ يُحبُّونَ الله.

ونحنُ نَسمعُ صَدى كَلماتِ المُرَنِّمِ في هذه الآية. وأعتقد أنَّ ذلكَ وَرَدَ في المزمور 97. سوفَ أُخَمِّنُ وأرى – في العدد 10. أجل! إنَّهُ يقول: "يَا مُحِبِّي الرَّبِّ، أَبْغِضُوا الشَّرَّ". أجل! ومَرَّةً أُخرى فإنَّ شَعبَ اللهِ يُوصَفونَ بأنَّهُم "مَنْ يُحِبُّونَ الرَّبَّ". "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ [ماذا؟] يُحِبُّونَ اللهَ". وهذا هو تَعريفُ المؤمِن. اسمعوني: إنَّ المؤمنَ ليسَ مُجَرَّدَ شخصٍ آمَنَ في لحظةٍ ما بالحَقّ. بل إنَّ المؤمنَ شخصٌ لديه مَحبَّة مُستمرَّة لله. ومحبَّتُهُ لَهُ تَبْقى ثابتة حَتَّى في التَّجارب. وما أعنيه هو: ما الَّذي نَقولُهُ عنِ المحبَّة على الصَّعيدِ البشريِّ إنْ كانت قَويَّة فقط في الأوقاتِ الَّتي لا توجد فيها مَشاكِل؟ انْسَوْها. فهي ليست مَحَبَّة حقيقيَّة. والنُّقطة الجوهريَّة بسيطة: إنَّ الأشخاصَ الذينَ يُحِبُّونَهُ هُم أولئكَ الذينَ يتمسَّكونَ به مِنْ خلالِ المحبَّة أيًّا كانتِ الضِّيقات؛ وبذلك فإنَّهُم يُبرهِنونَ على أنَّ إيمانَهُم حَقيقيّ.

وَما مَعنى أنْ تُحِبَّهُ؟ بصورة رئيسيَّة، لقد قالَ يسوعُ مِرارًا وتَكرارًا: "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي [فافعلوا ماذا؟] فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ". فالآيات يوحنَّا 14: 15، ويوحنَّا 15: 9 و 10، ورسالة يوحنَّا الأولى 2: 5 و 6، ورسالة يوحنَّا الأولى 4: 16، ورسالة يوحنَّا الأولى 5: 1 و 2 و 3، كُلُّ هذه الآيات تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ. "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ". "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي". لِذا فإنَّ صِدْقَ الإيمانِ يَقومُ على المحبَّة. ولكِنْ لكي تُبَرْهِنُ المحبَّةُ على صِدْقِها، ينبغي أنْ تُمْتَحَن. والشَّيءُ المؤكَّدُ هو أنَّها إنْ كانت محبَّة حقيقيَّة، فإنَّها ستَجتازُ الاختبارَ بنجاح وتُحافِظ على الطَّاعة. فهي ستَجتازُ الاختبارَ بنجاح وتُحافِظ على الطَّاعة. والآنْ، لِنَرْجِع إلى العدد 12 ولنتأمَّل أكثر قليلاً في تلك الآية. فبصفَتِنا مُؤمِنينَ نُؤكِّدُ إيمانَنا، فإنَّنا سَنُمْتَحَن. وإنِ اجْتَزنا الامتحانَ بنجاح، وتَمَسَّكنا بالرَّبِّ بالرَّغمِ مِنْ وجودِ أوقاتٍ عصيبةٍ وأوقاتِ شَكٍّ، دُوْنَ أنْ يَزولَ إيمانُنا، ودونَ أنْ يَتلاشى، وإنْ تَمَسَّكْنا بهِ لأنَّنا نُحِبُّهُ - إنْ فَعَلنا ذلكَ، سنَتبارَك.

ولتلخيصِ هذه الفكرة، اسمحوا لي أنْ أقولَ لكم إنَّ القَصْدَ مِنَ الامتحان ثُنائِيٌّ: أوَّلاً، إنَّ القَصْدَ مِنْهُ هو أنْ يَكْشِفَ نوعيَّةَ الإيمان. فالامتحانُ، كما ذَكرتُ، مُصَمَّمٌ للكشفِ عن نوعيَّةِ إيمانِك. انظروا إلى العدد 12 مَرَّة أخرى. فتلكَ العِبارة: "لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى" تَعني حَرفيًّا: "بعدَ أنْ يَجتازَ الامتحانَ بنجاح". فهذه هي الفِكرة بِرُمَّتِها. فهل يمكنكم، يا أحبَّائي، أنْ تَتخيَّلوا ذلكَ في حَياتِكُم؟ اسمعوني: عندما تأتي الاختباراتُ والمِحَنُ والتَّجارب، أو عندما يَموتُ شَخصٌ عَزيزٌ، أو عندما تَشعرُ بالوَحدة، أو الخسارة، أو تكونُ هناكَ مَشاكل، أو عندما تَمُرُّ بأيِّ وقتٍ عَصيب، هل يمكنكَ أنْ تَرى مِنْ خلالِ ما يَجري أنَّ اللهَ يَمتحِنُ صِحَّةَ إيمانِك؟ فهو يُريدُ أنْ يُزَكِّيكَ. فهو يُجيزُكَ في النَّارِ [إنْ جازَ القَوْلُ] لكي تَخْرُجَ مِنْها نَقِيًّا بعدَ زَوالِ الشَّوائِبِ فَيَلْمَعُ إيمانُكَ الحَقيقيّ. فالذينَ يَتمسَّكونَ بِثِقَتِهم باللهِ في وَسَطِ التَّجارب، والذينَ لا يَسْقُطُ إيمانُهم، معَ أنَّ التَّجارب قد تَطول، يُبَرْهِنونَ على أنَّهم يَمتلكونَ إيمانًا حَيًّا – إيمانًا حَيًّا.

والآن، أوَدُّ أنْ أَسْتَطْرِدَ قليلاً لأنَّ هذا هو المكانُ المُناسب تمامًا للحديثِ عن حَقٍّ كِتابِيٍّ مُهِمٍّ جِدًّا، وعن فِكرة لاهوتيَّة مُهمَّة جدًّا. فهل سَمعتُم العِبارة "مُثابرة القِدِّيسين"؟ إنَّها عبارة رائعة. وهي عبارة شائعة في اللَّاهوت. واسمحوا لي أتحدَّثَ عنها قليلاً.

فما مَعنى العِبارة "مُثابرة القِدِّيسين"؟ فقد نَقولَ إنَّها جُزءٌ مِنْ إقرارِ إيمانِنا اللَّاهوتِيِّ لأنَّنا نُؤمِنُ بِمُثابرة القِدِّيسين. بعبارة أخرى، نحنُ نُؤمِنُ بأنَّ القِدِّيسينَ لن يُنكروا إيمانَهُم، وأنَّهم سيَثبتونَ دائمًا، وأنَّهُم سيؤمنونَ باللهِ في كُلِّ تَجربة. هذه هي مُثابرة القِدِّيسين. بعبارة أخرى، فإنَّهم لن يؤمنوا فَترةً قصيرةً ثُمَّ يَرْتَدُّوا عنِ الإيمان. بل إنَّهُم سيَثبُتون. فلن تأتي ضيقة عليهم وتَنْجَحُ في جَعْلِهِم يَتخلُّونَ عن إيمانِهِم. لماذا؟ لأنَّهُ: "لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ [أوْ ضيقة] إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا [ماذا؟] الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا". فالفُرصة مُتاحة دائمًا لِمُثابرة القِدِّيسينَ الحقيقيِّين. والقِدِّيسونَ الحقيقيُّونَ سيَثبتونَ دائمًا. وهذه فكرة مُهمَّة جدًّا جدًّا. واسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم سببَ أهميَّتِها.

لقد عِشْتُ سَنواتٍ طويلةٍ وأنا أَسمعُ العبارة "الضَّمانُ الأبديُّ". هل سَمِعْتُم هذه العِبارة؟ نحنُ نُؤمِنُ بالضَّمانِ الأبديِّ. وتلك عبارة جَيِّدة. والحقيقة هي أنَّني اعْتَدْتُ على سَماعِها بالطَّريقةِ التَّالية: "حَالَما تَخْلَص، سَتَبْقى مُخَلَّصًا دائمًا". إنَّها عبارة شائعة: "حَالَما تَخْلَص، سَتَبقى مُخَلَّصًا دائمًا". ونحنُ نُحِبُّ أنْ نُؤمِنَ بذلك. وما أعنيه هُو: مَنْ لا يُحِبُّ ذلك؟ فأنا لا أريدُ أنْ أنتَمي إلى نِظامٍ يقول: "حالَما تَخْلَص، مَنْ يَدري ما سَيَحْدُث!" فأنا لا أُريدُ ذلك. لا! فالتَّركيزُ على "حَالَما تَخْلَص، سَتَبْقى مُخَلَّصًا دائمًا" هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. ولكِنَّ هذه الجُمْلَةَ تُثيرُ حَفيظَةَ بعضَ النَّاسِ فيقولون: "مَهْلاً! إنَّ مَعنى العِبارة ’حَالَما تَخْلَص، سَتَبْقى مُخَلَّصًا دائمًا‘ هو أنَّكَ تَستطيعُ أنْ تَفعلَ مَا تَشاء، وأنَّ اللهَ مُلْزَمٌ بَقَبولِك". والتَّركيزُ في هذه العِبارة هو على قُوَّة الله الحافِظَة. ولا بأسَ في ذلك. ففكرةُ الضَّمانِ الأبديِّ تَعني أنَّ اللهَ يَحْفَظُكَ، وأنَّكَ مَضمونٌ في وَعْدِهِ الَّذي لا يَتغيَّر، وأنَّكَ مَضمونٌ في قُدرَتِهِ الَّتي لا تُنْقَض. والكِتابُ المقدَّسُ يُؤكِّدُ ذلك. فنحنُ مَضمونون. ونحنُ مَضمونونَ بسببِ قُدرةِ اللهِ. ولا شَكَّ في ذلك. فمثلاً، اسمحوا لي أنْ أُوَضِّحَ ذلك. نحنُ مَضمونونَ في خَلاصِنا بسببِ وَعْدِ اللهِ وقُدرتِه. فهناكَ ما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 10. هل تذكرونَ ذلك؟ فرُبَّما اقتبستُم هذه الآية مَرَّاتٍ كثيرة حينَ تُفَكِّرونَ في الضَّمانِ الأبديّ. فنحنُ نقرأ في إنجيل يوحنَّا 10: 28: "وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي". لماذا؟ "أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي". أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّنا مَضمونونَ أبديًّا بسببِ وَعْدِ اللهِ وقُدرته. "وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ". بعبارة أخرى، إنَّهُ أمرٌ قائمٌ على وَعْدِ اللهِ وقُدرتِه.

ثانيًا، نحنُ نقولُ إنَّنا مَضمونونَ لا فقط بسببِ وعدِ اللهِ وقُدرتِه، بل أيضًا بسببِ صَلاةِ يَسوع. فقد تَشَفَّعَ دائمًا نيابةً عَنَّا. أليسَ كذلك؟ لذا، مَهما فَعلنا، فإنَّهُ يَشْفَعُ فينا ويقولُ للآبِ إنَّهُ قد دَفَعَ ثَمَنَ تلكَ الخطيَّة؛ لِذا فإنَّ خطايانا مَغفورة. فنحنُ نَقرأ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح السَّادس: "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا". فهو لا يَتَخَلَّى عن أحدٍ مِنْ خَاصَّتِه. وفي إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17، يُصَلِّي يسوعُ لأجلِ خاصَّتِهِ جميعًا لكي يَدخلوا في مِلْءِ الخَلاصِ، ولكي تُستَجابَ صَلاتُه. وفي إنجيل لوقا والأصحاح 22، يَتحدَّثُ يسوعُ إلى بُطرس فيقول: "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ". وَهُوَ يقول: "وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ". بعبارة أخرى، لقد كانَ بُطرسُ مَضمونًا لا فقط بسببِ وَعْدِ اللهِ وقُدرتِه، بل أيضًا بسببِ صَلاةِ المسيح. ونحنُ نَقرأ في رسالة يوحنَّا الأولى: "وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا". فالمسيحُ شَفيعُنا ووَسيطُنا.

وهناكَ عُنصرٌ ثالثٌ بهذا الخُصوص: فنحنُ مَضمونونَ لا فقط بسببِ وَعْدِ اللهِ، وقُدرَتِه، وصلواتِ المسيح، بل أيضًا بسبب حُضورِ الرُّوح ... حُضورِ الرُّوحِ القُدُس. فالرُّوحُ القُدُسُ السَّاكِن فينا هُوَ الضَّمانَةُ بأنَّنا سنتمجَّدُ في المستقبل. أليسَ كذلك؟ ونحنُ نَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل أنَّنا أُعْطينا "عَرْبُونَ الرُّوحِ" إذْ نَقرأُ أنَّنا خُتِمْنا بالرُّوحِ ليومِ الفِداء. وكُلُّ ذلك يُرَكِّز على الضَّمانِ الأبديِّ مِنْ زاويةِ قُوَّةِ اللهِ، وحُضورِ اللهِ مِنْ خلالِ رُوْحِهِ، وصَلواتِ يسوعَ المسيح. فالثَّالوثُ كُلُّهُ يَضْمَنُنا إلى الأبد. لِذا، لا يوجد شخصٌ يُؤمِنُ بالرَّبِّ ويَهْلِك. أليسَتْ هذه الحقيقة رائعة؟ وهذا هو الضَّمانُ الأبديُّ. وخلاصُنا وضَمانُنا قائمانِ (اسمعوني جَيِّدًا) على أمانَةِ اللهِ بِمُقتَضى عَهْدِه. فهو قائمٌ على أمانَةِ اللهِ بِمُقتَضى عَهْدِه: "وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ..." (كما يَقولُ بولُسُ في رسالته الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 5: 23) "...يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". فأنا أُصَلِّي لأجلِكُم أنْ تكونوا مُحفوظينَ وبلا لَوْمٍ إلى أنْ يأتي يسوعُ ثانيةً. ونَقرأ في العدد 24: "أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي [ماذا؟] سَيَفْعَلُ أَيْضًا". فنحنُ مَضمونونَ بناءً على أمانةِ اللهِ بِمُقتضى عَهْدِه.

وهذا رائعٌ. فاللهُ يَحفظُ شَعبَهُ مِنَ الارتداد. وَهُوَ يَحفظُ شَعبَهُ مِنْ تَرْكِ الإيمان. وَهُوَ يأتي بهم جميعًا إلى السَّماء. وهذا هو التَّعليمُ الواضحُ للكتابِ المقدَّس. اسمعوا ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ إذْ نَقرأُ في المزمور 31: "لِتَتَشَدَّدْ وَلْتَتَشَجَّعْ قُلُوبُكُمْ، يَا جَمِيعَ الْمُنْتَظِرِينَ الرَّبَّ". ونَقرأُ في المزمور 37: "مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ تَثَبَّتُ خَطَوَاتُ الإِنْسَانِ". وفي المزمور 37 أيضًا والعدد 28: "لأَنَّ الرَّبَّ يُحِبُّ الْحَقَّ، وَلاَ يَتَخَلَّى عَنْ أَتْقِيَائِهِ" – ثُمَّ استمعوا إلى ما يقول: "إِلَى الأَبَدِ يُحْفَظُونَ". وهذا رائع! ونَقرأُ في المزمور 41: 2: "الرَّبُّ يَحْفَظُهُ وَيُحْيِيهِ. يَغْتَبِطُ فِي الأَرْض". ونَقرأُ في المزمور 97: 10: "يَا مُحِبِّي الرَّبِّ، أَبْغِضُوا الشَّرَّ. هُوَ حَافِظٌ نُفُوسَ أَتْقِيَائِهِ. مِنْ يَدِ الأَشْرَارِ يُنْقِذُهُمْ". ونَقرأُ في المزمور 116: 6: "الرَّبُّ حَافِظُ الْبُسَطَاءِ". ألا تَشعرونَ بالفرحِ بسبب ذلك؟ "تَذَلَّلْتُ فَخَلَّصَنِي". "لاَ يَدَعُ رِجْلَكَ تَزِلُّ. لاَ يَنْعَسُ حَافِظُكَ. إِنَّهُ لاَ يَنْعَسُ وَلاَ يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ. الرَّبُّ حَافِظُكَ. الرَّبُّ ظِلٌّ لَكَ عَنْ يَدِكَ الْيُمْنَى. لاَ تَضْرِبُكَ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ الْقَمَرُ فِي اللَّيْلِ. الرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرّ". إنَّها كلماتٌ رائعة.

ونقرأ في رسالة رُومية 16: 25: "وَلِلْقَادِرِ أَنْ يُثَبِّتَكُمْ، حَسَبَ إِنْجِيلِي". ونَقرأ في رسالة تيموثاوس الثانية 1: 12: "لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْم". أَتَذكرونَ هذه الآية؟ فهو "قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي". وما الوَديعةُ الَّتي أَوْدَعْتُها لديه؟ نَفْسي. ونَقرأ في رسالة تيموثاوس الثانية 4: 18: "وَسَيُنْقِذُنِي الرَّبُّ مِنْ كُلِّ عَمَل رَدِيءٍ..." [ثُمَّ استمعوا إلى هذه الكلمات:] "...وَيُخَلِّصُنِي لِمَلَكُوتِهِ السَّمَاوِيِّ. الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِين". ونقرأ في رسالة بُطرس الأولى 1: 5: "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ". ونَقرأ في رسالة يهوذا والعدد 1: وَالْمَحْفُوظِينَ لِيَسُوعَ الْمَسِيح". وفي رسالة يهوذا والعدد 24: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي الابْتِهَاج". أليست هذه الآيات رائعة؟ إنَّها كلماتٌ قويَّة، يا أحبَّائي، عنِ الضَّمانِ الأبديِّ. ولكِن هل تَسمحوا لي أنْ أقولَ إنَّ هناكَ جانبًا آخرَ لهذا الموضوع؟ فهناكَ جانبٌ آخر لهذا الموضوع. وقد تقول: "وما هو الجانبُ الآخر؟" إنَّ الجانبَ الآخر هو أنَّنا لسنا فقط مَحفوظينَ مِنْ قِبَلِ اللهِ، بل يجب علينا، مِنَ الجانبِ البشريِّ، أنْ نَثْبُت.

بعبارة أخرى، أنتَ لستَ مَحفوظًا مِنْ قِبَلِ اللهِ إذا تَخَلَّيْتَ عن إيمانِكَ في وسط التَّجربة. وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّنا نَعودُ إلى تلكَ المُفارَقة الواضحة بينَ عَمَلِ اللهِ وطَريقِ الإنسان. فأنتَ مُخَلَّصٌ لأنَّهُ اخْتَارَكَ فيهِ قبلَ تأسيسِ العالم؛ ولكنَّكَ لستَ مُخَلَّصًا مِنْ دُوْنِ أنْ تُمارِسَ إيمانَك. أليسَ كذلك؟ وأنتَ مَحفوظٌ بسببِ أمانَةِ اللهِ بِمُقتضَى عَهْدِه، ولكِنَّكَ لستَ بِمَأمَنٍ مِنْ دُونِ أنْ تُمارِسَ المُثابرة. لِذا فإنَّ واسِطَةَ الضَّمانِ الأبديِّ تَتِمُّ مِنْ خِلالِ قُوَّةِ الرُّوحِ الَّتي تُعطي المؤمنَ الحقيقيَّ القُوَّة على الاحتمالِ بإيمان في التَّجارب. وقد قالَ "بيركوف" ("لويس بيركوف" – “Louis Berkhof)، وَهُوَ لاهوتِيٌّ رائع، قالَ عنِ المُثابرة إنَّهُ: "ذلكَ العمل المُستمرّ للرُّوح القُدُس في المؤمن والذي يَستمرُّ مِنْ خلالِهِ عَمَلُ النِّعمة الإلهيَّة الَّذي ابتدأَ في القلب إلى أنْ يَكْتَمِل". لذا فإنَّ دَوْرَنا هُوَ أنْ نَصْبِر.

اسمعوا ما جاءَ في الكتابِ المقدَّسِ أيضًا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 24: 13: "وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ". وقد قُلنا للتَّوّ إنَّ اللهَ سيحفظنا. وقد قَلَبْنا الأمرَ رأسًا على عَقِب فَبَدا أنَّ الأمرَ مُتناقِض؛ ولكنَّهُ ليسَ كذلك. فهي الطَّريقةُ الَّتي يَحْفَظُنا بواسِطَتِها: مِنْ خلالِ إعطائِنا القُدرة بِروحِهِ على الصَّبْر. "فَقَالَ يَسُوعُ لِلْيَهُودِ [في إنجيل يوحنَّا 8: 31] ... إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي". ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 15: "وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ..." [ثُمَّ استمعوا إلى ما يقول:] "...وَبِهِ أَيْضًا تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثًا!" فإنْ لم تَتَمَسَّكوا بِهِ، فإنَّكُم تُبَرْهِنونَ على أنَّ إيمانَكُم لم يَكُن حقيقيًّا. ونَقرأ في رسالة كولوسي والأصحاح الأوَّل (استمعوا إلى هذا النَّصِّ): "وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ". أليست هذه الكلمات رائعة؟ إنَّهُ الخلاص. فنحنُ نُحْضَرُ إلى اللهِ قِدِّيسينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ. ثُمَّ نَقرأُ: "إِنْ ثَبَتُّمْ عَلَى الإِيمَانِ، مُتَأَسِّسِينَ وَرَاسِخِينَ وَغَيْرَ مُنْتَقِلِينَ عَنْ رَجَاءِ الإِنْجِيلِ". فأنتُم مَضمونونَ فقط إنْ صَبَرْتُم. أنتُم مَضمونونَ فقط إنْ صَبَرْتُم. فالصَّبْرُ هو الوسيلة الَّتي يَعْمَلُ مِنْ خِلالِها الضَّمان.

لِذا فإنَّنا نَقرأ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح الثَّاني: "لِذلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ". فلا تَجْعَلْ ما سَمِعْتَهُ يَفوتَك. "لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيح [كما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 3: 14]، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَة". ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 4: 14: "فَلْنَتَمَسَّك بِالإِقْرَار". ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 6: 12: "وَلكِنَّنَا نَشْتَهِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يُظْهِرُ هذَا الاجْتِهَادَ عَيْنَهُ لِيَقِينِ الرَّجَاءِ إِلَى النِّهَايَةِ، لِكَيْ لاَ تَكُونُوا مُتَبَاطِئِينَ بَلْ مُتَمَثِّلِينَ بِالَّذِينَ [اسمعوا:] بِالإِيمَانِ وَالأَنَاةِ يَرِثُونَ الْمَوَاعِيد". هذه هي مُثابرة القِدِّيسين. فيجب علينا أنْ نَصْبِر. ونَقرأ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 10: 39: "وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ الارْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ، بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لاقْتِنَاءِ النَّفْسِ". وَحَتَّى إنَّ بُطرسَ قالَ في رسالته الثَّانية 1: 10: "لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ، لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا". لِذا فإنَّ النُّقطة الجَوهريَّة هي أنَّهُ لا يوجد شخصٌ مَضمونٌ أبديًّا ما لَمْ يَصْبِر.

وقد تقول: "حسنًا! وما الَّذي يَحدثُ حينَ لا يَصْبِر المَرْءُ؟" الجوابُ بَسيطٌ جِدًّا إذْ نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 19: "مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا [ماذا؟] مِنَّا". فقد رَسَبُوا في اختبارِ الإيمانِ الحقيقيّ. فلا توجد تَجرِبَة، يا أحبَّائي، اسمعوا ما سأقول: لا توجد تَجربة، مَهما كانت شديدة، تَقدرُ أنْ تَفصِلَكُم عن الربِّ إنْ كانَ إيمانُكُم حقيقيًّا. فهي اختبارٌ وَحَسْب لإظهارِ صِدْقِ ذلكَ الإيمان. لِذا فإنَّ الضَّمانَ الأبديَّ لا يَكفي وَحْدَهُ. فالأمرُ لا يَقومُ على مَقولَة "حَالَما تَخْلَص، سَتَبْقى مُخَلَّصًا دائمًا" بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا تُؤمِنُ بِهِ وَتَفعلُه. لا! فإنْ لم يكن هناكَ صَبْر، وإنْ لم تَنْجَح في الاختبار وتَتمسَّك بالرَّبِّ، وإنْ لم تُواظِب على حُبِّكَ وطاعَتِكَ لَهُ في كُلِّ تَجربة تَختبرُها في الحياة، فإنَّكَ تُبَرْهِنُ على أنَّكَ لا تَمتلكُ إيمانًا حقيقيًّا. فَكَمْ عَدَدُ الأشخاصِ الذينَ تَعْرِفُ أنَّهم جاءوا إلى الكنيسة بعضَ الوقتِ، وواجهوا مُشكلة ما في حياتِهِم، وغادَروا؟ فَقد اعْتَرَفوا بأنَّهم يُؤمنونَ بالمسيح، ولكنَّهم لم يَثْبُتوا فيه. لِذا، لا يمكننا أنْ نَقولَ عن هؤلاءِ إنَّهُم يُحِبُّونَهُ لأنَّ حَياتَهُم لا تَتَّصِف بالطَّاعة.

وأنا أُحِبُّ ما جاءَ في إقرارِ إيمان وِستمنستر (Westminster Confession of Faith): "إنَّ الَّذينَ قَبِلَهمُ اللهُ في مَحْبوبِهِ، ودَعاهُمْ دَعوةً فَعَّالةً، وقَدَّسَهُم بِروحِهِ، لا يُمكن أنْ يَسقطوا كُلِّيًّا أو نِهائيًّا مِن حالةِ النِّعمة، بل إنَّهم يُثابرونَ فيها يَقينا حَتَّى النِّهاية، ويَخلَصونَ إلى الأبد. ومُثابرةُ القِدِّيسينَ هذه لا تَعتمد على إرادتِهم الحُرَّة، بل على عدم تَغَيُّرِ قَضاءِ الاختيارِ المُتَدَفِّقِ مِنْ مَحبَّةِ اللهِ الآبِ المَجَّانيَّة غير المُتَغَيِّرة، وعلى فاعليَّةِ استحقاقِ وَشَفاعَةِ يَسوعَ المسيحِ، ومُكوثِ الرُّوحِ، وَزَرْعِ اللهِ في داخِلِهم، وطبيعةِ عهدِ النِّعمة الَّتي مِنها جميعُها يَنْشَأُ أيضًا يَقينُ وَثَباتُ المُثابَرة. وعلى الرَّغم مِن ذلك، يمكن، بواسطة إغراءاتِ الشَّيطانِ والعالم، وتَفَشِّي الفَسادِ الباقي فيهم، وإهمالِ وَسائِطِ ثَباتِهم، أنْ يَسقُطوا في خطايا فادِحَة؛ وأنْ يَستمرُّوا فيها بَعْضَ الوقت. وبذلكَ فإنَّهم يَجلِبونَ على أنفسهم غَضَبَ اللهِ، ويُحْزِنونَ رُوْحَهُ القُدُّوس، ويُحْرَمونَ مِنْ قَدْرٍ مِنْ نِعْمَاتِهم وتَعزياتِهم، وتَتَقَسَّى قُلوبُهم، وتَنْجَرِح ضَمائِرُهم، فَيَجْرَحونَ وَيُعْثِرونَ آخرين، ويَجلِبونَ دينوناتٍ وَقتيَّة على أنفسهم". وما يَعنيهِ إقرار إيمان وِستمنستر هو أنَّ المؤمنَ قد يَقَع في مَشاكل كثيرة، ولكنَّهُ لا يَتْرُك إيمانَهُ البَتَّة لأنَّهُ سَيَصْبِر. لِذا فإنَّ التَّجارِب تُبَرْهِن على الإيمانِ الحقيقيّ.

تأمَّلوا في التَّرنيمَتَيْنِ التَّاليتَيْن:

لا أحدَ مَضمونٌ أكثر مِنَ مَحْبوبِيِّ المُخَلِّص.

ولا حَتَّى النَّجْم السَّاكِن في الأعالي،

ولا حَتَّى العُصفورُ المُختبئ في عُشِّه.

فاللهُ يَعتني بِخاصَّتِه ويَقُوْتُهُم،

وفي دِيارِهِ المُقدَّسَةِ يَزْدِهِرون.

كأبٍ مُحِبٍّ يُنَجِّيهم،

ويَحمِلهم بيديهِ المُحِبَّتَيْن.

لا حياةَ ولا موتَ يَستطيعُ البَتَّة

أنْ يَفصِلَ أولادَ الربِّ عنه.

لأنَّ مَحبَّتَهُ وعَطْفَهُ العَميقَيْن

يُعَزِّيانِهم في ضِيقِهم.

لِذا أيُّها القَطيعُ الصَّغير

افْرَحْ دائمًا لأنَّ إلَهَ يَعقوب سيَحميكَ دائمًا

فاسْكُن آمِنًا في حِمَى هذا المُدافِع.

لأنَّ جَميعَ الأعداءِ سيَستسلمونَ بِفَضْلِ مَشيئَتِه.

فما يأخُذهُ مِنَّا ويُعطينا إيَّاه

يُظْهِرُ أنَّ مَحَبَّةَ الآبِ ثَمينة جدًّا.

لِذا، يمكننا أنْ نَثِقَ في قَصْدِهِ كُلَّ الثِّقة

لأنَّ هذا لِخَيْرِ أولادِهِ فقط.

أجل! نحنُ مَحفوظون. ونحنُ مَحفوظونَ لكي نَصْبِر. وقد كَتَبَ أحدُ الأشخاصٍ هذه الكلمات:

يَسوعُ حَيٌّ، وكذلكَ أنا.

أيُّها الموتُ، قد كُسِرَتْ شَوْكَتُكَ إلى الأبد.

فذاكَ الَّذي وَضَعَ نَفسَهُ لأجلي،

غَلَبَ الموتَ وقام.

وَهُوَ سيُقيمُني مِنَ التُّراب.

يَسوعُ رَجائي وَمُتَّكَلي،

يَسوعُ يَحيا ويَمْلِك عَلَيَّ بِجُمْلَتي

ومَلكوتُهُ ما يَزالُ قائمًا

وسأكونُ مَعَهُ أيضًا، فأحيا إلى الأبد، وأملك إلى الأبد.

اللهُ وَعَدَ بأنْ يَفعلَ ذلكَ يَقينًا،

يَسوعُ رَجائي ومُتَّكَلي.

يَسوعُ حَيٌّ، وبِنعمَتِه سأنتصر على تَجارِبي

وسأُطَهِّرُ قلبي وطُرُقي لأحيا لأجلِ مَجدِهِ.

فهو يُقيمُني مِنَ التُّرابِ

يَسوعُ رَجائي ومُتَّكَلي

يَسوعُ حَيٌّ، فهذا أمرٌ أعرِفُهُ جَيِّدًا

فلا يمكنُ لقلبي أنْ يَنفصلَ عنه

فلا حياةَ، ولا موتَ، ولا قُوَّاتِ جَحيم،

ولا فَرَح، ولا حُزْن، لا الآنَ ولا في أيِّ وقتٍ.

فلا أحدَ مِنْ قِدِّيسيه يُفْقَد.

يَسوعُ رجائي ومُتَّكَلي.

يَسوعُ حَيٌّ. والموتُ الآنَ ليسَ سِوى دُخولٌ إلى المجد.

تَجَشَّعي إذًا يا نَفسي

لأنَّ هناكَ إكليلَ حَياةٍ يَنتظِرُكِ.

وسوفَ تجدينَ أنَّ رَجاْءكِ

كانَ في الموضِعِ الصَّحيح.

يسوعُ هو مُتَّكَلُ المُؤمِن.

فمتى عَصَفَتِ المِحَنُ بحياتِك أو حَياتي، فإنَّها تُبَرْهِنُ على صِدْقِ إيمانِنا لأنَّها تُعطينا فُرصةً للمُثابرة. وإذْ نُثابِرُ ونَنظرُ إلى الوراءِ فإنَّنا نقول: "أجل، أنا أَعلمُ أنِّي أنْتَمي إلى الرَّبِّ".

وهناكَ غاية أخرى أوَدُّ أنْ أذكُرَها لكم بإيجاز. فهذه التَّجارِب لا تَرْمي فقط إلى الكَشْفِ عن نوعيَّةَ الإيمان، بل تَرْمي أيضًا إلى تَقوية ذلك الإيمان – إلى تَقوية ذلكَ الإيمان. وسوفَ نَنظرُ إلى ذلكَ القَصْد في وقتٍ لاحق، وليسَ الآن. ولكِنْ خَزِّنوا ذلكَ في أذهانِكُم. فهي تُقَوِّي أيضًا إيمانَنا. لِذا فإنَّها تُؤدِّي مَهَمَّة جَيِّدة جدًّا. ولكِنْ بالنِّسبة إلى الأشخاصِ الذينَ لا يَسقطونَ بسببِ التَّجارب، أرجو أنْ تُلاحِظوا في العدد 12 أنَّ الآيَةَ تَقولُ لهؤلاءِ الذينَ لا يَسقطون: "لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ". وأوَدُّ أنْ أقولَ لطلبةِ اللُّغةِ اليونانيَّة إنَّني أُسَمِّي هذه الصِّيغة "إضافَة البَدَل". وهي يُمكن أنْ تَترجَم حَرفيًّا هكذا: "يَنالُ إكليلاً هُوَ الحَياة". فالإكليلُ يُساوي الحياة. والمقصودُ هُنا هوَ التَّالي: إنَّ الإكليلَ هُوَ الحياة الأبديَّة. فالوعدُ بالحياةِ الأبديَّة هو الشَّيءُ الَّذي وَعَدَ اللهُ بِهِ مَنْ يُحِبُّونَهُ. والحياةُ الأبديَّة [لاحِظوا ذلك] هي مُكافأتُنا الكُبرى. وقد تقول: "كنتُ أَظُنُّ أنَّني أمتلكُ الحياةَ الأبديَّةَ أصلاً". صَحيحٌ أنَّكَ تَمتلِكُها. فقد حَصَلْتَ على الوَعْدِ بها، وسوفَ تَحْصُلُ عليها ذاتَ يومٍ فِعليًّا بِكُلِّ مِلْئِها. فنحنُ ما زِلنا نَنتظرُ الخلاصَ التَّامَّ. ونحنُ ما زِلنا ننتظرُ أنْ نَدخُلَ إلى مُكافأتِنا المستقبليَّة. لِذا فإنَّها تَرِدُ بصيغة المُستقبَل. فهو سَيَنالُ الإكليل". وما هو الإكليل؟ إنَّهُ الحياةُ الأبديَّة. فعندَ مجيءِ الربِّ، سَيَمْنَحُنا مِلْءَ الحياةِ الأبديَّة. وهذا يُذَكِّرُنا بما جاءَ في رسالة تيموثاوس الثانية 4: 8: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ [أوْ: "إكليلٌ هُوَ البِرّ"]، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا". فعندما يأتي الربُّ ويأخُذُنا إليه، سيكونُ هناكَ إكليل. وذلكَ الإكليل هو الحياة الأبديَّة. فسوفَ يكونُ هناكَ إكليل. وذلك الإكليل هو البِرّ. وفي تلك اللحظة، سننالُ البِرَّ الأبديَّ والحياةَ الأبديَّة. وأنا أُوْمِنُ أنَّها تُشيرُ إلى الحياةِ الأبدية الَّتي سنحصل عليها عند مجيءِ يسوعَ المسيح.

والحقيقة هي أنَّ كُلَّ المكافآتِ الَّتي يُعطينا إيَّاها الربُّ تَتَلَخَّصُ في حياتِنا الأبديَّةِ في نهايةِ المَطاف. فنحنُ نقرأ في رسالة تيموثاوس الأولى 6: 12: "جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ"؛ أيْ بِمِلْءِ الوعدِ بالحياةِ الأبديَّة. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 5: 4: "وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ [أو: "إكليلاً هُوَ المَجْد]". لِذا فإنَّها الحياةُ الأبديَّة، وَهُوَ البِرُّ، وَهُوَ المجد. فهذه ليست أكاليل يحصُل عليها مؤمنونَ مُختلفون، بل هي أكاليل يَحصل عليها جميعُ المؤمنين. فجميعُ المؤمنينَ سيحصلونَ على الحياةِ الأبديَّة، والبِرِّ الأبديّ، والمجدِ الأبديّ. وبالمناسبة، فإنَّ سِفْرَ الرُّؤيا 2: 10 أيضًا يَذْكُرُ إكليلَ الحياة مَرَّة أخرى. والوَعْدُ هُناكَ مُعْطى للذين يَبقَوْنَ أُمناءَ حَتَّى الموت، والذينَ يَجتازونَ الضِّيقاتِ بنجاح. فهو السِّياقُ نَفسُه. فهو يكتبُ إلى الكنيسة في سِميرنا ويقول: سوفَ يكونُ لكَ ضِيْقٌ قَصيرٌ. فإنْ بَقَيْتَ أمينًا طَوالَ تلك الفترة، حَتَّى لو أدَّى ذلكَ إلى موتِك، سأُكافِئكَ بالحياةِ الأبديَّة.

والآنْ، اسمحوا لي أن أقولَ الآتي: نحنُ لا نَحْصُل على الحياةِ الأبديَّةِ مِنْ خلالِ الصَّبْر. فهي لا تُكْسَب بالصَّبْر، ولكِنَّ الصَّبْرَ هو البُرهانَ على صِدْقِ الإيمانِ وصِدْقِ المحبَّة؛ وهُما أمرانِ يُكافآنِ بالحياةِ الأبديَّة. هل فهمتُم ذلكَ الفَرْق؟ فهي لا تُكْسَب بالقُدرة على التَّحَمُّل، بل هي مُكافأة على القُدرة على التَحَمُّل الَّذي يُبَرْهِنُ على صِدْقِ الإيمانِ المُخَلِّص. وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "إكليل" هي الكلمة "ستيفانوس" (stephanos). وهي مُستخدمة بطرق مُتنوِّعة عديدة، ولكِنْ بصورة عامَّة، في ثقافة العهد الجديد، فإنَّها تُشيرُ إلى إكليلٍ كانَ يُوضَع حولَ رأسِ الشخصِ الفائز في المباريات الرياضيَّة. ويَرى فَريقٌ مِنَ الشُّرَّاحِ أنَّهُ لأنَّ اليهودَ كانوا يَرفضونَ فِكرةَ المُنافسة بِرُمَّتِها، ولم يكونوا يُحِبُّونَ حقيقةَ أنَّ الكثيرَ مِن تلكَ الألعابِ كانت تُقامُ ويَشتركُ فيها رِجالٌ عُراةٌ تَمامًا، أوْ يَلبَسونَ الحَدَّ الأدنى مِنَ الملابس، وَهُوَ أمرٌ كانَ يَجرحُ مَشاعرَ اليهود، فإنَّهم كانوا يَمْقُتونَ ذلكَ بِشِدَّة ولم يكونوا يُشيرونَ قَطّ إلى الأكليل (أيْ: "ستيفانوس") فيما يَختصُّ بذلك النَّوع مِنَ المُنافسة.

ولكِنِّي أعتقد أنَّ هذا يُؤكِّدُ صِحَّة ذلك. فنحنُ نَعلمُ بِكُلِّ تأكيد مِنْ خلالِ كِتابِ "العَادِيَّات اليَهوديَّة" (Antiquities) ليوسيفوس (Josephus) أنَّهُ كانت هناكَ ألعابٌ كهذه، ألعابٌ تَنافُسِيَّة، تُقامُ في مدينة أورُشليم تحتَ رعاية هيرودُس الكبير. لِذا، مِنَ المُرَجَّح جِدًّا أنَّهم كانوا يَعرفونَ أنَّ الكلمة "ستيفانوس" تُستخدَمُ للإشارة إلى إكليلِ النَّصْر. وحينَ تتحدَّث عنِ احتمالِ الضِّيقات إلى النِّهاية فإنَّ ذلكَ يُلائِمُ السِّياقَ هُنا. وهناكَ مَن يُحاول إقناعَنا بأنَّ الكلمة "ستيفانوس" كانت تُشيرُ إلى تاجِ المَلِك، أو إلى الإكليلِ الَّذي كانَ يوضع على رأسِ شخصٍ في حَفْلِ الزَّواجِ أو في وليمة أو احتفال بِمَعنى أنَّهُ إكليلُ احتفال، وإكليلُ فَرَح، وإكليلُ سَعادة. ولكِنْ يبدو لي أنَّهُ يُشيرُ أيضًا إلى الرَّخاء، والسَّعادة، والشَّرف، والوَلاء. ولكِنَّ السِّياقَ يُشيرُ حَتْمًا إلى إكليلِ النَّصْر. وحيثُ أنَّ تلكَ كانت أمورًا شائعةً لديهم، يُمكننا بكُلِّ بساطة أنْ نَفترضَ أنَّ هذا هو المَعنى الدَّقيق الَّذي قَصَدَهُ يَعقوب.

لِذا فإنَّهُ يقولُ إنَّ الربَّ سيُكافئ بالحياةِ الأبديَّة أولئكَ الَّذينَ يُظهرونَ أنَّ خلاصَهم حَقيقيّ لأنَّهُم ثَابَروا. لِذلك، يا أحبَّائي، إذْ نَبتدئٌ بدراسةِ هذا المقطع، نَرى أنَّ الحياةَ مُمتلئة بالضِّيقات. وما أعنيه هو أنَّ الحياةَ ستكونُ هكذا دائمًا. وكيفيَّة تَعامُلِنا مع هذه الضِّيقات هو الَّذي يُظْهِرُ صِدْقَ أوْ زِيْفَ إيمانِنا. فإنِ احْتَمَلْنا، وثابَرْنا، وانتصرنا، فإنَّنا نُظْهِرُ صِدْقَ إيمانِنا المُخَلِّص وسنَحصُل في النهاية على المُكافأة على ذلك الإيمان المُخَلِّص، وعلى المُكافأة على تلك المحبَّة المستمرَّة، وهي: مِلْء الحياة الأبديَّة، والبِر الأبديّ، والمجدِ الأبديّ. فهذا كُلُّهُ سيكونُ مِنْ نَصيبِ مَنْ يُبرهنونَ على صدْقِ إيمانِهم.

والسُّؤالُ الَّذي يَتبادرُ إلى الذِّهْنِ مباشرةً الآن، بعدَ أنْ تأمَّلنا في العدد الثَّاني والعدد 12 هو: كيفَ يُمكن للمؤمن [عَمليًّا] أنْ يَحتملَ الضِّيقات؟ كيفَ نَقْدرُ أنْ نَفعلَ ذلك؟ فما هي الجوانبُ العمليَّةُ المُختصَّة بالاحتمال؟ وهذا هو ما يُريدُ يَعقوب أنْ يَتحدَّثَ عنه. فهو عَمَلِيٌّ جِدًّا. فلا يكفي أنْ تقول: "يجب أنْ أُثابِر!" فعليكَ أنْ تُخبرني كيف. كيفَ أُثابِر؟ انظروا قليلاً إلى المُخَطَّط الَّذي بينَ أيديكم، واتبعوا هذه النِّقاطَ الخَمْسَ الَّتي ذَكَرْتُها. فهذه هي الجوانبُ العمليَّة للإيمان المُثابِر. فهناكَ العديدُ مِنَ الأمورِ المطلوبة: أوَّلاً، موقفُ الفَرَح ... موقفُ الفَرَح؛ إذْ نَقرأُ في العدد الثاني: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ". ثانيًا، العَقْلُ المُتَفَهِّم (في العدد الثَّالث): "عَالِمِينَ". ثالثًا، الخُضوع (في العدد الرابع): "وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ"؛ أيْ دَعوا الصَّبْرَ يَعْمَل عَمَلَهُ. رابعًا، القلبُ المؤمن. فلا يجوزُ أنْ يكونَ إيمانُكَ مَتَزَعْزِعًا (كما جاءَ في العدد 6)، بل اطْلُب بإيمانٍ حقيقيّ (كما جاءَ في العدد 8)، ولا تَكُنْ ذا رَأيَيْن. خامسًا (في الأعداد 9-11): الرُّوح المُتَّضِعَة. فلكي تَجتازَ الضِّيقاتِ بانتصار فإنَّكَ بحاجة إلى موقفٍ فَرِحٍ، وإلى عَقْلٍ مُتَفَهِّمٍ [يَستوعبُ حقيقةَ الضِّيقَةِ والهدفِ مِنها]، وإلى إرادةٍ خاضعة [تَقْبَلُ ما يَسْمَحُ بِهِ الرَّبُّ، وتَخْضَعُ لَهُ، وَتَتَعَلَّمُ ما يريدُ أنْ يُعَلِّمَها إيَّاه]، وإلى قَلْبٍ مُؤمِنٍ [لا يَتَزَعْزَعُ في الإيمان]، وإلى رُوْحٍ مُتَّضِعَة [مُستعدَّة لِقَبولِ أيِّ شيء]. فهكذا تَحْتَمِل تَجارِبَك.

وسوفَ نَتَعَمَّقُ في هذه النِّقاط جميعِها في المَرَّة القادمة. وسوفَ تكونُ المادَّةُ غَنِيَّة جِدًّا وعمليَّة. وأريدُ أنْ أُعطيكم واجبًا: لا تأتوا بِمُفردكم في الأسبوعِ القادم. فقد خَرَّجْنا جَميعَ الطَّلبة مِنْ كُلِّيَّةِ اللَّاهوتِ يوم أمس. وقد غادروا جميعًا. لِذا فإنَّنا نَفتقدهم. ولكِنَّنا نريدُ منكم أنْ تُحضِروا معكم بعض الأشخاص لكي يَحِلُّوا مَحَلَّهُم إذْ إنَّنا سنتحدَّثُ عن كيفَ تَنتصر في كُلَّ اختبارٍ وفي كُلِّ ضِيْقَة. وسيكونُ ذلكَ في الأسبوع القادم. والآنْ، لِنَحْنِ رُؤوسَنا معًا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، إنَّ قُلوبنا مُمتلئة جِدًّا بالشُّكر والرَّجاء لأنَّنا تَشارَكنا في الحَقِّ المُعلن في كلمتِك. ونحنُ نَشكُرُك لأنَّكَ أَدْخَلْتَنا في تَجارِبَ مُتنوِّعة لكي تَفْحَص إيمانَنا حَتَّى نُبَرْهِنَ على أنَّ إيمانَنا حَقيقيّ حينَ نَجْتازُ الامتحانَ بنجاح، ولكي نُبرهنَ على أنَّنا أولئكَ الذينَ يُحِبُّونَكَ مِنْ خلالِ الاستمرارِ في الطَّاعة، ولكي نَحصلَ على البركة؛ أجل، على إكليلِ الحياةِ الَّذي تُعطيه، كما وَعَدْتَ، للذين يَنْتَمونَ إليك. نَشكركَ على ذلكَ الرَّجاء العظيم. ونَشكركَ لأنَّكَ لستَ فقط تَضْمَنُنا مِنْ خلالِ أمانَتِكَ القائمة على عَهْدِك، بل أيضًا لأنَّكَ تُعطينا القُوَّة مِن خلالِ رُوحِكَ لكي نَصْبِر ونَتمتَّع بالنُّصرة الَّتي يُحْرِزُها أولئكَ الذينَ يَسْلُكونَ مَعَك. بارِكْ أُسبوعَنا. وليتَ التَّجارِب في هذا الأسبوع تَكونُ مَصْدَرَ فَرَحٍ عَظيمٍ لنا. لأجْلِ مَجْدِ المُخَلِّص. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize