Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إذا كُنتُم مِثلي، لا بُدَّ أنَّكم سَمِعْتُم تَعليقات النَّاس وتَقييماتِهم لهذا الوقتِ مِنَ السَّنة. وواحدة مِنَ العِباراتِ الَّتي تَسمعونَها كثيرًا هي: "رُوْحُ عيدِ الميلاد". فيجب علينا أنْ نَتَحَلَّى بِروحِ عيدِ الميلاد. والحقيقةُ هي أنَّني ابتدأتُ في التفكير في ذلك، لا سِيَّما أنَّني شَخْصٌ أُحَلِّلُ ما أَسْمَع. فما مَعنى العِبارة "رُوح عيد الميلاد"؟ وأعتقد أنَّ هناكَ العديد مِن الإجابات المُحتمَلة لذلكَ السُّؤال. ففي نَظَر "سكروج" (Scrooge)، فإنَّ رُوحَ عيدِ الميلاد هو "شَبَح". وفي نَظر مَصانِع المشروبات الكُحوليَّة، فإنَّ رُوحَ عيدِ الميلاد يأتي في زُجاجة يُباعُ منها ما قيمتُه 75 مليون دولار في هذا الشَّهر في أمريكا. والبعضُ يَشْعُرُ أنَّ رُوحَ عيدِ الميلاد هو هُدْنَة يَتَّفِقُ فيها أفرادُ العائلة على عَدَمِ إثارةِ أيِّ مواضيع حَسَّاسة قد تُسَبِّبُ النِّزاع.

وأعتقد أنَّهُ في نَظرِ البعض فإنَّ رُوحَ عيدِ الميلاد يُعَبَّر عنهُ في بطاقة تَحْمِلُ أطيبَ أُمنياتِ الخير. فنحو 95 بالمئة مِنَ الأمريكيين يَشتركونَ في إرسال أكثر مِن خمسة مليارات بطاقة عيد ميلاد للتَّعبير عن هذه الأمنيات. وقد قالَ أحدُ الأطفالِ الصِّغار إنَّ روحَ عيدِ الميلاد يعني أنْ تكونَ قنوعًا لأنَّهُ ينبغي أنْ تَشعُرَ بالقناعة حينَ لا تَحصُل على الهديَّة الَّتي كُنْتَ تَتَمَنَّاها. وبالنِّسبة إلى بعضِ الأشخاص فإنَّ روحَ عيد الميلاد يعني أنْ تَتَحَلَّى بموقفِ السَّعادة مِن خلالِ الشَّركة معَ الأصدقاء، أو بروحِ الاحتفالِ والتهامِ عشرة ملايين أو خمسةَ عَشَرَ مِليون دِيْك رُومِيّ. ولكِنْ بالنِّسبة إلى كثيرين فإنَّ روحَ عيدِ الميلاد ليسَ تافهًا أو عابثًا أو مَرِحًا إلى هذا الحَدّ. وبالنِّسبة إلى البعض فإنَّ روحَ عيدِ الميلاد هو روحُ حُزْنٍ شديد، ومَزيدٍ مِنَ الكآبة لأنَّ كُلَّ الأشياءِ السَّلبيَّة في حياتِك تُقاسُ حينئذٍ في ضَوْءِ بَهْجَةِ هذا الموسِم فتبدو مؤلِمةً أكثر. وقد عَبَّرَتْ شاعِرَةٌ عن تَجربَتِها الشخصيَّة المؤلِمَة فقالت: "إنَّ عيدَ الميلادِ هو يومٌ مَريرٌ للأُمَّهاتِ الفَقيرات. فعيونُ أبنائِهِنَّ الحَزانَى هي خَناجِرُ تَنغَرِزُ في قُلوبِهِنَّ. ومعَ أنَّ المَتاجِرَ مُكَدَّسَةً بالألعابِ الَّتي تَكفي الجميع، إنْ كانت مَحفظةُ الأُمِّ فارغة، قد لا تتمكَّنُ مِنْ شِراءِ أيِّ لُعبة". ثُمَّ تَخْتِمُ الشَّاعِرَةُ قَصيدَتَها بهذه الكلمات: "إنَّ مَحْفَظَتي تَحوي نُقودًا كثيرة، ولكنِّي لا أستطيعُ أنْ أشتري لُعبة، بل فقط إكليلَ وَرْدٍ لِضَريحِ ابْني الصَّغير". وعيدُ الميلادِ هو مُناسبة حزينة بالنِّسبة إلى بعضِ النَّاس. وبالنِّسبة إلى البعض، إنَّهُ وقتٌ للتَّعبيرِ عنِ الشُّكر على بعضِ الأشياءِ الأساسيَّة جدًّا. وقد قالَ "جي.كي. شيستيرتون" (G.K. Chesterton) قبلَ سنواتٍ: "عندما كُنَّا أطفالاً، كُنَّا نَشْعُرُ بالامتنانِ لهؤلاءِ الَّذينَ يَملأونَ جَوارِبَنا بهدايا عيدِ الميلاد. ولكِنْ لماذا لا نَشعرُ بالامتنان للهِ لأنَّهُ يَملأُ جَوارِبَنا بِسِيقان؟" والأبرزُ مِن ذلك، في نَظَري، هو أنَّ روحَ عيدِ الميلادِ هو تَقديمُ الهدايا. فإذا نَظَرنا إلى المَتاجِرِ الكُبرى سَنَجِدُ أنَّ مِليارات الدُّولارات تُنْفَقُ بسببِ تَهافُتِ النَّاسِ وتَزاحُمِهِم على المَتاجِرِ لشراءِ كُلِّ شيءٍ (مِنَ الحَلوى الَّتي على شَكْلِ قِطعة نَقديَّة إلى ملايينِ قِطَعِ المُجوهراتِ وكُلِّ شيءٍ آخر)، وَوَضْعِ الهدايا في جَوارِبِ عيدِ الميلاد، ولَفِّ الهَدايا. وَهُمْ يَقولونَ لنا إنَّ رُوحَ عيدِ الميلادِ هو العَطاء. ولا بأسَ في ذلك. فأنا لستُ بَخيلاً مِثْلَ "سكروج". وأنا لا أُريدُ أنْ أُفْسِدَ بَهجةَ أيِّ شخصٍ. ولكِنِّي أَوَدُّ أنْ أتحدَّثَ عن جَوهرِ هذا العيد. فما هوَ الرُّوحُ الحَقيقيُّ لعيدِ الميلادِ المَجيد؟ هل هو المَرَح؟ هل هو الشَّركة؟ هل هو العطاء؟ ما هو؟

وكما هي الحالُ دائمًا، فإنَّ أفضلَ إجابة على ذلك السؤال موجودة في الكتاب المقدَّس. لذا، أَوَدُّ أنْ أَصْحَبَكُم إلى إنجيل لوقا والأصحاحَيْن الأوَّل والثَّاني إذْ نَجِدُ هناكَ المَعنى الحقيقيَّ لروحِ عيدِ الميلادِ المجيد. وسوفَ يَتَّضِحُ ذلكَ لكم في أثناء قراءتي لبعض رُدودِ الفِعْلِ المُنْتَقاة على ولادةِ المسيح، مِنْ قِبَلِ أُناسٍ وملائكة. ولنَبتدئ بأليصابات في لوقا 1: 41: "فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأتِـيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" كانَ هذا هو رَدُّ فِعْلِ أليصابات. وهذا يُعَبِّرُ عنِ المَعنى الحَقيقيِّ لِروحِ عيدِ الميلادِ المجيد.

ولكِنْ قبلَ أنْ نَقولَ ما هو الرُّوحُ الحقيقيُّ، لننظر إلى مَثَلٍ آخر على ذلك في العدد 67 مِنْ لوقا 1. ونحنُ نَلتقي هُنا زوجَ أليصابات، أيْ أَبا يُوحنَّا المَعمدان الَّذي كانَتْ حُبْلَى بِهِ: "وَامْتَلأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَتَنَبَّأَ قَائِلاً: مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ". وهذا هو رَدُّ فِعْلِ زَكَرِيَّا. وهذا يُخبرُنا شيئًا عن رُوْحِهِ وموقِفِهِ.

ولنَفتَح على الأصحاحِ الثَّاني والعدد 13. ونحنُ نَنتقلُ هُنا إلى نِطاقِ الملائكةِ فَنَقرأُ في العدد 13: "وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ [الَّذي أَعْلَنَ ميلادَ المسيح] جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ»". فقد كانَ هذا هُوَ رَدُّ فِعلِ الملائكة على هذا الحَدَثِ بِأسْرِه. وفي العدد 20، نَقرأُ عَنْ رَدِّ فِعْلِ الرُّعاة: "ثُمَّ رَجَعَ الرُّعَاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ لَهُمْ". وفي العدد 25، نَلتقي شخصًا فريدًا آخرَ كانَ يَعيشُ في وقتِ ولادةِ المسيح يُدعى سِمْعان: "وَكَانَ رَجُلٌ فِي أُورُشَلِيمَ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ". ولاحظِوا عددَ هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ يُوْصَفونَ مِنْ جِهَةِ علاقَتِهِم الفريدة بالرُّوحِ القُدُس: أليصابات، وزكريَّا، والملاك، والطِّفلُ في رَحْمِ أليصابات، ومَريَم، والآن: سِمعان. "وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ [أي: الخِتان]، "أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: «الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ»". وهُناكَ رَدُّ فِعْلٍ آخر في العدد 36، وَهُوَ رَدُّ فِعْلِ "حَنَّة بِنْتُ فَنُوئِيلَ مِنْ سِبْطِ أَشِيرَ، وَهِيَ مُتَقدِّمَةٌ فِي أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، قَدْ عَاشَتْ مَعَ زَوْجٍ سَبْعَ سِنِينَ بَعْدَ بُكُورِيَّتِهَا. وَهِيَ أَرْمَلَةٌ نَحْوَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، لاَ تُفَارِقُ الْهَيْكَلَ، عَابِدَةً بِأَصْوَامٍ وَطَلِبَاتٍ لَيْلاً وَنَهَارًا. فَهِيَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَفَتْ تُسَبِّحُ الرَّبَّ، وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ". فأليصابات، وزكريَّا، والملائكة، والرُّعاة، وسِمعان، وحَنَّة أَظْهَروا رَدَّ فِعْلٍ واحدٍ تقريبًا. وَرَدُّ الفِعْلِ هذا هو رُوحُ عيدِ الميلادِ المجيد. والكلمةُ الصَّحيحةُ الَّتي تَصِفُهُ هي: "العِبادَة" ... العِبادَة. فَروحُ عيدِ الميلادِ المجيد لَدى كُلِّ هؤلاءِ المُشارِكينَ في عيدِ الميلادِ المَجيدِ الأوَّل تَمَثَّلَ في تَقديمِ التَّسبيحِ والشُّكرِ والحَمْدِ والتَّمجيدِ للهِ. والكلمةُ الَّتي تُعَبِّرُ عن ذلك هي: "العِبادَة".

وفي إنجيل مَتَّى 2: 2 (لِئَلَّا نَتجاهَلَ بعضَ الأشخاصِ المُهِمِّين جِدًّا)، نَقرأُ أنَّ المَجوسَ جاءوا مِنَ الشَّرقُ وقالوا: "لقد أَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ". وَحَتَّى إنَّ الشِّرِّيرَ هيرودُس فَهِمَ رُوْحَ ذلكَ الحَدَث وسألَ عَنْ مَكانِ وِلادَةِ الطِّفلِ وقال: "لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضًا وَأَسْجُدَ لَهُ". فقد كانَ الجَميعُ يَتَعَبَّدون.

وهذا هو رُوحُ عيدِ الميلادِ المَجيد. ومعَ أنَّ هيرودُس كانَ كاذِبًا، فإنَّهُ فَهِمَ أنَّ الموقفَ الصَّحيحَ ينبغي أنْ يكونَ موقفَ عِبادَة. إذًا، هذا هوَ الموقِفُ الصَّحيحُ لعيدِ الميلادِ المَجيد. هذا هو رُوحُ عيدِ الميلاد. وَهُوَ أَهَمُّ وقتٍ للعبادة لدى المؤمنينَ إذْ نَحتَفلُ بميلادِ مُخَلِّصِنا. فَمِنْ بينِ كُلِّ الأوقاتِ الأخرى، هذا الوقتُ هُوَ وقتُ عِبادة. واسمحوا لي أنْ أُعطيكُم تعريفًا مُوجَزًا للعبادة. فهي موقِف. وهي رُوْح. وَهُوَ شيءٌ يَنْبُعُ مِنَ الدَّاخل. فهي موقفٌ نابِعٌ مِنْ قَلبٍ مُمتلئٍ جِدًّا بالدَّهشة والامتنان بسبب ما فَعَلَهُ اللهُ حَتَّى إنَّهُ لا يَجِدُ الوقتَ للتَّفكيرِ في الحاجاتِ الشخصيَّةِ أوِ البَركاتِ الشخصيَّةِ، بل فقط وقتًا للانهماكِ في تَسبيحِ اللهِ وتَمجيده. فهذه هي العبادة.

وهي أكثرُ شيءٍ نَفْعَلُهُ بعيدًا عنِ الأنانيَّة. وهي كما قالَ كاتِبُ التَّرنيمة: "أنْ نُسْبَى في الدَّهشةِ، والمحبَّةِ، والتَّسبيح". وهي أنْ نكونَ مُمْتَنِّينَ جِدًّا ومُمتلئينَ جِدًّا بالعَجَبِ بسببِ ما فَعَلَهُ الرَّبُّ حَتَّى إنَّنا نَنْسى أنفُسَنا في غَمْرَةِ العِبادة، وفي غَمرةِ التَّسبيح. ولا يوجد وقتٌ للقيام بذلك أفضلَ مِنْ وقتِ عيدِ الميلادِ المجيد إذْ نُرَكِّزُ على عَطِيَّةِ المَسيحِ الَّذي هُوَ مُخَلِّصُنا. والآن، مِنْ جِهَة شَكْلِ عِبادَتِنا، أَوَدُّ أنْ أُرَكِّزَ على شخصٍ آخر. لا على زَكَريَّا، ولا على أليصابات، ولا على الملائكة، ولا على الرُّعاة، ولا على المَجوس، ولا على سِمعان، ولا على حَنَّة. بل إنَّني أُريدُ أنْ أُرَكِّزَ على شخصٍ آخرَ لإعطاءِ شَكْلٍ لعبادَتِنا. وَهُوَ الشَّخصُ الأقرَب مِنْ جَميعِ البَشَرِ إلى يَسوع. وَهُوَ شخصٌ كانَ يَتمتَّعُ بعلاقةٍ وَطيدةٍ مَعَهُ لم يَخْتَبِرها أيُّ شخصٍ آخر. وَهُوَ الشَّخصُ الَّذي تَلامَسَ مَعَهُ مُباشرةً أكثرَ مِنْ غَيرِهِ مِنْ خلالِ هذه الولادة. إنَّها بِكُلِّ تأكيد أُمُّهُ مَريَم. فمريم تُعطي شَكْلاً لِعبادَتِنا. فَمِنْ دُونِ شَكٍّ، إنَّها تُقَدِّمُ أعظمَ تَسبِحَةٍ تَعَبُّديَّة. فهي حَقًّا أعظمُ تَسبيحةٍ في كُلِّ العهدِ الجديد. وهي تَسبيحَتُها. وهي تَرنيمَتُها الَّتي سَبَّحَتْ فيها اللهَ على مَجيءِ يسوعَ المسيح (كما جاءَ في إنجيل لوقا 1: 46). فلنتأمَّل فيها. لوقا 1: 46: "قَالَتْ مَرْيَمُ: تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ". أَتَرَوْنَ. ففي الحال، صَدَرَ عَنْها ذاتُ رَدِّ الفِعلِ الَّذي صَدَرَ عنِ الآخرينَ جميعًا: العِبادة، والتَّسبيح، والتَّعظيم، والامتنان. "تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ، وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ. أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً، كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ". فهذه هي تَرنيمةُ التَّجَسُّد. وهذا هو المَزمور. وهذه هي التَّرتيلةُ أوْ تَسْبِيحَةُ العِبادَة. فقد عَرَفَت مَريمُ أنَّها كانَتْ أُمَّ ابْنِ اللهِ. وقد قِيلَ لها ذلك في العدد 35: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ".

وقد قِيلَ لها إنَّ هذا المولودَ سيكونُ "عظيمًا" (في العدد 32). "وَابْنَ الْعَلِـيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَد". وحَتَّى إنَّ أليصابات دَعَتْها: "أُمَّ رَبِّي". لِذا فقد صَدَرَ عَنها التَّجاوُبُ الوحيدُ الصَّحيحُ وَهُوَ تَجاوُبُ العِبادة. وفي صَلواتِ الرُّومِ الكاثوليك، ولا سِيَّما في صلاةِ المِسْبَحَة، تُدْعى مَريم "أُمَّ الله". والحقيقة هي أنَّ هذا صحيح. فهي أُمُّ يسوعَ المسيح الَّذي هُوَ الله. ولكِنْ يجب أنْ تَفهموا ذلكَ بالطريقة التالية: أنَّها أُمُّ اللهِ، لا بمعنى أنَّ يَسوعَ اسْتَمَدَّ أيًّا مِنْ صِفاتِهِ الإلهيَّةِ مِنها (لأنَّهُ لم يَفعل ذلك)، بل بِمعنى أنَّهُ اسْتَمَدَّ طَبيعَتَهُ البَشريَّة مِنها. فهي حَبِلَت بالإنسانِ الَّذي كانَ الله المُتجسِّد. وللأسف، فإنَّ كثيرينَ شَوَّهوا تلك الحقيقة بأنْ عَبَدوا مَريمَ كما لو أنَّها أَسْهَمَتْ في أُلوهيَّةِ يسوعَ المسيح. وقد صارَ هذا الأمرُ على مَرِّ التَّاريخِ نُقطةَ خِلافٍ بينَ الكنيسة الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة والكنيسة البروتستنتيَّة. والكنيسةُ الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة، بِكُلِّ صَراحَة ونَزاهة ... إنَّ الكنيسةَ الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة في كُلِّ العالم هي بِدعة مَرْيَمِيَّة بصورة رئيسيَّة. فهي تَتَمَحورُ حولَ عِبادةِ مَريم.

والحقيقة هي أنَّكُم تَجِدونَ، في حالاتٍ عديدة، أنَّ يسوعَ شيءٌ ثانويٌّ، وأنَّ مَريمَ هي الشخصيَّة الرئيسيَّة. والسَّببُ في ذلك هو أنَّ الكنيسةَ الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّةَ أَقَرَّتْ بِصِحَّةِ العقائدِ التَّالية بخصوصِ مَريم. وإليكُم خَمْسًا مِنْها. وهي عقائدُ لا تتغيَّر، بل هي عقائد ثابتة ولا تَتبدَّل في الكنيسة الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة. وإليكم خمسًا مِنها تَختصُّ بمريم:

العقيدة الأولى تُسَمَّى "حَبَل مَريَم بِلا دَنَس". وهي لا تَعني أنَّها حَبِلَت بيسوعَ المسيحِ بلا دَنَس، بل تَعني أنَّهُ حُبِلَ بِها بِلا دَنَسٍ مِنْ أُمِّها. وهذا يَجْعَلُ مَريمَ خَالية مِنَ الخطيَّة الأصليَّة. فالحَبَلُ بلا دَنَس لا عَلاقَةَ لهُ بميلادِ المسيح، بل لَهُ علاقة بميلادِ مَريَم.

أمَّا العقيدةُ الثانيةُ الَّتي أَقَرَّتها الكنيسةُ الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّةُ فهي "عِصْمَة مَريم مِنَ الخَطيَّة"؛ أيْ أنَّها عاشَت حياتَها كُلَّها مِنْ دُوْنِ أنْ تُخطِئ.

أمَّا العقيدة الثالثة فهي "البَتوليَّة الدَّائمة لمريم"؛ أيْ أنَّها لم تَعْرِف رَجُلاً طَوالَ حياتِها. فقد كانت عذراءَ دائمًا. وَهُمْ يَحتفظونَ في نِظامِهِم بِجُزءٍ مِنَ الطَّهارةِ الفرديَّةِ والشَّخصيَّةِ الَّتي لا تُمَسُّ لمَريم.

رابعًا، لقد أقَرَّت الكنيسةُ الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة العقيدةَ الَّتي يُسَمُّونَها "صُعود مَريم" أو الصُّعود الجسديّ لمريم إلى السَّماء.

خامسًا، تُعَلِّمُ الكنيسةُ الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة أنَّهُ عندما أَخَذَتْ مَريمُ مَكانَها في السَّماء، أو عندما صَعِدَت إلى السَّماء، فإنَّها تُوِّجَتْ مَلِكَةَ السَّماء. فقد أخذت مَكانةَ السِّيادةِ ومَكانَةَ السُّلطَة. وبصراحة تامَّة، في النِّظامِ الكاثوليكيّ، نَجِدُ أنَّ يَسوعَ نَفسَهُ يَتَبَوَّأُ مَكانَةً تَبدو أقَلَّ مِنْ مَكانَةِ أُمِّهِ المُهيمِنَة. لِذا فقد ابتدعَت الكنيسةُ الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة هذه العقائد: حَبَل مَريم بلا دَنَس (أي أنَّها كانت خَالية مِنَ الخطيَّة الأصليَّة)، وأنَّها عاشَتْ حَياةً بلا خطيَّة طَوالَ حياتِها، وَبَتوليَّتها الدَّائمة، وصُعودها الجسديِّ إلى السَّماء، وأنَّها تُوِّجَتْ مَلِكَةً على السَّماءِ. والنَّتيجة الَّتي تَتَرَتَّبُ على هذا النَّوعِ مِنَ اللَّاهوتِ المَغلوطِ هي البِدعة المَريميَّة المُنتشرة في الرُّومانيَّة العالميَّة. فأنتُم تَرَوْنَ أصنامَ وَمَزاراتِ مَريم في كُلِّ أنحاءِ العالم، وفي كُلِّ كنيسة، وفي كُلِّ كاتدرائيَّة، وفي المنازِل، والغُرَف، والمطاعِم، والفنادق، والشَّرِكاتِ على طُولِ الطَّريق، وعلى الطُّرُقاتِ الخارجيَّة، وعلى المَمَرَّاتِ. فَهُمْ يَعْبُدونَ مَريَم.

وقد لا تَعرفونَ ما ستَسمعونَهُ الآن. ولكِنَّ كنيسةَ رُوما قالت إنَّهُ عندما جاءَ جِبرائيل وأعلَنَ لمريمَ أنَّها ستَحْبَلُ بالرَّبِّ، وأنَّها ستَحْبَلُ بابْنِ العَلِيِّ، وأنَّها ستَحْبَلُ بالمُخَلِّص، فإنَّ الملاكَ كانَ يَسألُها وَحَسْب إنْ كانَتْ تَسْمَحُ بحدوثِ ذلك. فقد كانَ خاضِعًا لِسُلْطَتِها. واللَّاهوتيُّونَ الرُّومان الكاثوليك يقولونَ إنَّهُ كانَ يَطْلُبُ الإذْنَ مِنها إنْ كانت تَسمحُ بحدوثِ ذلك، وإنَّها أَعْطَتْ مُوافَقَتها حينَ قالت في العدد 38: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِـي كَقَوْلِكَ". وَهُم يُفَسِّرونَ ذلكَ بأنَّهُ يعني أنَّ مَريمَ قالت: "أُعطيكَ مُوافَقتي". لِذا، فقد كانت خُطَّةُ الفِداءِ كُلُّها تَقومُ على سُلطانِ مَريم وموافقةِ مَريم، وأنَّ أَمْرَها الَّذي أَصْدَرَتْهُ للملاك هُوَ الَّذي جَعَلَ الفِداءَ يَبتدئ. وهذا كُلُّهُ يُقَدِّمُ صُورةً مُلتويةً ومُشَوَّهَةً لمريم؛ وعليه فإنَّهُ يُلْحِقُ ضَرَرًا جَسيمًا بالتَّسْبِحَةِ، وبمفهومِ العبادةِ لأنَّهُ إنْ كانَ ما يَقولونَهُ بخصوص مَريم صحيحًا فإنَّهُ يَجعلُ مَريمَ لا المُتَعَبِّدَة، بَلِ المَعْبود. فإنْ كانت امرأة بلا خطيَّة ولم تَمُت، وكانَتْ صاحِبَةَ السِّيادة في السَّماء، وأَصْدَرَت الأمرَ لجبرائيل بِوَضْعِ خُطَّة الفداء، وبتنفيذِها، فإنَّها تَختلفُ كثيرًا عَنْ كَوْنِها مُتَعَبِّدَةً. ولكِنْ في هذه التَّسْبِحَة، لا نَرى أنَّ مَريمَ تُعْبَد، بل أنَّها تَتَعَبَّد.

فهي تَسْبِحَة عِبادة منْ مَريم إلى الله. وفيها، نَجِدُ جَمالاً أخَّاذًا وروعةً عظيمةً تَجْعَلُنا نَنظرُ إليها كألماسَةٍ مُتَعَدِّدَة الأوْجُه تَلْمَعُ وتُشِعُّ بَهاءً مِنْ عِدَّةِ أَوْجُه. ورُبَّما سَنفعلُ ذلكَ يومًا. أمَّا الآن، فَكُلُّ ما نُريدُ أنْ نَفعلَهُ هو أنْ نَتأمَّلَ في العَناصرِ الموجودة في هذه التَّسْبِحَة والَّتي تتحدَّثُ عن أهميَّةِ ومَغزى العِبادة. فنحنُ هُنا أمامَ امرأةٍ مُتَعَبِّدَة. ونحنُ هُنا [إنْ جازَ القَوْلُ] أمامَ امرأةٍ تَتَعَبَّدُ في عيدِ الميلادِ المَجيد. فنحنُ هُنا أمامَ مَريم. وهو تُعَلِّمُنا كيفَ ينبغي أنْ نَتَعَبَّد. وإليكُم النُّقطةُ الأولى الَّتي سأُقَدِّمَها لَكُمْ مِنْ أَصْلِ ثَلاثِ نِقاطٍ: النُّقطةُ الأولى هي أنَّنا نَرى فيها مَوْقفَ العِبادَة. فنحنُ نَرى فيها مَوقِفَ العِبادَة. والآن، إذْ نَتأمَّلُ في موقفِ العبادةِ هذا، سنَرى ذلكَ في العددِ الأوَّلِ وفي العَدَدِ الثَّاني: "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ". ففي هَذَيْنِ العَدَدَيْنِ فقط، ثُمَّ في العددِ الثَّالثِ مِنْ هذهِ التَّسْبِحَة (أيْ في العَدَدَيْن 46 و 47، والكلماتِ الأولى مِنَ العدد 48)، نَجِدُ مَوقفَ العِبادَة. وسوفَ أُقَدِّمُ لكم أربعَ مُلاحَظاتٍ عن ذلك. المُلاحظةُ الأولى: إنَّهُ مَوقِفُ داخِلِيٌّ. إنَّهُ مَوقِفُ داخِلِيٌّ. فقد قالت مَريم: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ" (أوْ تُمَجِّدُ الرَّبَّ"). ثُمَّ قالت: "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي". والكلمتان "نَفسي" وَ "رُوحي" (وَهُما، بالمُناسَبة، كَلِمتانِ مُترادِفتانِ) تُشيرانِ إلى الإنسانِ الباطِن. والسَّبَبُ في استخدامِ كِلا الكَلِمَتَيْنِ هوَ ليسَ العُنصُرَ الأدبيَّ فيهما، بل أيضًا بسببِ العُنصُرِ الشَّامِلِ فيهما. فهي تَصِفُ، ببساطة، كُلَّ كِيانِها الباطِن. وَهِيَ تقولُ إنَّ العِبادةَ تَنْبُعُ مِنَ الدَّاخِل. فهو ليس شيئًا تَفعَلُهُ خارجيًّا. وَهُوَ ليسَ أَداءً. وَهُوَ ليس مجموعة مِنَ الكلماتِ أو مجموعة مِنَ الأفعال. صَحيحٌ أنَّهُ يَصيرُ كذلك، ولكِنَّهُ شيءٌ أَدَبِيٌّ وذِهنيٌّ وعاطِفِيٌّ. فهو شيءٌ نابِعٌ مِنَ العقلِ والإرادةِ والعاطفة. وَهُوَ يُعَبِّرُ عن كُلِّ الكِيانِ الدَّاخِلِيِّ.

 

فَكُلُّ ذلكَ كانَ موجودًا فيها. فكُلُّ ما يَشعُرُ بهِ القلبُ كانت تَشعُرُ به. وكُلُّ ما يَستوعِبُهُ العَقلُ كانت تَستوعِبُه أيضًا. وكما هي حَالُ الأوركسترا العظيمة، فإنَّ لِكُلِّ عُنصرٍ في كِيانِها مَكان. وكُلُّ عُنصرٌ في كِيانِها يُضيفُ مُزيدًا مِنَ الانسجامِ للمَقطوعةِ بأسْرِها. فَكُلُّ كِيانِها الداخليِّ يَتَعَبَّد. فهو شيءٌ عميق. والعبادةُ تَنبُعُ مِنَ الدَّاخل. وهي تَصْعَدُ إلى أعلى وَتتدفَّقُ (كما تَصِفُها إحدى الكلماتِ في العهدِ الجديد). فلا يَكفي أنْ تأتي إلى الكنيسة. ولا يَكفي أنْ تُرَنِّمَ تَرنيمةً مُنفردةً، ولا يكفي أنْ تَقرأَ كلماتٍ في الكتابِ المقدَّس. ولا يَكفي أنْ تَسمعَ عِظَةً. ولا يَكفي أنْ تُقَدِّمَ مَبلغًا عِنْدَ جَمْعِ العَطاء. ولا يَكفي أنْ تُمارِسَ بعضَ الطُّقوس، ولا حَتَّى أنْ تُشارِكَ في مائِدَةِ الرَّبِّ. فهذه مَفاعيل مُحتملة، بِكُلِّ تأكيد، للقلبِ المُتَعَبِّد. ولكنَّها ليستِ الأساسَ الحقيقيَّ للعبادة الحقيقيَّة. فالقلبُ الدَّاخليُّ الَّذي يَفيضُ بالتَّسبيح هو جوهرُ العبادةِ الحقيقيَّة. وذلكَ يَحدُث عندما تَفيضُ النَّفسُ ويَفيضُ الرُّوح. فهي شيءٌ داخليّ. والحقيقة هي أنَّ الاحتفالَ الخارجيَّ السَّطحيَّ بعيدِ ميلادِ المسيح مَكروهٌ لدى الله. وأغلبيَّةُ ما يَجري في مَوسِمِ عيدِ الميلادِ المَجيد يَكْسِرُ قَلبَهُ. فالعبادةُ السطحيَّةُ لا تَجِد أيَّ قَبولٍ لديه. فمثلاً، فإنَّ النبيَّ إشعياء يقولُ في سِفْر إشعياء 29: 13 [على لِسانِ الرَّبِّ]: "لأَنَّ هذَا الشَّعْبَ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِفَمِهِ وَأَكْرَمَنِي بِشَفَتَيْه". وإنْ أردتُ أنْ أُعَبِّرَ عن ذلكَ مِنْ جِهَةِ عيدِ الميلاد، فإنَّ الربَّ يقول: "إنَّهُم يَتحدَّثونَ عَنِّي، ويَكْتُبونَ أشياء عَنِّي على بطاقاتِ عيدِ الميلاد، ويَرَتِّلونَ التَّراتيلَ عَنِّي؛ ولكنَّهم لا يُكْرِمونَني. فَقُلوبُهُم مُبتعِدَة عَنِّي". فنحنُ نقرأُ في سِفْر إشعياء 29: 13: "وَأَمَّا قَلْبُهُ فَأَبْعَدَهُ عَنِّي". وقد قالَ يسوع: "اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا". فالعابِدُ الحقيقيُّ هو الَّذي يُخَصِّصُ قَلبَهُ للهِ، والذي يَفيضُ قَلبُهُ بالتَّسبيح. وهذا يَنْبُعُ مِنَ الأعماق وَيَفيضُ طَوالَ الوقتِ.

وهذا يَقودُني إلى النُّقطةِ الثَّانية وهي أنَّ العِبادَةَ قَويَّة. فهي ليست داخليَّة فقط، بل هي قويَّة أيضًا. لاحِظوا ما تَقول: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي". وحينَ تَقرأونَ ذلكَ باللُّغة الإنجليزيَّة، رُبَّما لا تَلْفِتُ تلكَ الكلماتُ انتباهَكُم. فالكلمة "تُعَظِّمُ" هي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "ميجالوني" (megalune). ولا بُدَّ أنَّكُم تَعرِفونَ شيئًا عنِ الكلمة "ميجا" (mega). فهي الكلمة اليونانيَّة الَّتي نَستخدِمُها غالبًا في اللُّغةِ الإنجليزيَّة عندما نُريدُ أنْ نقولَ إنَّ الشَّيءَ أكْبَر مِنَ المُعتاد، أو أضْخَم مِنَ المألوف، أو أعلى صَوتًا. فقد تَجِدونَها أحيانًا على مُكَبِّراتِ الصَّوت إذْ تقرأونَ أنَّها تَمتلك خَاصيَّةَ تَضْخيمِ جَهارَةِ الصَّوت. وهذا يعني أنَّ الصَّوتَ الجَهيرَ الصَّادِرَ عنها أكثر مِنَ المُعتاد والمألوف.

فهيَ تُشيرُ إلى شَيءٍ عَظيم. وهي تَستخدمُ الكلمة "تُعَظِّم". وما تَفْعَلُهُ هُنا هو ليسَ مُجَرَّدَ تَعظيم، بل إنَّهُ تَعْظيمٌ فائِق. فَهُوَ تَعْظيمٌ كَبير. والكلمة "ميجالوني" (megalune) تَعني حَرْفيًّا: "يُضَخِّم" أو "يُعَظِّم جِدًّا" أو "يَرْفَع" – بِمَعنى أنَّهُ يَبتدئُ مِنْ نُقطةٍ ما ويَتعاظَم ويصيرُ أكبر فأكبر. والكلمة "تَبْتَهِج" قد تكونُ تَرجمة للعديدِ مِنَ الكلماتِ في اللُّغة اليونانيَّة. والكلمة المُستخدَمَة هُنا تُشيرُ إلى الفَرَحِ الفائِق، وتُشيرُ إلى فَرَحٍ لا يُنْطَقُ بِه. وحَتَّى إنَّها تُستخدَمُ أحيانًا للإشارةِ إلى فَرَحٍ مِنَ النَّوْعِ الصَّاخِب؛ أيْ إلى فَرَحٍ مِنَ النَّوعِ المُنْطَلِقِ الَّذي لا يَستطيعُ صَاحِبُهُ أنْ يَضْبُطَهُ. فهي تُعَبِّرُ عنْ فَرَحٍ عَفْوِيٍّ عَظيمٍ يَفيضُ في صُورة عِبادَة. إذًا، لقد عَرَفْنا عُنْصُرَيْنِ مِنْ عَناصِر العِبادةِ الحقيقيَّة. فهي عبادة داخليَّة. وهي تَنْبُعُ مِمَّا يَحْويهِ القَلب. وهي تَنْبُعُ مِمَّا يَستوعِبُهُ العقل. فعندما فَهِمَت مَريمُ ما كانَ يَجري، أَسَرَ ذلكَ انتباهَها حَرفيًّا. وقد نَقَلَ ذِهْنُها ذلكَ إلى مَشاعِرِها. وقد أدَّى ذلكَ إلى جَعْلِ كُلِّ جُزءٍ مِنْ كِيانِها الدَّاخليِّ يتحرَّك فَفاضَتْ مَشاعِرُها بقوَّة.

فهذه هي سِماتُ العِبادة. ولكنَّها تَبتدئُ بإعلانٍ يَتَلَقَّاهُ العَقل. أليسَ كذلك؟ "إليكِ ما سيحدُث. وإليكِ الحقائق". ثُمَّ جاءَ تَدَفُّقُ العِبادَةِ نَتيجَةً لذلك. فهذه عبادة حقيقيَّة قويَّة. فهي ليست ضَحْلَةً. وهي ليست سَطحيَّة. وهي ليست مُؤقَّتَةً. لذا فإنَّ العبادةَ هي الموقفُ الصَّحيح. وهي داخليَّة. وهي قويَّة. وإذا نَظرتُم إلى تاريخِ بني إسرائيل، ستجدونَ أنَّ اللهَ عَبَّرَ عنِ استيائِهِ مِنَ العِبادةِ السَّطحيَّةِ مِنْ خلالِ النبيِّ مَلاخي إذْ قال: "وَجِئْتُمْ بِالْمُغْتَصَبِ وَالأَعْرَجِ وَالسَّقِيمِ، فَأَتَيْتُمْ بِالتَّقْدِمَةِ. فَهَلْ أَقْبَلُهَا مِنْ يَدِكُمْ؟ قَالَ الرَّبُّ" (بحسب سِفْر مَلاخي والأصحاح الأوَّل). فأنتُم تُقَدِّمونَ إليَّ أسوأَ الذَّبائِحِ إذْ تَختارونَ مِنها الأعمى والأعرَج والمكسور. فهذا هو ما تُقَدِّموهُ لي. وَحَتَّى إنَّهُ يقولُ لهم في الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ سِفْرِ مَلاخي: "قَرِّبوا تلكَ الذَّبائِحَ للوَالي وانْظُروا إنْ كانَ سَيَقْبَلُ ذلكَ مِنْكُم". فَما بَالُكُمْ إنْ قَدَّمْتُمْ ذلكَ لي أنا!

والنبيُّ عاموسُ "الَّذِي كَانَ بَيْنَ الرُّعَاةِ مِنْ تَقُوعَ" أُرْسِلَ مِنْ قِبَلِ اللهِ لكي يَكْشِفَ ارتدادَ ورِياءَ بَني إسرائيلَ ويُعلنَ الدَّينونةَ عليهم. وَمِنْ بينِ الأشياءِ الَّتي قالَها اللهُ مِنْ خلالِ عَاموس ما يَلي: "بَغَضْتُ، كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ. إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لاَ أَرْتَضِي، وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لاَ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. أَبْعِدْ عَنِّي ضَجَّةَ أَغَانِيكَ، وَنَغْمَةَ رَبَابِكَ لاَ أَسْمَعُ. وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كَالْمِيَاهِ، وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائِمٍ". فَعِبادَتُكُم السَّطحيَّةُ تُثيرُ اشمئزازي.

وبالمُناسبة، فإنَّ العيدَ الَّذي كانَ اللهُ نَفسُهُ قد أَوْصاهُم بأنْ يَحفظوه صارَ بسببِ رِيائِهِم ونِفاقِهِم شَيئًا يُثيرُ اشمئزازَهُ. وقد عَبَّرَ داوُدُ عن ذلكَ بهذه الكلمات: "هَا قَدْ سُرِرْتَ بِالْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ". وقد قالَ إشعياءُ الشَّيءَ نَفسَهُ في سِفْر إشعياء والأصحاحِ الأوَّل: "اتَّخَمْتُ مِنْ مُحْرَقَاتِ كِبَاشٍ وَشَحْمِ مُسَمَّنَاتٍ، وَبِدَمِ عُجُول وَخِرْفَانٍ وَتُيُوسٍ مَا أُسَرُّ. ... لاَ تَعُودُوا تَأْتُونَ بِتَقْدِمَةٍ بَاطِلَةٍ. الْبَخُورُ هُوَ مَكْرَهَةٌ لِي. رَأْسُ الشَّهْرِ وَالسَّبْتُ وَنِدَاءُ الْمَحْفَلِ. لَسْتُ أُطِيقُ الإِثْمَ وَالاعْتِكَافَ". فهذا إثْمٌ ... رأسُ الشَّهرِ والأعيادِ ... إنَّ نَفسي تَكْرَهُها. وأنا لا أُطيقُها. وقد مَلَلْتُ سَماعَها. وَهَكذا دَواليك. بعبارةٍ أخرى فإنَّهُ يقول: "يجب عليكم أنْ تَعبُدوني مِنْ قُلوبِكُم". وقد فَعَلَتْ مَريمُ ذلك.

فَكُلُّ خَطِيَّةٍ مَعلومَةٍ ينبغي أنْ تُدانَ بِلا هَوادَة وأنْ يُعْتَرَفَ بها. ويجب أنْ يكونَ التَّركيزُ في كُلِّ شيءٍ مُنْصَبًّا على الرَّبِّ. فَمَتى كانتِ المَرَّةُ الأخيرةُ الَّتي شَعَرْتَ فيها بما وَصَفَهُ "سي. إس. لويس" (C.S. Lewis) بأنَّهُ "فَرَحٌ شَديدٌ نَابِعٌ مِنْ أعماقِكَ"؟ ومَتى كانتِ المَرَّةُ الأخيرةُ الَّتي شَعَرْتَ فيها بفرحٍ لا يُوْصَف؟ قبلَ لَيلَتَيْنِ، كُنَّا نَستضيفُ "كين" (Ken) و "جوني إريكسون تادا" (Joni Erickson Tada) في بيتِنا إذْ إنَّنا ابتدأنا بتقليدٍ بَسيطٍ في موسمِ عيدِ الميلادِ المجيدِ نَجْلِسُ فيه حولَ مائدةِ الطَّعامِ، ونأكُلُ، ونَتحدَّثُ عنِ الأشياءِ المُختصَّةِ بالربِّ. وكما تَفعلُ "جوني" دائمًا، فقد قالت: "يجب علينا أنْ نُرَنِّم ... يجب علينا أنْ نُرَنِّم ... يجب علينا أنْ نُرَنِّمَ الآن". ويمكنكمُ أنْ تَعلموا أنَّ ذلكَ نابِعٌ مِنَ الدَّاخِل إذْ إنَّنا كُنَّا نَتحدَّثُ عنِ الأمورِ المُختصَّةِ بالرَّبِّ، وكُنَّا نَتحدَّثُ عن مَسائِلَ حَياتيَّة أَظْهَرَ فيها اللهُ رَحْمَتَهُ. وقد أردنا أنْ نُرَنِّم. وقد قالت: "هل لديكم كِتابُ تَرنيم؟ فيجب علينا أنْ نُحْضِرَ كِتابَ التَّرنيمِ وأنْ نُرَنِّم. ولكِنْ قبلَ أنْ أتمكَّنَ مِنْ إحضارِ كِتابِ تَرنيم، كانت قد ابتدأتْ تُرَنِّمُ قائلةً: "يجب أنْ تُرَنِّموا معي". وقدِ ابتدأنا جَميعُنا نُرَنِّمُ تَرنيمةً تلوِ الأخرى. ولا أدري كَمِ الوقتُ الَّذي صَرَفناهُ، ولكِنِّني أعتقد أنَّنا رَنَّمنا مُدَّةَ ساعة أو ساعة ونِص. وقد أحضرتُ في النِّهاية كِتابَ تَرنيم يَضُمُّ جميعَ التَّرانيمِ العظيمةِ. وقد رُحْنا نُرَنِّمُ تلكَ التَّرانيم الواحدة تلو الأخرى، تلو الأخرى. وهذه هي العبادة النَّابعة مِنَ الدَّاخِلِ بطهارة نَتيجةَ التَّأمُّلِ في الحقائقِ الروحيَّةِ العظيمة. وهذه هي العِبادةُ الَّتي تُمجِّدُ اللهَ. فهي عبادة داخليَّة. وهي قويَّة. والحقيقة هي أنَّهُ كان ينبغي لها أنْ تَعودَ إلى مَنزِلِها في السَّاعة الثامنة والنِّصف لأنَّ الطَّريقَ تَستغرِق ساعَتين ونِصف تقريبًا، ولا سِيَّما بسببِ إعاقَتِها، ولكِنَّها لم تُغادِر إلَّا بعدَ ذلكَ بوقتٍ طويل لأنَّنا كُنَّا فَرِحينَ جِدًّا ولم نَتَمَكَّنْ مِنَ التوقُّفِ عنِ التَّرنيم.

أمَّا النُّقطةُ الثَّالثةُ بخصوصِ العِبادة في أنَّها عَادَة دائمة. فهي عادَة دائمة. "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ". فهو عَمَلٌ مُستمرٌّ يُعَبَّرُ عنهُ بِفِعْلٍ في الزَّمَنِ الحَاضِر. فهو ليسَ شيئًا مُرتبطًا بحَدَثٍ ما أو لَحظةٍ ما، ولا سِيَّما بَحَدَثٍ أو لحظةٍ كهذه لها نَتائِجُ أبديَّة. بل إنَّها عِبادة تَستمرُّ وتَستمرّ وتَستمرّ. فأنتَ لا تَبْتَهِجُ فقط حينَ تَنالُ الخَلاص، بل إنَّكَ تَبتدئُ بالابتهاجِ آنذاك ولا تتوقَّف البَتَّة. فالأحوالُ المُتَقَلِّبة لا تُؤثِّر ... [واسمحوا لي أن أقولَ ذلكَ مَرَّةً أخرى]: الأحوالُ المُتَقَلِّبة لا تُؤثِّر في العبادة الحقيقيَّة. فهي لا تُؤثِّرُ فيها. وهي لا علاقة لها بها. فهي تَستمرُّ مِنْ دونِ انقطاع. فالعابِدُ الحقيقيُّ الَّذي يَتَعَبَّدُ مِنْ قَلبِهِ بِشِدَّة لا يُلاقي صُعوبةً حَقًّا في تَطبيقِ كلماتِ بولُس: "اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ". فالعبادةُ الحقيقيَّةُ تَصيرُ نَهْجَ حَياة لأنَّها تَقومُ على شيءٍ لا يَتغيَّر البَتَّة. فاللهُ لا يتغيَّر. والمسيحُ لا يتغيَّر. والخلاصُ لا يتغيَّر. وَوُعودُهُ لا تتغيَّر. وعَهْدُهُ لا يتغيَّر. ومُستقبَلُنا لا يتغيَّر. والرُّوحُ لا يَتْرُكْنا. فهذا لا يتغيَّر. لِذا، لماذا تَرتفِع العِبادةُ وتَنخفِض؟ ولماذا تَخْتَبِرُ مَدًّا وَجَزْرًا؟ فالعبادةُ الحقيقيَّةُ لا تتغيَّر. فإنْ كانتِ العبادةُ في حياتِكَ تَجري يومَ الأحدِ صباحًا فقط حيثُ تَرتفع، أو إنْ كانت تَحدُثُ فقط في موسمِ عيدِ الميلادِ المجيد أو في بعضِ الأوقاتِ الخاصَّةِ فقط، فإنَّكَ تُوْهِمُ نَفسَكَ بأنَّكَ عَابِدٌ حَقيقيٌّ. وإنْ كانت العبادةُ تَحدُثُ فقط حينَ يَسيرُ كُلُّ شيءٍ على ما يُرام في حياتِك فَتُرَنِّمُ تَرنيمةً لأنَّكَ حَصَلتَ على ما تُريد، أو لأنَّكَ فَرِحٌ بخصوصٍ شيءٍ يَجري حاليًّا في حياتِكَ، أو لأنَّ مِعْيارَ الرَّاحةِ لديكَ قد تَحَقَّق ... إنْ كانتِ العبادةُ مُرتبطة بذلك، فإنَّكَ لا تَفهمُ المَعنى الحقيقيَّ للعبادة لأنَّ العِبادةَ الحقيقيَّة لا تتأثَّر بالظُّروفِ المُتقَلِّبة. وهي لا تَصْعَدُ وتَهْبِطُ. بل هي تَسبيحٌ دائمٌ يَنبُعُ مِنْ أعماقِ النَّفسِ لأنَّ الأمورَ الرُّوحيَّةَ الحقيقيَّةَ لا تتغيَّر ... لا تَتَغَيَّر.

فَلا أهميَّة لما يجري في الحياةِ. وعندما تَشْعُرُ بالمَدِّ والجَزْرِ في موقِفِكَ وسُلوكِكَ ويَعلو فَرَحُكَ تَارَةً ويَنخفِضُ تارةً أُخرى، فإنَّ السَّببَ في ذلك هو أنَّكَ قَرَنْتَ فَرَحَكَ بِمَصْدَرٍ آخَرَ غيرَ عَمَلِ اللهِ غير المُتغيِّر وحُضورِ المسيحِ غيرِ المُتغيِّر. فقد قَرَنْتَ فَرَحَكَ بأحوالِ الحياةِ المُتَقَلِّبة. وهذا يعني أنَّكَ لا تُرَكِّزُ عليه، بَلْ تُرَكِّزُ على نفسِك. ويمكنكُم أنْ تُمَيِّزوا العَابِدينَ الحَقيقيِّينَ لأنَّهم يَجْتازونَ ظُروفَ الحياةِ بِرِضا لا يَتغيَّر، وبِفَرَحٍ لا يَتبَدَّل. وهذا يَقودُني إلى عُنْصُرٍ رابعٍ في موقِفِ العِبادة. فموقفُ العِبادَةِ هُوَ موقِفٌ داخليٌّ، وقويٌّ، ودائمٌ. رابعًا، إليكُم العُنصرَ الأساسيَّ: فهي عِبادةٌ مُتواضِعَة. إنَّها مُتواضِعَة. فالعِبادةُ الحقيقيَّة تَنْبُعُ مِنْ قَلبٍ مُتواضِع ... مِنْ قَلْبٍ مُتواضِعٍ فقط. وما هو القَلبُ المُتواضِع؟ القلبُ المُتواضِع هو قلبٌ لا يُفَكِّرُ في نَفسِه.

إنَّهُ لا يُفَكِّرُ في نَفسِه. فالكِبرياءُ هي عِبادَةُ الذَّات. فهذه هي حَقيقَتُها. وهي تَتنافَسُ مَعَ الله. وإنْ لم تكن شَكورًا، فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هو ليسَ أنَّ اللهَ لم يُحَقِّق وَعْدَهُ، بل لأنَّ مُستوى الرَّاحةِ لديكَ ليسَ كَما تَتَمَنَّى أنْ يكون. والسَّببُ في ذلك هو أنَّكَ تُركِّزُ على نفسِك. والسَّببُ في ذلك هو أنَّكَ تَظُنُّ أنَّك لم تَحصُل على ما تَستحقّ، ولم تَحصُل على ما كُنْتَ تَنتظرُه، وتأملُ فيه، وتُصَلِّي لأجلِه، وتَظُنُّ أنَّكَ تَستحقُّه. فالكِبرياءُ تَتَذكَّرُ كُلَّ الإساءاتِ الَّتي ارْتُكِبَتْ بِحَقِّها. والكِبرياءُ تُريدُ أنْ تَرُدَّ الإساءَةَ بِمِثْلِها. والكِبرياءُ تُريدُ أنْ تَنتقِم. وهي ليست مُمتلئة بالتَّسبيح لأنَّها تُرَكِّزُ في مَدِّها وَجَزْرِها على شُؤونِ الحياة. أمَّا التَّواضُعُ فلا يُبالي بأيٍّ مِن هذه الأشياء. والتَّواضُعُ لا يَعني أنْ تَقْرَعَ صَدْرَكَ طَوالَ الوقتِ مُتَحَسِّرًا على إثْمِكَ. صحيحٌ أنَّ هذا الشَّيءَ هُوَ جُزْءٌ مِنْها. ولكِنَّ التَّواضُعَ يَعني أنْ تُرَكِّزَ جِدًّا على اللهِ حَتَّى إنَّ حُصولَكَ أو عَدَم حُصولِكَ على ما تُريد لا يَتْرِكُ تأثيرًا عليك. فأنتَ لا تُرَكِّزُ على نفسِك. وأنتَ لستَ النُّقطة الجوهريَّة. فاللهُ يَكْرَهُ الكِبرياء. واللهُ يَكْرَهُ المُتَكَبِّرين. والكِتابُ المُقدَّسُ يقول: "يُقَاوِمُ اللهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً". ويجب على أيِّ شخصٍ يأتي مُتَعَبِّدًا أنْ يأتي باتِّضاعٍ لأنَّ هذا يَعني التَّركيزَ على الله. وهذا يعني أنَّكَ لستَ النُّقطة الجوهريَّة. ونحنُ نَرى ذلكَ في مَريم إذْ نَقرأُ في العدد 48: "لأَنَّهُ نَظَرَ ... لأنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ". فالشَّيءُ الَّذي أَدهَشَ مَريمَ بخصوصِ كُلِّ ما جَرى هو أنَّ عَقلَها لم يَستوعِب أنَّ اللهَ نَظَرَ إلى فَتاةٍ مُتواضِعَةٍ وعاديَّةٍ مِثْلَها. وهذا مُدهشٌ! وهي لا تقولُ شيئًا عن نفسِها ... لا شيء. بل إنَّها تقولُ عَفويًّا: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ". فهي لا تُفَكِّرُ قائلةً: "أعتقدُ أنَّ اللهَ أَحْسَنَ الاختيار" أو "أعتقدُ أنِّي أَعْرِفُ نساء كَثيرات لَسْنَ تَقِيَّاتٍ مِثْلي". فهذا لم يَخْطُر حَتَّى بِبالِها. وحَتَّى إنَّهُ ليسَ مِنَ الإنْصافِ أنْ نَذْكُرَ احتمالاً كهذا.

وكما تَعلمونَ، فإنَّ أفكارًا كهذِهِ هي جُزءٌ مِن طبيعَتِنا السَّاقطة. فنحنُ نَميلُ إلى إذاعَةِ أخبارِ نَجاحاتِنا إلى كُلِّ مَنْ يُبالي بالاستماعِ إلينا، وإلى بَعْضِ مَنْ يجب عليهم أنْ يَسمعوا ذلك. وحَتَّى إنَّ أصْغَرَ نَجاحاتِنا تَصيرُ حِكاياتٍ طويلة. أليسَ كذلك؟ وإنْ كُنَّا قد حَقَّقْنا أمورًا عظيمًة أو حَصَلنا على بَرَكةٍ عظيمة، أوِ التقينا شخصًا عظيمًا، أو حَصَلنا على مَكانَةٍ أوْ مَرْكِزٍ مَرموقٍ، فإنَّنا نَميلُ إلى التحدُّثِ عن نَجاحِنا. وقد يكونُ موقِفُنا الأوَّلُ هو: "نَفسي تُعَظِّمُ نَفسي". ونحنُ نُعَلِّقُ الشَّهادَةَ الَّتي حَصَلنا عليها على الحائِط. ولكِنَّ مَريمَ لم تُفَكِّر بهذا. وهي لم تُفَكِّر في رَفْعِ سَمَّاعةِ التِّليفون (لو كانَت هناكَ تليفونات آنذاك) وَنَشْرِ الخَبر. ويا لَهُ مِنَ امتحانٍ صَعْبٍ لَكِ إنْ قِيْلَ لَكِ إنَّكَ ستكونينَ أُمَّ اللهِ لأنَّكِ ستُلاقينَ صُعوبَةً في عَدَمِ التقاطِ سَمَّاعةِ التِّليفون وَنَشْرِ الخَبَر!

وما أعنيه هو أنَّ أفكارَها تَرَكَّزَتْ حالاً على السَّماواتِ الَّتي يأتي مِنْها كُلُّ صَلاحٍ، وكُلُّ العَطايا، وكُلُّ النِّعَم، وكُلُّ البَرَكاتِ، وكُلُّ الهِبات. فقد غَمَرَها الفَرَح. وحَتَّى إنَّها لم تَرُدّ على أليصابات. وحَتَّى إنَّها لم تَشْكُر أليصابات لأنَّ أليصابات قالت كلماتٍ رائعة في الأعداد 42-45. فهي كلماتٌ جميلة. ولكِنَّها لم تُفَكِّر حَتَّى في ما قالَتْهُ أليصابات. فتركيزُها لم يَكُنْ مُنْصَبًّا على أليصابات، ولم يَكُن مُنْصَبًّا على نَفسِها، باستثناءِ حقيقةِ أنَّها لم تتمكَّن مِنَ استيعابِ كيفَ أنَّ اللهَ فَعَلَ شيئًا كهذا مِنْ خلالِ شخصٍ عادِيٍّ جِدًّا مِثْلها. فهذا هو الموقفِ الَّذي تَنْبُعُ العِبادةُ مِنْهُ.

ولو كانت قد نَظَرَتْ إلى نَفسِها نَظرةً خاطفةً فإنَّ السَّببَ في ذلك هو أنْ تُعَبِّرَ عن دَهْشَتِها لأنَّ اللهَ لاحَظَ فَتاةً مِثْلَها. فكيفَ لاحَظَ اللهُ فتاةً مِثلَها؟ وكيفَ عَرَفَ اللهُ فتاةً مِثلَها، واهْتَمَّ بها، أو فَكَّرَ فيها بأيَّة طريقة تُوافِقُ ذلك؟ وكيفَ قَرَّرَ اللهُ أنَّها الفتاة المُناسبة؟ وكيفَ سُرَّ اللهُ بها؟ ولماذا هي تَحديدًا؟ لماذا هي تَحديدًا؟ وكما تَرَوْنَ، فإنَّ واحِدَةً مِنْ سِماتِ تَواضُعِها هي أنَّها لم تُفَكِّر في نَفسِها، بل دُهِشَتْ وَتَعَجَّبَتْ (ورُبَّما صُدِمَتْ) لأنَّ اللهَ نَظَرَ إليها. وعندما تقولُ إنَّ اللهَ "نَظَرَ إلى اتِّضاعِ أَمَتِهِ" فإنَّها تَستخدِمُ كَلِمَةً تَعني حرفيًّا أنَّها كانت إنسانَةً وَضيعَةً، وأنَّها كانت نَكِرَة. فقد كانت نَكِرَة اجتماعيًّا وثقافيًّا. فقد كانت مُجَرَّد فتاة عاديَّةً غير قادرة على القيامِ بأيِّ شيء ولا تَستحقُّ أيَّ شيء. فقد كانت فتاةً بسيطةً مَخطوبةً لِنَجَّارٍ في تلك البلدة. وقد كانَتْ بَعيدةً كُلَّ البُعْدِ عَنْ أنْ تكونَ أُمَّ اللهِ. ويوسُفُ كانَ يَصْنَعُ الأنْيارَ، والمَحاريثَ، والطَّاولاتِ، والكَراسي، ورُبَّما الأبواب، ورُبَّما يَقومُ ببعضِ أعمالِ البِناء. ولكِنْ كانَتْ هُناكَ صِفَة واحدة فريدة بخصوصِ مَريم وهي أنَّهُ كانت تَسْري في عُروقِها دِماءٌ مَلَكِيَّة لأنَّها مِنْ نَسْلِ داوُد.

ونحنُ على يَقين بأنَّها كانت امرأة طاهرة وتَقِيَّة. ولكِنْ هل تَعلمونَ شيئًا عنِ الطَّاهرينَ والأتقياء؟ إنَّهم لا يَنظرونَ إلى أنفسهم بتلك الطريقة. فالأشخاصُ الطَّاهرونَ حقًّا والأتقياء حقًّا والأبرار حقًّا لا يَظُنُّونَ أنهم كذلك. بَلِ الحقيقة هي أنَّهم يَعلمونَ أنَّهم ليسوا كذلك لأنَّ واحدةً مِنْ وظائفِ التَّقوى والطَّهارةِ والبِرِّ هي أنْ تكونَ قادرًا على فَحْصِ كُلِّ رُكْنٍ وزاويةٍ مِنْ إثْمِكَ. وَهُمْ قادرونَ على القيامِ بذلك. وكُلَّما زادَ صَلاحُكَ، قَلَّ اعتقادُكَ بأنَّكَ صَالِح. وهذا يَدفَعُكَ إلى مَزيدٍ مِنَ الانكسارِ والتَّواضُع.

فجوهرُ الحياة الروحيَّة الحقيقيَّة لا يَكْمُنُ في أنْ تَظُنَّ أنَّكَ إنسانٌ رُوحِيٌّ. بل إنَّ التَّواضُعَ هو جَوهرُ العِبادة الحقيقيَّة. فيجب أنْ تَشْعُرَ بعدمِ استحقاقِكَ، وأنَّكَ إنسانٌ خاطئ، وأنَّكَ لا تَستأهِلُ أيَّ شيء، ولا أيَّ بَرَكة، ولا أيَّ خَير، ولا أيَّ عَطِيَّة مِنَ الله. وحينَ تَحْصُلُ على أيِّ عَطِيَّة فإنَّ الشُّعورَ بالدَّهشةِ يَغْمُرُك. إذًا، العبادةُ هي شيءٌ داخليٌّ، وقويٌّ، ومُستمرٌّ، ومُتواضِعٌ. وإنْ كانت مَريَمُ قد أُعْطِيَت مَكانَةً تَفوقُ أيَّ امرأةٍ أخرى، فإنَّها كانت أكثرَ النِّساءِ اتِّضاعًا. وما أعنيه هو أنَّهُ لو أنَّ اللهَ رَفَعَها وأعطاها مكانة عالية جدًّا، فإنَّهُ فَعَلَ ذلكَ لأنَّها كان مُتواضِعة جدًّا. فقد كانت أَكْثَرَ النِّساءِ تَقْوى في ذلك البَلَدِ بأسْرِه.

وقد عَبَّرَتِ الآيَةُ (إشعياء 57: 15) عن ذلكَ أفضلَ تَعبيرٍ إذْ نَقرأ: "لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ الأَبَدِ، الْقُدُّوسُ اسْمُهُ". وهذه الآيةُ تُرينا أنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ المُرتَفِع: "فِي الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ الْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ". حَقًّا؟ وهل مِنْ أحدٍ آخر مَعَكَ في الأعلى؟ أجل، فأنا أَسْكُنُ مَعَ المُتَواضِعي الرُّوح. إذًا، ما هو الموقفُ الصَّحيحُ للعبادة؟ إنَّهُ الشُّعورُ القلبيُّ العَميقُ والقويُّ الَّذي يَتَدَفَّقُ بالفَرَحِ تَدَفُّقًا مُستمرًّا مِنْ نَفْسٍ مُتواضِعَةٍ تَعْرِفُ عَدَمَ استحقاقِها ولو قليلاً. فهذه هي العِبادة. وهذا هو رُوحُ عيدِ الميلادِ المَجيد. فَمَنْ نَحْنُ حَتَّى نَكونَ مُفَضَّلينَ جِدًّا حَتَّى نَكونَ لا أُمَّ اللهِ، بل أبناءَ اللهِ؟ وَمَنْ نَكونُ نَحْنُ حَتَّى يأتي هُوَ لكي يَموتَ عَنَّا؟ إنَّها نِعمةٌ غَنِيَّةٌ جِدًّا لا نَسْتَحِقُّها!

حسنًا! ثانيًا: المَعْبود. ويجب علينا ألَّا نُسيءَ فَهْمَ ذلك لأنَّهُ أمرٌ واضِح. "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي". فالمَعبودُ هُوَ الله. وَكُلُّ المَجْدِ يَؤولُ لَهُ. وكُلُّ الكَرامَةِ تَؤولُ لَهُ. وكُلُّ العِبادَةِ تَؤولُ لَهُ. والعِبادةُ مَركزيَّة جِدًّا بهذا المَعنى، وبسيطة جدًّا، ومُرَكَّزة جدًّا، وذات بُعْدٍ واحدٍ فقط. فنحنُ نَعْبُدُ اللهَ. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل لوقا 4: 8: "لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ". فالعِبادةُ تَقتَصِرُ على شخصٍ واحدٍ في الكَوْن وَهُوَ: الله. وقد كانت مَريمُ تَعلم ذلك. ونحنُ نَقرأ في رسالة تيموثاوس الأولى 1: 17: "وَمَلِكُ الدُّهُورِ الَّذِي لاَ يَفْنَى وَلاَ يُرَى، الإِلهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ، لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِين". فهذا هو جَوهرُ وأساسُ عِبادَتِنا. فهي كُلُّها مُوَجَّهة إلى الله.

وبصورة أكثر تَحديدًا، فإنَّ جَوهرَ العِبادةِ هي أنَّ اللهَ هو مُخَلِّصُنا. وهي تقولُ ذلك: الله مُخَلِّصي". وبصراحة، لو لم أكُنْ مُخَلَّصًا، ولم يكن اللهُ قد خَلَّصَني بيسوعَ المسيح، لكنتُ أُلاقي صُعوبةً بالغةً في عِبادَتِهِ لأجْلِ بقيَّةِ الصِّفاتِ الَّتي تَصِحُّ عليه. فبصراحة، لا يمكنني أن أقولَ إنَّني أُبالي كثيرًا بِصِفاتِهِ الأخرى مِثْلَ عِلْمِهِ المُطْلَق (أيْ عِلْمِهِ بِكُلِّ شيءٍ)، وحُضورِهِ المُطْلَق (أيْ حُضورِهِ في كُلِّ مكان في الوقتِ نفسِه)، وقُدرتِهِ المُطلَقة (أيْ قُدْرَتِهِ غير المحدودة، وقُوَّتِه غير المحدودة، وأنَّهُ لا يوجد شيءٌ لا يَقدر أنْ يَفعلَه)، وثَباتِهِ (أيْ أنَّهُ لا يَتغيَّر). فَكُلُّ هذه الصِّفاتِ تَصِحُّ على الله. ولكنِّي لا أستطيعُ أنْ أقولَ بِصِدْق إنَّني سأكونُ أوَّلَ شَخصٍ يَكْتُبُ تَرنيمةً عن ذلك إذا كنتُ في طريقي إلى جَهَنَّم الأبديَّة حيثُ سأهْلِكُ هناك. ولم يكن بمقدوري أنْ أَعبُدَهُ على صِفاتِهِ الأخرى لو لم يكن مُخَلِّصي. أتَفهمونَ ذلك؟ والحقيقةُ هي أنَّني لا أرى الأشخاصَ الذينَ لا يَعرفونَهُ مُخَلِّصًا يَكتُبونَ تَرانيمَ عنهُ بوصفِهِ دَيَّانًا. وأنا لا أعرفُ أيَّ تَرانيم عنْ جَهَنَّم أوِ القَضاء أوِ الدَّينونة أوِ الهَلاك والعِقاب والغَضَب.

فلو لم يَكُن مُخَلِّصًا لما عَبَدَهُ أيُّ واحِدٍ مِنَّا، بل لَكُنَّا اخْتَبأنا خَوْفًا مِنْه. أليسَ كذلك؟ فقد كُنَّا سنَتصرَّفَ بِجُبْن، ورُبَّما سَنُجَدِّف عليه. لِذا فإنَّ العِبادةَ، كُلَّ العِبادة، وكُلَّ جُزْءٍ مِنْها، بِصَرْفِ النَّظَرِ عن صِفاتِ اللهِ، وبِصَرْفِ النَّظرِ عنِ الجانبِ الَّذي تَتحدَّثُ عنهُ في شخصيَّتِهِ وَعَمَلِه، فإنَّ كُلَّ العِبادة تَتَمَحْوَرُ بصورة رئيسيَّة حولَ حقيقةِ أنَّنا خَلَصْنا مِنْ خطايانا؛ وعليهِ، مِنَ الدَّينونةِ أيضًا. وما أعنيه هو أنَّ العِبادَةَ بِأسْرِها تَتمحوَرُ حولَ حقيقةِ أنَّ ابْنَ الإنسانِ قد جاءَ لكي يَطْلُبَ ويُخَلِّصَ ما قد هَلَك. والسَّبَبُ الَّذي جاءَ لأجلِه مَذكورٌ عندما أَطْلَقوا اسْمَهُ عليه: "وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ [ماذا؟] يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ". فهذا هو مَعنى الاسم "يَسوع": المُخَلِّص ... المُخَلِّص. ولولا حقيقةِ أنَّهُ المُخَلِّص، لما كانَ لأيِّ شيءٍ آخَر أيَّ مَعْنى بالنِّسبة إلينا.

فهو المُخَلِّص. لِذا، فإنَّها تَعْبُدُ اللهَ المُخَلِّص. وَهُوَ يُدعى اللهُ مُخَلِّصُنا عِدَّةَ مَرَّاتٍ في رسالة تيموثاوس الأولى ورسالة تِيْطُس. فاللهُ هُوَ إلَهٌ مُخَلِّصٌ. وقد أَرسلَ ابْنَهُ إلى العالم لكي يُخَلِّصَنا مِنْ خطايانا. وقد أُظْهِرَ لكي يُخَلِّصَنا، ولكي يُحَرِّرَنا مِنَ الخطيَّة. لِذا فإنَّ المَعبودَ هُوَ الله لأنَّهُ المُخَلِّص. ولا حاجةَ إلى أنْ تَتَوَسَّلَ وَتَبْتَهِلَ إلى اللهِ (كما يَفْعَلُ عابِدو الأصنامِ) لكي يكونَ رَحيمًا. فاللهُ هُوَ إلَهٌ مُخَلِّصٌ بطبيعَتِه، وَهُوَ الَّذي بَادَرَ إلى هذا الأمرِ بِرُمَّتِه. إذًا فإنَّ العِبادةَ هي عبادة داخليَّة، وقويَّة، ومُستمرَّة، ومُتواضِعَة. فهذا هو الموقِفُ مِنْها. أمَّا المَعبودُ فهو اللهُ الَّذي يُخَلِّص.

ثالثًا وأخيرًا: سَبَبُ العِبادَة. سَبَبُ العِبادَة. فما الَّذي يَدْفَعُنا إلى العِبادة؟ وما الَّذي يَحْفِزُنا إليها؟ هناكَ ثلاثةُ أشياء: أوَّلاً، ما يَفْعَلُهُ اللهُ لأجلي شخصيًّا. انظروا إلى العدد 48، إلى مُنتصفِ العدد: "فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي". لماذا يا مَريم؟ "لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ". وكأنَّها بذلكَ تقول: "هل يمكنكم أنْ تُصَدِّقوا أنَّ إلهًا قُدُّوسًا يَفعلُ ذلكَ لأجلِ فتاةٍ خاطئةٍ مِثلي؟" ومِنْ هُنا تَبتدئُ العِبادة: أنْ يَفْعَلَ اللهُ القُدُّوسُ تَمامًا أمرًا كهذا لأجلِ شخصٍ خاطئٍ مِثلي!

 "فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي بسببِ ما فَعَلَهُ اللهُ القُدُّوسُ لأجْلِ فَتاةٍ خاطئةٍ مِثلي". فَمِنْ هُنا تَبتدئُ العِبادة. واسمَحْ لي أنْ أقولَ لكَ شيئًا، يا صَديقي: لن يكونَ للهِ المُخَلِّصِ قيمة لديكَ ما لم تَخْتَبِر خلاصَهُ. أليسَ كذلك؟ فيجب أنْ تَختبرَ ذلكَ بنفسِك. وقد كانت مَريمُ تَعلم أنَّها خاطئة. وكانت تَعلمُ أنَّ اللهَ قُدُّوسٌ. وكانت تَعلمُ أنَّها بحاجة إلى مُخَلِّص. وكانت تَتَعَبَّدُ لأنَّ المُخَلِّصَ قد جاء. وقد كانت تَعلمُ أنَّ ذلكَ يَعني أنَّ خطاياها ستُغفَر. فهي مِثْلُ كُلِّ الأشخاصِ الآخرينَ الَّذينَ خَلَصوا مِن خطاياهُم بِفَضْلِ ذَبيحةِ يسوعَ المسيح. وقد قَدَّمَتْ تَسْبِحَةً نابعةً مِنْ قَلبِها لأنَّ الفادي كانَ سيأتي. فهو الَّذي سَيَحملُ خطاياها. وهو الَّذي سَيُتَمِّمُ كُلَّ رُموزِ الذَّبائِح.

ومِنْ هُنا تَبتدئُ العِبادة. وهذا هو ما يَحْفِزُها. وهذا هو ما يَدْفَعُنا إليها: عندما تَختبر شخصيًّا خَلاصَ يسوعَ المسيح. فيسوعُ لم يُغَيِّر مَكانَتَها الاجتماعيَّة. فهو لم يُغَيِّرها قَطّ. فهي لم تَصِرْ طَوالَ حياتِها مَلِكَةً أرضيَّة. فمعَ أنَّها كانت أُمَّ اللهِ، فإنَّها احتفظتْ بنفسِ مكانَتِها الاجتماعيَّة. وقد بقيت مُحتفِظَة بنفسِ الأصدقاء. وحَتَّى إنَّ يَسوعَ أَوْصَى يُوحَنَّا الرَّسولَ أنْ يَعتني بها لأنَّها كانت بحاجة إلى مَنْ يَعتني بها بعدَ مُغادَرَةِ يَسوع.

إذًا فإنَّ مكانَتَها الاجتماعيَّةَ لم تتغيَّر. ولكِنَّ مَقامَها الرُّوحيَّ تَغَيَّر كما هي حالُ جميعِ الَّذينَ آمنوا قبلَ مَجيءِ المسيحِ وَبَعْدَهُ. فموتُهُ كانَ مَوْتًا لأجلِ خطاياها. وقد كانت تَعلمُ ذلك. فقد كانت تَعلمُ أنَّ الفادي قادِم. وقد كانَ تَسبيحُها نابعًا مِنْ شُعورِها بالامتنانِ العَميقِ على الخلاص. والعبادةُ تَبتدئُ دائمًا مِن هُنا. فيجب أن تبتدئ بما فعلَهُ الربُّ لأجلك. وأيُّ شيءٍ أقَلّ مِن ذلك سيكونُ عديمَ المَعنى وسَطحيًّا. فاللهُ العظيمُ فَعَلَ أمورًا عظيمةً لأجلي. وما أنا بحاجة إليه هو أنْ أَخْلَص مِنْ خَطاياي.

ثانيًا، لقد نَبَعَ تَسبيحُها لا فقط مِمَّا فَعَلَهُ الربُّ لأجلِها، بل أيضًا مِمَّا فَعَلَهُ لأجلِ الآخرين. فهذا هو ما قالَتْهُ في العدد 50. وهي لم تَشَأ أنْ تَفْصِلَ نفسَها عنِ الآخرين. لذا فإنَّها تَقتبسُ مِنَ العهدِ القديم هنا، مِنَ المزمور 103: 17: "أَمَّا رَحْمَةُ الرَّبِّ فَإِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ عَلَى خَائِفِيهِ". فاتِّضاعُها يَظهرُ حالاً. وهي لا تُريدُ أنْ يَظُنَّ أيُّ شخصٍ أنَّ هذا يَقتصرُ عليها وحدَها. فَرَحْمَةُ اللهِ مُتاحة مِنْ جيلٍ إلى جِيْلٍ لِلَّذينَ يَخافونَ اللهَ.

فهي تُدركُ أنَّ الربَّ سيَفعل الشَّيءَ نَفسَهُ للآخرين. وذلكَ يَجْعَلُ قَلْبَها يَفيضُ فَرَحًا. لماذا؟ لأنَّ لديها أولويَّات رُوحيَّة. ولأنَّها تُبالي بالأمورِ الروحيَّة والأبديَّة وخلاصِ النُّفوس. فقد كانت مُندهشة جدًّا مِمَّا يَفعلُهُ الربُّ لأجلِها، ومِمَّا يَفعلُهُ جيلاً بعدَ جِيل بعدَ جيل. وهذا هو الأمرُ الَّذي دَفَعَها إلى التَّسبيح: خلاصُها، وخلاصُ الآخرين.

ثُمَّ إليكُم العُنصرُ الثَّالث. فقد عَبَدَت اللهَ بسببِ ما يَفعلُهُ اللهُ لأجْلِ خاصَّتِه. وهذا مُدهشٌ. وقد كنتُ أتمنَّى لو أنَّ وَقْتَنا يَسمحُ بالتَّعَمُّقِ في التَّفاصيل؛ ولكنَنا لا نَمْلِكُ الوقت. ولكن انظروا إلى العدد 51. واسمحوا لي أنْ أقرأَهُ. فهي تَذْكُرُ كُلَّ ما صَنَعَهُ اللهُ في التَّاريخ لأجْلِ شَعبِه: "صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ". وهذا يعني أنَّهُ أراهُم قُوَّتَهُ وقُدرَتَه. "شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ". فعلى النَّقيضِ مِن ذلك فإنَّهُ لا يَفعلُ أمورًا صالحةً لِلَّذينَ يَرفُضونَهُ. "أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ"، وَمِنْ جِهَةٍ أُخرى فإنَّهُ فَعَلَ العَكْسَ تَمامًا إذْ "رَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ". فقد أَخَذَ خَاصَّتَهُ المُتَّضِعينَ ورَفَعَهُم عاليًا. وقد أَخَذَ خاصَّتَهُ الضُّعَفاءَ وأعطاهُم قُوَّةً. ثُمَّ في العدد 53: "أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ". فقد أخذَ خاصَّتَهُ الجِياعَ والمُحتاجينَ وسَدَّ تلكَ الحاجة. وهذا أيضًا مُقتبسٌ مِنَ المزمور 107. وَمِنْ جِهَةٍ أُخرى: "صَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. "عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً، كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَد". فقد حَفِظَ عَهْدَهُ. وهذهِ أُمورٌ تَدعو إلى العِبادة: الخلاصُ على الصَّعيدِ الشَّخصيِّ، والخلاصُ جِيْلاً بعدَ جِيْلٍ بعدَ جِيْل، وأمانَةُ اللهِ في سَدِّ حاجاتِ شعبِهِ الحَبيب.

 

وبالمُناسبة، في الأعداد 51-55، تُستخدَمُ الأفعالُ بصيغة الماضي البسيط لِذِكْرِ ما فَعَلَهُ اللهُ لأجلِ خاصَّتِه. وفقط لأنَّ اللهَ القَديرَ فَعَلَ أُمورًا عظيمةً، هُناكَ خَبَرٌ سَارٌّ يُقال. وفقط لأنَّ اللهَ خَلَّصَ، ويُخَلِّصُ، ويَبقى أمينًا، هُناكَ عِبادَة وتَسبيح وتَمجيد وتَعظيم. إذًا، ما هو رُوْحُ عيدِ الميلادِ المَجيد؟ العِبادة. باختصار: العِبادة. لا أكثر ولا أَقَلّ. وتَجدرُ المُلاحظةُ إلى أنَّهُ ينبغي أنْ تَنظروا إلى أعيادِ الميلادِ على مَرِّ العُصور. ونحنُ نَفعلُ ذلك في كُلِّ موسِمِ عيدِ ميلادٍ إذْ نَرْجِعُ إلى الوراء عبرَ التَّاريخ. وسوفَ أُخبرُكم كيفَ نَفعلُ ذلك. فنحنُ نَفعلُ ذلكَ حينَ نُرَنِّمُ التَّرانيم. فهل تُدركونَ أنَّنا رَنَّمْنا تَرانيم تعودُ إلى القرنِ الخامسِ؛ وهي ترانيم تُرْجِمَت عِدَّةَ مَرَّاتٍ إلى أنْ وَصَلَتْ أخيرًا إلينا. وقد رَنَّمنا ترانيم مِنَ القرن الخامس عشر، والقرن الحادي عشر، والقرن السابع عشر، والقرن الثامن عشر، والقرن السادس عشر، والقرن التاسع عشر أيضًا. وحينَ تَرجِعونَ إلى الوراء وتَستعرضونَ تَاريخَ عيدِ الميلاد، وتَتلامَسونَ مَعَ تلكَ التَّرانيم الميلاديَّة، فإنَّكم تتلامَسونَ معَ نُخبةِ الشُّعراءِ والأشخاصِ الَّذينَ صَاغُوا الحَقَّ المُختصَّ بعيدِ الميلاد. وقد كانَ موقِفُهُم الدَّائمُ هو العِبادة. فقد كان دائمًا هو العِبادة.

استمعوا إلى بعضِ التَّرانيمِ الميلاديَّة. فإنْ كانَ مارتن لوثر (Martin Luther)، الَّذي وُلِدَ في سنة 1483، وماتَ في سنة 1546، إنْ كانَ يَتَمَنَّى شيئًا، كانَ يَتَمَنَّى أنْ يُتَرجِمَ الكِتابِ المُقدَّس وأنْ يُتَرْجِمَ اللَّاهوت مِنَ اللَّاتينيَّة إلى لُغَةِ الشَّعْب (أيِ الألمانيَّة) لكي يَفهموا ويكونَ لِتَسبيحاتِهم مَعنى. ونحنُ نَعرِفُهُ بسببِ عَمَلِهِ اللَّاهوتِيِّ العَظيم، ولكِنَّنا نَنسى أحيانًا عَمَلَهُ الشِّعريَّ العظيم. فقد عُنِيَ بكتابةِ التَّرانيم وتَرْجَمَةِ التَّرانيم. وإليكم واحدة منها:

كُلُّ التَّسبيحِ لَكَ أيُها الربُّ السَّرمديّ،

المُتَسَربِل بِثوبٍ مِنَ اللَّحْمِ والدَّمِ،

اخْتَرْتَ مِذْوَدًا ليكونَ عَرْشًا لَكَ،

مَعَ أنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ لَكَ وَحْدَكَ.

ذاتَ مَرَّة انْحَنَتِ السَّماواتُ أمامَكَ،

ولكِنَّ ذِراعا عَذراءَ تَحْمِلانك الآن،

ومعَ أنَّ الملائكةَ كانوا يَفرحونَ بكَ،

فإنَّهُم الآنَ يَسْمعونَ صوتَكَ الطُّفولِيّ.

أيُّها الطِّفلُ الصَّغيرُ، حَلَلْتَ ضَيفًا علينا،

لكي يَجِدَ المُتْعَبونَ راحَتَهُم فيكَ،

وقد وُلِدْتَ فَقيرًا ومُعْدَمًا،

لكي تَرْفَعَنا إلى السَّماءِ مِنَ الأرض.

وقد جِئتَ في ليلةٍ حَالِكَةِ السَّواد،

لكي تَجْعَلَنا أولادَ النُّور،

ولكي تَجْعَلَنا في سَمائِكَ،

مِثْلَ ملائِكَتِكَ الَّتي تَطيرُ مِنْ حَوْلِكَ مُنيرَةً.

ثُمَّ إنَّ التَّرنيمةَ تَنْتَهي بهذه الكلمات:

هذا كُلُّهُ لأجلِنا، فَعَلَتْهُ مَحَبَّتُكَ،

لذا فقد رَبِحْتَ مَحَبَّتَنا بِسببِ مَحَبَّتِكَ،

لِذا فإنَّنا نُنْشِدُ لَكَ أناشيدَ الابتهاج،

ونُرَنِّمُ لكَ شاكِرينَ دُوْنَ تَوَقُّف.

إنَّ هذه عِبادَة. وفي أَحَدِ مَواسِمِ عيدِ الميلادِ المَجيد، أرادَ "مارتن لوثر" أنْ يَكْتُبَ ترنيمةً ميلاديَّةً لابْنِهِ الصَّغير "هانز" (Hans). وإليكُم ما كَتَب:

مِنَ السَّماءِ في الأعلى جِئتُ إلى الأرضِ،

لكي أَحْمِلَ خَبَرًا سَارًّا لِكُلِّ بيتٍ،

لكي أَحْمِلَ بُشرى سَارَّة ومُفَرِّحَة

سأقولُها الآن وأُرَنِّمُها:

قد وُلِدَ لَكُم في هذه اللَّيلة طِفْلٌ،

مِنْ مَريم، العذراءَ الرَّقيقة المُختارة،

وهذا الطِّفْلُ الصَّغيرُ الَّذي وُلِدَ ولادةً وَضيعَةً،

سيكونُ مَصْدَرَ فَرَحٍ لكُلِّ الأرض.

ومعَ أنَّ الأرضَ جَميلة فوقَ كُلِّ وَصْفٍ،

وتَزْخُرُ بالذَّهَبِ والحِجارةِ الكريمة،

فإنَّها أَفْقَرُ مِنْ أنْ تكونَ

مَهْدًا صَغيرًا، يا رَبُّ، لَكَ.

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في الخِتام:

آه، أيُّها الحَبيبُ يَسوع، الطِّفل القُدُّوس،

سأصنَعُ لكَ مَهْدًا ناعِمًا، وغيرَ نَجِسٍ

في قلبي، ليكونَ

غُرفةً هادئةً أُخَصِّصُها لَكَ.

إنَّ هذه عِبادة. تَعالَ واسْكُنْ في قَلبي. وقد كَتَبَ "وليام ديكس" (William Dicks)، الَّذي ماتَ في سنة 1898، كلماتِ التَّرنيمة: "أيُّ طِفْلٍ هذا؟" الَّتي كانت الأساسَ للأغنية الإنجليزيَّة الشَّعبية المَشهورة "غرينسليفز" (Greensleeves). ولا بُدَّ أنَّكُم تَعرفونَ كيفَ تَنْتَهي تَرنيمة: "أيُّ طِفْلٍ هذا؟":

لِذا، أَحْضِروا لَهُ لُبانًا وذَهَبًا وَمُرًّا،

تَعالَوْا إلى المَلِكِ واقْبَلوه،

فَهُو مَلِكٌ يأتي بالخَلاص،

واجْعَلوا قُلوبَكُم المُحِبَّة تُتَوِّجُهُ مَلِكًا.

إنَّ هذه عِبادة. إنَّها عِبادة. وقد كَتَبَ "تشارلز ويسلي" (Charles Wesley) سِتَّة آلاف تَرنيمة. ورُبَّما كانت تَرانيمُهُ أفضلَ التَّرانيم. وقد سَمِعْتُم ترنيمةً لهُ في هذا الصَّباح وهي: "مَعَ مَلاكِ اللهِ جُنْدٌ". والمَقْطَعُ الأخيرُ يَقول:

سَبِّحوا رَئيسَ السَّلامِ الَّذي وُلِدَ مِنَ السَّماء!

سَبِّحوا شَمْسَ البِرِّ.

إنَّ هذه عِبادَة!

فهو يَهَبُ النُّورَ والحَياةَ لِجَميعِ البَشَر،

وَهُوَ يُشْرِقُ والشِّفاءُ في أَجْنِحَتِهِ.

وَهُوَ قَدْ وَضَعَ مَجْدَهُ جَانِبًا (إشارَةً إلى تَجَسُّدِهِ)

وَوُلِدَ لكي لا يَموتُ الإنسانُ ثانيةً.

فقد وُلِدَ لكي يُقيمَ بَني الأرضِ،

وَوُلِدَ لكي يُعطيهم ولادةً ثانيةً،

هَلُمَّ بِنا جُنْدَ الملائكةِ - رَنِّمُوا:

"المَجْدُ للمَلِكِ المولود".

إنَّ هذه عِبادَة.

وواحدة مِنَ الشَّاعِراتِ المُفَضَّلاتِ لديَّ مِنَ القرن التَّاسع عشر هي "كريستينا روزيتي" (Christina Rossetti) الَّتي عاشَت مِن سنة 1830 إلى سنة 1894. وقد كانت كريستينا ابنةَ مُهاجِرينَ إيطاليِّين. وهي امرأة بارِعَة الجمال، كما يُقال، وذات جَمالٍ أَخَّاذ. وهي امرأة تَمتلك موهبة شِعريَّة رائعة. وهي فتاة مؤمِنة خُطِبَتْ مَرَّةً لشخصٍ مِنَ الكَنيسة الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة وَعَدَها بأنَّهُ سيَؤمِن. وعندما غَيَّرَ رأيَهُ فَسَخَتْ خِطْبَتَها وبقيت عازبَةً طَوالَ حياتِها. وخِلالَ حياتِها، كَتَبَت بعضَ أروعِ الأشعار. وهي جميعُها تُمَجِّدُ المسيح. وقد كَتَبَتْ هذه القصيدة الَّتي صارت ترنيمةً بعدَ اثنتي عشرةَ سنة مِنْ وَفاتِها:

في مُنتصفِ فَصْلِ الشِّتاءِ الكئيب، تأوَّهَت الرِّيحُ الباردةُ،

وَوَقَفَت الأرضُ مُتَيَبِّسَةً كالحَديد، والماءُ مُتَحَجِّرًا كالحَجَر،

والثَّلْجُ تَساقَطَ، ثَلْجٌ فوقَ ثَلْج، ثَلْجٌ فوقَ ثَلْج.

في مُنتصفِ فصلِ الشِّتاءِ الكَئيب، قبلَ وقتٍ طويل.

إلَهُنا! السَّماءُ لا تتَّسِع لَهُ، ولا الأرضُ تَحْتَمِلُهُ،

فالسَّماءُ والأرضُ ينبغي أنْ يَهْرُبا حينَ يأتي ليَمْلِك،

في مُنتصفِ فصلِ الشِّتاءِ الكَئيب، كانَتِ الحَظيرةُ كافِيَةً

لاحتواءِ الربِّ الإلَهِ العَظيمِ يَسوعَ المسيح.

رُبَّما اجْتَمَعَتِ الملائكةُ ورؤساءُ الملائكةً هُناك،

ورُبَّما زَحَمَ الكروبيم والسَّرافيم المَكان،

ولكِنَّ أُمَّهُ وَحْدَها، بِبَتوليَّتِها المُبارَكَة،

عَبَدَتِ المَحبوبَ بِقُبْلَة.

ثُمَّ إنَّها تَخْتِمُ بهذا المَقطعِ الرَّائعِ العظيم:

ماذا يُمْكِنُني أنْ أُقَدِّمَ لَهُ، أنا الفَقيرَة؟

فلو كُنتُ راعِيًا، لَقَدَّمْتُ حَمَلاً.

ولو كُنْتُ واحدًا مِنَ المَجوسِ لَقُمْتُ بِدَوْري،

ولكِنْ ما يُمْكِنُني أنْ أُقَدِّمَهُ لَهُ هُوَ أنْ أُعْطيه قَلبي.

إنَّ هذه عِبادة. ورُبَّما كانَ "جون فرانسيس ويد" (John Francis Wade) الَّذي ماتَ في سنة 1786 هو الَّذي لَخَّصَ ذلكَ كُلَّهُ في هذه الكلماتِ البسيطة: "هَيَّا نَعْبُدُ الرَّبَّ، هَيَّا نَعْبُدُ الرَّبَّ، هَيَّا نَعْبُدُ الرَّبَّ، المَسيحَ الرَّبَّ".

نَشكُرُك، يا أبانا، على هذا التَّذكير الرَّائع بأهمِّ شيءٍ في الحياة وهو: العِبادة. ولَيْتَ عِبادَتَنا تَنبُع مِن أعماقِنا، وتكونُ مُوَجَّهة إليكَ أنتَ، يا رَبَّنا المُخَلِّص، لأجلِ ما صَنَعْتَهُ لأجلِنا، ولأجلِ ما صَنَعْتَهُ في حياةِ جيلٍ بعدَ جيلٍ مِنَ الخُطاةِ المُخَلَّصين، ولأجلِ الطريقةِ الَّتي تَحفظُ فيها كُلَّ وعدٍ لِشعبِكَ. نحنُ نَبتهِج. وبَهْجَتُنا تَتَرَكَّزُ الآن على هذه اللَّحظة التاريخيَّة العَظيمة الَّتي جِئْتَ فيها إلى العالمِ كَطِفْل. نَشْكُرُكَ، ونُسَبِّحُكَ، ونُقَدِّمُ لكَ عِبادَتَنا القَلبيَّة. باسْمِ ابْنِكَ نُصَلِّي. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize