Grace to You Resources
Grace to You - Resource

هُناكَ موضوعٌ رائعٌ نَتحدَّثُ عنهُ في هذا المساء. وقد أَخذتُ وقتًا أطول قليلاً مِمَّا ظَنَنْتُ أنَّني سآخُذُهُ، إنْ صَحَّ القَول، ولكِنِّي أردتُ أنْ أُشارِكَ مَعَكُم ما فَعَلت. لِذا، سوفَ نحاولُ أنْ نُغَطِّي هذا الموضوعَ في الوقتِ المُتَبَقِّي لدينا. وأنا أريدُ منكم أن تَفتحوا كِتابَكُم المقدَّس على رسالة رُومية والأصحاح الثَّامن. رسالة رُومية والأصحاح الثَّامن. ولنَبتدئ مِن رسالة رُومية ببعضِ الإعلاناتِ المألوفة جدًّا مِنَ الله:

فالعدد 28 (المألوف لنا جميعًا) هو نُقطة بداية جَيِّدة. رِسالة رُومية 8: 28: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا".

وفي دراسَتِنا للعَقيدة، تَحَدَّثنا عن المَعرفة السَّابقة، وتَحَدَّثنا عنِ التَّعيين السَّابق، أو عن عقيدةِ الاختيار. وقد تَحَدَّثنا قليلاً عن التَّبرير. وسوفَ نَتحدَّث عنِ التَّمجيد. ولكِنَّ الكلمة الَّتي أريدُ أنْ تُرَكِّزوا عليها معي في هذا المساء هي الكلمة "مَدْعُوُّون". مَدْعُوُّون. فنحنُ نَقرأ في العدد 28: "الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ". وفي العدد 30: "وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا".

والآن، إنَّ واحدة مِن أبسطِ الكلماتِ في اللُّغة الإنجليزيَّة هي الكلمة "دَعوة" (call). ونحنُ جميعًا نَفهمُ تلكَ الكلمة. فنحنُ نَستخدِمُها يوميًّا. فهي واحدة مِن أكثرِ الكلماتِ شُيوعًا في مُفرداتِنا. فنحنُ "نَدعُو" أبناءَنا إلى المجيءِ لتَناوُلِ العَشاءِ على أَمَلِ أنَّهُم سيَتجاوبون. أو نحنُ نَدعُو زَوجَنا ليأتي لتناوُلِ العشاءِ على أَمَلِ أنَّهُ سيَستجيب. ونحنُ نَتَّصِلُ بأصدقائِنا هاتفيًّا ونَأمُل أنْ يُطفئوا خِيارَ الرَّدِّ الآليَّ وأنْ يَرُدُّوا على المُكالمة.

والأمرُ يَزدادُ أهميَّةً عندما تَدعُو إحدى الكنائسِ راعيًا على أَمَلِ أنْ يَقبلَ الدَّعوةَ بالمجيءِ لرعايَتِهم. وعندما يَدعُوكَ مُديرُكَ في العمل، فإنَّ الدَّعوة تَصيرُ مُلْزِمَة أيضًا. وما زِلتُ أَذكُرُ عندما كُنتُ طِفلاً أنَّهُ كانَ يَتِمُّ استدعائي إلى مَكتبِ مُديرِ المَدرسة. وأنا أَذكُرُ أنَّني كُنتُ أَتَسَلَّمُ في الكُليَّةِ وَرَقَةً مَكتوبٌ عليها: "قُصاصَة استدعاء" للذَّهابِ حالاً إلى مَكتَبِ عَميدِ الكُليَّة. ولا بُدَّ أنَّ بعضًا مِنكُم قد تَلَقَّى وَرقةَ استدعاءٍ مِنَ المَحكمة. فالاستدعاءُ هو دَعوة إليكَ لا يَجوزُ أنْ تُهمِلَها لأنَّهُ إنْ تَمَّ استدعاؤكَ إلى المَحكمة، يجب أنْ تَحضُر؛ وإلَّا فإنَّكَ سَتَحصُل على زِيارة مِنْ رِجالِ القانون. وهناكَ ما هو أَقوى مِنْ وَرقةِ الاستدعاء وهي: "مُذَكِّرةُ الحُضور". ومُذَكِّرةُ الحُضور هي أَمْرٌ يُحَتِّمُ على الشَّخصِ المَطلوب أنْ يَحضُر؛ وإلَّا فإنَّهُ سيواجِهُ العُقوبة إنْ لم يَحضُر.

لِذا، هناكَ كُلُّ أنواعِ الدَّعْوات. فهناكَ تلك الدَّعْواتُ اللَّطيفة الَّتي تَدعُو فيها بِلُطفٍ شخصًا ما لتَناوُلِ الطَّعام، أوِ الَّتي تَتَّصِلُ فيها بشخصٍ ما على أَمَلِ أنْ يُجيب. وهُناكَ دَعْواتٌ أكثر جِدِّيَّة مِن رئيسِكَ في العمل، أوِ الدَّعوة مِنْ كنيسة، أو مِن مَكتبِ مُديرِ المَدرسة، أوِ المَحضَر مِنَ المحكمة، أوْ مُذَكِّرَةُ الحُضورِ الَّتي تَتَوَعَّدُكَ بالعُقوبة في حالِ عدمِ الاستجابة. لِذا، هناكَ دَعْواتٌ أكثر جِدِّيَّة مِن غَيرِها.

ولكِنْ في كُلِّ هذهِ الحالات، يمكنكَ أنْ تَختارَ أنْ تَتجاهَلها. فيمكنكَ أنْ تُقاوِمَ أيَّ دَعوة مِنْ هذهِ الدَّعْواتِ وأنْ تَمضي في سَبيلِكَ وتَفعل ما تُريد. ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَكشِفُ حَقيقةً عن دَعوةٍ مُعَيَّنة، وهي دَعوة لا يُمكنُكَ أنْ تَتجاهَلها ولا أنْ تُقاوِمَها. إنَّها دَعوةُ لا مَناصَ مِنْها مِنَ الله. فهي مُذَكِّرَةٌ بالحُضورِ أمامَهُ في مَحكَمَتِهِ بِقَصْدِ إعلانِ بِرِّكَ، وإعلانِ صَلاحِكَ، وإعلانِ أنَّ خَطاياكَ قد غُفِرَت، وأنَّكَ قد أُعْتِقْتَ مِنْ أيِّ عِقابٍ أو أيِّ دينونة.

وهذه هي الدَّعوة الَّتي تَقرأونَ عنها في رُومية 8. فهي دَعوة تُبَرِّر. وهي دَعوة تأتي بِحَسَبِ قَصدِ اللهِ. وهي دَعوة تأتي إلى أولئكَ المُعَيَّنينَ سابقًا، أولئكَ الَّذينَ تَمَّ اختيارُهُم؛ أيِ المُختارين. وهي دَعوة تَقودُ مِن خلالِ التَّبريرِ إلى المجدِ الأبديّ. وقد سَمَّى اللَّاهوتيُّونَ هذه الدَّعوة "دَعوة فَعَّالة"، أو "دَعوة فاعِلَة"، أو "دَعوة جازِمَة"، أو "دَعوة حَاسِمَة"، أو "دَعوة قاطِعَة"، أو "دَعوة عامِلة"، أو "دَعوة لا تُقاوَم". وهي الدَّعوة إلى الخلاص. وهي دَعوة إلهيَّة. وهي مُذَكِّرَةُ حُضور إلهيَّة؛ لا للدَّينونة ولا للعِقاب، بل لكي تُعْلَنَ بَارًّا، وتُعتَقَ مِنَ الدَّينونة، وتَنالَ الغُفران. فهي الدَّعوة إلى الخَلاص.

والسُّؤالُ هو: هل يُمكِنُ إنكارُها؟ وهل يُمكِنُ مُقاومَتُها؟ وهل هناكَ شيءٌ يُسَمَّى "عَدَم إذعَان"؟ إنَّ العدد 30 يَقول: "وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا". لِذا فإنَّ هذه الدَّعوة تَقتَصِر على المُختارين. فنحنُ لا نَتحدَّثُ هنا عنْ دَعوةٍ عَامَّة، أيْ عَن دَعوة إنجيليَّة واسِعة النِّطاقِ مِنَ النَّوعِ العامِّ الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ الرَّسولُ بولُس عندما يَقتَبِسُ مِنْ أنبياءِ العهدِ القديم، ولا نَتَحَدَّثُ أيضًا عنِ الكلماتِ الَّتي وَرَدَتْ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 22: "لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُون". ونحنُ لا نَتحدَّثُ عَمَّا يُمكِنُنا أنْ نُسَمِّيهِ "الدَّعوة العَامَّة للإنجيل"، أو عنِ الدَّعوة الخارجيَّة العامَّة للإنجيل. بل إنَّنا نَتحدَّثُ عن شيءٍ يأتي فقط إلى الأشخاصِ المُعَيَّنينَ سابقًا ويُؤدِّي إلى التَّبرير. لِذا فإنَّها تُسَمَّى "دَعوة فَاعِلَة" أو "دَعوة فَعَّالة".

والآن، أريدُ منكم أن تَنظروا إلى الكلمة "مَدعُوُّونَ" هُنا. فهي جُزءٌ مِن مَجموعة كلمات مُشتقَّة مِنَ الجَذر "كاليئو" (kaleo) ... "كاليئو". والكلمة "كاليئو" تَعني: "يَدعو إلى المُثولِ أمامَ شَخصٍ مَا"، أو: "يَستدعي". وهي تُستخدَم مَثلاً في إنجيل مَتَّى 2: 7 إذْ نَقرأ: "حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ" إلى قَصرِهِ فَجاءوا.

وقد تُستخدَمُ هذه الكلمة في مواقِف أقَلّ جِدِّيَّة، ولكِنَّها الكلمة المُستخدَمة في الكتابِ المقدَّسِ بِمَعنى "الاستدعاء". والحقيقة هي أنَّها مُعَبِّرة جدًّا حَتَّى إنَّنا (بِوَصْفِنا مُؤمِنينَ) نُسَمَّى "المَدْعُوُّون". فنحنُ المَدعوُّون. والكنيسةُ هي الـ "إكليسيا" (ekklesia)؛ وهي كلمة مُشتقَّة لا مِنَ الكلمة "كاليئو" (kaleo)، بل مِنَ الكلمة "إيكّاليئو" (ekkaleo). أمَّا الكلمة "كاليئو" فتَعني: "يَدعو". والكلمة "إيكّاليئو" هي كلمة أقوى. لِذا فإنَّها دَعوة أقوى، وهي تَعني أنْ تَتِمَّ دَعوَتُكَ. لِذا فإنَّ الكنيسة هي صيغةُ الاسمِ مِن ذلكَ الفِعل بِمَعنى: "جَماعَةُ المَدْعُوِّين". لِذا، إنْ سألتُم: "ما هي الكنيسة؟" إنَّها جَماعَةُ المَدعُوِّين ... المَدعُوِّين.

وهذا يَتَّضِحُ تَمامًا مِن خلالِ الكتابِ المقدَّس كُلِّه، لا فقط مِن خلال رُومية 8. لِذا، أَوَدُّ أن أقومَ بدرسٍ كِتابِيٍّ صغيرٍ مَعَكُم. ارجِعوا إلى رسالة رومية والأصحاح الأوَّل. وأعتقد أنَّكم ستستمتعونَ بهذه الدِّراسة، وأنَّها سَتَنقِلُكُم إلى مُستوىً جديدٍ رائعٍ مِنَ الفَهم: "بُولُسُ [رُومية 1: 1] عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَدْعُوُّ رَسُولاً، الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ الله". وبولسُ شخصٌ مُناسِب للنَّظَرِ إليه بخصوصِ هذا النَّوعِ مَنَ الدَّعوة لأنَّهُ عندما أَتَتْ دَعوةُ اللهِ إلى حَياةِ الرَّسولِ بولُس، كانت دَعوةً مُهَيمِنَة، وإلهيَّة، ومُنعِمَة، ولا تُقاوَم. فقد طُرِحَ أرضًا عندما كانَ في طَريقِهِ إلى دِمَشق ولم يَتَمَكَّنْ مِنَ القِيامِ بأيِّ شيءٍ سوى أنْ يَتجاوَب. فقد دُعِيَ ليكونَ رَسولاً.

وفي العَدد 6، يَتَحَدَّث بولس عن "إِطَاعَةِ الإِيمَان" ... في العدد 5 ... عن إطاعَةِ الإنجيلِ "فِي جَمِيعِ الأُمَمِ، الَّذِينَ بَيْنَهُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا مَدْعُوُّون. فأنتُم "مَدْعُوُّو يَسُوعَ الْمَسِيحِ إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودِينَ فِي رُومِيَةَ، أَحِبَّاءَ اللهِ، مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ". مَدْعُوِّينَ قِدِّيسين. فأنتُم المَدعُوُّونَ، والقِدِّيسونَ. المَدعُوُّون.

انظروا إلى رسالة كورِنثوس الأولى 1: 1. ومَرَّة أخرى: "بُولُسُ، الْمَدْعُوُّ رَسُولاً". وَهُوَ لا يَعني أنَّ هذا لَقَبًا لَهُ، بل يَعني أنَّهُ دُعِيَ مِنَ اللهِ، بمشيئةِ اللهِ، ليكونَ رَسولَ يَسوعَ المسيح. ومَرَّة أخرى، لم يَكُن هذا الأمرُ شيئًا يُمكِنُهُ أنْ يُقاوِمَهُ. وفي العددِ الثَّاني: "إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". إذًا، أيًّا كانت هذهِ الدَّعوة، فإنَّها تَجعَلُكَ قِدِّيسًا. وفي رُومية 8، إنَّها تُبَرِّرُك. وَهُنا، إنَّها تُقَدِّسُك. وفي العدد 9: "أَمِينٌ هُوَ اللهُ الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا". فقد دُعيتُم إلى الشَّركةِ الَّتي تَتَمَتَّعونَ بها بالرَّبِّ يسوعَ المسيح. فأنتُم مَدعُوُّونَ مِنَ الله.

وفي العدد 23: "وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا [وَهُنا تَرِدُ هذه الكلمة مَرَّة أخرى] لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ". والآن، رَكِّزوا في ما سأقول: إنْ كُنتُم مِنْ بينِ المَدعُوِّين، فإنَّهُ عندما يُكْرَزُ بِالمسيحِ مَصلوبًا فإنَّهُ يَصيرُ بالنِّسبةِ إلَيكُم قُوَّةَ اللهِ وَحِكمةَ الله. فَهذه الكِرازة هي لليهودِ عَثْرَة، ولليونانِيِّينَ جَهالة؛ وأمَّا للمَدعُوِّينَ (سَواءً كانوا يَهودًا أَمْ أُمَمًا) فإنَّ المسيحَ هُوَ قُوَّةُ اللهِ وحِكمَةُ الله.

وهذه دَعوة تَجعَلُ الشَّخصَ المَدعُوَّ جُزءًا مِنَ المَدعُوِّين، أوِ "الإكليسيا" (ekklesia). ونقرأ في العدد 26: "فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ". تَفَكَّروا فيها. تَأمَّلوا في دَعوَتِكُم. تأمَّلوا في دَعوَتِكُم الإلهيَّة. "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى".

وهكذا فإنَّ دَعوَتَكُم، أيُّها الإخوة، هي دَعوة قائمة على حقيقةِ أنَّ اللهَ قدِ اختار. فاللهُ قدِ اختار. والآية الثَّلاثون تُلَخِّصُ الأمرَ بالقول: "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً [مِنْ خِلالِ ما فَعَلَهُ]". فقدِ اختارَكُم أنتُم الَّذينَ تَمَّ تَعيينُكُم سابقًا، وَدَعاكُم. فالَّذينَ عَيَّنَهُم دَعاهُم، والَّذين دَعاهُم بَرَّرَهُم ومَجَّدَهُم. لِذا فإنَّنا نَتحدَّثُ هنا عن دَعوةٍ إلى الشَّركةِ معَ القِدِّيسين، وإلى الشَّركةِ معَ ابنِهِ.

افتَحوا على رسالة غَلاطِيَّة والأصحاح الأوَّل، وانظروا اتِّسَاقَ هذا الحَقّ. رِسالة غلاطِيَّة 1: 6. فبولُس يَقول: "إنِّي أَتَعَجَّبُ!" فقد كانَ الغَلاطِيُّونَ قد ابتَعَدوا عنِ الحَقِّ بسببِ وُجودِ المُعَلِّمينَ الزَّائفين؛ مَعَ أنَّهم كانوا مُؤمِنين. وَهُوَ يَقول: "إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيح". وَهُوَ يَقولُ هُنا إنَّ اللهَ دَعاكُم إليه. فقد دَعاكُم إليهِ مِن خلالِ نِعمةِ المَسيحِ. وأنا أَتَعَجَّبُ أنَّكُم تَنتقلونَ هكذا سريعًا عن ذلك، وتَتبَعونَ إنجيلاً مُضَلِّلاً، ومُحَرَّفًا، ومُختلِفًا.

وَهُوَ يَقولُ في العدد 11: "وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلاً فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا. وَكُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ...". وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ في هذا الصَّباح. أليسَ كذلك؟ فإنْ أردتَ أنْ تَتقدَّمَ في اليهوديَّة، اقتُل المَسيحيِّين. فقد كانوا مُتَحَمِّسينَ إلى هذا الحَدِّ بخصوصِ دِيانَتِهم. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "وَكُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَتْرَابِي فِي جِنْسِي، إِذْ كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي. وَلكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ...". فعندما سُرَّ اللهُ، نَظَرَ إلى أسفَل عَالِمًا أنَّ كُلَّ شيءٍ قد عُيِّنَ سابقًا حَتَّى وَهُوَ ما زَالَ في رَحمِ أُمِّهِ، وَدَعاهُ بِنِعمَتِه لَمَّا سُرَّ "أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ".

فقد فَهِمَ بولسُ أنَّهُ قد دُعِيَ رُغْمًا عَنْهُ مِنَ اللهِ، وأنَّهُ أَفاقَ على مَجْدِ المسيحِ، وَنالَ الخَلاصَ، وَصَارَ رَسولاً. انظروا إلى رسالة أفسُس والأصحاح الرَّابع. فَمَرَّةً أخرى (لكي تُدركوا أنَّ هذه هي اللُّغَة المُستخدَمَة في العهدِ الجديد) نَقرأُ في رسالة أفسُس 4: 1: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ [أوْ ألتَمِسُ مِنْكُم]: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا". ولا يُمكن أنْ تكونَ هذه دَعوة عامَّة. ولا يُمْكِن لهذهِ أنْ تَكونَ دَعوة تَقبَلُها أوْ تَرفُضُها. فهي دَعوة دُعيتَ بها وتَتَطَلَّبُ مِنْكَ أنْ تَعيشَ حَياتَكَ بطريقةٍ مُعَيَّنة. لِذا، إنَّها دَعوة مُغَيِّرة. فهي دَعوة مُبَرِّرة ومُقَدِّسة. "أنْ تَسلُكوا...بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ".

فهذه دَعوة إلى الخلاصِ ولا شَيءَ غيرَهُ. وهي دَعوة إلى الجسدِ الواحد، والرُّوحِ الواحِد، والرَّجاءِ الواحِد، والرَّبِّ الواحِد، والإيمانِ الواحِد، والمَعموديَّة الواحِدة، واللهِ الواحد، والآبِ الواحدِ لنا جميعًا. وهذا يَعني أنَّها دَعوة تَتطلَّبُ تَجاوُبًا مِنْ خِلالِ حياةٍ تَسلُكُ كَما يَحِقُّ للدَّعوة. فعندما تَرَونَ فِكرةَ الدَّعوة إلى الخلاص في رَسائلِ العهدِ الجديد، فإنَّها دائمًا هذه الدَّعوة الفَاعِلَة، والفَعَّالة، والجازِمَة، والعامِلَة. إنَّها الدَّعوة المُخَلِّصَة.

افتَحوا على رسالة كولوسي 3: 15. فنحنُ نَقرأُ في هذهِ الآية المَعروفة: "وَلْيَمْلِكْ فِي قُلُوبِكُمْ سَلاَمُ اللهِ الَّذِي إِلَيْهِ دُعِيتُمْ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ". ونَرى هُنا أيضًا أنَّكُم دُعيتُم إلى جَسَدِ المسيح. وقد دُعِيتُم إلى السَّلامِ مِن خلالِ المسيحِ الَّذي يَمْلِكُ الآنَ في قُلوبِكُم. افتَحوا على رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاحِ الثَّاني. وَهُوَ يَقولُ مَرَّةً أخرى ما يَقولُهُ في رسالة أفسُس والأصحاح الرَّابع (أيْ: بُولُس): "لِكَيْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ للهِ الَّذِي دَعَاكُمْ..." [ثُمَّ اسمَعوا الآتي]: "...إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ".

فهذه دَعوة إلى الشَّرِكَة. إنَّها دَعوة إلى العلاقة مَعَ يَسوعَ المسيح. وهذه دعوة إلى القداسة. وهذه دعوة إلى جسد المسيح، وإلى الانضمامِ إلى الرُّوحِ الواحِد، والرَّبِّ الواحِد، والإيمانِ الواحِد، واللهِ والآبِ الواحِد لنا جميعًا. وهذه دَعوة إلى مَلكوتِهِ ومَجدِه. وأقولُ مَرَّةً أخرى (واللَّاهوتِيُّونَ الَّذينَ يَفهمونَ كلمةَ اللهِ بِبَساطَتِها الرَّائعة يَقولونَ دائمًا) إنَّ هذهِ دَعوة مُخَلِّصة. فهي دَعوة إلهيَّة. وأنا أُحِبُّ أن أُسَمِّيها "دَعوة الله الَّتي لا مَناصَ مِنْها".

وفي رسالة تسالونيكي الثَّانية 2: 14؛ بَلِ العدد 13: "وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَص". هذه هي عقيدة الاختيار العَظيمة. فاللهُ اختارَكُم مِنَ البَدْء. فَقبلَ أنْ يَبتدئَ الزَّمن، في المَشورةِ الأزليَّةِ بينَ أقانيمِ الثَّالوث، اختارَكُمُ اللهُ للخلاصِ "بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ". وفي العدد 14: "الأَمْرُ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ".

فقد دُعيتُم لأنَّكُم كُنتُم مُختارين. فقد دُعيتُم لأنَّكُم كُنتُم مُختارينَ مِنَ البَدْءِ للخلاص. وقد تَمَّ اختيارُكُم لكي تَتَقَدَّسوا بالرُّوحِ. وقد تَمَّ اختيارُكم لكي تُصَدِّقوا الحَقَّ. وقد دَعاكُم إلى ذلكَ "بِإِنْجِيلِنَا، لاقْتِنَاءِ مَجْدِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". إذًا، فإنَّنا نَقرأُ ذلكَ هُنا مَرَّةً أخرى. فالاختيارُ أدَّى إلى الدَّعوةِ الَّتي أَدَّتْ بِدَورِها إلى الخَلاصِ، والتَّبريرِ، والتَّقديسِ، والتَّمجيدِ النِّهائيّ.

ومَرَّةً أخرى، نَقرأُ في العدد 14: "الأَمْرُ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ بِإِنْجِيلِنَا [لأجلِ ماذا؟] لاقْتِنَاءِ مَجْدِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وإنْ دَمَجْنا ذلكَ مَعًا نَرى أنَّ الَّذينَ يَدعوهُمُ الرَّبُّ فإنَّهُ يَدعوهُم إلى مَلكوتِهِ، وأنَّ مَن يَدعوهُم فإنَّهُ يَدعوهم إلى الخلاص، ويَدعوهُم إلى تَصديقِ الحَقِّ، ويَدعوهم إلى التَّقديسِ بالرُّوحِ، ويَدعوهم إلى المجدِ الأبديّ. وهذه (مَرَّةً أخرى) دَعوة مُخَلِّصَة. ونَرى في الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 1: 9 أنَّ هذهِ الأمورَ مُماثِلة هُنا إذْ نَقرأُ في نهايةِ العدد 8: "الله". "الله الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً". وهذه طَريقَة مُزدَوَجَة لقولِ الشَّيءِ نَفسِه. "...الله الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً". فالآيةُ لا تقول: "الله الَّذي دَعانا دَعوةً مُقَدَّسَةً، ولأنَّنا تَجاوَبْنا خَلَّصَنا". فهي لا تقولُ ذلك.

بل إنَّها تَقول: "الَّذي خَلَّصَنا". بعبارة أُخرى: "الَّذِي دَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّة". وها نَحنُ نَعودُ إلى الفِكرة نَفسِها مَرَّة أخرى. فهو يَدعو الَّذينَ عَيَّنَهُم واختارَهُم سابقًا. فهذا هو، بِلا أَدنَى شَكٍّ، تَعليمُ الكتابِ المقدَّس.

ونَقرأ في رسالة بُطرس الأولى والأصحاحِ الثَّاني ... في رسالة بُطرس الأولى 2: 9 (وهي آية غنيَّة جِدًّا)، نَقرأُ في العدد 9: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ". وهذهِ أوصافٌ عظيمة. "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيب".

والآن، أعتقد أنَّهُ رُبَّما عندما تَدرسُ كِتابَكَ المُقَدَّس، في كُلِّ مَرَّة تَرى فيها الكلمة "مَدعُوِّين" في الرَّسائل، ستَرى أنَّها كلمة قويَّة. فهي ليست أُمنيةً يَتَمَنَّاها اللهُ حينَ يَدعوكَ. وهي لا تُشبِهُ دَعوةَ أبنائِكَ إلى العَشاء. بل إنَّها دَعوة فَاعِلَة، وفَعَّالة، وجازِمَة، وعامِلة. فقد "دَعاكُم مِنَ الظُّلمةِ إلى نُورِهِ العَجيب". فهو لم يَدعوكُم مَنَ الظُّلمةِ على أَمَلِ أنْ تأتوا، بل إنَّهُ "دَعاكُم مِنَ الظُّلمةِ إلى نُورِهِ العَجيب". فهذا هو المَكانُ الَّذي ذَهبتُم إليهِ حينَ دَعاكُم.

فعندما دَعاكُم، جئتُم إلى مَحكَمَتِهِ وأُعلِنَت بَراءَتُكم. وعندما دَعاكُم، جئتُم إلى جَسَدِهِ وصِرتُم جُزءًا مِن جَسَدِ المسيح. وعندما دَعاكُم، جئتُم إلى الشَّرِكة. وعندما دَعاكُم، صِرتُم قِدِّيسين. وعندما دَعاكُم، تَقَدَّستُم. وعندما دَعاكُم، فإنَّهُ فَعَلَ ذلكَ لكي تَتَمَجَّدوا في النِّهاية. والعدد 21 يَقول إنَّكُم "لِهذَا دُعِيتُمْ...لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ المَسيح". فقد كانت دَعوةً لكي تَعيشوا حَياتَكُم في اتِّباعِ مِثالِ المُخَلِّص.

ونَقرأُ في الأصحاح الثَّالث والعدد 9: "كُونُوا...مُتَّحِدِي الرَّأيِ [في العدد 8]، مُشْفِقينَ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، لُطَفَاءَ، مُتواضِعينَ، غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرّ بِشَرّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ، عَالِمِينَ أَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ لِكَيْ تَرِثُوا بَرَكَةً". فهذه دَعوة تَجعَلُكَ شخصًا يُمكن أنْ يَكونَ بَرَكة. وهذه دَعوة تَجْعَلُكَ تَحيا حياةً تَليقُ بالدَّعوة الَّتي دُعيتَ إليها. فهذه الدَّعوة لها تأثير.

ونَقرأ في رسالة بُطرس الأولى 5: 10 ... في رسالة بُطرس الأولى 5: 10 هذهِ الكلماتِ العظيمة جدًّا: "بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، إِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيح". فيا لها مِن كلماتٍ رائعة! فاللهُ دَعاكُم إلى التَّبرير. وَهُوَ دعاكُم إلى التَّقديسِ والفضيلة. وَهُوَ دَعاكُم إلى العلاقة والشَّركة معَ القِدِّيسين. وَهُوَ دعاكُم إلى حياةِ التَّقوى والسُّلوكِ الَّذي يَليقُ بالدَّعوةِ وتَمجيدِ اسمِهِ. وَهُوَ دَعاكُم إلى مَجدِهِ الأبديِّ في المسيح.

فَقد دعاكُم لأنَّهُ اختارَكُم وعَيَّنَكُم سابقًا لهذه الغاية. ونقرأ في رسالة بُطرس الثَّانية 1: 3، بل في العددِ الثَّاني: "لِتَكْثُرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ بِمَعْرِفَةِ اللهِ وَيَسُوعَ رَبِّنَا. كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي [اسمَعوا] دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَة". فقد دَعانا بِمَجدِهِ. وقد دَعانا بفَضيلَتِه. وقد أعطانا كُلَّ شيءٍ يَختصُّ بالحياةِ والتَّقوى. وهذه عبارات مُدهشة حقًّا.

فالكارِزُ يَقدِرُ أن يَدعو النَّاسَ إلى التَّوبة. والكارِزُ يَقدِرُ أن يَتوَسَّلَ إلى النَّاسِ كي يأتوا إلى الخلاصِ في المسيح. فبإمكاننا أن نَفعلَ أفضلَ ما لدينا. فقد فَعَلَ الأنبياءُ ذلك. وقد فَعلَ الرُّسُلُ ذلك. وما زالَ الكارِزونَ يَفعلونَ ذلك. وهذه هي الدَّعوة الخارجيَّة العامَّة؛ وهي مُختلفة تمامًا عنِ الدَّعوة الدَّاخليَّة الَّتي تُخَلِّص.

وأخيرًا، الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 3: 1. وإليكُم الفَرق. إليكُم الفَرق. عِبرانِيِّين 3: 1: "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ..." وأنا أُحِبُّ هذه التَّسمية. ويجب أنْ أَدعوكُم أكثر بهذا الاسم. فَهُوَ صحيح. إنَّهُ صحيح. فَهُوَ كُلُّهُ صحيح. فأنتُم المُفرَزونَ الَّذينَ حُسِبَ لَكُمُ البِرّ. لِذا: "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ [اسمَعوا ما يقول] شُرَكَاءُ..." [ماذا؟ ما هي الكلمة الَّتي تَلي ذلك؟] "الدَّعْوَة السَّمَاوِيَّة". ونحنُ لا نَتحدَّثُ عنِ الكارِزِ هُنا، بل نَتحدَّثُ عنِ الله. فهذهِ دَعوة إلهيَّة، ودَعوة سَماويَّة. فأنتُم قِدِّيسونَ بسببِ هذه الدَّعوة الإلهيَّة. وهذا حَقٌّ مَجيد. حَقٌّ مجيد ... هذه الدَّعوة. إنَّهُ ليسَ تَعليمًا غامضًا. أليسَ كذلك؟ فهو موجودٌ في كُلِّ مَكان. وهناكَ المَزيد. هناكَ المزيد.

وما الَّذي نَتحدَّثُ عنهُ هُنا؟ نحنُ نَتحدَّثُ عن دَعوةِ اللهِ الَّتي تُؤدِّي إلى خَلاصِ الإنسان. وسوفَ أقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى. كُلُّ استخدامٍ للكلمة "دَعوة" فيما يَختصُّ بالخلاص في رسائلِ العهدِ الجديد يُشيرُ لا إلى الدَّعوة العامَّة الخارجيَّة، بل إلى خَلاصِ اللهِ المُحَدَّد، والدَّاخليّ، والفَاعِل. وَهُوَ، بهذا المَعنى، دَعوة لا مَناصَ مِنْها مِنَ اللهِ ستتجاوَبُ مَعَها لا مَحالَة. لِذا فإنَّ اللَّاهوتِيِّينَ يُسَمُّونَها "النِّعمةُ الَّتي لا تُقاوَم".

وأنا أُحِبُّ الكلمة "دَعوة" أكثر. وأُحِبُّ فِكرةَ الدَّعوة الَّتي لا مَناصَ مِنها لأنَّها تُرَكِّزُ على عَمَلِ اللهِ الخَلاصِيِّ الَّذي لا مَناصَ مِنْهُ، لا على مُقاومةِ الإنسان. ولكِنْ بالرَّغمِ مِن ذلك، فإنَّها تُوافِقُ المُخَطَّطَ الصَّغير في لاهوتِ كالفِن (Calvin) عنِ النِّعمة الَّتي لا تُقاوَم. فعندما يَطلُبُ اللهُ أنْ يُخَلِّصَ ويَدعو خاطئًا مِنَ الظُّلمة إلى نُورِهِ العَجيب، فإنَّ السُّؤالَ هُوَ: هل يَستطيعُ الخاطئُ أنْ يُقاوِم؟

وبالمُناسَبة، هناكَ أيضًا رسالة كورِنثوس الأولى 7: 17. وهي آية خَطَرت ببالي الآن ولا أريدُ أنْ أُفَوِّتَها: "غَيْرَ أَنَّهُ كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ، كَمَا دَعَا الرَّبُّ كُلَّ وَاحِدٍ، هكَذَا لِيَسْلُكْ". والحديثُ هُنا هو عن أنَّكَ سَواءَ كُنتَ عازبًا أَم مُتزوِّجًا، أو أيًّا كانت حالَتُكَ، فإنَّ اللهَ قَسَمَ لِكُلِّ واحدٍ ... فالآيةُ تَقول: "غَيْرَ أَنَّهُ كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ". بعبارة أخرى: "كما دَعا اللهُ كُلَّ واحِدٍ". لِذا فإنَّ ما لدينا هُنا مِن خلالِ الكلمة "دَعوة" هو مُقارنة بينها وبينَ الكلمة "قَسَم".

فاللهُ عَيَّنَ ذلكَ سابقًا بِمُقتَضى قَصدِهِ السَّابقِ مِنَ الأزلِ السَّحيق. فقد عَيَّنَ الخلاصَ للبعضِ وقامَ بتخليصِهم مِن خلالِ دعوَتِه. فَهُوَ يَدعوهُم مِنَ الظُّلمة. وَهُوَ يَدعوهُم مِنْ عدمِ الإيمان. وَهُوَ يَدعوهُم مِنَ الحَيْرَة والتَّشويش. وَهُوَ يَدعوهُم مِنَ الخطيَّة والنَّجاسة. فهذه هي دَعوةُ اللهِ المُخَلِّصَة النَّابعة مِن سِيادَتِه. وَهُوَ لا يَتَزَعْزَعُ في مُمارسةِ سُلطانِهِ لكي يَجعلَ الخاطئَ يأتي إلى مَحكَمَتِه. فَهُوَ يأتي ويَمْثُلُ أمامَهُ بوصفِهِ شخصًا غُفِرَتْ خطاياه، ومُبَرَّر، وفي طَريقِهِ إلى المجدِ الأبديّ.

إنَّ هذا الكَلامَ يُزعِجُ أُناسًا، ولكِنَّهُ لا يُزعِجُني لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ ذلك. ولكِنَّهُ يُزعِجُ أُناسًا. وَهُمْ يقولون: "أجل! فلا يَجوزُ أنْ تقولوا إنَّ اللهَ سيُحضِر الخُطاةَ إليهِ وَهُمْ يَرفُسونَ ويَصيحون. فَقَوْلُ ذلكَ يعني أنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تَرفُضَ الدَّعوة، ولا يُمكنُكَ أنْ تُقاوِمَها. فاللهُ سَيَغلِبُكَ رُغمًا عنكَ ويَنْتَهِك حُرِّيَّتَك".

وهناكَ كثيرونَ يقولونَ إنَّ اللهَ لن يَنتَهِكَ إرادَتَنا الحُرَّة. وأنا أَسمعُ ذلكَ طَوالَ الوقت: "إنَّ اللهَ لن يَتَعَدَّى على حُريَّتِنا في الاختيار". وَهُمْ يُريدونَ أن يَقولوا: "حسنًا، انظروا! يُمكِنُنا ذلك. فاللهُ يُقَدِّمُ الدَّعوةَ القويَّة. فهذا هو ما يَفعلُه. وأحيانًا يكونُ ذلكَ مُقنِعًا جدًّا. وأحيانًا، قد تكونُ الدَّعوةُ قويَّة حقًّا مِن خلالِ الوُعَّاظِ الجَيِّدينَ المُقْنِعينَ حَقًّا. ويُمكنُنا أنْ نُصَلِّي وأنْ نَسألَ اللهَ أنْ يُطْلِقَ تلكَ الدَّعواتِ القويَّة. ويُمكننا أنْ نُصَلِّي وأنْ نَسألَ اللهَ أنْ يَفتَحَ أذهانَ النَّاسِ، وأنْ يَفتحَ قُلوبَهُم، وأنْ يُزيلَ العَمَى عن أعينُهِم، وأنْ يَجعَلَهُم يَتجاوبون؛ ولكِنْ لا أنْ يُرغِمَهُم على المجيءِ إليه. فيمكننا أنْ نَسألَ اللهَ أنْ يُعطيهم فُرصةً، ومَعلوماتٍ كثيرة، ودافِعًا. ولكِنَّ القَرارَ مَتروكٌ في النِّهاية لَهُم".

وهناكَ لاهوتِيٌّ مَشهورٌ يُسهِمُ مُساهمةً مُفيدة جدًّا مِنْ خِلالِ العديدِ مِن كِتاباتِه وَهُوَ "نورمان غايسلر" (Norman Geisler)، كَتَبَ كِتابًا بعُنوان: (Chosen But Free): "مُختارونَ ولكِنْ أحرار". وقد عَرَضَ واقِعَ النِّعمة الَّتي لا تُقاوَم أو هذه الدَّعوة المُخَلِّصة، وهذه الدَّعوة الفَعَّالة بأنَّها (في نَظَرِه) تَجعَلُ اللهَ مُتَجَبِّرًا إذْ إنَّهُ يَستخدِمُ قُدرَتَهُ ليَنتَهِكَ حُريَّتَنا مِنْ خِلالِ جَرِّنا بِالقُوَّة إلى مَلكوتِهِ.

ولا حاجةَ حَقًّا إلى قولِ ذلك لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يَقولُ ذلك. فلا أحدَ نَالَ الخلاصَ يَومًا رُغمًا عنه. ولا يوجد أشخاص تَمَّ جَلْبُهُم بالقُوَّة إلى المَلكوتِ وَهُمْ يَرفُسونَ ويَصرُخونَ ويَحْتَجُّون. ولا يوجد شخصٌ نَالَ الخَلاصَ يومًا بأنْ تَمَّ جَرُّهُ جَرًّا وَهُوَ يُقاومُ ويُمانِع. فهذا ليسَ ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس. فلا يوجد شخصٌ نَالَ الخلاصَ يومًا رُغْمًا عنهُ. ولن يَخلَصَ أحدٌ يَومًا بهذه الطريقة. فَكُلُّ شخصٍ نَالَ الخلاصَ إنَّما خَلُصَ لأنَّهُ اختارَ أنْ يُؤمِنَ بالإنجيل. والحقيقة هي أنَّهمُ اختاروا بِكُلِّ قُلوبهم ونفوسهم أنْ يُؤمنوا بالإنجيل. فلا يوجد شخصٌ نَالَ الخلاصَ يومًا رُغمًا عَنْ إرادَتِه. فهو عَمَلٌ نَابِعٌ مِنَ الإرادة بأنْ يُؤمِن.

والسُّؤالُ هو: ما الَّذي جَعَلَهُم يُريدونَ ذلك؟ أو بالحَرِيِّ: مَنِ الَّذي جَعَلَهُم يَشاءونَ ذلك؟ هل هُوَ أمرٌ نَابِعٌ مِنْ ذَواتِهم؟ أَمْ مِنَ الواعِظ؟ سوفَ نَستنتِجُ الآتي مِنْ ذلكَ الفِكْر: أنَّ ذلكَ القرارَ نَبَعَ بِصورةٍ ما مِنْهُم في نهايةِ المَطاف. وَمَعَ أنَّهم لم يكونوا راغِبينَ في ذلك، صَاروا راغِبينَ فيه، ووجَدوا عندَ نُقطةٍ ما في حياتِهم أنَّهُ بمقدورهم أنْ يُمسِكوا بِرِباطِ حِذائِهِم وأنْ يَسحَبوا أنفُسَهُم إلى أعلى، وأنْ يُخرِجوا أنفُسَهُم مِنْ حَالةِ انعدامِ الإرادَةِ إلى حالةِ الإرادة. أو أنَّ الواعِظَ حَطَّمَ مُقاوَمَتَهُم وجَعَلَهُمْ مِنْ خِلالِ وَعْظِهِ يَرغبونَ في ذلك.

وهناكَ آية صغيرة في المزمور 110. ولا حاجة إلى أنْ تَفتحوا عليها، بل يَكفي أنْ تُلاحِظوا ما جاءَ فيها وَحَسْب. المزمور 110: 3. فهي تَقولُ ما يَلي: "شَعْبُكَ مُنْتَدَبٌ فِي يَوْمِ قُوَّتِكَ". وهذهِ آية جَيِّدة حَقًّا. "شَعْبُكَ مُنْتَدَبٌ فِي يَوْمِ قُوَّتِكَ". فلا يوجد خاطئٌ سيكونُ مُستعِدًّا إلَّا إنْ حَلَّتْ قُوَّةُ اللهِ على ذلكَ الخاطئ. فلا يوجد أيُّ شيءٍ في الخاطئ يَجعَلُهُ رَاغبًا. ولا يوجدُ أيُّ شيءٍ في الخاطئ؛ حَتَّى لو بَذَلَ الواعظُ أفضلَ جُهدٍ لديه. فهذا لن يَحدُثَ إلَّا عندما تَجعَلُهُ قُوَّةُ اللهِ راغِبًا في ذلك. فحينئذٍ فقط يَصيرُ راغبًا في ذلك.

وهل أنا مُتَيَقِّنٌ مِن ذلك؟ بكُلِّ تأكيد. فلا يوجد خاطئ لديهِ القُدرة على أنْ يَرغبَ في ذلك. وهل يُمكنُني أنْ أُثبِتَ ذلكَ لكم؟ انظروا إلى رسالة رُومية والأصحاح الثالث. فسوفَ نَنظُرُ إلى بِضْعِ آياتٍ هُنا وَحَسْب. رسالة رُومية والأصحاح الثَّالث. وأنا أُفَكِّرُ دائمًا أنَّهُ سيكونُ لديَّ مُتَّسَعٌ مِنَ الوقتِ، ولكِنَّ هذا لم يَحدُث يَومًا! رسالة رُومية 3: 10: "أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ". وهذا بُرهانٌ كَافٍ. أليسَ كذلك؟ "الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ. وَفَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. فِي طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسُحْقٌ. وَطَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ. لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ".

وأودُّ أن أقولَ إنَّ هذه حَالة مُحزِنة جدًّا. وهذه طريقة أخرى للقولِ إنَّ "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ". "لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ". فلا أحدَ يَفعلُ ذلكَ طَوعًا. ونقرأُ في رسالة أفسُس 2: 1 السَّبب. رسالة أفسُس 2: 1: "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا..." [فالأمواتُ لا يَتجاوَبون] "...الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا". فهذه هي حَالَتُكُم. فهي حالة يائسة.

ونقرأ في رسالة كورِنثوس الأولى 2: 14: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ". ونَقرأ في رسالة كورِنثوس الثَّانية 4: 3-4: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي الْهَالِكِينَ، الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيح". وقد دَرَسنا ذلكَ بتَفصيلٍ شَديد. وهذا هو المقصودُ بالفَسادِ التَّامّ: عَجزُ الخاطِئ المُطْبِقُ عَنْ أنْ يَرغبَ في قَبولِ الله.

فلا يوجد خاطئ يَستطيعُ أنْ يَفعلَ ذلكَ مِنْ ذاتِه. ولا يوجد خاطئ يَستطيعُ مِنْ ذاتِهِ أنْ يَفهم، أوْ أنْ يُبدي الاستعدادَ للتَّوبة، أوْ يُبدي الاستعدادَ للإيمان، أوْ أنْ يُبدي الاستعدادَ لاختيارِ اللهِ والمسيحِ والخلاص. فالفسادُ مُسْتَفْحِلٌ فيهِ جِدًّا ويُؤثِّرُ في كُلِّ كِيانِهِ الرُّوحِيِّ. فنحنُ عاجِزونَ عنِ اختيارِ ذلك. ونحنُ عاجِزونَ عن طَلَبِ ذلك. فالخاطئُ لا يَصيرُ راغبًا بذلكَ إلَّا في يَومِ القُوَّةِ الإلهيَّة. فيجب أنْ يُظهِرَ اللهُ سُلطانَهُ وقُدرَتَهُ في دَعوَتِنا، وأنْ يُعطينا الإرادة لكي نُؤمِن. ويجب أنْ يَجعَلَنا مُستعِدِّين: "شَعْبُكَ مُنْتَدَبٌ فِي يَوْمِ قُوَّتِكَ".

ولكِنَّ هذا لا يَعني أنَّ الخاطئَ يأتي وَهُوَ يَرفُسُ، ويَصرُخُ، ويَحتَجُّ، ويُحاولُ أن يُقاوِمَ؛ لأنَّهُ عندما تأتي الدَّعوة فإنَّ الخاطئَ يَصيرُ رَاغِبًا. والحقيقةُ هي أنَّ هذا الأمرَ يَصيرُ شَوقَ قَلبِهِ. فعندما يأتي الإنجيلُ، يَصيرُ الخاطئُ مُتَشَوِّقًا جدًّا للتَّجاوُب. صَحيحٌ أنَّ النَّاسَ (بِوَصْفِهم خُطاةً ضَالِّينَ) لديهم حُريَّة إرادة. فهذا صحيح. ولكِنَّ إرادَتَهُم ... انظروا إليهم ... انظروا إلى الخُطاة. فَهُمْ يَتصرَّفونَ بِحُرِّيَّة. وما الَّذي يَفعلونَهُ؟ إنَّهُم يَختارونَ أنْ يُخطئوا. فَهُمْ يَختارونَ وَيَنْتَقونَ وَحَسْب أيَّ خَطيَّةٍ سَيَقتَرِفون.

فالخاطئُ الضَّالُّ يَمْلِكُ حُريَّةَ إرادَة. وفي الخلاصِ، نحنُ لدينا أيضًا حُريَّة إرادة. ولكِنْ عِوَضًا عن أنْ نَختارَ الخطيَّة فإنَّنا نَختارُ المسيحَ. والفَرقُ هو أنَّنا دُعينا بِدعوة إلهيَّة. وقد قالَ "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards): "ما نَختارُهُ لا يَتَقَرَّر حَقًّا بمشيئَتِنا كما لو أنَّها موجودة بصورة مُستقلَّة. بل إنَّ ما نَختارُهُ [كما يَقولُ إدواردز] يَتَقَرَّرُ في الحقيقة مِنْ خِلالِ الذِّهنِ ومِنْ خِلالِ ما يَظُنُّ الذِّهنُ أنَّهُ الأفضل". وبالمُناسبة، فإنَّ الذِّهنَ ليسَ مُحايِدًا وليسَ مَوضوعِيًّا. بل إنَّ الذِّهنَ فاسِدٌ. لِذا فإنَّ ما يَظُنُّ الذِّهنُ أنَّهُ الأفضل هو ما نَختارُهُ. فنحنُ أحْرارٌ في أنْ نَختارَ ما تَظُنُّ أذهانُنا أنَّهُ الأفضل. وبمِعَزِلٍ عنِ اللهِ، وبِمَعزِلٍ عنِ المسيح، فإنَّ أذهانَنا فاسدة وتَعتقدُ أنَّ الخطيَّة هي الشَّيء الأفضل.

ويقولُ "إدواردز": "عندما نَتواجَهُ مَعَ اللهِ، فإنَّ ذِهنَ الخاطِئِ لا يَعتقدُ أنَّ اتِّباعَ اللهِ أوْ إطاعَتَهُ هو خِيارٌ جَيِّد". فإرادةُ الخاطئِ لا يُمكن أنْ تَختارَ الله. ولا يوجد شيءٌ يَمنَعُهُ مِنَ القيامِ بذلك، ولكِنَّ ذِهنَهُ لا يَعتقدُ أنَّ الخُضوعَ للهِ والإنجيلِ هو شيءٌ مَرغوبٌ فيه. لِذا، ما لم يُغَيِّرِ اللهُ طريقَةَ تَفكيرِنا، فإنَّ أذهانَنا ستُخبِرُنا دائمًا أنْ نَتمرَّدَ على اللهِ والإنجيل. وهذا هو تمامًا ما نَفعَلُه.

فالخاطئُ سيستمرُّ في المُقاومة إلى أنْ تَحِلَّ النِّعمةُ مِنَ السَّماءِ ويَتَلَقَّى دَعوةً سَماويَّة. وأنا لا أُحِبُّ فِكرةَ النِّعمة الَّتي لا تُقاوَم لأنَّ العبارة "لا تُقاوَم" سَلبِيَّة. وأنا أُفَضِّلُ أنْ أرى أنَّ الأمرَ يَتوقَّفُ على الدَّعوة الَّتي لا مَناصَ مِنها، لا على أنَّها شيءٌ سَلبِيّ. ثانيًا، لأنَّ عِبارة "النِّعمة الَّتي لا تُقاوَم" لا حاجة لها. فإنْ كانتِ النِّعمةُ كُلُّها هي مِنَ اللهِ، لا بُدَّ أنَّها لا تُقاوَم لأنَّنا نقرأُ في رسالة رُومية أنَّ اللهَ يَقول: "إِنِّي أَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ، وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ". وكذلكَ الحالُ في سِفْر الخُروج. فهي بِكُلِّ تأكيد لا تُقاوَم. فإنْ قَرَّرَ اللهُ أن يُسْبِغَ نِعمَتَهُ، فإنَّها كُلُّها مِنْهُ. وهذا الوَصْفُ كَافٍ.

لِذا فإنَّني لا أُحِبُّ عِبارَة "لا تُقاوَم" لأنَّها سَلبيَّة ولأنَّها زائدة عنِ الحاجة. ثالثًا، لأنَّها تُقَلِّلُ مِنْ شأنِ النِّعمة. فالنِّعمة هي أكثر بكثير مِنْ أنْ تَكونَ لا تُقاوَم. والكِتابُ المُقَدَّسُ لا يُسَمِّي هذهِ "نِعمة لا تُقاوَم"، بل يُسَمِّيها دَعوة سَماويَّة، أو دَعوة إلى الطَّهارة، أو دَعوة إلى القداسة، أو دَعوة إلى التَّبرير، أو دَعوة إلى الشَّرِكَة مَعَ القِدِّيسين، أو دَعوة إلى الانضمامِ إلى جسدِ المسيح. ولكِنَّ تلكَ العِبارة تُقَلِّلُ مِنْ شأنِها.

فماذا لو أَسميناها وَحَسْب: "الدَّعوة المُخَلِّصة"؟ صَحيحٌ أنَّ ذلكَ قد يُؤدِّي إلى تَغييرٍ طَفيفٍ في كلمة "تُوْلِبْ" (TULIP) الَّتي تُلَخِّصُ الفِكْرَ اللَّاهوتِيَّ المُصْلَح، ولكِنْ لا بأسَ في ذلك. فهذه الدَّعوة هي هِبَة مِنَ اللهِ لنا (بحسب ما جاءَ في رسالة أفسُس 2: 8-9). هل تَذكرونَ ذلك. رسالة أفسُس 2: 8-9: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ". فالأمرُ كُلُّهُ هِبَة مِنَ الله. فالأمرُ كُلُّهُ نَحصُلُ عليهِ هِبَةً مِنَ اللهِ لنا.

وكَمْ أُحِبُّ ما جاءَ في رسالة فيلبِّي 1: 29: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ". فقَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ أَنْ تُؤْمِنُوا. والدَّعوةُ هي الَّتي قَادَتْكُم إلى الإيمان. والدَّعوة هي الَّتي قادَتْكُم إلى الفَهم. وهي الَّتي قادَتكُم إلى الشُّعورِ بالتَّبكيتِ، والتَّوبةِ، والإيمان. وَمِنَ الواضحِ أنَّ هذهِ دَعوة مُخَلِّصة. ولا يُوجد شيءٌ أَقَلُّ مِن ذلك يَجعلُ الكتابَ المقدَّسَ مَنطقيًّا.

وهذا يُشبِهُ ما جاءَ في سِفْر أعمال الرُّسُل 13: 48 إذْ نَقرأُ: "وَآمَنَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ". فكيفَ آمَنَ أولئكَ الَّذينَ كانوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّة؟ لأنَّ اللهَ دَعاهُم إلى تَرْكِ جَهْلِهم، ودَعاهُم إلى تَرْكِ تَشويشِهم، ودَعاهُم إلى تَرْكِ ظُلمَتِهم، ودَعاهُم إلى تَرْكِ إثمِهم، ودعاهُم إلى تَركِ خَطيئتهم. وقد كانتِ الدَّعوة فَاعِلَة لأنَّها تَفَعَّلَتْ بِقوَّةِ اللهِ الَّتي أَخرجتهُم إلى النُّورِ، وإلى الحَقِّ، وإلى التَّوبةِ، وإلى الإيمان.

وهذا يُشبِهُ ما حَدَثَ لليديَّة في سِفْر أعمال الرُّسُل 16: 14 إذْ نَقرأُ: "فَفَتَحَ الرَّبُّ قَلْبَهَا". وأنا أُحِبُّ هذه العِبارة: "فَفَتَحَ الرَّبُّ قَلْبَهَا". وهذه هي الدَّعوةُ الفَاعِلَة. فالرَّبُّ يَفتحُ الذِّهنَ والقلب. والشَّخصُ الَّذي لم يَكُن رَاغبًا يَصيرُ راغبًا. ونقرأُ في سِفْر أعمال الرُّسُل 18: 27 أنَّ بولسَ "سَاعَدَ كَثِيرًا بِالنِّعْمَةِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ آمَنُوا".

لِذا، يُمكنُنا أنْ نُسَمِّيها وَحَسْب: "نِعمَة". فالنِّعمة هي الَّتي تُخَلِّص حَقًّا. النِّعمةُ هي الَّتي تُخَلِّص حَقًّا. فالخاطئُ لا يَستطيع أنْ يُغَيِّر إرادَتَهُ، ولا يَستطيع أنْ يُغَيِّر مَشيئَتَهُ لِقَبول الله. هل تَذكرونَ إنجيل يوحنَّا 1: 12؟ "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ". فلا يوجد مَنْ يَرغَبُ في ذلك إلَّا إنْ شَاءَ اللهُ ذلكَ أوَّلاً وَفَعَّلَهُ.

فالسَّببُ في الخلاصِ هو ليسَ أنَّ الخاطئَ قد عادَ إلى رُشْدِهِ. والسَّبَبُ هو ليسَ أنَّ الخاطئَ قدِ اقتَنَعَ مِن خلالِ عِظَةٍ ذكيَّة، أوْ مِن خلالِ عِظَة لَمَسَتْ قَلبَهُ. فهذه كُلُّها أوهامٌ مُضَلِّلة. والسَّببُ في ذلكَ هو ليسَ أنَّكَ لَطيفٌ جدًّا أو لأنَّكَ جَعلتَ يَسوعَ يَظهرُ بمظهرٍ رائعٍ جدًّا. فالنَّاسُ يَخلُصونَ لأنَّ اللهَ يَدْعوهُم. وَهُوَ يَدعوهم مِن خلالِ المُناداةِ بالإنجيلِ أوْ فَهْمِ الإنجيل. لِذا، تَجاهَلوا كُلَّ هذا الكَلامِ الفَارِغ. فالإنجيلُ هو الشَّيءُ الوحيدُ الَّذي يَستخدِمُهُ اللهُ لإيقاظِ الخاطئِ وجَعلِهِ راغبًا في المجيءَ إليهِ؛ مَعَ أنَّهُ لم يَكُن يَرغبُ في ذلك مِنْ قبل.

إنَّني واحدٌ مِنْ مَجموعةٍ مِنَ الرُّعاةِ واللَّاهوتيِّينَ الَّذينَ يُطلَقُ عليهم اسم: "رابِطَة الإنجيليِّينَ المُعتَرِفين" (The Alliance of Confessing Evangelicals). وأنا سَعيدٌ بأنْ أكونَ جُزءًا مِن تلكَ الرَّابطة. وهي مَجموعة مُبَجَّلة مِنَ اللَّاهوتِيِّينَ القادة مِنْ جميعِ أنحاءِ البلد. وأنا أَتَشَرَّفُ بأنْ أكونَ بينَهُم. وفي سنة 1996، صَاغَتْ رَابطةُ الإنجيليِّينَ المُعتَرِفينَ ما يُعرَفُ بإعلان كامبردج (Cambridge Declaration). وإليكُم ما جاءَ فيه: "إنَّ الثِّقةَ الَّتي لا مُبَرِّرَ لها بقُدرةِ الإنسانِ هي نِتاجُ الطَّبيعة البشريَّة السَّاقطة". وهي جُملة في مَكانِها. "إنَّ الثِّقةَ الَّتي لا مُبَرِّرَ لها بقُدرةِ الإنسانِ هي نِتاجُ الطَّبيعة البشريَّة السَّاقطة". فالسَّببُ الوحيدُ الَّذي يَجعَلُنا نَظُنُّ أنَّهُ بمقدورِنا أنْ نَرغبَ في أنْ نَخلص هو أنَّ تَفكيرَنا فاسِدٌ.

ويُضيفُ الإعلانُ قائلاً: "وهذه الثِّقة المَغلوطة تَملأُ الآنَ العالمَ الإنجيليَّ ابتداءً بإنجيلِ تَقديرِ الذَّاتِ وانتهاءً بإنجيلِ الصِّحَّة والغِنى، وابتداءً بأولئكَ الَّذينَ جَعلوا الإنجيلَ سِلعَةً تُباعُ وجَعَلوا الخُطاةَ زَبائنَ يَرغبونَ في الشِّراء، وانتهاءً بأولئكَ الَّذينَ يَنظرونَ إلى الإيمانِ المسيحيِّ بأنَّهُ صَحيحٌ لِمُجَرَّدِ أنَّهُ يَعمَل. ولكِنَّ نِعمةَ اللهِ في المسيح هي ليست ضَروريَّة وَحَسْب، [ولكِنَّ نِعمةَ اللهِ في المسيح هي ليست ضَروريَّة وَحَسْب]، بل إنَّها العِلَّة الفَعَّالة الوَحيدة للخلاص. ونحنُ نُقِرُّ بأنَّ البشرَ يُولَدونَ أمواتًا رُوحيًّا، وأنَّهم ليسوا قادرينَ حَتَّى على التَّعاوُنِ معَ النِّعمةِ الَّتي تَقودُ إلى الولادة الثَّانية".

كذلك، يَقولُ الإقرار: "ونحنُ نُؤكِّدُ أنَّنا في الخلاصِ قد أُنقِذنا مِنْ غَضَبِ اللهِ بالنِّعمةِ وَحدَها. فالخلاصُ هو عَمَلٌ خارقٌ للطبيعة يقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُسُ الَّذي يَجذِبُنا إلى المسيحِ مِنْ خِلالِ إعتاقِنا مِنْ عُبوديَّةِ الخطيَّة، وإقامَتِنا مِنَ الموتِ الرُّوحِيِّ إلى جِدَّةِ الحياةِ الرُّوحيَّة. ونحنُ نُنكِرُ أنَّ الخلاصَ هو بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ عَمل بَشريّ. والأساليبُ والطُّرُقُ والاستراتيجيَّاتُ البشريَّةُ لا تَستطيعُ في ذاتِها أنْ تُحدِثَ هذا التَّغيير. فالإيمانُ لا يَنشأُ عن طبيعَتِنا البشريَّة الَّتي لم تَختبِر التَّجديد" [نِهايةُ الاقتباس].

والآن، أنا أُحِبُّ التَّسابيح. وقد كُنتُ يومَ أمس واليوم عاكِفًا على قراءةِ مَجموعةٍ مِنَ التَّسابيح؛ وتَحديدًا على قراءةِ سِفْرِ المَزاميرِ مُقَسَّمًا إلى مَقاطِع لأنَّ شخصًا أعطاني كِتابًا مُقَدَّسَا يَعودُ تاريخُهُ إلى سنة 1672 (أيْ إلى نحو 330 سنة إلى الوراء). وفي نِهايةِ ذلكَ الكتاب، قامَ أحدُ الأشخاصِ بإعادةِ كِتابةِ المزامير المِئَة والخمسين بطريقة مُجَزَّأة ومَوزونَة. وأنا عَاكِفٌ على قِراءَتِها مِنْ أوَّلِها إلى آخِرِها. وقد عَقَدْتُ العَزمَ على كِتابةِ مَزيدٍ مِنَ التَّسابيح في السَّنواتِ القادمة. فأنا أُحِبُّ وَحَسْب الموسيقا العَظيمة. وواحِدٌ مِنْ كُتَّابِ التَّسابيح المُفَضَّلينَ لديَّ هو "تشارلز وِسلي" (Charles Wesley). ويجب عليكم أنْ تَفهموا الأَخَوَيْن "وِسلي". فقد كانا مُنَاهِضَيْنِ للكالفِنِيِّين. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ لقد كانتِ الكالفِنيَّة الَّتي يُقاوِمانِها سَيِّئة جِدًّا.

فقد كانتِ الكالفِنيَّة فاسِدة في أيَّامِ الأخَوَيْن "وِسلي". وقد كانت قاسية وعنيدة، وكانَ كثيرونَ مَنْ أتباعِ الكالفِنيَّة يَعيشونَ حياةً لا صِلَةَ لَها بالمسيحيَّة. ولكِنَّ "تشارلز وِسلي" الَّذي كَتَبَ تَسابيحَ كثيرة جِدًّا مِنْ وُجهةِ النَّظرِ الأرمينيَّةِ أوِ المُناهِضَةِ للكالفِنيَّة إذْ إنَّهُ كانَ يُؤمِنُ بِحُريَّةِ الإرادةِ وحُريَّةِ الخاطئِ في الاختيار، كانَ (بالرَّغمِ مِنْ لاهوتِهِ) يَعرِفُ الحَقيقة. فيَكفي أنْ تَستمعوا إلى ما كَتَبَ. وهي تَرنيمة تَعرفونَها. فهي تَرنيمة كَتَبَها هو بعُنوان: (And Can It Be). وإليكُم ما كَتَبَهُ:

لَطالَما بَقِيَتْ رُوحي السَّجينة قابعةً،

في قُيودِ الخطيَّةِ والظَّلام.

ثُمَّ إنَّ عَينيكَ أَصدَرَتا شُعاعًا مُحْيِيًا،

فَأفَقْتُ لأجدَ السِّجنَ يُشِعُّ نُورًا.

وقد سَقَطَتْ قُيودي، وتَحَرَّرَ قَلبي،

فنَهضتُ وَانطلقتُ لأتبَعَك.

والآن، لا يُمكنُ سِوى لشخصٍ كالفِنيّ أنْ يَكتُبَ كلماتٍ كهذه! ماذا؟ هَيَّا يا "تشارلز". اعتَرِف. فأنتَ سَجينٌ في الظُّلمةِ واللَّيل، ولكِنْ ما لم يُشرِق اللهُ بنورِهِ عليكَ ويُحَطِّم قُيودَكَ، لن يَتغيَّرَ شيء. فهذا هو المجدُ النَّاجِمِ عن هذا الحَقِّ العظيم. ففي النِّهاية، المجدُ كُلُّهُ لله.

وأودُّ أنْ أختُمَ حديثي. فعلى مَرِّ السِّنين، دَعَوْنا مَرَّاتٍ عديدة الدَّكتور "جيم بويس" (Jim Boice) للوعظِ هُنا. وهو خادمٌ عظيمٌ جِدًّا لله، ولاهوتيٌّ عظيم، وواعظٌ عظيم عاشَ حياةً تُمَجِّدُ الله. وما تَزالُ كُتُبُهُ بَرَكَةً لي. وأنا أَحْسِبُهُ بِكُلِّ تأكيد مُعَلِّمًا لي. والحقيقة هي أنَّ "آر.سي. سبرول" (R.C. Sproul) قالَ لي ذاتَ يومٍ إنَّ موتَ "جيم بويس" كانَ دَينونةً مِنَ اللهِ على أمريكا. فقد تَرَكَ فَراغًا هائلاً. وقد كان "بويس" يُحِبُّ التَّسابيح ويَكتُبُها. وقد كَتَبَ في واحدٍ مِنْ كُتُبِهِ عن "جون نيوتن" (John Newton). ففي سنة 1779، كَتَبَ "جون نيوتن " تَرنيمةَ "أميزنغ غريس" [ما أَعْجَبَ النِّعمَة] (Amazing Grace) الَّتي نَعرِفُها جميعًا. ولكنِّي لا أدري إنْ كُنتم جميعًا تَعرفونَ قصَّةَ هذا الرَّجُل الَّذي وُلِدَ في سنة 1725 وماتَ في سنة 1807. واسمحوا لي أنْ أقرأَ على مَسامِعِكُم جُزءًا مِمَّا كَتَبَهُ "بويس" عنهُ:

"نَشأَ نيوتن في بيتِ مسيحيٍّ تَعَلَّمَ فيهِ آياتٍ مِنَ الكتابِ المُقدَّس، ولكِنَّ أُمَّهُ ماتت عندما كانَ في سِنِّ السَّادسة فقط. وقد ذهبَ ليعيشَ معَ قَريبٍ لَهُ كانَ يَكرَهُ الكتابَ المقدَّسَ ويَسخَرُ مِنَ المسيحيَّة. وقد هَرَبَ نيوتن إلى البَحر. فقد كانَ جَامِحًا في تلكَ السِّنين، وكانَ الجَميعُ يَعرفونَ أنَّهُ قادرٌ أنْ يَشتُمَ طَوالَ ساعَتينِ مُتواصِلَتَيْنِ مِنْ دونِ أنْ يُكَرِّرَ نفسَ الكلمات. وقد اضْطُرَّ إلى الالتحاقِ بِسلاحِ البحريَّة البريطانيّ، ولكنَّهُ هَرَبَ مِنَ التَّجنيد. وقد تَمَّ إلقاءُ القبضِ عليه وَضُرِبَ على مَرأى مِنَ النَّاسِ عِقابًا لَهُ.

"وفي النِّهاية، التحقَ نيوتن بالأسطولِ التِّجاريِّ وذهبَ إلى إفريقيا. وقد كَتَبَ في مُذَكِّراتِهِ أنَّهُ عندما ذهبَ إلى إفريقيا فإنَّهُ فَعَلَ ذلكَ لسببٍ واحدٍ فقط: ’أنْ أَعيشَ في الخطيَّة حَتَّى الثَّمالة‘. وقد وَقَعَ نيوتن بينَ يَدَيِّ تاجِرِ رَقيقٍ بُرتُغاليٍّ في إفريقيا وَتَلَقَّى في بَيتِهِ مُعاملةً قاسية. وكانَ هذا الرَّجُلُ يَذهبُ غالبًا في رِحلاتٍ لِجَلْبِ العبيد. وعندما كانَ يُسافِر، كانت سُلطَتُهُ تَنتقلُ إلى زَوجَتِهِ الإفريقيَّة المسؤولة عنِ الحَريم. وقد كانت تَكرَهُ جَميعَ الرِّجالِ البِيْض. لذا فقد صَبَّتْ غَضَبَها على نيوتن المِسكين.

"وهو يقولُ إنَّه اضطُرَّ على مَدى أشهُر أنْ يَنْطَرِحَ على التُّراب وأنْ يأكُلَ طَعامَهُ عَنِ الأرضِ كالكلب. وكانَ يُضرَبُ بِلا رَحمَة إنْ لَمَسَ الطَّعام". وهذا يعني أنَّهُ كانَ ينبغي لهُ أنْ يأكُلَ الطَّعامَ بوجهِهِ وليسَ بيديه. "وفي ذلكَ الوقت، نَجَحَ نيوتن النَّحيلُ والهَزيلُ في الهربِ عن طريقِ البحر في سفينةٍ بريطانيَّة كانت تَشُقُّ طريقَها إلى ساحِلِ إنجلترا. وعندما عَلِمَ قُبطانُ السَّفينة أنَّ هذا الشَّابَّ الصَّغيرَ يَعرِفُ شيئًا عنِ الإبحار نَتيجَةَ خِدمَتِهِ في البحريَّة البريطانيَّة، جَعَلَهُ مُساعِدًا لَهُ.

"ولكِنْ حَتَّى في ذلكَ الوقت، وَقَعَ نيوتن في المتاعب. فذاتَ يومٍ، عندما كانَ القُبطانُ على الشَّاطئ، أخرَجَ نيوتن مَخزونَ السَّفينةِ مِنَ المشروباتِ الكُحوليَّة وجَعَلَ جَميعَ طَاقَمِ السَّفينةِ يَشَرَبُ حَتَّى الثَّمالة. وقد شَرِبَ هُوَ نَفسُهُ كثيرًا حَتَّى إنَّهُ عندما عادَ القُبطانُ وضَرَبَهُ على رأسِهِ، سَقَطَ نيوتن مِن على سَطحِ السَّفينة وكادَ أنْ يَغرَقَ لَولا أنَّ واحدًا مِنَ البَحَّارة أنقَذَهُ وأعادَهُ إلى ظَهرِ السَّفينة. وبالقُربِ مِن نِهايةِ إحدى الرِّحلاتِ الَّتي كانتِ السَّفينةُ تَقترِبُ فيها مِن إسكتلندا، تَعَرَّضت السَّفينة لأحوالٍ جَوِّيَّة رَديئة وَخَرَجَتْ عن مَسارِها. وقد تَسَرَّبتِ المياهُ إليها وابتدأتِ السَّفينةُ تَغرَق. وقد تَمَّ إرسالُ الشَّابِّ الطَّائشِ إلى أسفَل لِضَخِّ الماء. وقد دامتِ العاصفةُ أيَّامًا حَتَّى إنَّ نيوتن ارتَعَبَ وكانَ واثقًا مِن أنَّ السَّفينة ستَغرَق وأنَّهُ سيَغرَق.

"ولكِنْ بينما كانَ في قَعْرِ السَّفينةِ يَضُخُّ الماءَ بيأسٍ، ذَكَّرَهُ إلَهُ كُلِّ نِعمةٍ، الَّذي حاولَ أنْ يَنساهُ ولكِنَّهُ لم يَنساه، ذَكَّرَهُ بآياتِ الكِتابِ المُقَدَّسِ الَّتي كانَ قد تَعَلَّمَها في بيتِهِ عندما كانَ طفلاً. وقد انفَتَحَ طَريقُ الخلاصِ لَهُ، وَوُلِدَ ثانيةً في الجُزءِ السُّفليِّ مِنَ السَّفينة. وقد تَغَيَّرَ بعُمق. وفي وقتٍ لاحقٍ عندما عادَ نيوتن إلى إنجلترا، ابتدأَ يَدرُسُ اللَّاهوت، وصارَ في النِّهاية واعظًا؛ أوَّلاً في بلدةٍ صَغيرة اسمُها "أولني" (Olney)، ثُمَّ لاحقًا في لندن".

وبسببِ هذه العاصفة، كَتَبَ "وليام كوبر" (William Cooper)، الشَّاعِرُ البريطانِيُّ الفَذّ بِحَقّ والَّذي صارَ بسُرعة صَديقًا حميمًا لنيوتن ، وعاشَ مَعَهُ بِضعَ سِنين، كَتَبَ هذه السُّطور. فقد كَتَبَ "كوبر" عنِ العاصفةِ الَّتي استخدَمَها اللهُ لِدعوةِ "نيوتن". وإليكُم ما كَتَب (وسوفَ تتذكَّرونَ هذه الكلمات): "إنَّ اللهَ يَتحرَّكُ بطريقة عجيبة لتحقيقِ مَقاصِدِهِ. فهو يَضَعُ قَدَمَيْهِ في البحرِ ويَركَبُ العاصِفة".

"فهذا هو ما فَعَلَهُ" [كما يقولُ "بويس"]. فقد كانَ نيوتن واعظًا عظيمًا مُمتلئًا نِعمةً لأنَّهُ تَعَلَّمَ أنَّهُ "حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا". وهو دَليلٌ حَيٌّ على أنَّ نعمةَ اللهِ كافية لتخليصِ أيِّ شخصٍ، وعلى أنَّهُ يُخَلِّصُهم بالنِّعمةِ وَحدَها".

والآن، أنتُم تَعلمونَ أنَّهُ عندما كَتَبَ جون نيوتن: "ما أَعجبَ النِّعمةَ وَما أَعذَبَ الصَّوت"، فإنَّهُ كَتَبَها عندما سَمِعَ دَعوةَ صَوتِ نِعمةِ اللهِ الَّتي أَيقَظَتْهُ. والمؤمنونَ (مُنذُ ذلكَ الحين) يُرَنِّمونَ عنْ تلكَ النِّعمةِ العَجيبةِ؛ النِّعمةِ الَّتي يَستخدِمُها اللهُ لدَعوةِ الخاطئِ إليه. لِنَحْنِ رُؤوسَنا مَعًا حَتَّى نُصَلِّي:

إنَّ هذا الحَقَّ العظيمَ، يا أبانا، يُنعِشُ قُلوبَنا حَتَّى الأعماقِ، ولا سِيَّما حينَ نَعلمُ أنَّكَ تَنازَلْتَ وَدَعوتَنا لأنَّكَ اخترتَنا للمَجد. نُبارِكُكَ، ونُسَبِّحُكَ، ونَشكُرُكَ. ويا ليتَنا نَسلُكُ كما يَليقُ بهذه الدَّعوةِ السَّماويَّة لأنَّنا قد دُعينا إلى القداسة، ودُعينا إلى الشَّركة، ودُعينا إلى الانضمامِ إلى الجسد، ودُعينا إلى شَرِكَةٍ حَميمةٍ معَ المسيح، ودُعينا لِنَكونَ رُسُلاً لَهُ. يا ليتَنا نَسلُكُ كما يَليقُ بهذهِ الدَّعوة. نُبارِكُكَ باسمِ ابِنَك. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize