Grace to You Resources
Grace to You - Resource

مِنَ الواضِحِ أنَّ هذهِ الخدمة تَعتمدُ تمامًا على كلمةِ اللهِ الحَيّ، أيْ على الأسفارِ المقدَّسَةِ أوِ الكِتابِ المقدَّسِ. فنحنُ مُلْتَزِمونَ تُجاهَ كلمةِ اللهِ لأنَّها صحيحةٌ تمامًا. ونحنُ مُكَرَّسونَ لكُلِّ عِبارَة، وكُلِّ آية، وكُلِّ أصحاحٍ، وكُلِّ سِفْرٍ لأنَّنا نَثِقُ أنَّهُ جَاءَ مِنَ اللهِ نَفْسِهِ. فالطريقةُ الوحيدةُ لمعرفةِ اللهِ ومشيئتهِ هي أنْ تُعلَنَ لنا بطريقةٍ بَيِّنَة وواضِحَة. وقدِ اختارَ اللهُ أنْ يَفعلَ ذلكَ مِنْ خِلال كِتابٍ، أيْ مِن خلالِ الكِتابِ المقدَّسِ. وقد أُتيحتْ لي مؤخَّرًا فُرصةَ الظُّهورِ ثانِيَةً على مَحَطَّةِ "سي. إن. إن" (CNN)، وأن أُشارِكَ في واحدةٍ مِن تلكَ المناقشاتِ معَ أُناسٍ لا يَتَّفِقونَ معي. ويبدو أنَّ هذا هُوَ نَصيبي في الحَياةِ. وغالبًا ما يكونُ هؤلاء يُخالِفوني الرَّأيَ بِشِدَّة. وعندما أكونُ في بيئةٍ كهذهِ معَ غيرِ المؤمنين، أوْ معَ قادةٍ دينيِّينَ آخرين، أوْ معَ أُناسٍ يَعتنقونَ آراءً أخلاقيَّةً مُختلفة، فإنّي لا أتحدَّثُ سِوى عَنْ نُقْطَتَيْن. فأيًّا كانَ النِّقاشُ فإنَّهُ ليسَ مُجَرَّدَ نِقاشٍ عَنْ مَوضوعٍ مُعَيَّنٍ في نَظري.

فموضوعُ النِّقاشِ لا يَعنيني كثيرًا. بل إنِّي أبحثُ عنْ طُرُقٍ لقولِ نُقْطَتَيْن: الأولى هيَ أنَّ يَسوعَ هُوَ المُخَلِّصُ الوحيد، والثانية هي أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ السُّلْطةُ الوحيدةُ مِنَ الله. وأنا أَرغبُ في قَوْلِ هاتَيْنِ النُّقطتَيْن بِكُلِّ طريقةٍ مُمكِنة، وأنْ أَدعو النَّاسَ إلى قَبولِ السُّلْطانِ الوحيدِ لكلمةِ اللهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ أيِّ آراءٍ بَشريَّةٍ، وإلى قَبولِ يَسوعَ المسيحِ بِصِفَتِهِ المُخَلِّصَ الوَحيدَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أيِّ ديانَةٍ بَشريَّةٍ. وفي تلكَ المُقابلة، قالَ واحِدٌ مِنَ ضُيوفِ الحَلْقَةِ (وَهُوَ مُدافِعٌ عَنِ المِثليَّة الجِنسيَّة، ويَقولُ عنْ نَفسِهِ إنَّهُ يَنْتَمي إلى كنيسةِ الرُّومِ الكاثوليك)، قالَ إنَّ تَركيزي الشَّديد على كلماتِ الكِتابِ المقدَّسِ جَعَلني أُغْفِلُ الرِّسالةَ الإجماليَّةَ. والحقيقةُ هي أنَّ هذهِ طريقة غريبة في التَّفكير: إنَّ تَركيزي الشَّديد على كلماتِ الكِتابِ المقدَّسِ جَعَلني أُغْفِلُ رِسالَتَهُ الإجماليَّةَ!

فكيفَ يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَعرفَ رسالةَ الكتابِ المقدسِ بمعزِلٍ عنْ كلماتِ الكتابِ المقدَّس؟ إنَّ هذا النوعَ مِنَ الهُراءِ الصُّوفِيِّ يأسُرُ قُلوبَ ملايينِ النَّاسِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّ هناكَ رِسالةً باطِنِيَّةً شِعارُها المَحَبَّةُ تَسْمو على ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ فِعْلِيًّا. ولكنَّ اللهَ أعْطانا كِتابًا. وقد تَحَدَّثَ في ذلكَ الكِتاب. وما قالَهُ هُوَ ما أرادَ أنْ يَقولَهُ تمامًا. وقد عَبَّرَ عنْ ذلكَ بطريقةٍ نَفْهَمُها لأنَّنا سنكونُ مَسؤولينَ عنها. واللهُ تَحَدَّثَ ولم يُتَمْتِمْ. فقد تَحَدَّثَ بوضوحٍ. وقد تَكَلَّمَ بعنايةٍ ودِقَّة، وبطريقةٍ مُباشرةٍ عنِ الأمورِ الَّتي تَعنيهِ وتَعْنينا. وقد أَقْسَمَ اللهُ في إعلانِهِ، أيْ في الكِتابِ المقدَّسِ، أنَّهُ تَكَلَّمَ بالصِّدقِ، وأنَّهُ قالَ الحقيقةَ كاملةً ولا شيءَ غيرَ الحقيقة.

فهذا الكِتابُ صَحيحٌ. وَهُوُ كُلُّهُ صَحيح. ولا يوجدُ فيهِ شيءٌ غيرُ صَحيح. وَهُوَ أيْضًا كُلُّ الحَقِّ الَّذي أرادَ اللهُ أنْ يُعْلِنَهُ لنا. أمَّا ما تَبَقَّى فَهُوَ مَتْروكٌ لِنَعْرِفَهُ في الأبديَّة. والكِتابُ المقدَّسُ وَحْدَهُ هوَ كلمةُ الحَقِّ الَّتي جاءَتْنا مِنَ اللهِ الحَقيقيِّ الَّذي لا يُناقِضُ نَفْسَهُ، والذي لا يَكْتُبُ كُتُبًا أُخرى تَقولُ أُمورًا أُخرى تُناقِضُ ما قالَهُ في هذا الكِتاب. فهناكَ إلهٌ واحِدٌ فقط. وقد تَحَدَّثَ هذا الإلَهُ في كِتابٍ واحِدٍ. أمَّا جميعُ الإعلاناتِ الأُخرى المَزعومةِ الَّتي تُنْسَبُ إلى اللهِ فإنَّها ليست مِنَ اللهِ، بل هي مِنَ اختراعِ البَشَرِ، بل هي بالحَرِيِّ مِنَ اختراعِ البَشَرِ الَّذينَ يَتلَقّوْنَ الوَحْيَ مِنَ الشَّيطان. فالقُرآنُ، والبهاغافاد غيتا (Bhagavad-Gita)، وكِتاباتُ "ماري بيكر إيدي باترسون غلوفر فراي"، وكِتابُ المورمون، وجوزيف سميث، وجميعُ الأنبياءِ الكَذَبة، وكُلُّ الفلاسفةِ، وأصحابِ البِدَع، والمُعَلِّمينَ الدينيِّينَ، والقادةِ الدينيِّينَ، وكُلُّ دياناتِ العالمِ – هِيَ جَميعُها تَضْليل.

فَهِيَ جميعُها مِنَ ابْتِداعِ البَشَرِ والشَّياطين. وهي جَميعُها خاطئة. صَحيحٌ أنَّ اللهَ تَكَلَّمَ، ولكنَّهُ تَكَلَّمَ في كِتابٍ واحدٍ. وهذا الكِتابُ هُوَ الكِتابُ المقدَّس. وهذا يُبَسِّطُ القَضِيَّة. فليسَ مِنَ الصَّعبِ علينا أنْ نَفْهَمَ موضوعَ الدِّيْن. فأغلبيَّةُ النَّاسِ يَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الصَّعبِ أنْ يَفهموا موضوعَ الدِّيْنِ لأنَّ هُناكَ أديانًا كثيرةً جدًّا. وهُناكَ مَنْ يُنادي في وقتِنا الحاضِرِ بقَبولِ جَميعِ الأدْيانِ، وبالسَّماحِ للنَّاسِ جميعًا أنْ يَعْتَنِقوا الدِّيانةَ الَّتي يَشاؤون (مِنْ مُنطلقِ أنَّ جميعَ الدِّياناتِ تَقودُ إلى نفسِ سَماءِ السَّماواتِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الدِّيانَةِ المُتَّبَعَة). ولكنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَقولُ العكسَ تمامًا. فَهُوَ يَقولُ إنَّ أيَّ شيءٍ يُخالِفُ الكِتابَ المقدَّسَ، وأيَّ شيءٍ يُنافِسُ الإعلانَ الموجودَ في الكِتابِ المقدَّسِ هُوَ ليسَ مِنَ الله. فإنْ لم يَكُنْ ذلكَ الشَّيء مُتَضَمَّنٌ في الأسْفارِ السِّتَّةِ والسِّتِّينَ الَّتي تُكَوِّنُ الكِتابُ المقدَّسُ، فَإنَّ هذا الشَّيءَ ليسَ كَلِمَةَ الله. فإنْ لم يَكُنْ هذا الأمْرُ مَذكورًا في أسفارِ الكِتابِ المقدَّسِ السِتَّة والسِتِّين، فإنَّ ذلكَ الشَّيءَ لم يَصْدُرْ عنِ الله.

فبالنِّسبةِ إلى جَميعِ الأجيالِ الَّتي عاشَتْ طَوالَ التَّاريخِ البَشريِّ، فإنَّ ما قالَهُ اللهُ قد وَضَعَهُ في هذا الكِتاب الواحِدِ الَّذي يَتألَّفُ مِنْ قِسْمَيْنِ (العَهْد القَديم، والعهد الجديد)، وَمِنْ سِتَّةٍ وسِتِّينَ سِفْرًا مُحَدَّدًا أُوْحِيَ بِها لأكثر مِنْ أربعينَ كاتِبًا على مَدى نَحْوِ ألْفٍ وخَمْسِمِئَةِ سَنة. والرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي أَوْحى بها جَميعَها، ثُمَّ جُمِعَتْ فيما يُعْرَفُ اليومَ بالكِتابِ المقدَّسِ الَّذي يُؤلِّفُ السُّلْطانَ الإلهيَّ الوَحيدَ فيما يَختصُّ بكلمةِ الله. لذلكَ فإنَّ الإنسانَ مَسؤولٌ عنِ التَّجاوبِ بطاعةٍ معَ هذا الكِتابِ الواحِد. وطريقةُ التَّجاوبُ معَ هذا الكِتابِ الواحِدِ ومعَ ما يَقولُ هذا الكِتابُ إنَّ اللهَ يَطْلُبُهُ مِنَّا هي الَّتي تُحَدِّدُ المَصيرَ الأبديَّ لكُلِّ إنسانٍ. فما مِنْ شَيءٍ آخَر يُقَرِّرُ ذلك – لا شَيءَ آخَر. فمَوْقِفُ الإنْسانِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ هُوَ الَّذي يُقَرِّرُ إنْ كانَ سيَذهبُ إلى السَّماءِ أوْ إلى جَهَنَّم.

قبلَ سَنواتٍ، أوْ قَبْلَ سَنواتٍ طويلةٍ مِنَ الآن، قامَتِ الطَّوائِفُ البروتستَنتيَّةُ بالقضاءِ على الهَرْطَقات. وقد تَظُنُّونَ أنَّ هذا كانَ إنْجازًا عظيمًا أنْ تَقضي الطَّوائِفُ البروتستنتيَّةُ على الهَرْطَقات. ولكنَّ الشَّيءَ الغريبَ في ذلك هوَ أنَّهم لم يَقْضوا على الهَرْطَقاتِ مِنْ خلالِ سَحْقِها بواسِطَةِ الحَقِّ، ولا بالتَّغَلُبِ عليها بواسِطَةِ كلمةِ اللهِ، بل إنَّهُمْ قَضوا على فِكْرَةِ الهَرْطَقَةِ عندما قَضوا على فِكْرَةِ الحَقِّ المُطْلَق. فإنْ لم يَكُنْ هُناكَ حَقٌّ مُطْلَقٌ فلا وُجودَ للهَرْطَقاتِ. وإنْ لم يَكُنْ هُناكَ حَقٌّ ثابِتٌ، فلا يُمْكِنُ أنْ يُوْجَدَ خَطَأٌ قابِلٌ للتَّمييز. وإنْ كانَ كُلُّ شيءٍ مُتاحًا للجميع، وكلماتُ الكِتابِ المقدَّسِ ليست مُهمَّة، أوْ هِيَ مُجَرَّدُ اقتراحاتٍ، أوْ أنَّ قِيْمَةَ الكِتابِ المقدَّسِ مُساوِيَة في أفْضَلَ الأحوالِ للكُتُبِ الدينيَّةِ الأُخرى، وأنَّهُ بمَقدورِ المَرْءِ أنْ يُؤمِنَ بما يَشاء، فلا وُجودَ للحَقِّ الثَّابِتِ. وبالتَّالي، لا يمكنُ أنْ تَكونَ هُناكَ هَرْطَقَة ثابِتَة.

إذًا، فقد قَضَوْا على الهَرْطَقاتِ مِنْ خِلالِ القَضاءِ على فِكْرَةِ الحَقِّ في الوقتِ نَفسِه. والآنْ، هُناكَ رَاحَةٌ في أوْساطِ الطَّوائفِ البروتستنتيَّةِ المُتَحَرِّرَةِ القَديمَةِ تُجاهَ أيِّ شيءٍ وكُلِّ شَيء. لذلكَ، عندما كنتُ أَعِظُ قبلَ بِضْعَةِ أسابيع في كاتدرائيَّة كالفِن العَظيمة في مدينة جنيف، كانَ ذلكَ حَدَثًا كَبيرًا. فقد كانتِ الكاتدرائيَّةُ مَملوءةَ بالنَّاسِ مِنْ أوَّلِها إلى آخِرِها، وَمِنَ اليَمينِ إلى اليَسار. وقد فَتَحْتُ كَلمةَ اللهِ في تلكَ الكاتدرائيَّةِ. ووفقًا لمعلوماتِنا، فإنَّ هذهِ هي المَرَّةُ الأولى، مُنْذُ ثلاثينَ سنة، الَّتي تُقَدَّمُ فيها رِسالَة تُمَثِّلُ حَقًّا كَلِمَةَ اللهِ. وآخِرُ حَدَثٍ ضَخْمٍ جَرى في تلكَ الكَنيسَةِ الَّتي تَزْعُمُ أنَّها كاتدرائيَّة مسيحيَّة بروتستنتيَّة كانَ حَدَثًا بوذِيًّا ... كانَ حَدَثًا بوذِيًّا. وقد نَجَحَ الأمْرُ مَعَنا بطريقةٍ أو بأخرى لأنَّهُمْ قالوا عندما سألناهُمْ إنْ كانَ بِمَقدوري أنْ أَعِظَ فيها: ما دُمْنا نَسْمَحُ بِعَقْدِ خِدْمَةٍ للبوذيِّينَ، لا يوجدُ ما يَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ خِدْمَةٍ للكتابِ المقدَّس". لذلكَ، أعتقدُ أنَّ البوذِيِّينَ مَهَّدوا الطَّريق.

ولكِنَّ المَقصودَ هُنا هُوَ: كيفَ تَسْمَحُ كَنيسَةٌ تَزْعُمُ أنَّها كَنيسة مسيحيَّة بروتستنتيَّة بِعَقْدِ خَدَماتٍ للبوذِيِّينَ؟ كذلكَ، فإنَّ هذهِ الكنيسةَ هيَ الكَنيسَةُ الأُمُّ الَّتي أَوْجَدَتْ مَجْلِسَ الكَنائِسِ العالَمِيِّ الَّذي هُوَ أكْبَرُ مَجْمَعٍ مَسْكونِيٍّ على كَوْكَبِ الأرْض. وقد كانوا سُعَداءَ بإعادَةِ تَعريفِ الهَرْطَقَةِ. فقد كانَ ذلكَ سَهلًا. فكُلُّ ما كانَ يَنبغي لهم أنْ يَفعلوهُ هُوَ أنْ يَقْضوا على فِكْرَةِ وُجودِ حَقٍّ مُطْلَقٍ. وفي وقتنِا هذا، أَخْشى أنَّ الحَرَكَةَ في انتشارٍ مُستمرٍّ. وهناكَ نوعٌ جَديدٌ مِنَ الشُّمولِيَّةِ حَتَّى في الأوساطِ الإنجيليَّةِ. وَهِيَ شُموليَّةٌ جَديدَةٌ تُهَدِّدُ بالقَضاءِ على الحَقِّ؛ وبالتَّالي فإنَّها تُهَدِّدُ بإلغاءِ تَعريفِ الخَطأ، وتَجْعَلُ كُلَّ شيءٍ ضَبابِيًّا. ودُوْنَ شَكٍّ، فإنَّ رَجاءَنا الوحيدَ في وَسَطِ كُلِّ ما يَجْري هُوَ أنْ نَرْجِعَ إلى كلمةِ اللهِ. فكُلُّ هذا التَّمَرُّدِ الشِّرِّيرِ لا يُغَيِّرُ ولا يُبَدِّلُ ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ.

وسواءٌ كانَ الهُجومُ آتِيًا مِنْ أصْحابِ المَذْهَبِ العَقلانِيَّ، أوْ أصْحابِ الفِكْرِ المُتَحَرِّرِ، أوْ مِمَّنْ يُسَمُّونَ أنْفُسَهُمْ أتْباعَ الأرثوذكسيَّة المُحْدَثَة، أوْ مِنْ أنْصارِ المَذهبِ التَّعَدُّدِيِّ، أوِ التَّصَوُّفِيِّ، أوِ الشُّمولِيِّ، أوِ الإصْلاحِ السِّياسِيِّ، أوِ التَّسامُحِ، أوْ مِنْ أيِّ مَصْدَرٍ آخَرَ، فإنَّ هذا لا يُغَيِّرُ شيئًا بشأنِ طبيعةِ هذا الكِتاب. فقد قالَ يسوع: "لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ". فَهُوَ كِتابٌ أبَدِيٌّ. وَهُوَ كِتابٌ لا يَتَغَيَّر. وهذا يُذَكِّرُنا بالسَّنْدانِ في تلكَ القِصَّةِ القديمةِ الَّتي تَتَحَدَّثُ عَنْ حَدَّادٍ كانَ يَطْرُقُ الحَديدَ بالمِطْرَقَةِ على السَّنْدانِ. وبعدَ سَنواتٍ طَويلةٍ، بَقِيَتِ السَّنْدانُ على حَالِها، ولكنَّ مَطارِقَ كَثيرَةً قَدْ تَحَطَّمَتْ. فالمَطَارِقُ الَّتي حاوَلَتْ أنْ تَهْدِمَ الكِتابَ المقدَّسَ تَكَسَّرَتْ وتَحَطَّمَتْ. ولكنَّ الكِتابَ المقدَّسَ بَقِيَ صَامِدًا.

وما يَزالُ الكِتابُ المقدَّسُ هُوَ الحَقُّ الَّذي أَعْلَنَهُ اللهُ. وَهُوَ الحَقُّ الوحيدُ الَّذي أَعْلَنَهُ اللهُ، ولا شَيْءَ غَيْرَ الحَقِّ الإلهيِّ. والآنْ، كيفَ نَعْلَمُ أنَّ هذا الكِتابَ صَحيحٌ؟ نحنُ (بِصِفَتِنا مَسيحيِّينَ) نَعْلَمُ أنَّ هذا الكِتابَ صَحيحٌ لأنَّ رُوحَ اللهَ أنارَ قُلوبَنا وأذْهانَنا. وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ في العِظَتَيْنِ الأخيرَتَيْن، وَهُما عِظَتانِ مِنْ أكْثَرِ العِظاتِ المُحَبَّبة إلى قلبي. ويُمكنُكم الحُصولُ على تَسْجيلٍ لهما. فَمَنْ يَقْدِرُ أنْ يُؤمِنَ بالكتابِ المقدَّسِ؟ صَحيحٌ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ صَادِقٌ في كُلِّ ما يَقولُهُ عَنْ نَفْسِهِ. ونحنُ نَعلمُ أنَّ هذا صَحيح ... نَعلمُ أنَّ هذا صحيحٌ لأنَّ روحَ اللهِ هُوَ الَّذي أَقْنَعَنا بذلكَ مِنْ خِلالِ عَمَلِهِ الخارِقِ للطَّبيعَةِ إذْ إنَّهُ أَنْهَضَ قُلوبَنا وَفَتَحَ أذْهانَنا. وبعدَ أنِ اقْتَنَعْنا بأنَّ الكِتابَ المقدَّسَ صَحيحٌ، فإنَّنا نَجِدُ عندما نَنْظُرُ إلى كلمةِ اللهِ أنَّ هذهِ القَناعَةَ مُدَعَّمَةٌ بما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ عَنْ نَفْسِهِ.

لذلكَ، ما أَوَدُّ أنْ أفعَلَهُ في هذا المَساءِ هُوَ أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ بَراهينَ كِتابيَّة داخليَّة على وَحْيِ الكِتابِ المقدَّسِ. وهذا لا يَعني أنَّني أُشَكِّكُ في إيمانِكُمْ بأنَّهُ مُوْحَى بِهِ. فإذا كُنْتَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا فإنَّكَ تُؤمِنُ بذلك لأنَّ رُوْحَ اللهِ هُوَ الَّذي أَعْطاكَ هِبَةَ الثِّقة بالكَلِمَة. وأنتُمْ تَفهمونَ ذلك. ولكنِّي أريدُ مِنْكُمْ أنْ تَرَوْا مَدى أهميَّةِ وُجودِ بُرْهانٍ داخِلِيٍّ على صِحَّةِ الكِتابِ المقدَّسِ لِتَدعيمِ تلكَ القَناعةِ القَلبيَّةِ الَّتي وَهَبَها لَكُمْ رُوحُ اللهِ. فلو أرَدْتُم أنْ تُثْبِتوا أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ صَحيحٌ، كيفَ ستَفعلونَ ذلك؟ يُمكنكُم أنْ تَفعلوا ذلكَ بِطُرُقٍ عَديدة. فيمكنكم أنْ تَقولوا ... يُمكنُكم أنْ تَقولوا: "حسنًا، إنَّ الخِبرَةَ البشريَّةَ هِيَ دَليلٌ واضِحٌ على الحَقِّ الَّذي يُعْلِنُهُ الكِتابُ المقدَّسُ".

فإذا فَعَلْتَ ما يُوْصيكَ الكِتابُ المقدَّسُ أنْ تَفْعَلَهُ، ستَخْتَبِرُ النَّتيجة. فإنِ اعْتَرَفْتَ بخطاياكَ، وإنْ قَبِلْتَ الرَّبَّ يَسوعَ المسيحَ، فإنَّكَ سَتَخْتَبِرُ الوِلادةَ الجَديدةَ، وَحَياتَكَ سَتَتَغَيَّرُ. واللهُ سَيُغَيِّرُ نَظْرَتَكَ إلى الأشياءِ الَّتي تُحَبُّها، وَنَظْرَتَكَ إلى الأشخاصِ الَّذينَ تُحِبُّهُمْ، والطَّريقَةَ الَّتي تُحِبُّ بها. وسوفَ تَخْتَبِرُ تَغييرًا جَذريًّا في حياتِكَ. لذلكَ فإنَّ الخِبرةَ البشريَّةَ تُؤكِّدُ صِحَّةَ الكِتابِ المقدَّسِ. وَهذا صَحيحٌ. ولَكِنْ ... ولَكِنَّنا نَسْمَعُ عَنْ أُناسٍ آخَرينَ يَقرأونَ كُتُبًا يُسَمُّونَها مُقَدَّسَةً في نَظَرِهِمْ ويَحْظَوْنَ بِخِبراتٍ مِنْ أنواعٍ أُخرى. لذا فإنَّ الخِبرةَ ليسَتْ دائمًا، ولا يَجوزُ أنْ تَكونَ العامِلَ الحَاسِمَ في هذا الشَّأنِ لأنَّ الخِبرةَ البشريَّةَ قد تَكونُ خَادِعَةً. فمَثَلًا، يَقولُ النَّاسُ السَّكارى إنَّهُمْ رَأوْا فيلًا وَرْدِيَّ اللَّوْنِ، معَ أنَّنا نَعْلَمُ أنَّهُ لا يُوْجَدُ حَيَوانٌ كهذا.

وقد يَقولُ شخصٌ آخر: "حسنًا، يمكننا أنْ نُثْبِتَ صِحَّةَ الكتابِ المقدَّسِ مِنْ خِلالِ العِلْمِ". ففي حينِ أنَّ الكُتُبَ الأخرى تَقولُ أُمورًا سَخيفَةً وغَريبَةً جِدًّا عَنِ العالَمِ، أيِ العالَمِ المادِّيِّ، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ، يُقَدِّمُ مَعلوماتٍ عِلْمِيَّةٍ دَقيقَةٍ جِدًّا جِدًّا عنِ الخَليقةِ الماديَّةِ، مَعَ أنَّهُ كُتِبَ قَبْلَ أنْ يَكْتَشِفَ العِلْمُ الحديثُ أنَّ هذهِ الأشياءَ صَحيحة. فالكِتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ الأرْضَ تَدورُ حَوْلَ مِحْوَرٍ. والكِتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ الشَّمْسَ تَجُرُّ النِّظامَ الشَّمْسِيَّ (أيْ نِظامَنا الشَّمسيَّ) مِنْ أَحَدِ أطرافِ الفَضاءِ إلى الآخَر. والكِتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ هُناكَ دوْرَةَ مِياهٍ أوْ نِظامًا هيدرولوجيًّا يَعْمَلُ في دَوْرَةٍ مُدْهِشَةٍ. والكِتابُ المقدَّسُ يَصِفُها. وقد قَرأتُ لكُمْ في هذا الصَّباحِ مَقْطَعًا يَتحدَّثُ عَنْ وَزْنِ الجِبالِ. وهذا يُدْعى "تَوازُنُ القِشْرَة الأرضيَّة". فالعالَمُ كُلُّهُ مُتوازِنٌ.

فمثلًا، إذا كانَ لديكَ كُرَة سَلَّة ليست مُتوازِنَة وقُمْتَ بِدَحْرَجَتِها، فسوفَ تَتَحَرَّكُ بطريقةٍ مُتَعَرِّجَةٍ هَكَذا وَهَكذا. ولو كانَ العالَمُ يَفعلُ ذلكَ لَكُنَّا نَقْفِزُ، وَنَقْفِزُ، وَنَقْفِزُ عالِيًا بينَ الحينِ والآخر. ولكنَّهُ يَدورُ بِسَلاسَةٍ تامَّةٍ لأنَّهُ مُتوازِنٌ تمامًا. هذا هُوَ عِلْمُ تَوازُنِ القِشرةِ الأرضيَّة. وكما قَرأنا في هذا الصَّباحِ، فإنَّ اللهَ هُوَ الَّذي وَزَنَ الجِبالَ بالقَبَّانِ. لذلكَ، يمكننا أنْ نَلْتَجِئَ إلى العِلْمِ، وَأنْ نَنْظُرَ إلى العِلْمِ، وَنَقولَ إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ دَقيقٌ عِلْمِيًّا بِصُورَةٍ مُذْهِلَة. ولِكَيْ تَرَوْا كَمْ هُوَ مُذْهِلٌ، اسْمَعوا ما يَلي: في سَنة 1903، ماتَ رَجُلٌ اسْمُهُ "هيربرت سبنسر" (Herbert Spencer). وكانَ هيربرت سبنسر عالمًا. وقد كانَ يَحْظى بالتَّكريمِ في العالَمِ كُلِّهِ إذْ إنَّهُ حَصَلَ على كُلِّ أنواعِ الجَوائِزِ بِوَصْفِهِ عالِمًا بارِزًا.

وقد كانَ أَعْظَمُ إنْجازٍ لَهُ جازِمًا. فقد كانَ هيربرت سبنسر هُوَ الَّذي أَعْلَنَ للعالَمِ العِلْمِيِّ أنَّ كُلَّ شيءٍ موجودٍ في الكَوْنِ يَنْدَرِجْ تَحْتَ خَمْسِ فِئاتٍ – فِئَة مِنْ خَمْسَة: الزَّمان، والقُوَّة، والفِعْل، والمَكان، والمادَّة. فهذا هُوَ ما قالَهُ. وقد قالَ ذلكَ بهذا التَّرتيب: الزَّمان، والقوَّة، والفِعْل، والمَكان، والمادَّة. أَحْسَنْتَ القولَ يا هيربرت. وماذا عَنْ هذا: "فِي الْبَدْءِ [وَهَذا هُوَ الزَّمانُ] خَلَقَ [وَهَذا هُوَ الفِعْلُ] اللهُ [وَهَذِهِ هِيَ القُوَّة] السَّمَاوَاتِ [وهذا هُوَ المَكان] وَالأَرْضَ [وَهَذهِ هِيَ المادَّة]. وقد وَرَدَ هذا في الآيَةِ الأولى في الكِتابِ المقدَّسِ. لا بأسَ يا هيربرت. فقد كنتُ تُحاوِلُ أنْ تَكْتَشِفَ ذلكَ مِنْ دُوْنِ الرُّجوعِ إلى هذهِ الآيَة. لذلكَ، يُمكنُنا أنْ نَلْتَجِئَ إلى العِلْمِ. ويُمْكِنُنا أنْ نَقولَ إنَّ العِلْمَ يُؤكِّدُ الكِتابَ المقدَّسِ. ولكِنْ في حينِ أنَّنا قَدْ نَحْصُلُ على تأكيدٍ عامٍّ (وَهُوَ شَيءٌ أفْضَلُ مِنَ الخِبرة) لأنَّ هذا التَّأكيدَ العامَّ هُوَ أمْرٌ مُدْهِشٌ، قد يأتي مَنْ يَقولُ بسهولة: "حسنًا، ولكنَّ هذا لا يَعني حَقًّا أنَّ كُلَّ ما جاءَ فيهِ صَحيحٌ".

وقد يَقولُ شخصٌ آخَر: "حسنًا، يمكننا أنْ نَنظرَ ... يمكننا أنْ نَنظرَ إلى النّبوءاتِ. فهناكَ نُبوءاتٌ في الكتابِ المقدَّسِ تَحَقَّقَتْ". ويمكننا أنْ نَقولَ: "حسنًا، على أقَلِّ تَقدير فإنَّ الأجزاءَ العِلميَّةَ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ صحيحة. والأجزاءُ الاختباريَّةُ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ صحيحة". ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ عندما قالَ اللهُ أنَّ أُمَمًا مُعَيَّنَةً ستَسْقُطُ وَسَقَطَتْ، وعندما قالَ اللهُ إنَّهُ سَيُغْرِقُ العالَمَ وَأَغْرَقَهُ، فإنَّ هذهِ الأشياءَ قد تَحَقَّقت. لذلكَ هُناكَ نُبوءاتٌ مُعَيَّنَةٌ قد تَحقَّقت. وهذا يَعني أنَّ الشَّخصَ الرَّئيسيَّ الَّذي كَتَبَ الكِتابَ المقدَّسَ يَعرفُ أُمورًا أكْثَرَ مِنَ الَّتي نَعرِفُها نحنُ لأنَّهُ كانَ يَفْهَمُ العُلومَ الفيزيائيَّةَ قبلَ أنْ يَفْهَمَها أيُّ إنْسانٍ، ولأنَّهُ كانَ يَفهَمُ الأحداثَ حَتَّى قَبْلَ حُدوثِها، وبالتالي فقد تَمَكَّنَ مِنَ التَّنَبُّؤِ بها.

ويمكننا أنْ نَنظرَ إلى أُمورٍ مِنْ هذا النَّوعِ فَنَجِدُ أنَّها تُدَعِّمُ فَهْمَنا للكِتابِ المقدَّسِ. ويُمكِنُكُم أنْ تَنْظُروا إلى عِلْمِ الآثار. فيمكنكُم أنْ تَطَّلِعوا على الآثارِ في الشَّرقِ الأوسطِ، ويُمكنُكم أن تَزوروا المَتاحِفَ هُناكَ لتجدوا أشياءَ يَعودُ تاريخُها إلى زَمَنِ "حَجَرِ رَشيد" فَصاعِدًا. وهناكَ كُهوفٌ في مِصْرَ تَحْوي رُسومًا مُعَيَّنَةً على جُدرانِها تُشيرُ إلى أنَّ العِبرانِيِّينَ كانُوا هُناك. ويُمكنُكم أنْ تَجِدوا "شَريعَةِ حَمورابي"، وَهِيَ شَريعَةٌ كانَتْ مَوْجودة حَتَّى قَبْلَ مُوْسَى. وهذا يُرينا أنَّ النَّاسَ كانوا مُنذُ البِدايَةِ خاضِعينَ لِشَريعَةٍ ما، وأنَّهُمْ لم يكونوا قِرَدَةً تَتأرْجَحُ مِنْ شَجَرَةٍ إلى أُخرى. ويُمكنُكم أنْ تَجِدوا الكَثيرَ مِنَ الآثارِ الَّتي تُدَعِّمُ ما يَقولُ الكِتابُ المقدَّسُ أنَّه حَدَث. ويُمكنُكم أيضًا أنْ تَجِدوا أسْوار أريحا الَّتي سَقَطَتْ. وَهِيَ مَوجودة في هَيئةٍ تُوافِقُ تمامًا الفِكْرَةَ القائلةَ بأنَّها سَقَطَتْ إلى الخَارِجِ على الأرْضِ.

لذلكَ، يُمكنُكم أنْ تَنظروا إلى ذلكَ وَأنْ تَقولوا: "حسنًا، على أَقَلِّ تَقديرٍ إنَّ هذهِ الأجزاءَ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ صَحيحَة تمامًا لأنَّ عِلْمَ الآثارِ يُؤكِّدُها". إذًا، نحنُ لم نَجِدْ في الكِتابِ المقدَّسِ أيَّ شَيءٍ غير صَحيحٍ عِلْميًّا. ولم نَجِد في الكتابِ المقدَّسِ أيَّ شيءٍ غير صَحيح تاريخيًّا. فالعِلْمُ يؤكِّدُ كُلَّ ما يَقولُهُ. وقد تَقولُ: "وماذا عنِ اليومِ الَّذي يَقولُ فيهِ الكِتابُ المقدَّسُ إنَّ الشَّمْسَ تَوَقَفَتْ فيهِ عنِ الدَّوران؟" حسنًا، مِنَ الواضِحِ أنَّ الشَّمسَ لم تَتوقَّفْ عنِ الدَّوران. بل إنَّ الأرْضَ هِيَ الَّتي تَوقَّفتْ عنِ الدَّوران. ولكِنْ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ الشَّخْصِ الَّذي يَقِفُ هُنا، فإنَّ الشَّمسَ هي الَّتي تَوقَّفتْ عنِ الدَّوران. فهذا إدْراكٌ حِسِّيٌّ. فعندما تَنْهَضُ مِنَ النَّومِ صَباحًا، فإنَّكَ لا تَنظرُ مِنْ نافِذةِ غُرْفَتِكَ وتَقول: "آه، يا لَرَوْعَةِ دَورانِ الأرْضِ" لأنَّ الأرْضَ هِيَ الَّتي تَدور.

فالشَّمْسُ لم تَتحرَّك في الاتِّجاهِ الَّذي ظَنَنْتَ أنَّها تَحَرَّكتْ فيه. بل إنَّ الأرضَ هيَ الَّتي تَحرَّكت. ولكِنْ مِنْ مُنْطَلَقِ إدْراكِكِ الحِسِّيِّ، فإنَّكَ تَتَحَدَّثُ عَنْ شُروقِ الشَّمْسِ وَعَنْ غُروبِها. لذلكَ، هُناكَ هذهِ الأنواعُ مِنَ الأشياءِ في الكِتابِ المقدَّسِ. ولكِنْ لا يوجدُ شَيءٌ في الكِتابِ المقدَّسِ يُناقِضُ العِلْمَ. ولا يوجدُ شيءٌ في الكتابِ المقدَّسِ يُناقِضُ التَّاريخَ. ولا يوجدُ شيءٌ في الكتابِ المقدَّسِ يُناقِضُ وَعْدًا قَطَعَهُ اللهُ كَأنْ لا يَتَحَقَّق بالطَّريقةِ الَّتي قالَ إنَّها سَتتحقَّق. وسوفَ نُلْقي نَظرةً على بعضِ هذهِ الأشياءِ في هذهِ السِّلْسِلَةِ الصَّغيرةِ الَّتي نَدْرِسُها معًا. ولكِنْ قَبلَ أنْ نَنْظُرَ إلى أيٍّ مِنْ هذهِ الأشياءِ بِوَصْفِها أدِلَّة وَبراهين، فإنَّ الأمْرَ كُلَّهُ يَبْتَدِئُ بالإصْغاءِ إلى ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ. وهذا أمْرٌ مُدْهِشٌ. واسمَحوا لي أنْ أقولَ لَكُمْ كَلِمَتَيْنِ لِكَيْ تُفَكِّروا فيهِما: "مَعْصومٌ" وَ "مُنَزَّهٌ".

"مَعْصومٌ" – وأوَدُّ أنْ أَستخدِمَ هذهِ الكلمةَ بطريقةٍ شَخصيَّةٍ. فيمكنُكم أنْ تُجادِلوا كثيرًا بخصوصِ مَعنى هذهِ الكلمة لأنَّها كَلِمَة مَرِنَة بَعْضَ الشَّيء، كَما هِيَ حَالُ الكَلِمَة "مُنَزَّه". ولكِنْ دَعونا نَستخدِم الكلمة "مَعْصوم" للقولِ إنَّ اللهَ أَوْحى بالكِتابِ المقدَّسِ وَجَعَلَهُ القاعِدَة والدَّليلَ الأكيدَ، والآمِنَ، والجَديرَ بالثِّقة دائمًا في جميعِ الأمورِ بالمُجْمَل. بعبارة أُخرى، فإنَّنا سنَستخدمُ الكَلِمَة "مَعْصوم" للإشارَةِ إلى الكِتابِ المقدَّسِ بِمُجْمَلِهِ. فَهُوَ الحَقُّ الكامِلٌ. ونحنُ نَنظرُ إليهِ كَما يَنْظُرُ الطَّائِرُ إلى الأشياءِ مِنَ السَّماءِ، أيْ أنَّنا نَنْظُرُ إلى الصُّورةِ الكَبيرَةِ. فَهُوَ كِتابٌ مَعْصومٌ. والمَقصودُ بذلكَ هُوَ أنَّ مَا يُؤكِّدُهُ بِمُجمَلِهِ صَحيحٌ. فنحنُ نَقرأُ في المزمور 19: 7: "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ". ونَقرأُ في المزمور 18: 30: "اَللهُ طَرِيقُهُ كَامِلٌ" (أيْ: لا نَقْصَ فيه). "قَوْلُ الرَّبِّ نَقِيٌّ" (أيْ: مُجَرَّبٌ ومُؤكَّدٌ).

المَزمور 119: "كَلِمَتُكَ مُمَحَّصَةٌ جِدًّا". "شَريعَتُكَ حَقٌّ". "كُلُّ وَصاياكَ حَقٌّ". "رأسُ كَلامِكَ حَقٌّ". "وإلى الدَّهْرِ كُلُّ أحْكامِ عَدْلِكَ". "لأنَّ كُلَّ وَصاياكَ عَدْلٌ". المَزمور 111: 7: "كُلُّ وَصَايَاهُ أَمِينَةٌ". رومية 7: 12: "وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ". ونَقرأُ في سِفْرِ التَّثنية 4: 2: "لاَ تَزِيدُوا عَلَى الْكَلاَمِ الَّذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ". ونَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 22: 18 و 19 أنَّهُ لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يَزيدَ على الكِتابِ المقدَّسِ وَلا أنْ يَحْذِفَ مِنْهُ. لذلكَ فإنَّ الكِتابَ المقدَّسَ بِمُجمَلِهِ كاملٌ ومَعْصومٌ. ونَقرأُ في إنْجيل يوحنَّا 10: 35 أنَّ هذهِ الكلماتِ قَدْ أُعْطِيَتْ، وَأنَّها مُهِمَّة. وكما هي الحالُ دائمًا، فإنَّ كلمةَ اللهِ مُوْجَزَة ومُباشِرَة ومُذْهِلَة.

وفي الأصحاحِ العاشِرِ مِنْ إنْجيلِ يوحنَّا (والعَدد 35)، يَقولُ يَسوعُ في نهايةِ العَدَد: "وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ". فالكِتابُ المقدَّسُ لا يُمْكِنُ أنْ يُنْقَض. فَهُوَ مِثْلُ السِّلْسِلَةِ لأنَّ جَميعَ آياتِهِ مُترابِطَة، وَجَميعَ أصْحاحاتِهِ مُترابِطَة، وَجَميعَ أسْفارِهِ السِتَّة والسِّتِّين مُترابِطَة، ولأنَّ العَهْدَيْنِ مُترابِطَيْنِ ولا يُمْكِنُ الفَصْلُ بَيْنَ أَجْزائِهِ. فلا يُمْكِنُ قَطْعُ السِّلْسِلَةِ مِنْ أيِّ مَكان. فَهِيَ بِمُجْمَلِها حَقُّ اللهِ، وَهِيَ صَحيحَة بِمُجْمَلِها. وهذا هُوَ مَا يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ. وَهَذا هُوَ ما يُطالِبُنا بِهِ: أنْ نَثِقَ بِهِ وَنُصَدِّقَهُ.

أمَّا الكلمةُ الثَّانيةُ فَهِيَ أنَّهُ "مُنَزَّهٌ" ... "مُنَزَّهُ". وهذهِ الكَلِمَة تَجْعَلُنا نَنْظُرُ إلى الكِتابِ المقدَّسِ عَنْ كَثَبْ – أيْ لا أنْ نَنْظُرَ إليهِ بمُجملِهِ، بل أنْ نَنظُرَ إلى كُلِّ كلمةٍ فيه. فكُلُّ كَلِمَة فيه صَحيحة. وكُلُّ كَلِمَة في المَخطوطاتِ الأصليَّةِ مُوْحَى بها مِنَ اللهِ وخالِيَة مِنْ أيِّ خَطَأٍ أوْ زِيْفٍ أوْ بُطْلٍ أوِ غَلَطٍ. لذلكَ فإنَّ كُلَّ الحَقِّ المُعلنِ في رِسالةِ كلمةِ اللهِ مَحْمِيٌّ لأنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ هِيَ كَلِمَةُ اللهِ بِحَقّ. فالكِتابُ المقدَّسُ كُلُّهُ صَحيحٌ لأنَّهُ صَحيحٌ في كُلِّ جُزْءٍ مِنه. وَهُوَ الحَقُّ كُلُّهُ ولا شَيءَ غَيْرَ الحَقِّ. ونَقرأُ في سِفْرِ الأمْثال 30: 5 و 6 شَهادَةَ اللهِ في كَلِمَتِهِ عَنْ كَلِمَتِهِ. فنحنُ نَقرأُ في أمْثال 30: 5 و 6: "كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقِيَّةٌ" (كُلُّ كَلِمَة). ونَقرأُ في المزمور 12: 6: " كَلاَمُ الرَّبِّ كَلاَمٌ نَقِيٌّ، كَفِضَّةٍ مُصَفَّاةٍ فِي بُوطَةٍ فِي الأَرْضِ، مَمْحُوصَةٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ". وقد كانَ المُرَنِّمُ يَبْحَثُ عَنْ تَشبيهٍ للتَّعبيرِ عَنْ نَقاوَةِ كلمةِ اللهِ. ويَقولُ المُرَنِّمُ في المَزمور 119: 140: "كَلِمَتُكَ مُمَحَّصَةٌ جِدًّا". لذلكَ، سواء كنتُمْ تَتحدَّثونَ عَنِ العِصْمَةِ (أيِ الصَّورةِ الكَبيرةِ)، أوْ عَنِ التَنَزُّهِ (أيِ الصُّورةِ الصَّغيرةِ)، فإنَّ كِلَيْهِما يَتحدَّثانِ عَنْ صِحَّةِ الكِتابِ المقدَّسِ. فَهُوَ صَحيحٌ.

والآنْ، سوفَ أَذْكُرُ لكُمْ بِضْعَ نِقاطٍ وبِضْعَ آياتٍ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ. ولا حَاجَةَ لأنْ تَفْتَحوا على هذهِ الآياتِ، بَلْ يَكفي أنْ تُصْغُوا إليها. ففي إشَعْياء 65: 16، يَدْعو اللهُ نَفْسَهُ إلَهَ الحَقِّ. وَهذِهِ هِيَ نُقْطَةُ البِدايَة. فهُوَ إلَهُ الحَقِّ. وفي إرْميا 10: 10، يَكْتُبُ النَّبِيُّ عنِ اللهِ الَّذي هُوَ إلَهُ الحَقِّ. والعَهْدُ الجَديدُ يَتَّفِقُ معَ العهدِ القديمِ إذْ يَدْعو اللهَ إلَهَ الحَقِّ. فنحنُ نَقرأُ في إنْجيل يوحنَّا 3: 33 أَنَّ "اللهَ صَادِقٌ". وقد قالَ يَسوعُ في إنْجيل يوحنَّا 17: 3: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ". ونَقرأُ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى 5: 20: "هذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ". وقد وَرَدَ ثلاثَ مَرَّاتٍ في الكِتابِ المقدَّسِ أنَّ اللهَ لا يَكْذِب: في سِفْرِ العَدَد 23: 19، وفي تِيْطُس 1: 2، وفي الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 6: 18. فاللهُ لا يَكْذِب. فهذا مُستحيل. لذلكَ فإنَّ الكِتابَ المقدَّسَ مَعْصومٌ وَمُنَزَّهٌ لأنَّهُ كُتِبَ مِنْ قِبَلِ اللهِ الَّذي هُوَ حَقٌّ، ولا يَنْطِقُ إلَّا بالحَقِّ، ولا يَقولُ إلَّا الحَقَّ.

وقد تَحَدَّثَ كُتَّابُ العهدِ القديمِ آلافَ المَرَّاتِ حَرْفِيًّا عَنْ صِدْقِ مَا كَتَبوه. وقد قالوا أكْثَرَ مِنْ ألْفَيْ مَرَّةٍ أنَّهُمْ نَطَقوا بذاتِ كلماتِ اللهِ. فَنحنُ نَتحدَّثُ هُنا عنْ كُتَّابِ العهدِ القديمِ فقط. فقدِ اسْتَخدموا مِرارًا وتَكرارًا عِباراتٍ كهذِهِ: "رُوْحُ الرَّبِّ تَكَلَّمَ بي" أوْ "فَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَيَّ". فمثلًا، يَقولُ إشَعْياءُ النَّبِيُّ في سِفْرِ إشَعْياء 1: 2: "اِسْمَعِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَأَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ". ثُمَّ يَكْشِفُ عَنِ الإعلانِ العَظيمِ الَّذي جَاءَ في سِفْرِ إشَعْياء. وعندما يَتكلَّمُ اللهُ، يَنبغي للجميعِ أنْ يُصْغُوا لأنَّهُ الله. وفي العهدِ الجديدِ، نَجِدُ عِباراتٍ مُشابِهَةً، ولكنَّها تُرَكِّزُ أكْثَر على تَعاليمِ يَسوع.

فقد قالَ يَسوعُ في إنْجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامِسِ: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ". والمُصْطَلَح "النَّاموسُ والأنبياءُ" يُسْتَخْدَمُ هُنا للإشارةِ إلى العهدِ القديم. "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُغَيِّرَ أيَّ شَيءٍ. بل جِئْتُ لأُكَمِّلَ العهدَ القديم". "فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ". فقد قالَ يسوعُ إنَّ الحُروفَ والنُّقاطَ الصَّغيرَةَ مُوْحَى بِها مِنَ الله. لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ في رِسالةِ يَعقوب 2: 10: "لأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِمًا فِي الْكُلِّ".

فإذا انْتَهَكْتَ جُزْءًا صَغيرًا مِنْ كلمةِ اللهِ، كأنَّكَ انْتَهَكْتَها كُلَّها – لأنَّها بِمُجْمَلِها صَحيحة، ولأنَّ اللهَ يُطالِبُنا بِها كُلِّها. وقد أَشارَ كُتَّابُ العهدِ القديمِ (إمَّا بِصورَةٍ مُحَدَّدَةٍ أوْ بصورةٍ عامَّةٍ) إلى أنَّ ما كَتَبوهُ هُوَ ذاتُ كَلامِ اللهِ. وقد أشاروا إلى ذلكَ نَحْوَ أرْبَعَةِ آلافِ مَرَّة ... نَحْوَ أربعةِ آلافِ مَرَّة. وكما ذَكَرْتُ قَبْلَ قَليل، فقد ذَكَروا ألْفَيْ مَرَّة، وبصورةٍ مُباشِرَةٍ، أنَّ اللهَ تَكَلَّمَ إليهم. ولكنَّهُمْ يُؤكِّدونَ فيما لا يَقِلّ عَنْ أربعةِ آلافِ مَرَّة أنَّ ما كَتَبوهُ هُوَ كَلِمَة الله. وقد اقْتَبَسَ كُتَّابُ العهدِ الجديدِ العهدَ القَديمَ بِوَصْفِهِ كَلِمَة الله نَحْوَ 320 مَرَّة. وَهُمْ يُشيرونَ إلى العهدِ القديمِ ما لا يَقِلُّ عَنْ ألْفِ مَرَّة. لذلكَ فإنَّ كُتَّابَ العهدِ القديمِ يؤكِّدونَ عِصْمَةَ وَتَنَزُّهَ العهدِ القديم. كذلكَ فإنَّ كُتَّابَ العهدِ الجَديدِ يُؤكِّدونَ أيضًا وَحْيَ العهدِ الجديد.

والآنْ، أُريدُ مِنْكُمْ أنْ تُتابِعوا قَليلًا ما سَأقول لأنَّ ذلكَ، في رأيي، رائعٌ جدًّا. فنحنُ نَقرأُ في غلاطية 1 ... نَقرأُ في غلاطية 1 ما يَقولُهُ الرَّسولُ بولُس. وهذِهِ نُقْطَة افْتِتاحيَّة عامَّة فقط. فبولسُ يَقولُ في رِسالةِ غلاطية 1: 11: "وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ". فبولسُ يُؤكِّدُ أنَّ رِسالةَ الإنجيلِ هِيَ مِنَ اللهِ. وفي العدد 15، عندما أَفْرَزَهُ اللهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَدَعاهُ بِنِعْمَتِهِ، وَسُرَّ بأنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ لَهُ: "لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا". فقد تَلَقَّى رِسالَتَهُ وَمَأمُورِيَّتَهُ مِنَ اللهِ مُباشَرَةً.

والآنْ، أنا أَعْلَمُ أنَّ هذا الأمْرَ كانَ خاصًّا بِهِ بِوَصْفِهِ رَسولًا، ولكنَّ هَذا الأمْرَ هُوَ أشْبَهُ بِنَموذَجٍ لكيفيَّةِ تَكَلُّمِ اللهِ إلى الأنبياءِ في العهدِ القديمِ وإلى كُتَّابِ العهدِ القديمِ الآخرينَ مُباشَرَةً. لذلكَ فقد تَكَلَّمَ إلى بولُسَ الَّذي كانَ واحِدًا مِنَ الرُّسُل، وواحِدًا مِنْ كُتَّابِ العهدِ الجديد. وإذا نَظَرْتُمْ إلى الأصْحاحِ الرَّابِعِ مِنْ رِسالَةِ رُومية، سَتَرَوْنَ الآتي. لكِنْ أوَّلًا، افتَحوا على الأصْحاحِ الرَّابِعِ مِنْ رِسالَةِ غلاطِيَّة. فقد تَذَكَّرتُ ذلكَ الآن. افتَحوا قليلًا على رِسالَةِ غَلاطِيَّة، الأصحاح 4. فبولسُ يَقْتَبِسُ هُنا مِنْ سِفْرِ التَّكوين. ... إنَّ بولسَ يَقْتَبِسُ هُنا مِنْ سِفْرِ التَّكوين. وما الذي يَقولُهُ؟ إنَّهُ يَقولُ في العدد 30 فيما يَكْتُبُ إلى أهْلِ غَلاطِيَّة: "لكِنْ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ «اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّهُ لاَ يَرِثُ ابْنُ الْجَارِيَةِ مَعَ ابْنِ الْحُرَّةِ»". وهذا نَصٌّ مُقْتَبَسٌ مِنْ سِفْرِ التَّكوين والأصْحاح 21 – وَتَحْديدًا مِنَ الآيَتَيْن 10 و 12. فبولسُ يَقْتَبِسُ مِنَ العهدِ القديمِ وَيُسَمِّيهِ: "الكِتاب".

والآنْ، إذا نَظَرْتُمْ إلى الأصْحاحِ الرَّابِعِ مِنْ رِسالَةِ رُومية، سَتَجِدونَ شَاهِدًا آخَرَ في بِدايَةِ الأصْحاحِ، وتَحديدًا في العَدَدِ الثَّالِثِ مِنْ هذا الأصْحاح إذْ نَقرأُ في رُومية 4: 3 (على لِسانِ بولُس): "لأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا»". وَهُوَ يَقْتَبِسُ هُنا مِنْ سِفْرِ التَّكوين 15: 6. فَهُوَ يَقْتَبِسُ مِنْ سِفْرِ التَّكوينِ بِصِفَتِهِ سِفْرًا مُقَدَّسًا. وَهُوَ يَعْرِفُ أنَّهُ كُتِبَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ. وَهُوَ يَعْرِفُ أنَّ يَسوعَ قالَ إنَّ الكِتابَ لا يُمْكِنُ أنْ يُنْقَضَ. وقد تَأكَّدَ أنَّ العهدَ القَديمَ هُوَ كِتابٌ مُقَدَّسٌ بِشَهادَةِ كَاتِبٍ أَوْحى اللهُ إليهِ في العهدِ الجديدِ وَهُوَ: الرَّسولُ بولُس. واسْمَحوا لي أنْ أَخْطُو مَعَكُمْ خُطْوَة أبْعَد في هذا الدَّرْب. فلنَنْظُر إلى رِسالةِ تيموثاوسَ الأولى والأصْحاح الخامِس (1تيموثاوس 5).

ففي هذا الأصحاحِ تَحديدًا، نَجِدُ في العَدَد 18 اقْتِباسَيْن ... اقْتِباسَيْن. وهَذِهِ مُقارَنَةٌ مُمْتِعَةٌ جدًّا. الاقتباسُ الأوَّلُ نَجِدُهُ في العدد 18 إذْ نَقرأُ: "لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: «لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا»". والحقيقةُ هي أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَقولُ هذا. فَهُوَ مَذْكورٌ في سِفْرِ التَّثنية 25: 4. والمَعنى البَسيطُ هُوَ: "أَطْعِمْ ثَوْرَكَ". ولكِنَّ المَعنى المَقصودَ هُنا هُوَ أنَّهُ يَنْبَغي لكَ أنْ تَهْتَمَّ بالنَّاسِ الذينَ يَخْدِمونَكَ. فَهِيَ جُمْلَةٌ صِيْغَتْ في شَكْلِ مَثَل. فإذا أَرَدْتَ أنْ يَقومَ الثَّوْرُ بِعَمَلِهِ، عليكَ أنْ تُطْعِمَهُ. وإذا كُنْتَ تَتوقَّعُ مِنَ النَّاسِ أنْ يَفْعَلوا ما تُريدُ مِنْهُمْ أنْ يَفْعَلوهُ، يَنْبَغي أنْ تَعْتَني بهم. فهذهِ هِيَ الفِكْرَةُ هُنا. ولكنَّهُ يَقولُ إنَّ الكِتابَ يَقولُ ذلكَ وَيَقْتَبِسُ مِنْ سِفْرِ التَّثنية 25: 4.

وَإليكُمْ الاقتباسَ المُهِمَّ في العدد 18: وَالكِتابُ يَقولُ أيضًا: "الْفَاعِلُ مُسْتَحِق أُجْرَتَهُ". ولكِنْ أيْنَ وَرَدَ ذلكَ في الكِتابِ المقدَّس؟ أيْنَ وَرَدَ ذلكَ في العهدِ القديم؟ إنَّ هذا القَوْلَ لَمْ يُذْكَرْ في العهدِ القديم، بل هُوَ مَذكورٌ، في الحَقيقة، في إنْجيل لوقا 10: 7 حيثُ قالَ يَسوعُ: "لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ". وهذا يَعني أنَّ ما كَتَبَهُ مُوسى في سِفْرِ التَّثنية هُوَ جُزْءٌ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ، وَأنَّ ما كَتَبَهُ لوقا في إنْجيلِهِ هُوَ أيضًا جُزْءٌ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ. ونَجِدُ هُنا أنَّ واحِدًا منْ كُتَّابِ العهدِ الجديدِ يَشْهَدُ أنَّ العهدَ القديمَ هُوَ كلمةُ اللهِ، وَأنَّ العهدَ الجديدَ هوَ كلمةُ اللهِ. فبولسُ يَقولُ إنَّ ما كَتَبَهُ لوقا هُوَ جُزْءٌ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ.

والآنْ، لِنَنْظُرْ إلى ما جاءَ في الأصْحاحِ الثَّالِثِ مِنْ رِسالةِ بُطرسَ الثانية. رِسالَةُ بُطرسَ الثَّانية 3: 15. وسوفَ نَجِدُ هُنا آيَتَيْنِ جَديرَتَيْنِ بالانْتباهِ وَهُما: 15 و 16. والإشارَةُ هُنا هِيَ: "كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ". فقد كَتَبَ عَنْ أَناةِ رَبِّنا الَّتي تَقودُ إلى الخَلاصِ، كَما جاءَ في بِدايَةِ العَدَد 15. ثُمَّ يُشيرُ بُطرسُ إلى ما كَتَبَهُ بولسُ قائلًا: "كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا". والآنْ فإنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ الحَديثِ عَنْ رِسالَةٍ مُعَيَّنَةٍ كُتِبَتْ إلى جَماعَةٍ مُحَدَّدَةٍ إلى الحَديثِ عَنْ جَميعِ رَسائِلِ بولُس (أيْ عَنْ رَسائِلِهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ): "كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي" - ماذا؟ - "كَباقي الْكُتُبِ أَيْضًا".

إذًا، ما الَّذي يَقولُهُ بُطْرُسُ عَنْ رَسائِلِ بولُس؟ إنَّها جُزْءٌ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ، كَما هِيَ حَالُ بَقِيَّةِ الكِتابِ المقدَّسِ. وهُنا أيضًا، كَما أنَّ بولسَ يَقولَ عَنْ ما كَتَبَهُ لوقا إنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ. بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ الكاتِبَ الرَّئيسيَّ للرَّسائِلِ يُؤكِّدُ كاتِبًا مِنْ كُتَّابِ الأناجيل. وها هُوَ بُطْرُسُ يَقولُ عَنْ كِتاباتِ بولسَ إنَّها جُزْءٌ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ. والحقيقةُ هي أنَّ جَميعَ رَسائِلِهِ هِيَ جُزْءٌ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ. ثُمَّ افْتَحوا على رِسالَةِ يَهوذا والعَدد 17. وسوفَ نُتابِعُ مَا يَقول. رِسالَةُ يَهوذا، والعَدد 17. فَهِيَ رِسالَة تتألَّفُ مِنْ أصْحاحٍ واحِدٍ فقط. العَدَد 17: "وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فَاذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا رُسُلُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَكُمْ: «إِنَّهُ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ سَيَكُونُ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ فُجُورِهِمْ»". وأيْنَ ذُكِرَ هَذا الكَلام تَحديدًا؟ في رِسالَةِ بُطرسَ الثَّانية 3: 3: "فَاذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا رُسُلُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ". وَهُوَ يَقْتَبِسُ ما قالَهُ بُطْرُس. لذلكَ فإنَّ يَهوذا يُؤكِّدُ كَلامَ بُطْرُس. وبُطْرُس يؤكِّدُ كلامَ بولُس. وبولسُ يؤكِّدُ كلامَ كُتَّابِ الأناجيل.

إنَّ النَّصَّ الكِتابِيَّ لا يَبْذِلُ جُهْدًا في تَوضيحِ هذا الأمْر. وَهُوَ لا يُثيرُ ضَجَّةً كَبيرةً حَوْلَ هذا الموضوع. بَلْ هُوَ يَذْكُرُهُ بِطَريقَةٍ هادِئَةٍ جِدًّا لأنَّهُ حَقيقَةٌ جَلِيَّةٌ وَلا تَحْتاجُ إلى إثارَةِ الضَّجَّةِ حَوْلَها كما لو كانَ لِزامًا عَلينا أنْ نُبَرْهِنَ ما نَقول. ففي سِفْرِ الرُّؤيا، هُناكَ بَرَكَة (في الأصحاحِ الأوَّلِ والعَددِ الثَّالِث) مُعْلَنَة على مَنْ يَقرأُ ويَسمعُ كَلماتِ النُّبوءةِ، وَمَنْ يَحْفَظُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا: "إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ اللهُ، لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ، وَبَيَّنَهُ مُرْسِلاً بِيَدِ مَلاَكِهِ لِعَبْدِهِ يُوحَنَّا". ونحنُ نَعْلَمُ مِنْ خِلالِ هذا الكَلامِ أنَّ سِفْرَ الرُّؤيا مُوْحَى بِهِ مِنَ الله. إنَّهُ مُوْحَى بِهِ مِنَ الله. فاللهُ هُوَ مُنْشِئُهُ. وَهُوَ الَّذي أَعْطاهُ ليوحَنَّا مِنْ خِلالِ مَلاكٍ في هَذِهِ الحَالَةِ.

وفي الأصحاحِ التَّاسِع عَشَر مِنْ سِفْرِ الرُّؤيا، والعَدَدِ التَّاسِعِ، يُعْطَى يُوحَنَّا تَعليماتٍ مِنْ صَوْتٍ خَارِجٍ مِنْ عَرْشِ اللهِ: وَقَالَ لِيَ: «اكْتُبْ: طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى عَشَاءِ عُرْسِ الْخَرُوفِ!» وَقَالَ: «هذِهِ هِيَ" – ماذا؟ "أَقْوَالُ اللهِ الصَّادِقَةُ»". ونَقرأُ في الأصحاح 21 مِنْ سِفْرِ الرُّؤيا، والعَدَدِ الخامِسِ عَنْ رُؤيا للسَّماءِ الجَديدَةِ والأرْضِ الجَديدَةِ: "وَقَالَ الْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ: «هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا!» وَقَالَ لِيَ: «اكْتُبْ: فَإِنَّ هذِهِ الأَقْوَالَ صَادِقَةٌ وَأَمِينَةٌ»". ونَقرأُ في الأصحاح 22 والعَدد 6: "وَقَالَ لِي: «هذِهِ الأَقْوَالُ أَمِينَةٌ وَصَادِقَةٌ. وَالرَّبُّ إِلهُ الأَنْبِيَاءِ الْقِدِّيسِينَ أَرْسَلَ مَلاَكَهُ لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَرِيعًا»". لذلكَ، نَرى طَوالَ الطَّريقِ مِنْ أسْفارِ مُوسى الخَمْسَةِ، وَطَوالَ الطَّريقِ مُنْذُ أنْ قامَ أَحَدُ كُتَّابِ العهدِ الجَديدِ بالاقتباسِ مِنْ سِفْرِ التَّكوينِ بِوَصْفِهِ سِفْرًا مُقَدَّسًا، إلى سِفْرِ الرُّؤيا بِوَصْفِهِ أقوالَ اللهِ الصَّادِقَة، نَرى أنَّ الحَقيقَةَ الدَّامِغَةَ للشَّهادةِ الداخليَّةِ لكُتَّابِ الكِتابِ المقدَّسِ هي أنَّهمْ كانوا يَكْتُبونَ بِكُلِّ تأكيدٍ كَلامَ اللهِ. وهذهِ شَهادَةٌ داخِلِيَّةٌ واضِحَةٌ وَقَوِيَّةٌ على أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ.

ولَكِنَّنا نَجِدُ شَهادَةً أُخرى وأَوَدُّ أنْ أَصْرِفَ بَعْضَ الوقتِ في الحَديثِ عَنْها في هذا المَساءِ. وهناكَ الكَثيرُ لِيُقال، ولكِنْ كَما هيَ الحالُ دائمًا، سَنُرْجِئُ ذلكَ إلى مَرَّةٍ أُخرى. ولكنِّي أريدُ أنْ أتحدَّثَ عَنْ شَهادَةِ يَسوع. فأنا أهْتَمُّ كثيرًا بِرأيِ يَسوعَ في الأسفارِ المقدَّسَةِ. وماذا عَنْكُمْ؟ أعتقدُ أنَّكُمْ تَهتمُّونَ بذلكَ أيضًا. فيسوعُ هُوَ الَّذي قالَ في إنجيل يوحنَّا 10: 35: "لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ". ويسوعُ هوَ الَّذي قالَ في إنْجيل مَتَّى 5: 17 و 18: "لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ". وفي إنْجيل مَتَّى 26: 24، نَظَرَ يَسوعُ إلى صَليبِهِ وقال: "إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ". وبعدَ بِضْعِ آياتٍ، قالَ لِبُطْرُس إنَّهُ لا يُريدُ حِمايَةً بواسِطَةِ سَيْفِ بُطْرُسَ لأنَّهُ لو شَاءَ لاسْتَدْعَى مَلائِكَةً مِنَ السَّماءِ للمُساعَدَة. ثُمَّ إنَّهُ قالَ هذهِ الكلماتِ في إنْجيل مَتَّى 26: 54: "فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ؟"

بعبارةٍ أُخرى، فقد جاءَ يَسوعُ لِيُتَمِّمَ النَّاموسَ. وقد جاءَ أيضًا لِيُتَمِّمَ الكِتابَ المقدَّسَ الَّذي تَنَبَّأَ عَنْ مَوْتِهِ وقيامَتِهِ. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ العِبارَةَ الَّتي قالَها هِيَ عِبارةٌ مُدهشةٌ حقًّا: "لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ". وقد قَصَدَ بذلكَ أنَّ ما قالَهُ اللهُ صَحيحٌ، وَأنَّهُ سَيَتَحَقَّق. وقد قالَ في إنْجيل لوقا 16: 17: "وَلكِنَّ زَوَالَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ". وقد قالَ في إنْجيل لوقا 18: 31: "وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ". إذًا، ما هُوَ رَأيُ يَسوعَ في الكِتابِ المقدَّسِ؟ لقد كانَ يَرى أنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ، وَأنَّهُ صُورةٌ حَقيقيَّةٌ تَعْكِسُ اللهَ الحَقيقيَّ الَّذي لا يَكْذِبُ، بل يَنْطِقُ بالحَقِّ فقط. وقد رَكَّزَ يَسوعُ الأنْظارَ على كَلِماتٍ مُحَدَّدَةٍ.

ومِنَ الأمثلةِ على ذلكَ المَزمور 22: 1. وهُناكَ الكَثيرُ مِنَ الأمثلةِ الأخرى. فالمَزمور 22: 1 تَنَبَّأَ أنَّهُ عندما يَموتُ المسيحُ على الصَّليبِ، فإنَّهُ سَيَقولُ هذهِ الكلمات: "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي". وعندما كانَ يَسوعُ يَموتُ على الصَّليبِ، صَرَخَ قائلًا: "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي" (كَما جاءَ في إنْجيل مَتَّى 27: 46). فقد كانَ يسوعُ يُؤمِنُ بتَحقيقِ كُلِّ كَلمةٍ في العهدِ القديم. وقد أَكَّدَ الحَقائِقَ العَظيمَةَ الوارِدَةَ في العهدِ القديمِ أيضًا. فقد أكَّدَ خَلْقَ آدَمَ وحَوَّاءَ. وقد أَكَّدَ أنَّ ذلكَ كانَ خَلْقًا حَقيقيًّا وأنَّهُما كانا شَخْصَيْنِ حَقيقِيَّيْن. وقد قالَ في إنْجيل مَتَّى 19: 4 و 5: "أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْـثَى؟" فقد خَلَقَهُما. وَقَدْ خَلَقَهُما مِنَ البَدْءِ. وَقَدْ خَلَقَهُما ذَكَرًا وَأُنْثَى. وقد قالَ أيضًا: "مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا". فقد كانَ يَسوعُ يُؤمِنُ بِقِصَّةِ الخَلْقِ كما هِيَ مُدَوَّنة في سِفْرِ التَّكوين. وقد أَكَّدَ صِحَّتَها.

كذلك، فقد قالَ يَسوعُ مِرارًا إنَّ المشاكِلَ الَّتي يُعانيها النَّاسُ بسببِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ باللهِ هِيَ أنَّهُمْ لم يكونوا يَعرفونَ الأسْفارَ المُقَدَّسَةَ: "فَتِّشُوا الْكُتُبَ ... وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي". وقد قالَ مِرارًا وَتَكْرارًا: "ألم تَقرأوا ما جاءَ في الكُتُب؟" لذلكَ فإنَّ القَرارَ بِيَدِكُمْ. ولتلخيصِ شَهادَةِ يَسوعَ، سأُقَدِّمُ لَكُمْ مَجموعَةً صَغيرةً مِنَ الخِيارات. فهُناكَ احْتِمالٌ صَحيحٌ مِنْ هذهِ الاحتمالاتِ الثَّلاثة: الاحتمالُ الأوَّلُ هُوَ أنَّهُ لا توجدُ أخْطاءٌ في العهدِ القديمِ لأنَّ هذا هُوَ ما عَلَّمَهُ يَسوعُ: "لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ". والاحتمالُ الثَّاني هُوَ أنَّ هُناكَ أخْطاء، ولكنَّ يَسوعَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بأمْرِها. والاحتمالُ الثالثُ هُوَ أنَّهُ تُوْجَدُ أخْطاءٌ، وأنَّ يَسوعَ كانَ يَعْرِفُ بأمْرِها ويُحاوِلُ أنْ يُخْفيها عَنِ النَّاسِ.

إذًا، ما هُوَ الاحتمالُ الصَّائِبُ في نَظَرِك؟ أنَّ يَسوعَ كانَ مُحْتالًا ودَجَّالًا ومُخادِعًا؟ وإنْ كانَ هذا صَحيحًا، كيفَ نُفَسِّرُ قِيامَتَهُ؟ أوْ أنَّ يَسوعَ لم يَكُنْ يَعْلَمُ بوجودِ أخْطاءٍ. ولكِنْ كيفَ تُفَسِّرُ عِلْمَهُ المُطْلَقُ، لأنَّهُ قالَ إنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شيءٍ؟ وإنْ كانَ الاحتمالُ الثاني صحيحًا، أيْ أنَّهُ لم يَكُنْ يَعلمُ. فقد كانَتْ تُوْجَدُ أخطاءٌ، ولكنَّهُ لم يَكُنْ يَعْلَمُ عَنْها شَيئًا. إذًا، مِنَ الواضِحِ أنَّهُ ليسَ الله. وفي هذهِ الحالةِ، يُمكنُكَ أنْ تَتجاهَلَ المسيحيَّةَ وأنْ تَنْسى أَمْرَها تَمامًا. وإذا كانَ الاحتمالُ الثالثُ صحيحًا (أيْ أنَّهُ كانَ يَعلمُ بوجودِ أخْطاءٍ ولكنَّهُ كانَ يُخْفي ذلكَ عنِ النَّاسِ)، يَكونُ يَسوعُ هُوَ الشَّيطان. ولكِنْ إنِ اخْتَرْتَ أنْ تُؤمِنَ بلاهوتِ يسوعَ، ينبغي أنْ تُؤمِنَ أيضًا أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ مَعْصومٌ وَمُنَزَّهٌ، لأنَّهُ كانَ يُؤمِنُ بذلك.

وهذا يَقودُنا إلى السُّؤالِ التَّالي: "كيفَ يَنبغي أنْ نَفهمَ مَسألةَ كِتابةِ اللهِ للكِتابِ المقدَّسِ؟" هل هَذا مَوضوعٌ يَهُمُّكُمْ؟ إذًا، يَنبغي أنْ تَعودوا في الأسبوعِ القادِمِ. فالوقتُ لا يُسْعِفُني للبدءِ في هذا الموضوعِ الآن. ودَعوني أخْتِمُ بهذهِ الفِكرة: لأنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ الحَقُّ الإلهيُّ، فإنَّهُ مَصْدَرُ البَرَكَة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 8: 34: "طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَسْمَعُ لِي". ونَقرأُ في إنْجيل لوقا 11: 28: "طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ". ثانيًا، إنَّهُ مَصْدَرُ الفَضيلَة. فنحنُ نَقرأُ في المَزمور 119: "خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ".

وَهُوَ مَصْدَرُ العِفَّةِ إذْ نَقرأُ في إنْجيل يوحنَّا 15: 3: "أَنْـتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ". وَهُوَ مَصْدَرُ النُّصْرَةِ. فَبِسلاحِ الرُّوحِ نَهْزِمُ عَدُوَّنا المَعروفَ بالكَذِبِ والخِداع. وَهُوَ مَصْدَرُ النُّمُوِّ إذْ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني مِنْ رِسالةِ بُطرسَ الأولى: "كَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ". وَهُوَ مَصْدَرُ القُوَّةِ. فَهُوَ حَيٌّ، وَقَوِيٌّ، وَأقوى مِنْ أيِّ سِلاحٍ آخَر. وَهُوَ مَصْدَرُ الإرْشادِ إذْ نَقرأُ في المزمور 119: 105: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي".

إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ أقوى كِتابٍ لأنَّهُ الكِتابُ الإلَهِيُّ الوَحيد. فَهُوَ قادِرٌ أنْ يُمَزِّقَكَ إرْبًا إرْبًا (كَما جاءَ في عِبرانِيِّين 4: 12)، وأنْ يَشْطُرُكَ نِصْفَيْن. ولكنَّهُ قادِرٌ أيضًا أنْ يُعيدَكَ إلى حَالَتِكَ السَّوِيَّةِ (كَما جاءَ في 1بُطرس 1) لكي تُوْلَدَ ثانِيَةً حَسَبَ الكَلِمَة. وَهُوَ قادِرٌ أنْ يُعْطيكَ فَرَحًا عظيمًا: "وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً". ولكِنْ لماذا هُوَ قَوِيٌّ هكذا؟ ولماذا هُوَ مُغَيِّرٌ للحياةِ هكذا؟ لأنَّهُ ليسَ كلامًا بَشريًّا، بل هُوَ كَلامُ اللهِ. وفي المَرَّةِ القادمةِ سنَتحدَّثُ عَنْ كيفيَّةِ وُصولِ الكِتابِ المقدَّسِ مِنَ اللهِ إلينا مِنْ خِلالِ الحَديثِ عَنْ عَقيدةِ الوَحْيِ الرَّائِعَة.

نَشكُرُكَ، يا أبانا، على شَهادةِ الكِتابِ المقدَّسِ لِصِحَّتِهِ، ولِعِصْمَتِهِ، وَلِتَنزيهِهِ عَنِ الخَطأ، وَلِوَحْيِهِ. ونحنُ نَعلمُ أنَّ هَذا كُلَّهُ يَتوقَّفُ على حقيقةِ أنَّكَ أنْتَ اللهُ الحَيُّ الحَقيقيُّ الَّذي لا يُمْكِنُ أنْ يَكْذِبَ، اللهُ الحَقُّ، والذي مِنْكَ تَخْرُجُ كُلُّ كَلِمَةِ حَقٍّ وَكُلُّ مَا هُوَ حَقّ. لذلكَ فإنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ الحَقُّ، وكُلُّ الحَقِّ، ولا شَيءَ غيرَ الحَقِّ لأنَّكَ إلَهٌ حَقّ. وما أَرْوَعَ أنْ نَعْلَمَ هذا الحَقَّ، وأنْ نَفهَمَ هذا الحَقَّ، وأنْ نَحيا هذا الحَقَّ بِقُوَّتِكَ أنْتَ. ويا لَها مِنْ بَرَكَةٍ عَظيمةٍ لحياتِنا أنْ نَعْرِفَ الحَقَّ في وَسَطِ عالَمٍ يَغْرَقُ فيهِ النَّاسُ في مُسْتَنْقَعٍ مِنَ الأكاذيبِ. نحنُ نُسَبِّحُكَ، ونَشكُرُكَ، ونُمَجِّدُكَ لأنَّكَ تَفْتَحُ أعْيُنَنا وقُلوبَنا للحَقِّ.

وإذْ نَمْلِكُ الحَقَّ الآنَ، لَيْتَنا نُحِبّهُ، وَنَتوق إليهِ، وَنَتَعَلَّمهُ، وَنُنادي بِهِ، ونُدافِع عَنْهُ، ونَسْتَخْدِمهُ لِعِبادَتِكَ. نَسْألُكَ هَذا بِفَضْلِ المَسيحِ وَإكْرامًا للمَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize