Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أُرَحِّبُ بِكُم في هذا الصباحِ في كنيستِنا وإلى الشركةِ الرائعةِ معَ شعبِ اللهِ هنا. إنَّ شَرِكتَنا تَتَمَركزُ حولَ كلمةِ اللهِ. ونحن نَدرسُ حاليًّا سلسلة عنْ حياةِ المؤمنِ في ضوءِ تَأَثُّرِها بالروحِ القدس. وقد قُلنا في هذهِ السلسلةِ القصيرةِ نِسبيًّا إنَّ الروحَ القدسَ ربما كانَ الأقنومَ الَّذي يُهْمِلُ النَّاسُ التَّفكيرِ فيهِ والتعرُّفَ إليهِ أكثرَ مِنَ الأقنومَيْنِ الآخَرَيْن. فنحنُ جميعًا نَعرفُ الكثيرَ عنِ اللهِ. وهناكَ تركيزٌ كبيرٌ جدًّا على صِفاتِ اللهِ وعملِ اللهِ. ولا شَكَّ أنَّنا نُركِّزُ كثيرًا على المسيحِ، وأعمالِهِ، وشَخْصِهِ، وصِفاتِهِ، وحياتِه. ولتحقيقِ التَّوازُنِ، يجبُ علينا أنْ نَفهمَ أنَّ كُلَّ أقنومٍ في الثالوثِ مُستحقٌّ كغَيْرِهِ مِنَ الأقانيمِ. لذلكَ، أَوَدُّ أنْ أُساعِدَكُم على عِبادةِ اللهِ المُثَلَّثِ الأقانيمِ بطريقةٍ أكْثَر كَمالًا، وأَوَدُّ أنْ أُساعِدَكُم على فَهْمِ العملِ الحقيقيِّ للروحِ القدس.

ولكِنَّ الأمرَ لا يَقتصرُ على ذلكَ فقط. فكما قُلتُ لكم، إنَّ الأمرَ لا يَقتصرُ على حقيقةِ أنَّنا لا نُرَكِّزُ بالقدرِ الكافي على شخصِ الروحِ القدسِ بالرَّغمِ مِنْ أنَّهُ يَستحقُّ التَّسبيحَ مِثْلَ الأقنومَيْنِ الآخَرَيْن. بل هناكَ أيضًا مَسألةُ الأمورِ الَّتي تُنْسَبُ إلى الروحِ القدسِ مَعَ أنَّها بِكُلِّ تأكيدٍ ليسَتْ جَديرَةً باسْمِهِ. فهناكَ تَجديفٌ على الروحِ القدسِ في كُلِّ وقتٍ. فالناسُ قد يَتردَّدونَ في التَّجديفِ على اللهِ الآبِ أوْ حتَّى على المسيحِ الابْن، ولكِنْ يبدو أنَّ التَّجديفَ على الروحِ القدسِ مُستمرٌّ.

فإذا نَظرتَ إلى وسائلِ الإعلامِ المسيحيَّةِ كَما لو كُنْتَ شخصًا مُتَفَرِّجًا ولا تَعرفُ شيئًا عنِ المسيحيَّةِ، وحاولتَ أنْ تَفْهَمَ لاهوتَ الروحِ القدسِ مِنْ خِلالِ مُشاهَدَةِ المَحطَّاتِ التلفزيونيَّةِ المسيحيَّةِ، قد تَخْرُجُ بالنَّتيجةِ التَّالية: أنَّ الروحَ القدسَ، أوْ أيًّا كانَ الاسْمُ الَّذي يُطْلَقُ عليه، هُوَ مُجَرَّدُ قُوَّة. فهوُ قُوَّة تُسْقِطُ النَّاسَ أَرْضًا ... تَطْرَحُهُمْ أَرْضًا وَتَتْرُكُهُمْ مَطروحينَ هُناكَ في ذُهول. وَهِيَ قُوَّةٌ تَعملُ بطريقةٍ غريبةٍ عندَما يُحَرِّكُ المَرْءُ يَدَهُ، أو عندَ الضَّغطِ على رأسِ شخصٍ ما بيدٍ واحدةٍ. وأيًّا كانتْ هذهِ القُوَّة، وأيًّا كانَ هذا الروحُ، فإنَّهُ يَجعلُ الناسَ أيضًا يَتَفَوَّهونَ بكلامٍ غَيْرِ مَفهومٍ البَتَّة. وهُوَ يَجعلُ الناسَ أيضًا يَرفعونَ أيْدِيَهُم في الهواءِ، ويَنظرونَ إلى أعلى، ويحاولونَ أنْ يُحافظوا على توازُنِهِمْ أثناءَ تَرَنُّحِهِمْ على الأنغامِ الموسيقيَّة. فهذا هوَ ما قد تَسْتَنْتِجُهُ. فسوفَ تَستنتِجُ أنَّ الروحَ القدسَ، أوْ هذا الروحَ الَّذي يُصَوِّرونَهُ، هُوَ قُوَّة تَجْعَلُكَ تَفقدُ السيطرةَ على جَسدِكَ وفَمِكَ وعَقْلِكَ. وتَجْعَلُكَ تقومُ بحركاتٍ غريبةٍ وغيرِ مَنطقيَّة. ولكِنَّ هذا ليسَ الروحَ القدسَ. بل إنَّ ما يَحْدُثُ هُوَ ازْدِراءٌ بالروحِ القدس.

وقد تقول: "ولَكِنْ ما هيَ هذهِ الظَّواهِرُ؟" إنَّها قُوَّةُ الإيحاء، وقُوَّةُ التَّوقُّعِ الجَماعِيِّ، وقُوَّةُ التَّلاعُبِ بمشاعرِ النَّاسِ. فهيَ لا عَلاقةَ لها بالروحِ القدسِ لا مِنْ قَريب ولا مِنْ بَعيد. فهلِ الروحُ القدسُ يَفعلُ أمورًا كهذهِ مِنْ خلالِ الظهورِ في أماكِنَ تُسيءُ إليهِ، وتُسيءُ إلى الكِتابِ المقدسِ الَّذي أَوْحَى بِهِ؟ وهل يَظْهَرُ الروحُ القدسُ للتَّرويجِ لِلاهوتٍ خاطئٍ ومُعَلِّمينَ زائفينَ، ويَغيبُ عَنْ أماكِنَ يُكَرَّمُ فيها الروحُ القدسُ وَتُكَرَّمُ فيها كَلِمَتُهُ؟ في رأيي، لو كانتْ هذهِ الظَّواهِرُ الَّتي تَرَوْنَها على شاشاتِ التِّلفزيون أوْ في مِثْلِ هذهِ الاجتماعاتِ مِنَ الروحِ القدسِ حقًّا، لَسَقَطْتُمْ جَميعُكُمْ أرضًا وَنَطَقْتُمْ بكلامٍ غيرِ مَفهومٍ كُلَّ الوقتِ لأنَّ الروحَ القدسَ يَتحرَّكُ في الأشخاصِ الَّذينَ يُكْرِمونَ المسيحَ ويُكْرِمونَ كَلِمَتَهُ.

وما هوَ العملُ الحقيقيُّ للروحِ القدس؟ ما الَّذي يَقومُ بهِ حقًّا؟ وما الَّذي يُنْجِزُهُ بِقُوَّتِه؟ اسْمَحوا لي أنْ أُساعِدَكُم مِنْ خِلالِ الحَديثِ عَنِ الجانبِ اللُّغَوِيِّ قليلًا. فهناكَ كلمةٌ للروحِ القدسِ في العهدِ القديمِ وَهِيَ "رُواخ" (ruach). وَالكلمةُ المُناظِرَةُ لها في العهدِ الجديدِ هي "نُوما" (pneuma). وهُما كلِمتانِ تَنْتَمِيانِ إلى الكلماتِ الَّتي تُسَمِّي الأشياءَ بأصواتِها. فالكلمة "نُوما" والكلمة "رواخ" تُلْفَظانِ بطريقةٍ تَدُلُّ على صَوْتِ الهَواء. وهذا هُوَ المَقصودُ بالكلمة "روح". فَهِيَ حَرَكَة. وَهِيَ قُوَّة. والمعنى الأصليُّ للكلمة "رواخ" (وهي الكلمة المُستخدمةُ في العهدِ القديمِ للإشارةِ إلى الروحِ القدس) هي: قُوَّة، أو طاقة، أو قُدرة، أو حياة. وفي ثُلْثِ المَرَّاتِ الَّتي وَرَدَتْ فيها هذهِ الكلمةُ في العهدِ القديمِ (وَهِيَ تَرِدُ مَرَّاتٍ عديدة)، فإنَّها تُشيرُ في ثُلْثِها إلى الله، أيْ إلى روحِ الله. ولكِنَّ التَّركيزَ في الكلمة "رواخ" (أو: رُوح) والكلمة "نُوما" (في اللُّغةِ اليونانيَّةِ في العهدِ الجديدِ) لا يَنْصَبُّ على كونِ الرُّوحِ غيرَ مادِّيٍّ. فالأمرُ لا يَقتصرُ على التَّركيزِ على أنَّ هذا الأقنومَ غيرُ مادِّيٍّ. فليسَ هذا هوَ المقصود. فالكلمةُ تَعني: قُوَّة، أو طاقة، أو قُدرة. والتَّركيزُ هوَ على ذلك. لذلكَ عندما تقولُ "رُواخ يَهْوَه" (أيْ: رُوح الله)، فإنَّكَ تتحدَّثُ عنْ قوَّةِ اللهِ، وعن قُدرةِ اللهِ.

ونجدُ في ميخا 3: 8 مَثلًا توضيحيًّا جيِّدًا على هذا الأمر. فنحنُ نَقرأُ في ميخا 3: 8: "لكِنَّنِي أَنَا مَلآنٌ قُوَّةَ رُوحِ الرَّبِّ". فالامتلاءُ بِروحِ يَهْوَه يَعني الامتلاءُ بالقوَّة. وأقولُ مَرَّةً أُخرى إنَّ الكلمةَ لا تُشيرُ إلى قُوَّة غير مادِّيَّة. لذلكَ فإنَّ التَّرجمةَ – أيِ التَّرجمةَ القديمةَ "هولي غوست" (Holy Ghost) ليست مُوَفَّقة البَتَّة. فالكلمة "غوست" (Ghost) هي ببساطة كلمة تُشيرُ إلى شيءٍ غيرِ مادِّيٍّ. وبالمناسبة، فإنَّها تُشيرُ إلى شيءٍ لا وُجودَ لهُ. ولكِنَّ الكلمة الصَّحيحَة هي: "سبيريت" (Spirit). وهيَ لا تُرَكِّزُ على الجانبِ غيرِ المادِّيِّ، بل على القُدرةِ المُطْلَقَةِ. والحقيقةُ هي أنَّها تُشيرُ إلى قُوَّةِ اللهِ العارِمَة. فقوَّةُ اللهِ عارِمَة. ويقولُ أحدُ الكُتَّابِ: "إنَّ رُوحَ يَهْوَه هُوَ قُوَّةُ اللهِ المُتَفَجِّرَة. وهُوَ القوَّةُ الَّتي لا تُقاوَمُ الَّتي يُتَمِّمُ مَقاصِدَهُ بواسِطَتِها سواءٌ في البِناءِ أوِ الهَدْمِ". فعندما تَتحدَّثُ عنْ روحِ اللهِ، فإنَّكَ تتحدثُ عن أُقنومٍ هُوَ في الأصْلِ التَّعبيرُ عَنْ قُوَّةِ اللهِ العارِمَة، وعَنِ القُدرةِ الإلهيَّةِ. وهيَ قُدرةٌ عَظيمةٌ، ومُطْلَقَةٌ، ولا حُدودَ لها تُماثِلُ اللهَ العَظيمَ الذي لا حُدودَ لَهُ.

إنَّهُ روحُ اللهِ، وقوَّةُ اللهِ العارِمَة المُتَمَثِّلة في الأقنومِ الثالثِ الَّذي خَلَقَ جُنْدَ السَّماءِ إذْ نَقرأُ في المزمور 33: 6: "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا". فهذهِ هيَ القُوَّة. ففي وقتٍ ما، لم يَكُنْ هناكَ شَيءٌ، ولا حَتَّى الكَوْن، ولا الأجرام السَّماويَّة. وفي طَرْفَةِ عَيْنٍ صارَ الكُلُّ مَوجودًا. فهذهِ هيَ قوَّةُ روحِ اللهِ (رُواخ). وهي القوَّة الَّتي حَلَّتْ على القُضاةِ، كما هِيَ حالُ "عُثْنِيئِيلَ" وَ "شَمْشونَ" اللَّذَيْنِ حَلَّ عليهما رُوحُ الرَّبِّ – كَما جَاءَ في الأصْحاحَيْن 3 و 14 مِنْ سِفْرِ القُضاة. وروحُ الرَّبِّ هوَ القوَّةُ الَّتي حَلَّتْ على أنبيائِهِ، واخْتارَتْهُمْ، وحَمَلَتْهُمْ مِنْ مكانٍ ما، ونَقَلَتْهُمْ إلى مَكانٍ آخَرَ – كما جاءَ في حِزْقيال 3، وحِزقيال 11، ومُلوك الأوَّل 18. نحنُ نَتحدَّثُ هُنا عنْ قوَّةٍ خارقةٍ.

فالناسُ الذينَ تَواجَهُوا وتَلاقَوْا معَ أعمالِ روحِ اللهِ اخْتَبروا قُوَّةً خارقةٍ للطَّبيعة. فالروحُ القدسُ لا تَقتصرُ قُدرَتُهُ على الخَلْقِ. ولا تَقتصرُ قُدرَتُهُ على الدَّمارِ بالرَّغْمِ مِنْ وجودِ براهينَ في الكِتابِ المقدَّسِ على كِلا الأمْرَيْن. ولكِنْ فيما يَخُصُّنا بِوَصْفِنا مُؤمِنين، يجبُ علينا أنْ نَنْظُرَ إلى ما وراءِ التَّعابيرِ الماديَّةِ للقوَّةِ الإلهيَّةِ الَّتي كنتُ أتحدَّثُ عنها (أي القُدرة على الخَلْقِ، وإعطاءِ أشخاصٍ مُعَيَّنينَ على الأرضِ القُدرة على القيامِ بأعمالٍ خارقةٍ للطبيعةِ، والقدرةَ على اختيارِ الأنبياءِ ونَقْلِهِمْ إلى مكانٍ آخرَ)، وأنْ نَتَعَمَّقَ في الموضوعِ لِنَفهمَ أنَّ قُدرةَ الرُّوحِ الخَلاَّقَةِ تَعملُ في حياةِ البَشَر. فقوَّتُهُ موجودة فينا. وهي ليسَتْ موجودة لتَطْرَحَنا أرضًا، ولا لِتَجْعَلَنا نُثَرْثِرُ بكلامٍ غيرِ مَفهومٍ، ولا لِنَدْخُلَ في حَالَةِ صَدْمَةٍ عاطفيَّةٍ ما، بل هي قُوَّة غيرُ مَرئيَّة في ذاتِها ... إنَّها قُوَّة غيرُ مَرئيَّة.

ويُمْكِنُنا أنْ نَجِدَ مَثلًا على هذهِ القُوَّةِ في المزمور 51. فقد أَخْطأَ داودُ خطيئةً جَسيمَةً ومُريعَةً. فقد اشْتَهى امرأةَ رَجُلٍ آخَرَ اسْمُها "بَثْشَبَع". وقد زَنَى مَعَها وَأرادَ أنْ يأخُذَها لِنَفْسِهِ. لذلكَ فقد دَبَّرَ مَقْتَلَ زَوْجِها الَّذي كانَ جُنْديًّا وَفِيًّا بأنْ دَفَعَهُ إلى وَسَطِ المَعركةِ ليموتَ بأيدي الأعداء. وقد كانَتْ خَطيئةُ داودَ جَسيمَةً إذْ إنَّهُ قَتَلَ وَزَنى. وقد سَكَبَ داودُ قَلْبَهُ في المزمور 51 وراحَ يَتَضَرَّعُ إلى اللهِ لكي يَغْفِرَ لَهُ. وَهُوَ يَتضرَّعُ إلى اللهِ لكي يَغْسِلَهُ. وهُوَ يَتضرَّعُ إلى اللهِ لكي يُحَرِّرَهُ مِنْ مَشاعِرَ الألمِ والذَّنْبِ والخَوف. وَهُوَ يَقولُ في العدد 11 مِنْ هذا المَزمور: "وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي". إنَّهُ يَقولُ: لا تَنْزِعْ رُوْحَكَ مِنِّي. وَهُوَ لا يَتَحَدَّثُ عَنْ فُقدانِ خَلاصِهِ لأنَّهُ يَقولُ في العددِ التَّالي: "رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ". فَهُوَ لم يَفْقِدْ خَلاصَهُ، ولكنَّهُ فَقَدَ فَرَحَهُ.

إذًا، ما الَّذي قَصَدَهُ بالقول: "وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي"؟ أنا أعْلَمُ ما يَقْصِدُهُ. فقد كانَ يُفَكِّرُ في أمْرٍ مُحَدَّدٍ هُوَ: شاوُل ... شاوُل. فقد كانَ يَفْهَمُ التَّاريخِ جَيِّدًا. ولم يَكُنْ هناكَ مَلِكٌ قَبْلَهُ سِوى شاوُل. لذلكَ فقد كانَ تاريخُ المُلوكِ قَصيرًا جدًّا. فقد نَزَعَ اللهُ رُوْحَهُ مِنْ شاوُل – بِطَريقة مُعَيَّنة.

ففي إسرائيلَ القديمة، في زَمَنِ العهدِ القديم، كانَ الروحُ القدسُ يَحِلُّ على الملوكِ والكَهنةِ والأنبياءِ بطريقةٍ فريدة. ولكِنَّ عَمَلَ الروحِ القدسِ لم يَكُنْ يَقتصرُ على ذلك. فلم يَكُنْ بمقدورِ أيِّ شخصٍ أنْ يَخْلُصَ مِنْ دونِ الروحِ القدس، حَتَّى في العهدِ القديم. لم يكنُ بمقدورٍ أيِّ شخصٍ أنْ يَتَقَدَّسَ مِنْ دونِ الروحِ القدس، حتَّى في العهدِ القديم. فالروحُ القدسُ كانَ يقومُ بعملِهِ آنذاكَ إذْ كانَ يَعملُ في قلوبِ البَشَرِ ليُنشِئَ فيهم تَوبةً. وقد كانَ الروحُ القدسُ يَتحرَّكُ في حياةِ كُتَّابِ الأسفارِ المقدَّسةِ لكي يَكْتُبوا الكِتابَ المقدَّسَ. إذًا فقد كان الروحُ القدسُ يَقومُ بعملِهِ آنذاك. ولكِنَّ هذا لم يَكُنْ واضحًا تمامًا كما حَدَثَ في العهدِ الجديد. وَعَمَلُهُ لم يَكُنْ كاملًا كما هيَ الحالُ في العهدِ الجديد. ولكِنَّ الروحَ القدسَ كانَ يَقومُ بعملِهِ. ولولا ذلكَ لما خَلَصَ أيُّ إنسانٍ، ولما تَقَدَّسَ أيُّ شَخْصٍ. ولكِنْ فَضْلًا عنْ ذلكَ العملِ العادِيِّ للروحِ القدسِ، فإنَّ الروحَ القدسَ كانَ يَحِلُّ بطريقةٍ خاصَّةٍ على الملوكِ والكَهنةِ والأنبياءِ ويَمْنَحُهُمْ قُوَّةً خارقةً للطبيعة. وقد كانَ داودُ يَخشى أنْ يَحْدُثَ لَهُ ما حَدَثَ لشاوُل. لذلكَ فإنَّهُ يَرْفَعُ هذهِ الصَّلاةَ الشخصيَّةَ إلى اللهِ لكي يُبْقي حُضورَ الروحِ عليهِ لِئَلَّا تُنْزَع مِنْهُ القُدرة على الحُكْمِ بالطريقةِ الَّتي يَنبغي أنْ يَحْكُمَ بها. القُدرة على الحُكْمِ، والقُدرة على القيادةِ الروحيَّةِ، والقدرة الَّتي تُعْطيهِ حِكمة روحيَّة.

وفي العهدِ الجديد فإنَّ ذلكَ يَتَوَسَّع – أيْ عَمَلَ الروحِ القدس. فقد قالَ يسوعُ لتلاميذِهِ عندما كانوا مُجْتَمِعينَ في العِلِيَّةِ، قالَ عنِ الروحِ القدسِ إنَّهُ: "مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ". ولا شَكَّ أنَّهُ مَعَكُمْ، وإلَّا لما حَدَثَ أيُّ شَيءٍ. فلولا ذلكَ لما تُبْتُمْ، ولما آمَنْتُمْ، ولما تَقَدْمْتُمْ رُوحِيًّا، ولما اسْتَنَرْتُمْ لتَفْهَموا الكِتابَ المقدَّسَ. فقد كانَ ماكِثًا مَعَكُمْ، ولكنَّهُ سيكونُ فيكُم. وهذه ليست مَسألة غِياب وَحُضور، بل مسألة مُستوى. فهناكَ مِلْءٌ للروحِ القدسِ الآنَ لجميعِ المؤمنين. ويُمكنُكم أنْ تُفَكِّروا في الأمرِ هكذا: نحنُ جَميعُنا مُلوكٌ. ونحنُ جَميعُنا كَهَنَة. ونحنُ جميعُنا أنبياء. أليسَ كذلك؟ فنحنُ جميعًا لدينا مسؤوليَّة المُناداة بالإنجيل. ونحنُ جميعُنا مُلوكٌ وكَهَنَة. لذلكَ فإنَّ المَسْحَةَ بِمِلْءِ الروحِ تَحِلُّ علينا جميعًا لتُعطينا القوَّةَ لنكونَ مُلوكًا في الملكوتِ، ولنأتي بالنَّاسِ أمامَ اللهِ كما كانَ يَفْعَلُ الكَهَنَة، ولْنَكْرِز بكلمةِ اللهِ على مَسامِعِ النَّاسِ كما كانَ يَفعلُ الأنبياء.

لذلكَ، هذا هُوَ مِلْء خِدمةِ الروحِ القدسِ الآنَ. وَهُوَ مُتاحٌ لجميعِ المؤمنينَ لأنَّهُ (كَما نَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوس الأولى 12) يَضَعُنا في جَسَدِ المسيح، ويُعطينا جميعًا المواهِبَ ويؤهِّلُنا للقيامِ بعملِ الخدمةِ الَّتي يُوْكِلُها إلينا. ثُمَّ إنَّنا سُقينا رُوحًا واحدًا – أيْ أنَّهُ يَسْكُنُ فينا دائمًا. فبالنِّسبةِ إلى هؤلاءِ الذينَ عاشوا قَبْلَ مَجيئِهِ في يومِ الخَمْسين، كانَ ماكِثًا مَعَهُمْ. أمَّا الآنْ، فَهُوَ فينا. فالمسألةُ مَسألةُ امْتِلاء، واكْتِمال، وغِنى. وما الَّذي يَفْعَلُهُ؟ ما الَّذي يَفعلُهُ في هذهِ الخِدمة؟ لم يَعُدْ هُناكَ خَلْقٌ. فالعالمُ الماديُّ قد خُلِق. ولكِنَّ عَمَلَهُ الخَلْقِيَّ يَخْتَصُّ بالخَلْقِ الروحِيِّ. فَهُوَ يَخْلِقُ حَياةً روحيَّةً، واهتداءً، وتَجديدًا. وَهُوَ يُقَدِّسُ، ويُؤهِّلُ، ويُعطي المواهِبَ، ويَدعو، ويُنشئُ ثَمَرًا، ويُعطي قُوَّةً. وعندما أتحدَّثُ عنِ القوَّةِ، فإنِّي أتحدَّثُ عنِ القوَّةِ العارِمَةِ.

ولا أَظُنُّ أنَّنا نُفَكِّرُ كثيرًا عَنْ هذا الموضوع. ولكِنَّ القوَّةَ الَّتي يُظْهِرُها الروحُ القدسُ، والقوَّةُ الَّتي يَستخدِمُها الروحُ القدسُ في حياتِنا هِيَ قُوَّة عارِمَة. فإنْ فَهِمْتُمْ حالَتَكُمْ قبلَ الخَلاصِ، ستَفهمونَ كَمْ هِيَ قُوَّة عارِمَة. فقد كنتُم أمواتًا بالذُّنوبِ والخطايا، وعُمْيانًا عَنِ الحَقِّ المُختَصِّ باللهِ. وسوفَ نَقرأُ المَزيدَ عَنْ ذلكَ في رُومية 8. فقد كُنَّا فاسِدينَ حَتَّى الصَّميم. وقد كُنَّا أمواتًا بِكُلِّ مَعنى الكلمة معَ أنَّنا نَتحرَّك. وهذا التَّشخيصُ يَسْري على كُلِّ الجنسِ البشريِّ قبلَ أنْ يأتوا إلى المسيح. ولكِنَّ قُوَّةً عارِمَةً حَلَّتْ على الأمواتِ وأعْطَتْهُمْ حياةً. ثُمَّ جاءَتْ قُوَّةُ التَّقديسِ لمُحاربةِ الفَسادِ والتَّغَلُّبِ عليه. وذاتَ يومٍ، فإنَّ تلكَ القوَّةَ نَفْسَها ستُعيدُ خَلْقَكَ لِتَجْعَلَكَ مُلائمًا للعيشِ في السَّماء. إنَّها قُوَّة مُدْهِشَة.

كذلكَ فإنَّ قُوَّةَ الروحِ القدسِ هي الَّتي كانَتْ وراءَ كِتابةِ الكتابِ المقدَّس. فكُلُّ الكتابِ مُوحَى بِهِ مِنَ الله (ذاتَ أنْفاسِ اللهِ). فالروحُ القدسُ هوَ الَّذي أَوْحَى بِهِ. وبُطْرُسُ يَقولُ إنَّ أُنَاسَ اللهِ القِدِّيسينَ كَتَبوا مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ. واسمَحوا أنْ أقولَ لكُم مَعنى ذلك. واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكُمْ تَفسيرَ ذلك. فَلْنَقُلْ إنَّ أَحَدَ هؤلاءِ الأشخاصِ جَلَسَ لِيَكْتُب، وإنَّهُ كانتْ لديهِ أفكارُهُ الخاصَّةُ، وآراؤُهُ الشخصيَّةُ، ومُعتقداتُهُ، وافتراضاتُهُ. وَهُوَ لديهِ أمورٌ مُهِمَّةٌ وَتَعْنيه. وأنَّهُ جَلَسَ ليَكتُب. وفجأةً يأتي الروحُ القدسُ ويَجْتاحُ ذِهْنَ هذا الشَّخْصَ ويَمحو كُلَّ شيءٍ باستثناءِ الأشياءِ الَّتي يُريدُ مِنْهُ الروحُ القدسُ أنْ يَكْتُبَها. فهيَ قُوَّة كاسِحَة تَطْغى على كُلِّ أفكارِ ذلكَ الشَّخص، وكُلِّ تَوقُّعاتِهِ وطُموحاتِهِ ورَغَباتِهِ. وَهُوَ يُتْرَكُ خاوِيًا إلَّا مِنْ هذا الإدراكِ الغامِرِ بأنَّهُ يَجبُ عليهِ أنْ يَكتُبَ شيئًا واحدًا فقط وَهُوَ ذاكَ الَّذي يُريدُهُ روحُ اللهِ أنْ يَكْتُبَهُ. وهذهِ هيَ القوَّة. فهي قُوَّةٌ تَطْغى على جَهْلِ البَشَرِ وتَقودُهُمْ إلى الحَقِّ. وهي قُوَّةٌ تَطغى على أفْكارِهِمِ المُسَبَّقَةِ، وتَطغى على ما يُفَضِّلونَهُ. لذلكَ فإنَّ ما تَجِدهُ في الكتابِ المقدَّسِ هُوَ كلامُ الروحِ القدسِ مِنْ خِلالِ كُتَّابٍ كَتَبوا ما أرادوا أنْ يَكتُبوه. ولكِنَّ ما أرادوا أنْ يَكْتُبوه قدِ اخْتُزِلَ بِفِعْلِ قُوَّةٍ غامِرَةٍ طَغَتْ على أذهانِهِمْ بِواسطةِ الروحِ القدسِ ومَحَتْ كُلَّ شَيءٍ آخَرَ ... كُلَّ شيءٍ آخر.

لذلكَ فقد كانتْ كلماتُ داودَ الأخيرة في 2صموئيل 23: 2 هي: "رُوحُ الرَّبِّ تَكَلَّمَ بِي وَكَلِمَتُهُ عَلَى لِسَانِي". فكُلُّ كاتِبٍ مِنْ كُتَّابِ الكِتابِ المقدَّسِ وَجَدَ نَفْسَهُ مَحْصُورًا فيما أرادَ مِنْهُ الروحُ القدسُ أنْ يَكْتُب إذْ إنَّ الرُّوحَ القدسَ طَغَى على حُدودِ المعرفةِ البشريَّةِ، والحِكمةِ البشريَّةِ، والفهمِ البشريِّ فَكَتَبَ فقط ما أرادَ الروحُ القدسُ مِنْهُ أنْ يَكتُب. لذلكَ فإنَّ هذا العَمَلَ القويَّ المُدهِشَ نَفْسَهُ قد تَمَّ في الوَحْيِ حَتَّى إنَّ روحَ اللهِ يَعْمَلُ في حياةِ المؤمنِ الَّذي يَسْكُنُ فيهِ لأنَّ هذهِ هي كلمةُ رُوحِ اللهِ في الكِتابِ المقدَّسِ. ولأنَّها التَّعبيرُ الكامِلُ عَنْ فِكْرِ اللهِ، فإنَّها كذلكَ أيضًا في حياةِ المؤمن لأنَّ روحَ اللهِ يَمْلِكُ فِكرًا ومشيئةً تَنْسَجِمُ تمامًا معَ فِكْرِ الآبِ ومَشيئَتِهِ. وهذا هُوَ ما سنَراهُ لاحقًا في رُومية 8. وَهُوَ يَعملُ على مَحْوِ كُلِّ شَيءٍ آخَرَ يَقِفُ في طريقِ تحقيقِ ذلكَ القَصْدِ وتلكَ المشيئة. لذلكَ فإنَّها قُوَّة عارِمَة، معَ أنَّنا لا نَشْعُرُ بذلك، ولا نُعاني بسببِها، ولا نَنْحَرِفُ بسببِ ذلك. ولكِنْ قد تأتي أوقاتٌ نَشعُرُ فيها أنَّنا نَخوضُ مَعركةً، وأنَّ جَسَدَنا يُحارِبُ ضِدَّ عَمَلِ الروحِ القدسِ عندما نُحارِبُ التَّجربةَ.

وفي العهدِ الجديد، تَمَّ الكَشْفُ عَنْ أقنومِ الروحِ القدسِ بالكامِل. فنحنُ ليسَتْ لدينا فِكرة كاملة عَنْهُ في العهدِ القديم. ولكنَّنا نَملكُ صورةً كاملةً عنهُ في العهدِ الجديد. فكَما قُلْتُ، فقد تَمَّ الإعلانُ في العهدِ الجديد عَنْ خِدمةِ الروحِ القدسِ بالكامِلِ في حياةِ المؤمن. وبالمُناسبة، فإنَّ هذا الإعلانَ مُتاحٌ فقط للذينَ يَعْرِفونَ المسيح ... فقطْ للذينَ يَعرفونَ المسيح.

ولكِنْ لماذا يَنْسِبُ النَّاسُ كُلَّ تلكَ الأشياءِ المُريعَةِ إلى الروحِ القدس؟ لأنَّهم لا يَعرِفونَ المسيح ... لا يَعرفونَ المسيح. فقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا 16: 13: "وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ". فإذا كنتَ تَنتمي إلى المسيح، فإنَّ الرُّوحَ سيكونُ مُعَلِّمًا لكَ. وسوفَ تَفْهَمُهُ فهمًا صَحيحًا وتَفهمُ المسيحَ فَهمًا صَحيحًا. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى 2: 20 إنَّهُ هُوَ الَّذي يَمْسَحُكُمْ ويُعَلِّمُكُم كُلَّ شيءٍ. لذلكَ فأنتم لا تَحتاجونَ إلى أيِّ أُناسٍ لتَعليمِكُم لأنَّهُ هُوَ مُعَلِّمُكُم. فهوَ يَتَغَلَّبُ على جَهْلِكُم. وَهُوَ يَتغلَّبُ على أفْكارِكُم المُسَبَّقة. وَهُو يَتغلَّبُ على آرائِكُم الشخصيَّة. وهذا هوَ رُوحُ الرَّبِّ.

وكما ذَكَرْتُ، فإنَّ كُلَّ شيءٍ يَتَّضِحُ في العهدِ الجديد. فالخلاصُ هُوَ شيءٌ ابْتَدَأهُ الآبُ، وَنَفَّذَهُ الابْنُ، وفَعَّلَهُ الروحُ القُدُسُ. فهوَ الَّذي يُجَدِّدُ المُختارين. وهوَ الَّذي يُعْطيهم حياةً. وهوُ الَّذي يُقَدِّسُهُم. وهوَ الَّذي يأخذُهُمْ مِنْ مُستوى مِنَ المَجْدِ إلى المُستوى الَّذي يَليه، ثُمَّ إلى الَّذي يَليه (كما جاءَ في 2كورِنثوس 3: 18). وفي يومٍ ما، سيُمَجِّدُنا جميعًا (كما جاءَ في رُومية 8: 11، وَهُوَ عَدَدٌ سنَنْظُرُ إليهِ بعدَ قليل). فَهُوَ سيُقيمُ أجْسادَنا مِنَ الموتِ ويُعْطينا أجْسادًا مُمَجَّدَةً لا تَموت. لذلكَ فإنَّ الروحَ القدسَ هُوَ هذهِ القوَّة، وَهُوَ هذا الأقنومُ القويُّ الَّذي يُجَدِّدُنا، ويُقَدِّسُنا، والذي سيُمَجِّدُنا ذاتَ يومٍ. ثُمَّ إنَّنا نُعْطَى إعلانًا مُدهشًا وغنيًّا لقوَّتِهِ الَّتي تَتَّصِفُ بالنِّعمةِ والقُوَّةِ الهائلةِ والقُدرةِ، والتي تُعيدُ وِلادَتَنا مِنْ جَديد وتُعطينا القدرةَ على السُّلوكِ في البِرِّ، والتي ستُعطينا القُدرةَ في النِّهايةِ على أنْ نَحْيا في مَجْدٍ أبديٍّ.

لذلكَ، أينَما أظْهِرَتْ قُوَّةُ الروحِ القدسِ فإنَّها لا تُفْضِي إلى السُّقوطِ أرضًا بطريقةٍ حَمْقاء أوْ غَبِيَّة، ولا إلى الثَّرثرة بكلامٍ غيرِ مَفهومٍ، ولا إلى غَمْغَمَةٍ ونَشْوَةٍ غير لائِقَتَيْن، ولا إلى عواطِفَ ومشاعِرَ مُبالَغٍ فيها. فكُلُّ هذهِ السُّلوكيَّاتِ لا تَمُتُّ بأيِّ صِلَةَ للروحِ القدس. بل هي سُخْرِيَة مِنْ عَمَلِهِ الحقيقيِّ. فعندما يَتحرَّكُ الروحُ القدسُ بروحِ يَهْوَه، فإنَّ الناسَ يَخْلُصونَ، ويَتقدَّسونَ، ويَتَّحِدونَ، ويَحْصُلونَ على القُوَّةِ والمواهِبِ، وعلى القُدرةِ على العبادةِ والخِدمةِ، وعلى إطَاعةِ الكتابِ المقدَّسِ. وَهُمْ سيكونونَ مُتماسِكينَ، وعَقلانِيِّينَ، وواعِيْنَ، ومُنَظَّمينَ، وأُمناءَ للكلمةِ لأنَّ العَمَلَ هُوَ عَمَلُهُ.

والآنْ، لِنَذْهَب إلى رُومية 8. فأنا أُحِبُّ أنْ أُعطيكُمْ مُقَدِّمَةً. وبالمناسبة، فإنَّ الكِتابَ الَّذي تَمَّ الإعلانُ عنهُ في نَشرة الكنيسة، وَهُوَ: "الفَوضَى الَخمسينيَّة" (Charismatic Chaos) سيُقَدِّمُ لكم مادَّة دَسِمَة لا أُغَطِّيها في هذهِ السِّلسلة عنِ الحَركةِ الخمسينيَّة. وقد أَقومُ بتَنقيحِ هذا الكِتاب، ولكِنَّ كُلَّ ما سأفعَلُهُ هُوَ أنِّي سأُغَيِّرُ الأمثلةَ التَّوضيحيَّةَ وليسَ اللَّاهوتَ. حسنًا؟ لذلكَ، إذا أرَدْتُم الحُصولَ على نُسخة مِنْ كِتاب "الفَوضى الخَمسينيَّة"، فإنَّ هذا الكِتابَ سيَملأُ ثَغَراتٍ كَثيرة بالنِّسبةِ إليكم.

والآنْ، إذْ نأتي إلى الأصحاحِ الثامنِ، فإنَّنا نأتي إلى أصحاحِ الروحِ القدس. فرِسالةُ رُومية يُمْكِنُ أنْ تُقَسَّمَ على النَّحوِ التَّالي: ففي رأيي أنَّ القِسْمَ الأوَّلَ يَخْتَصُّ باللهِ (في الأصحاحات 1 و 2 و 3). ونَرى في هذا القِسْمِ أنَّ الجنسَ البشريَّ كُلَّهُ مُذْنِبٌ أمامَ اللهِ وتحتَ دَينونَتِهِ الإلهيَّة. ثُمَّ يأتي القِسْمُ المُختصُّ بالمسيحِ في الأصحاحات 3 و 4 و 5 و 6 و 7 إذْ نَقرأُ عَنْ عملِ يسوعَ المسيحِ على الصليبِ لتقديمِ الخلاصِ الَّذي نَحتاجُ إليهِ للنَّجاةِ مِنْ دينونةِ اللهِ بسببِ خطايانا، وَهُوَ أمْرٌ مُوَضَّحٌ في الأصحاحاتِ الافتتاحيَّة. والآنْ، نَأتي إلى الأصحاحِ المُختصِّ بالروحِ القدس. لذلكَ فقد رأينا في القِسْمَ الأوَّلِ المُختصِّ باللهِ أنَّ الجنسَ البشريَّ كُلَّهُ واقِعٌ تحتَ الدَّينونةِ الإلهيَّةِ والعقابِ الإلهيِّ. ثُمَّ رأينا تَدبيرَ النِّعمةِ الرَّائعِ مِنْ خلالِ المسيح. ونَرى الآنَ أنَّ تَفْعيلَ الفِداءِ الَّذي ابْتدأَهُ اللهُ ونَفَّذَهُ المسيحُ يَتَحَقَّقُ مِنْ خلالِ عملِ الروحِ القدس. فعندما نَقرأُ 1كورِنثوس 12: 3 نَرى أنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ إنَّ يَسُوعَ رَبٌّ". ولكِنَّ هذا هُوَ ما تَقولُهُ حينَ تَخْلُص – فإذا اعترفتَ بفمكَ أنَّ يَسوعَ رَبٌّ، تَخْلُص. ولكِنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تقولَ ذلكَ إلَّا بقوَّةِ الروحِ القدسِ لأنَّكَ لا تَقدرُ أنْ تَفعلَ ذلكَ، كما سَنَرى، إلَّا إذا اكْتَسَحَتْ قُوَّةُ الروحِ القدسِ فَسادَكَ وَأعْطَتْكَ القُدرةَ على فِعْلِ ذلك.

ولنَبتدئ بالعددِ الأوَّل: "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". وهذهِ هِيُ خُلاصةُ الخبرِ السَّارِّ. ويَتِمُّ تأكيدُ ذلكَ في نهايةِ الأصحاح. فنحنُ نَقرأُ في نِهايةِ الأصحاحِ (وتَحديدًا في العدد 34) عَنْ ذاكَ الَّذي سَيَدين. ثُمَّ نَقرأُ عَنْ مَجموعةٍ مِنَ الاحتمالاتِ والخِياراتِ والأمورِ النَّظريَّةِ. ولكِنَّ أيًّا مِنْ هذهِ الأشياءِ لا يَقْدِرُ أنْ يَفصِلَنا. فنحنُ نَتمتَّعُ بمقامٍ دائمٍ وأبديٍّ مِنْ عَدَمِ الدَّينونة. وقد أُعْتِقْنا حَرفيًّا مِنَ الدَّينونةِ المُشارِ إليها في الأصحاحات 1 و 2 و 3 مِنْ خلالِ عملِ المسيحِ في الأصحاح 4 و 5 و 6 و 7. ونحنُ نَفهمُ ذلك. فلا شَيءَ مِنَ الدَّينونةِ علينا. ولكِنْ كيفَ حَدَثَ ذلك؟ وكيفَ تَمَّ تَفعيلُ ذلكَ فينا؟ فنحنُ نَعلمُ أنَّ اللهَ دَبَّرَ ذلكَ. ونحنُ نَعلمُ أنَّ المسيحَ نَفَّذَ ذلكَ على الصَّليب. ولكِنْ كيفَ تَمَّ تَطبيقُ ذلكَ علينا؟ الجواب: إنَّهُ الرُوحُ القُدُس ... الرُّوحُ القُدُس.

والآنْ، نأتي إلى عَمَلِ الروحِ القدسِ في تَخليصِنا وَجَعْلِنا لَسْنا تَحْتَ الدَّينونة. وأوَّلُ شيءٍ نَظَرنا إليهِ (وَهُوَ مَذكورٌ في العَدَدَيْنِ الثاني والثالِثِ) هُوَ أنَّهُ يُعْطينا حياةً مِنَ الموت. فَهُوَ يَجْعَلُنا أحياء. فناموسُ رُوحِ الحياةِ في المسيحِ يَسوعَ قد أَعْتَقَكُمْ مِنْ نَامُوسِ الخَطِيَّةِ وَالمَوْتِ. والكلمة "ناموس" هُنا تُستَخدمُ بمَعنى "مَبْدأ". أوْ يُمكِنُكم أنْ تَقولوا إنَّها تُستَخدمُ بمَعنى: "نَموذَج" أو "سُلْطان" أو "نِطاق".

فقد كُنَّا أمواتًا ولكِنَّنا نَتَنَفَّس. وقد كُنَّا مُسْتَعْبَدينَ لِمبدأِ الخطيَّةِ والموتِ. وقد كُنَّا أمواتًا بالذُّنوبِ والخطايا، كما قالَ بولسُ في أفسُس 2. ثُمَّ جاءَ روحُ الحياةِ وأَعْتَقَنا مِنْ ناموسِ الخطيَّةِ والموت. وهذا هوَ العملُ الأوَّلُ للروحِ القدس. وهذا هوَ عَمَلُ التَّجديد. وهذا هوَ مَعنى أنْ تَتَجَدَّدَ، أوْ تُولَدَ ثانيةً، أوْ تُقامَ مِنَ الأمواتِ. فهذا هُوَ عَملُ روحِ الله. فيَنبغي أنْ تُولَدَ مِنَ الرُّوحِ، كَما قالَ يسوعُ في يوحنَّا 3 لنيقوديموس. ولا شَكَّ أنَّ ما يَجْعَلُ ذلكَ مُمكنًا في العدد 3 هُوَ أنَّ يسوعَ المسيحَ، ابْنَ اللهِ، قَدَّمَ نَفسَهُ كَفَّارةً عَنِ الخطيَّة. فقد أَخَذَ مَكانَنا. وقد ماتَ بَدلًا عَنَّا. وقد دَفَعَ أُجرةَ الخطيَّةِ بالكامِلِ ودَانَ الخطيَّة. فالناموسُ يَستطيعُ أنْ يَدينَ الخاطِئَ، ولكِنَّ الناموسَ لا يَقدِرُ أنْ يَدينَ الخطيَّة. ولكِنَّ المسيحَ في موتِهِ دانَ الخطيَّةَ في جَسَدِهِ بِوَصْفِهِ الإنسانَ المُتَجَسِّد. وبسببِ عَمَلِ المسيحِ في العددِ الثالثِ، صارَ بمَقدورِنا أنْ نَحصُلَ على الحياةِ. ولكِنَّ ذلكَ لا يَحدُثُ تلقائيًّا، ولا يَحدثُ بمشيئةِ إنسانٍ، بل يَحدثُ بعملِ الروحِ القدسِ الَّذي يُعطينا حياةً مِنَ الموتِ. وهذا هوَ الشَّيءُ الأولُ الَّذي نَراهُ بخصوصِ عملِ الروحِ القدس. فهوَ يُعطينا حياةً وَيُجَدِّدُنا.

ثانيًا، بسببِ هذهِ الحياةِ، فإنَّهُ يُمَكِّنُنا أنْ نَتَمِّمَ ناموسَ اللهِ. فهوَ يُعطينا القدرةَ على تَتْميمِ ناموسِ اللهِ. وهذا هوَ جَوْهَرُ ما سَيقولُهُ بولسُ هُنا. وما أرْجوهُ هُوَ أنْ تَفْهَموا ذلك. أرجو أنْ تُلاحِظوا العدد 4: فقد صارَتْ لنا الآنَ حَياة. وقد تَحَقَّقَ ذلكَ بسببِ ذبيحةِ المسيحِ نِيابَةً عَنَّا. ونَقرأُ في العددِ الثالثِ أنَّ الخَطِيَّةِ دِيْنَتْ في جسدِ المسيحِ الَّذي ماتَ كَذَبيحَةِ خَطِيَّة لكي يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا.

والآن اسْمَعوا: إنَّ ما سيَحدثُ عندما تَتجَّددونُ هُوَ أنَّكُمْ سَتُتَمِّمونَ للمَرَّةِ الأولى في حياتِكُمْ مَطالِبَ ناموسِ اللهِ، ليسَ تمامًا، ولكِنْ إلى حَدٍّ ما. لماذا؟ أيْ لماذا ينبغي لي الآنَ، بعدَ أنْ تَجَدَّدْتُ، أنْ أُتَمِّمَ ناموسَ اللهِ؟ ولماذا ينبغي لي الآنَ أنْ أُطيعَ ناموسَ اللهِ في مواقِفي وتَصَرُّفاتي؟ لماذا؟ لأنَّ العدد 4 يقولُ إنَّنا نَسْلُكُ "لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ". وهذهِ حقيقة، يا أحبَّائي. هَذِهِ حَقيقَة. فهذا هُوَ مَعنى أنْ تكونَ مَسيحيًّا.

فلا يمكنكَ أنْ تقولَ: "أنا مَسيحيٌّ، وقد أُقِمْتُ مِنَ الموتِ إلى الحياةِ بقوَّةِ الروحِ القُدُس، ولكنِّي لستُ مُهْتَمًّا بِتَتميمِ ناموسِ اللهِ". لحظةً مِنْ فَضْلِك. فهذا ليسَ مُمْكِنًا. فالكلامُ هُنا مُتَعاقِبٌ. والكلمة "لِكَيْ" تُعَبِّرُ عَنِ القَصْد. فقد أُعْتِقْنا مِنْ الموتِ وأُعْطينا حَياةً لِكَيْ يَتِمَّ النَّاموسُ فينا. أوْ كما جاءَ في أفَسُس 2: 10: نحنُ "مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا". فقدِ اختَبَرتُم القيامةَ الحقيقيَّةَ – بالمَعنى الروحيِّ. وأنتم تَسلكونَ الآنَ – أنتُم تسلكونَ الآنَ في حياتِكُم اليوميَّةِ، كما رَأينا في المَرَّةِ السَّابقةِ – تَسلكونَ الآنَ لا حَسَبَ الجسدِ، بل حَسَبَ الروحِ. والكلمة "نَسْلُك" تُشيرُ إلى السُّلوكِ اليوميِّ. فسُلوكُكُم اليومِيُّ يَنبغي أنْ يكونَ مُتوافِقًا معَ الروحِ الَّذي هُوَ القُوَّة والطَّاقة والقُدرة فيكم. فهذهِ القُوَّة، قُوَّةُ الروح القدسِ، قد جاءَتْ حَرفيًّا في حالةِ مَوْتِكُم الروحِيِّ وَأقامَتْكُمْ بقوَّة إلى الحياةِ. والآنْ فإنَّ تلكَ القوَّةَ نَفْسَها، أيْ قُوَّةَ الروحِ القدسِ الكاسِحَةِ، والمُسيطِرَةِ، والمُهيمِنَةِ تَقودُكُمْ في دَرْبِ طَاعةِ ناموسِ اللهِ. فطبيعَتُكُمْ قد تَغَيَّرَت. وأذهانُكُم قد تَغيَّرت. ومَشيئَتُكُم قد تَغيَّرت. وعواطِفُكُم قد تَغَيَّرت. فهذا تَغييرٌ شامِلٌ.

والآنْ، انُظروا مَرَّة أخرى إلى العدد 4. فهناكَ نوعانِ فقط مِنَ النَّاسِ في العالم – نوعانِ فقط. فَهُما الفِئَتانِ الوَحيدَتان. فهناكَ أشخاصٌ يَسلُكونَ حَسَبَ الجسدِ، وأشخاصٌ يَسلكونَ حَسَبَ الروحِ. فاللهُ لا يَنْظُرُ إلى النَّاسِ على أساسِ الثَّقافةِ، أوِ العِرْقِ، أوِ التَّعليمِ، أوِ الجِنسِ، أوِ الحالةِ الاجتماعيَّةِ، أوِ الغِنى. ولكِنَّ اللهَ يُصَنِّفُ النَّاسَ إلى فِئَتَيْنِ فقط: أولئكَ الذينَ يَسلُكونَ حَسَبَ الجسدِ، وأولئكَ الذينَ يَسلُكونَ حَسَبَ الروحِ – أيْ غيرَ المؤمِنين، والمُؤمِنين. أوِ الذينَ لم يَخْتَبِروا التَّجديد، والذينَ اخْتَبروا التَّجديد. أوِ الذينَ يَتَنَفَّسونَ ولَكِنَّهُمْ أمواتٌ، والذينَ يَتَنَفَّسونَ وَهُمْ أحياء. فهاتانِ هُما الفِئَتانِ الوَحيدَتان.

والآنْ، في هذهِ النُّقطة، فإنَّ الرسولَ بولسَ يَغوصُ عَميقًا في تَشخيصِ السُّقوطِ، وفي تَشخيصِ الفَسادِ. وعادَةً، إذا كُنتَ تلميذًا للكتابِ المقدَّسِ وأردتَ أنْ تَتحدَّثَ عنِ الخطيَّةِ والفَسادِ، فإنَّكَ تَذهبُ إلى رومية 3 وتَنظُرُ إلى رومية 3 وتَسمَعُ الرسولَ بولسَ يَقْتَبِسُ كُلَّ تلكَ الآياتِ مِنَ العهدِ القديم: "أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ". " لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ". وأنْتَ تَقرأُ الآيات مِنْ رومية 3: 10-20 فَتَجِدُ لائحةً طويلةً بالأشياءِ الَّتي تَحْدُثُ وَالتي لا تَحْدُث. ولا شَكَّ أنَّنا نَجِدُ هُنا وَصْفًا قويًّا جدًّا لِحالَتِنا السَّاقِطَةِ، ولكِنَّهُ ليسَ بِقُوَّةِ الوَصْفِ المَذكورِ هنا. فهذا أقوى وَأعْمَقُ وَصْفٍ للبشريَّةِ السَّاقِطَةِ في كُلِّ كِتاباتِ بولُسَ على ما أعْتَقِد. فما يَقولُهُ هُنا هُوَ أنَّ هَؤلاءِ النَّاسَ لا يَسلُكونَ حَسَبَ الروحِ، بل حَسَبَ الجسدِ. فَهُمْ يَسلكونَ حَسَبَ الجسدِ.

ولكِنَّهُ لا يَتوقَّفُ هُنا. اذهبوا إلى العدد 5: "فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ". ثُمَّ اذهبوا إلى العدد 6: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ". ثُمَّ اذهبوا إلى العدد 7: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ". ثُمَّ اذهبوا إلى العدد 8: "فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ". والآن، نَجِدُ هُنا تَشخيصًا دقيقًا لحالةِ النَّاسِ الَّذينَ لم يُولَدوا ثانيةً. وهذا مُدهشٌ حقًّا. فَهُمْ يَسلكونَ في الجسدِ لأنَّهُم يَهتمُّونَ بالأشياءِ المُختصَّةِ بالجسد. وَهُمْ أمواتٌ. وَهُمْ مُعادونَ للهِ. وهُمْ لا يَستطيعونَ أنْ يُخْضِعوا أنْفُسَهُمْ لناموسِ اللهِ لأنهم لا يَستطيعون. وَهُمْ لا يَستطيعونَ أنْ يُرضوا الله.

والآنْ، هل تَفهمونَ أنَّ هَذِهِ هِيَ الحالةُ الَّتي تَمَّ تَخليصُكُمْ مِنها؟ والآنْ، بسببِ عملِ الروحِ القدسِ، أُعْطيتُمْ حَياةً. وَعَمَلُ التَّقديسِ المُستمرِّ الَّذي يَقومُ بهِ الروحُ القدسُ بَعْدَ أنْ قامَ بِتَجْديدِكُمْ عِندما نِلْتُمُ الخَلاصَ – فإنَّ عَمَلَ التَّقديسِ المستمرِّ للروحِ القدسِ هُوَ تَحَرُّكٌ دائمٌ وقويٌّ للأقنومِ الثالثِ في حياتِكُمْ لقيادَتِكُمْ في الاتِّجاهِ الَّذي يُريدُكُمْ أنْ تَسلُكوا فيه. وأنتُمْ تَسلكونَ الآنَ في الرُّوحِ. وأنْتُمْ مَسوقينَ حَرفيًّا في حَياتِكُمْ لِتَفعلوا الأشياءَ الَّتي يُريدُها الروحُ، وتُفَكِّرونَ بِعَقليَّةٍ مُتوافِقَةٍ معَ الرُّوحِ، وَهِيَ عَقليَّةٌ ليسَتْ مُعادِيَةً للهِ، لكي تَتَمَكَّنوا مِنْ تَتميمِ النَّاموسِ، ولكي تَتَمَكَّنوا مِنْ إرْضاءِ اللهِ.

وهذا هُوَ عَمَلُ التَّجديدُ والتَّقديسُ العَظيم. فهذا ليسَ أمرًا تافهًا. فهناكَ أشخاصٌ يَسلكونَ في الجسدِ. فهذا هُوَ سُلوكُهُمْ لأنَّهم يَهتمُّونَ للأشياءِ المُختصَّةِ بالجَسَدِ، ولأنَّ هذا هُوَ تَفكيرُهم. لذلكَ فإنَّهُمْ أمواتٌ. فهذهِ هيَ حالَتُهم. وهناكَ أشخاصٌ يَسلكونَ في الرُّوحِ. فهذا هُوَ سُلوكُهُمْ. وَهُمْ يَهتمُّونَ بالأشياءِ المُختصَّةِ بالرُّوحِ. فَهُمْ يُفَكِّرونَ هَكذا، وَهُمْ يَتَمَتَّعونَ بالحياةِ ويَعيشونَ بِسلام. وهذا هُوَ ما يَقولُهُ بولسُ هُنا. فالقُدرةُ على تَتْميمِ ناموسِ اللهِ تَنْبُعُ مِنْ قُوَّةِ التَّجديدِ وَمِنْ عَمَلِ التَّقديسِ الَّذي يَقومُ بهِ الروحُ القدسُ بَعْدَ ذلك. وفجأةً تَصيرُ مُحِبًّا للكتابِ المقدَّسِ، وتَهتمُّ بالكتابِ المقدَّسِ، وتَجوعُ إلى الكِتابِ المقدَّسِ، وتُريدُ أنْ تَعرِفَ اللهَ، وتُريدُ أنْ تُحِبَّ اللهَ أكْثَر، وتُحِبّ كَلِمَتَهُ. وتُريدُ أنْ تَسمعَ كَلِمَتَهُ. وتُريدُ أنْ تَفهَمَ كلمَتَهُ، وتُريدُ أنْ تُطيعَ كَلمتَهُ.

والقاعِدةُ الأساسيَّةُ بَسيطة. فهناكَ نَوْعانِ مِنَ النَّاسِ: أولئكَ الَّذينَ يَسلكونَ حَسَبَ الجسدِ ويَهتمُّونَ بالأشياءِ المُختصَّةِ بالجسد، وَهُمْ أموات. فَهُمْ يَتَنَفَّسونَ، ولكِنَّهُم أمواتٌ، ولا يَستطيعونَ أنْ يُتَمِّموا ناموسَ اللهِ، ولا أنْ يُرضوا اللهَ لأنَّهُم لا يَملكونَ القُدرة على ذلك. وهذهِ عُبودِيَّة. فالشَّخصُ غيرُ المُخَلَّص يَكونُ عادَةً مُستَعْبَدًا لبَشَرِيَّتِهِ غيرِ المُتَجَدِّدَةِ والمُسْتَعبَدَةِ للخطيَّةِ، ويُبْغِضُ اللهَ، ويُبغِضُ الأشياءَ المُختصَّةَ باللهِ. وَهُوَ يُظْهِرُ هذِهِ الكِراهِيَّة بِدَرجاتٍ مُتفاوِتَةِ. ولكِنْ أيًّا كانتِ هذهِ الدَّرَجَة، فإنَّهُ يُبْغِضُ الأشياءَ المُختصَّةَ باللهِ. وَهُوَ لا يَستطيعُ أنْ يَقومَ بها.

واسْمَحوا لي أنْ أَتَعَمَّقَ قليلًا في هذا الموضوعِ لأنِّي أعتقدُ أنَّ ذلكَ سيكونُ مُفيدًا لكم. اذهبوا إلى العدد 5: "فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ". فالفِعلُ "يَهْتَمُّ" هُوَ تَرجمة للفِعلِ اليونانِيُّ "فرونيئو" (phroneo) والذي يَعني: "مَيَّالٌ إلى" ... "مَيَّالٌ إلى" أوْ "يَميلُ إلى". فصيغَةُ الاسْمِ هِيَ "فْرين" (phren). وقد تُشيرُ الكلمة "فْرين" (phren) أحيانًا إلى مَرْكَزِ جَميعِ العواطِفِ وَالأفكارِ، وتُستَخدمُ للتَّعبيرِ عَنْ أيِّ شَكْلٍ مِنْ أشكالِ النَّشاطِ الذِّهنِيِّ سَواءٌ كانَ عاطِفِيًّا أوْ إرادِيًّا أوْ نَشاطًا يَشتملُ على العواطِفِ والإرادَة. ولكِنَّ هذهِ الكلمةَ لا تُستخَدمُ للإشارةِ إلى الفِكْر. فَهِيَ ليستِ الكلمةُ الَّتي تُستَخدمُ للإشارةِ إلى الفِكر. فالكلمةُ الَّتي تُستَخدمُ للإشارةِ إلى الفِكْرِ هي "نُوْس" (nous)، وَهِيَ الكلمةُ المُستخدَمة في 1كورِنثوس 2: 16: "وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ". ولكِنَّ الكلمةَ الأولى لا تُسْتَخدَمُ بمَعنى "فِكْر"، بل هِيَ تُستَخدمُ للإشارَةِ إلى المُيول. فَهِيَ كَلمة تُستخدمُ بِمَعنى "مَيْل". وهيَ الكلمةُ الَّتي تُستخدَمُ لِوَصْفِ الطَّريقِ الَّتي تَسْلُكُ فيها. والحقيقةُ هي أنَّ أفضلَ طَريقةٍ في رأيي هِيَ أنْ تُتَرْجَمَ بأنَّها العَقليَّة المَقصودَةُ والمُتَعَمَّدَةُ.

فالشخصُ الَّذي لم يَتَجَدَّد هُوَ عَبْدٌ لعقليَّتِهِ المَقصودَةِ والمُتَعَمَّدَةِ الَّتي يُسيطِرُ عليها الجَسَد. وما هُوَ الجسد؟ إنَّ الإشارَةَ هُنا هي ليسَتْ إلى جَسَدِهِ المادِّيِّ فقط، ولا فقط إلى ما يُمْكِنُكَ أنْ تَلْمَسَهُ وَتَراهُ. بَلْ هُوَ يُشيرُ إلى بَشَرِيَّتِهِ السَّاقِطَةِ. وَهِيَ ليسَتْ كلمة تُشيرُ إلى جَسَدِهِ المادِّيِّ فقط، بل إلى أنْماطِ التَّفكيرِ غيرِ المَرئيَّةِ في عَقلِهِ والتي تُمْلي سُلوكِيَّاتِ الجَسَد. فَهُوَ تَعبيرٌ يُشيرُ إلى حالَتِهِ السَّاقِطَةِ الَّتي لا يُمْكِنُكَ أنْ تُصْلِحَها ... لا يُمْكِنُكَ أنْ تُصْلِحَها. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تُصْلِحَها مِنْ خلالِ التَّعليمِ لأنَّ هذا ليسَ الحَلّ. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تُصْلِحَها لأنَّها قُوَّة داخليَّة مُهَيْمِنَة ناجِمَة عَنْ سُقوطِ الجَسَدِ وَفَسادِهِ.

والعهدُ الجديدُ يَتحدَّثُ كثيرًا عَنِ الجسدِ، ويَتحدَّثُ عنِ اهتْماماتِ الجسدِ، ويتحدَّثُ عَنِ الاتِّكالِ على الجسدِ، وأعمالِ الجسدِ، ورَغَباتِ الجسدِ. وهُوَ يَتحدَّثُ عَنْ دِيانَةِ الجسدِ، وعَنْ صَلواتِ الجسدِ، وعنِ العِبادَةِ بحسبِ الجسدِ، وعنْ إلَهِ الجَسَدِ، وعَنْ فَسادِ الجسد. وَالكَلِمَة "جَسَد" تَعني ببساطة: حالَتُكَ السَّاقِطَةُ مِنْ دونِ الله. فأنْتَ شَخْصٌ تَمْشي ولكِنَّكَ مَيِّتٌ وفاسِدٌ. وقد وَصَفَ يوحنَّا هؤلاءِ الأشخاصَ وقالَ إنَّهُمْ يُحِبُّونَ العالَمَ، والأشياءَ الَّتي في العالَمِ، ومَحَبَّةُ الآبِ ليسَتْ فيهم. وكُلُّ شَخْصٍ لَمْ يَخْتَبِرِ الفِداءَ هُوَ كذلك. فَهُمْ يَذْهَبُونَ وَرَاءَ الجَسَدِ فِي شَهْوَةِ النَّجَاسَةِ. وهذا هُوَ ما قالَهُ بُطرسُ. فَهُمْ "يَذْهَبُونَ وَرَاءَ الْجَسَدِ فِي شَهْوَةِ النَّجَاسَةِ". وهذهِ هيَ الحقيقة. وَهُمْ لا يَستطيعونَ أنْ يُتَمِّموا ناموسَ اللهِ. فَهُمْ يَستمرُّونَ في التَّعَدِّي على ناموسِ اللهِ. وأُجْرَةُ قِيامِهِمْ بذلكَ هِيَ ماذا؟ إنَّ أُجرةَ الخطِيَّةِ هِيَ مَوْت.

مِن جانبٍ آخر، هناكَ تَشخيصٌ آخَرُ هُنا. ارجعوا إلى العدد 5. فالعبارة "الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ" تَحوي ضِمْنِيًّا الكلمة نَفسَها "فرونيئو" (phroneo): أيْ "يَهتمُّونَ بِما للرُّوح". ثُمَّ في العدد 6: "وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ". وما أعنيهِ هُوَ أنَّنا نَجِدُ هُنا تَشخيصًا مُختلفًا تمامًا. فنحنُ لَمْ نَعُدْ الآنَ مُعادينَ للهِ، بل إنَّنا نُخْضِعُ أنفُسَنا طَوْعًا لناموسِ اللهِ. ونحنُ نَستطيعُ أنْ نَفعلَ ذلكَ بالروحِ القدس، ونَستطيعُ حَتَّى أنْ نُرْضي الله.

ولكِنْ إلى أيِّ مَدى يُمْكِنُنا أنْ نُرضي الله؟ سوفَ أُخبِرُكم إلى أيِّ مَدى يُمكِنُنا أنْ نُرضي الله. فَكِّروا في "أَخْنوخ". فَكَمْ أَرْضَى أَخْنوخُ اللهَ؟ لقد أَرْضى اللهَ كَثيرًا جدًّا – مَعَ أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَمْتَلِكُ شَغَفًا شَبيهًا بِشَغَفِنا. فقد أَرضَى اللهَ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ سَارَ يَوْمًا معَ اللهِ فَأَخَذَهُ اللهُ حالًا إلى السَّماء. وأتَعلَمونَ شَيئًا؟ سوفَ أُخبركُم شيئًا عن أَخنوخ. لقد سارَ معَ اللهِ مُدَّةَ 365 سَنة. فهناكَ مَن يقولُ إنَّهُ مِنَ الصَّعبِ عليهِ أنْ يَحيا الحياةَ المسيحيَّةَ. وقد يقولُ شَخصٌ إنَّهُ مَسيحِيٌّ مُنذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنة. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ مِنَ الصَّعبِ جِدًّا أنْ يكونَ المَرءُ مَسيحيًّا ... إنَّهُ أمْرٌ صَعْبٌ جدًّا عَليه. وقد تَقولون: "ولكِنَّ أَخنوخ عَاشَ في عَالَمٍ كامِلٍ". ماذا؟ ما الَّذي حَدَثَ بعدَ جِيْلَيْنِ مِنْ أَخنوخ؟ لقد أَغْرَقَ اللهُ الأرْضَ بأسْرِها. إذًا، كيفَ تَسيرُ 365 سَنَةً معَ اللهِ وتكونُ مَرْضِيًّا أمامَهُ؟ فقد سارَ معَ اللهِ. وذاتَ يومٍ، قالَ اللهُ: "سوفَ آخُذُكَ مَعَي. لِنَذْهَب معًا". وقد ذَهَبَ إلى السَّماءِ.

ما مَعنى أنْ تَسيرَ مَعَ اللهِ؟ إنَّ المَعنى المَقصودَ هُوَ أنْ تُرْضي اللهَ. وَهذا يَعني أنْ تَكونَ مُطيعًا لمَشيئَةِ اللهِ. وَهذا يَعني أنْ تَكونَ في شَرِكَةٍ معَ اللهِ. وفجأةً، صارَ لَدينا مَيْلٌ جَديدٌ، وَتَوَجُّهٌ جَديدٌ، وَوُجْهَةٌ جَديدَة، وتأثيرٌ جَديدٌ يُهَيْمِنُ عَلى حَياتِنا ألا وَهُوَ قُوَّةُ الروحِ القدس. فكاتِبُ الكِتابِ المقدَّسِ الَّذي يَنبغي أنْ نُطيعَهُ يَسْكُنُ فينا. وَهُوَ لا يَسْكُنُ فينا لكي يُعَلِّمَنا فحسب، بل إنَّهُ يَسكُنُ فينا لكي يُعطينا القُدرةَ على إطاعَةِ تلكَ الوصايا. لذلكَ فإنَّنا نَهْتَمُّ بالأشياءِ المُختصَّةِ بالروحِ (كما نَقرأُ في العدد 5). والأشياءُ المُختصَّةُ بالروحِ هيَ الأشياء المُهِمَّة لدى الرُّوح. وَهِيَ نَفسُ الأشياءِ الَّتي تُكْرِمُ المسيحَ واللهَ، ونَفسُ الأشياءِ المُعلَنة في الكتابِ المقدَّس. فقد صارَتْ هُناكَ قُوَّةٌ جديدةٌ تُهَيْمِنُ علينا. فنحنُ لم نَعُدْ خاضِعينَ لسُلْطانِ الجَسَدِ الَّذي هُوَ مَوْت، بل نَحْنُ الآنَ (كَما يَقولُ العدد 6) نَخْضَعُ لسُلْطانِ الروحِ القدس. فنحنُ لدينا ذِهْنٌ يَهْتَمُّ بالرُّوحِ. فهذِهِ هِيَ عَقلِيَّتُنا. والسَّببُ في ذلكَ هُوَ أنَّنا نَعيشُ في عالمِ الحياةِ والسَّلام ... في عالمِ الحياةِ والسَّلام. عَالَمٌ مِنَ البَرَكَةِ الحقيقيَّةِ. فنحنُ نَعيشُ للهِ وفي سَلامٍ معَ اللهِ. ونحنُ نَنْقادُ حَرفيًّا بنفسِ قُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ الفاعِلَةِ لكي نَفْعَلَ ما يُكْرِمُ اللهَ.

الجَسَد؟ إنَّهُ مَوْتٌ وَحَسْب. لذلكَ فإنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ النَّاسُ الذينَ لم يَختبروا التَّجديدَ يُدْعى في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 9: 14 "أعمالًا مَيِّتَةً" – لأنَّهُمْ أموات. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوسَ 5: 6: "وَأَمَّا الْمُتَنَعِّمَةُ فَقَدْ مَاتَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ". ولكِنَّنا حَصَلْنا على حَياةٍ روحيَّةٍ. ونحنُ لدينا الآنَ هذهِ الحياةَ لأنَّنا تَصالَحْنا معَ اللهِ. وهذهِ هِيَ الشَّركةُ معَ اللهِ، والمُصالَحَةُ معَ اللهِ، ونِهايَةُ الانفصالِ وَما يَنْجُمُ عَنْهُ. وهذا فَهْمٌ عَميقٌ لعملِ الروحِ القدسِ العَظيمِ فينا. فنحُن نَتمتَّعُ بالشَّركةِ الحُلوةِ معَ اللهِ، وَنِعْمَةُ اللهِ تَتَدَفَّقُ فينا باستمرار، ورَحْمَتُهُ لا تَنْتَهي، وَمَحَبَّتُهُ مُنْسَكِبَةٌ في قُلوبِنا، ولَدينا فَرَحٌ دَائِمٌ، ويَقينٌ دَاخِليٌّ بأنَّ كُلَّ شيءٍ سيكونُ على ما يُرام. وهُناكَ مَحَبَّتُنا للهِ، وَمَحَبَّتُنا لكلمةِ اللهِ، ومَحَبَّتُنا للطَّاعَةِ، وشَوْقُنا لتَغذيةِ نُفوسِنا بالحَقِّ الَّذي أَعْلَنَهُ لنا.

والآنْ، هل هذا يَعني أنَّنا قد بَلَغْنا الكَمال؟ لا ... لا. فنحنُ ما زِلنا نُصارِعُ الجَسَدَ لأنَّ آثارَ الخطيَّةِ ما زالَتْ هُناك. فنحنُ لسنا نَسْلُكُ في الجسد. ونحنُ لا نَهتمُّ بالأشياءِ المُختصَّةِ بالجسد. فهذهِ ليسَتِ العَقليَّة الَّتي نَحْيا بِها. فنحنُ لا نَسْلُكُ حَسَبَ الجسد، ولكِنَّ الجسدَ يُطارِدُنا ويُريدُ أنْ يَبقى مُلْتَصِقًا بنا. فجسدُ الموتِ المذكورِ في رُومية 7 هُوَ الباقي. ولكِنَّ شَوْكَتَهُ كُسِرَتْ بِفِعْلِ حُضورِ الروحِ القُدُس. ولم تَعُدْ أذهانُنا الآنَ مُعادِيَة للهِ كما هي حالُ تلكَ الأذهانِ المذكورةِ في العدد 7. فنحنُ خاضِعونَ لناموسِ اللهِ. ونحنُ نَستطيعُ أنْ نُطيعَ ذلكَ النَّاموسَ بقوَّةِ الروحِ القدسِ. ونحنُ نَستطيعُ (كما يَقولُ العدد 8) أنْ نُرضي الله.

والآنْ أنتُمْ تَرَوْنَ بعضَ القُوَّةِ الَّتي تَتَغَلَّبُ على هذا الفَسادِ المُسْتَفْحِلِ والمُتَعَمِّقِ في كُلِّ إنسانٍ. والروحُ القدسُ قد غَلَبَ ذلكَ الفسادَ لكي يُعطينا القُدرةَ على إطاعةِ ناموسِ اللهِ. وهذا الأمرُ يَبتدئُ بِحُبِّنا للهِ وإرضائِنا لَهُ أيضًا.

وهناكَ خِدمةٌ أُخرى أريدُ أنْ تُلاحِظوها هُنا. وسوفَ نَشُقُّ طَريقَنا إليها. فلنذهب إلى الأعداد 9 و 10 ورُبَّما 11. "وأمَّا أنتُم فَلَسْتُمْ في الجسد". فَهُوَ يُلَخِّصُ ما قالَهُ، ويُنَبِّرُ على حالةِ النِّعمةِ وحالةِ الخلاصِ. والدَّليلُ القاطِعُ؟ "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ". وما أعنيهِ هُوَ أنَّ هذا الكلامَ أساسِيٌّ جِدًّا. أليسَ كذلك؟ لاحِظوا العِبارات: "روحَ اللهِ" وَ "روحَ المَسيحِ" – فَهُوَ نَفْسُ الرُّوح. وأمَّا أنتُم فلَستُم في الجسد. وأنتُم لا تَهتمُّونَ بأمورِ الجسد. وأنتُم لا تَسلُكونَ حَسَبَ الجسد. وأنتُم لستُم في حالةِ موتٍ. فهذا كُلُّهُ مُلَخَّصٌ هُنا. بل أنتُم في الروحِ. وأنتُم تَسلكونَ في الروحِ. وأنتُم تَهتمُّونَ بأمورِ الرُّوحِ. وأنتُم تَملكونَ حياةً وسلامًا. وهذا صَحيحٌ إنْ كانَ روحُ اللهِ يَسْكُنُ فيكُم حَقًّا. فعلامةُ الخلاصِ الحقيقيِّ هي حُضورُ الروحِ القُدس.

فلا وجودَ لأيِّ مُؤمِنٍ مِنْ دونِ الروحِ القدس. وهذا خَطَأٌ خَمسينيٌّ فَادِحٌ آخَرَ إذْ يَقولونَ إنَّكَ قَدْ تَخلُصُ دونَ أنْ تَنالَ الروحَ القُدُس. ولكِنَّكَ كنتَ عاجِزًا عَنْ أنْ تكونَ أيَّ شيءٍ آخَرَ سِوى أنْ تكونَ خاطئًا وبائسًا وفاسِدًا بِمَعْزِلٍ عنْ عَمَلِ الروحِ القدس. وهوَ لا يَقومُ بهذا العملِ مَرَّةً واحدةً فقط، ثُمَّ يَنبغي أنْ تُحاوِلَ البَحْثَ عنهُ؛ بل هُوَ عَمَلٌ مُستمرٌّ. لذلكَ فإنَّ الدَّليلَ على التَّغَيُّرِ هوَ سُكْنى الروحِ القدس. والكلمة "أويكيئو" (Oikeo) تَعني الإقامَة في مكانٍ ما كما لو كانَ بيتًا. فالروحُ القدسُ يَسْكُنُ فيكُم. ونقرأُ في 1كورِنثوس 3: 16: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ". فأنتُم هَيكلُ اللهِ، الروحِ القُدُس. ونَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 6 الشَّيءَ نَفسَهُ.

والعَكْسُ يُقالُ في نهايةِ العدد 9: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ". والكلِمات "رُوْح"، وَ "رُوْح المسيح"، وَ "رُوْح الله" تُبَيِّنُ أنَّ عَلاقَةَ الروحِ القدسِ بالأقنومِ الثاني لا تَخْتَلِفُ في شَيءٍ عَنْ علاقَتِهِ بالأقنومِ الأوَّلِ، وأنَّ الأقانيمَ الثَّلاثَةَ تَرْتَبِطُ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وهذهِ هيَ علامةُ المؤمنِ الحقيقيِّ. ولأنَّ الروحَ القدسَ يَسكُنُ فيكَ، فإنَّهُ يُغَيِّرُ طَريقةَ تَفكيرِكَ، ويُغَيِّرُ طَريقَةَ تَصَرُّفِكَ، ويُغَيِّرُ مَحَبَّتَكَ، ويُغَيِّرُ ما تَفعَلهُ، ويُغَيِّرُ طَريقَتَكَ في التَّحَدُّثِ لأنَّ قُدرَتَهُ تَكْتَسِحُ حالَتَكَ السَّاقِطَةَ. لذلكَ فإنَّنا نَرى أنَّ الروحَ القدسَ موجودٌ هناكَ ليقومَ بعملِ التَّجديدِ، وليقومَ بعملِ التَّقديسِ.

وهُناكَ عَمَلٌ أخيرٌ. وسوفَ تَكونُ هذهِ هيَ النُّقطةُ الأخيرة لهذا اليوم. فَهُوَ يُقيمُنا إلى الحياةِ الأبديَّة: التَّمجيد. فالجانِبُ الأخيرُ لخلاصِنا، والذي هُوَ أَقْرَبُ الآنَ مِمَّا كانَ عليهِ في أيِّ وقتٍ مَضى، هُوَ تَمجيدُنا. وهل هذا عَمَلٌ مِنْ أعمالِ الروحِ القدس؟ حسنًا، لِنَنظُر إلى العدد 10: "وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ" (أوْ: "حيثُ إنَّ المسيحَ فيكُم")، "فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ". بعبارة أُخرى، انظُروا: نحنُ لا نَقولُ إنَّ بولسَ يُريدُ أنْ يُوَضِّحَ أنَّكُمْ صَالِحون. فنحنُ لا نَقولُ إنَّكُمْ لَنْ تَموتوا. حسنًا؟ نحنُ لا نَقولُ ذلك. فأنْتُم ستَموتون. أنْتُم ستموتونَ، وأنتُم تَعلمونَ ذلك. فإنْ كانَ المسيحُ فيكُم مَعَ أنَّ الجَسَدَ مَيِّتُ (أيْ مَعَ وُجودِ مَوْتٍ في جَسَدِكُم) فَهُناكَ مَبْدَأُ مَوْتٍ في جَسَدِكُم المَيِّتِ بسببِ الخطيَّة. وهذا لن يَتغيَّر. فأنْتُم لا تُصْلِحونَ ذلكَ في هذا الجسدِ المائِتِ. فهكذا هِيَ الحال. "وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ". فقد غُطِّيَ حَرفيًّا في احْتِسابِ بِرِّ المسيحِ، إنسانُكُم الدَّاخِلِيُّ، الإنسانُ الَّذي أنْتُم عليهِ والذي يَسْكُنُ في ذلكَ الجسد. فأنتُم أحياء ولكُم حياة أبديَّة. ولكِنَّ أجسادَكُمْ لن تُصْلَحَ في هذهِ الحياة. ومَرَّة أُخرى، إنَّهُ جَسَدُ هذا الموت. ورجاؤُكُمُ الوحيدُ هُوَ أنْ تُعْتَقوا مِنْ جَسَدِ هذا الموتِ ومِنْ كُلِّ ما يَخْتَصُّ بِهِ في عُقولِكُم السَّاقطة أيضًا. لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ في العدد 11: "وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ".

وكَمْ مَرَّة ينبغي أنْ يُخْبِرَنا؟ فأيْنَ يَسكُنُ الروحُ؟ فيكُم ... فيكُم ... فيكُم ... فيكُم ... فيكُم ... فيكُم ... فيكُم. لماذا؟ لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَقدورِكُم أنْ تُرْضوا اللهَ لَحظةً واحِدَةً مِنْ دونِ قُدْرَتِهِ. ولأنَّهُ لم يَكُنْ بمقدورِكُم أنْ تَنتَصِروا على فَسادِكُم مِنْ دونِ قُدرتِهِ. فالروحُ القدسُ لا يَقومُ فقط بعملِ التَّجديدِ وعملِ التَّقديسِ، بل نَرى هُنا أنَّ اللهَ الَّذي أقامَ المسيحَ مِنَ الأمواتِ (ونحنُ نَعلمُ أنَّ اللهَ أقامَ المسيحَ لأنَّ هذا هوَ ما نَقرأُهُ في رومية 1: 1-4) ... أنَّ الآبَ الَّذي أقامَ المسيحَ مِنَ الأمواتِ لِتأكيدِ خِدْمَتِهِ، ولِتَزكِيَةِ خِدمَتِهِ، فإنَّهُ سيَفعلُ الشَّيءَ نَفْسَهُ مَعنا أيضًا. فَهُوَ سَيُحيي أجسادَنا المائِتَةَ أيضًا بِروحِهِ السَّاكِنِ فيكُم.

انظروا: نحنُ سنَموتُ لا مَحالَة. وقد ماتَ مؤخَّرًا واحِدٌ مِنْ أصدقائي المُقَرَّبين. وقد صَرَفْتُ مَعَهُ وقتًا في هذا الأسبوع. فقد كانَ يُعاني سَرَطانًا في رأسِه. وقد كانَ صديقًا عزيزًا، وكنتُ أَعْلَمُ أنَّهُ لن يَعيشَ طويلًا. وقد صَلَّيْتُ وطَلبتُ مِنَ اللهِ أنْ يأخُذَهُ إلى حَضْرَتِهِ في هذا الأسبوع. وقد كانَ المَشهَدُ مُريعًا. فلم أَرَ في حياتي سَرَطانًا يَأكُلُ شَخْصًا حَرفيًّا مِنَ الخارِجِ إلى أنْ قَضى على كُلِّ شَيءٍ. وهذا هُوَ جَسَدُ هذا الموت. وهكذا هيَ الحال. وقد لا يكونُ الأمرُ مَرئيًّا هكذا في جميعِ الحالاتِ. ولكِنَّ هذا الجسدَ سيموت.

ولكِنَّ حَقيقةَ الأمرِ هيَ أنَّ يومَ موتِنا هُوَ أفْضَلُ مِنْ يومِ مِيلادِنا لأنَّنا في المَرَّةِ الأولى وُلِدْنا بالخطيَّة. وفي المَرَّةِ القادِمَةِ الَّتي سنَموتُ فيها فإنَّنا سَنُولَدُ في حالَةِ كَمالٍ – كَمالٍ مُقَدَّسٍ. فمعَ أنَّ أجسادَنا تموت، فإنَّ أرواحَنا تَحيا إلى الأبد. ولكِنْ في يومٍ ما، عندما تَموتونَ، فإنَّ أرواحَكُمْ ستذهبُ إلى السَّماءِ إذْ تَتَغَرَّبونَ عنِ الجسدِ وتكونونَ معَ الرَّبِّ. ومِنَ الأفْضَلِ جِدًّا أنْ تَنطلقوا لتكونوا معَ المسيح. هل فَهِمْتُم ذلك؟ فأنْتُمْ لن تَتَوانَوْا. وأنْتُمْ لن تَذهبوا إلى المَطْهَرِ. وأنْتُمْ لن تَذهبوا إلى مَكانٍ تُحْتَجَزونَ فيه. وأنتُم لن يَنْتَظِروا إلى أنْ يأتي القِطارُ التَّالي المُتَوَجِّهُ إلى السَّماءِ في رِحلةٍ لا تَنتهي. بل إنَّكُمْ سَتَتَغَرَّبونَ عنِ الجسدِ، وتكونونَ حاضِرينَ معَ الرَّبِّ. وأنتُم ستُغادِرونَ هذهِ الأرضَ وتكونونَ في السَّماءِ حالًا. فسوفَ تَرَوْنَ الرَّبَّ فَوْرًا.

ولكِنَّكُمْ ستكونونَ أرواحًا مِنْ دونِ أجْسادٍ إلى أنْ يأتي وَقْتُ القيامةِ الأخيرَة. وفي القيامةِ الأخيرة، بحسبِ ما يَقولُهُ الرسولُ بولس، فإنَّ الربَّ يسوعَ سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ. ويا للرَّوعَة! فَهُوَ سيُعطينا جَسَدا يُشْبِهُ جَسَدَهُ المُقام، وَيُشْبِهُ الجَسَدَ الَّذي صَعِدَ بهِ إلى السَّماءِ، ويُشبهُ الجسدَ الَّذي اخْتَرَقَ بِهِ الجُدرانَ. وكيفَ سيَفعلُ ذلك؟ بواسطةِ القوَّةِ الَّتي أَظْهَرَها. وَمَنْ هُوَ هذهِ القوَّة؟ إنَّهُ الروحُ القُدُس. فهذا هُوَ ما نَقرأهُ هُنا في العدد 11: "بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ". ففي يومٍ ما، سيقومُ الروحُ القُدُسُ بِخَلْقِكُمْ مِنْ جَديد.

وقد تقولُ: "هل سيَنْزِلُ إلى القَبْرِ؟ أرْجو ألَّا يَكونَ جَسَدي قد تَحَلَّلَ تمامًا في الوقتِ الَّذي سيَحْدُثُ فيهِ ذلك". إنَّ ذلكَ لا يَهُمّ. فَهُوَ لديهِ الوَصْفَة. وَهُوَ يَعْرِفُ مَقْدارَ ضَعْفِكَ لأنَّهُ سَكَنَ فيكَ مُدَّةً طَويلةً. وَهُوَ يَتَفَهَّمُ تمامًا ولديهِ خُطَّة مُحْكَمَة لإعادَةِ خَلْقِكَ على صُورةٍ كاملةٍ تَختلفُ كثيرًا عَنْ جَسَدِكَ الحالِيِّ. فَهُوَ سيُعيدُ خَلْقَكَ. وهذِهِ قُدرَة. أليسَت هذِهِ قُدرة؟ أنْ تُعيدَ خَلْقَ كُلِّ المُؤمِنينَ في أجْسادٍ خالدَةٍ؟ جَميعُ القِدِّيسينَ على مَرِّ التَّاريخ. هذا هوَ عملُ الروحِ القدس. وهذا هوَ العملُ الَّذي يَنبغي أنْ يُمَجَّدَ عليه إذْ إنَّهُ يُعْتِقُنا مِنَ الخطيَّةِ والموتِ، ويُعطينا القدرةَ على تَتْميمِ النَّاموسِ، ويُغَيِّرُ طَبيعَتَنا، ويُعطينا جسدًا مُمَجَّدًا يَسْكُنُ إلى الأبدِ في السَّماء.

لقد صَرَفْتُ وقتًا طويلًا في التَّفكيرِ في الروحِ القدس. وهُناكَ المَزيدُ لأقولَهُ. وقد كنتُ أبحثُ عنْ تَرانيمٍ وأحاولُ العثورَ على ترانيمَ قديمة عنِ الروحِ القدس. وقد أَرْسَلَ إلَيَّ بَعْضٌ مِنْكُمْ كُتُبًا. وقد صارَ لديَّ ما يَكفي. إنَّكُمْ مُدْهِشون. فقد أَرْسَلْتُمْ لي الكَثيرَ مِنها. وقد عَثَرْتُ على تَرنيمةٍ قديمةٍ. ومِنَ المُدهِشِ أنْ أرى كيفَ كانَ الناسُ يُفَكِّرونَ في الروحِ القدس قبلَ 160 سنة (في سنة 1850). فالكاتِبُ يقول: "يا روحَ اللهِ، انْزِل وَحِلَّ في قلبي، وافْطِمْهُ عَنِ الأرضِ. وَمِنْ خِلالِ جَميعِ نَبْضاتِهِ تَحَرَّك، وأَعِنْ ضَعْفِي لأنَّكَ قَوِيٌّ، واجْعَلْني أُحِبُّكَ كَما يَنبغي أنْ أُحِبَّكَ". فنحنُ هُنا أمامَ مُؤمِنٍ يُصَلِّي مِن خلالِ هذا العَدَدِ أنْ يُعطيهِ الروحُ القدسُ مَحَبَّةً أعْظَمَ للروحِ القدسِ نَفْسِهِ.

ثُمَّ يَقولُ في العددِ الثاني (وَهُوَ عَدَدٌ أُحِبُّهُ): "أنا لا أطْلُبُ أحلامًا، ولا نَشْوَةً كَنَشْوَةِ الأنبياءِ، ولا أنْ يَزولَ ضَعفي فجأةً" [بعبارةٍ أُخرى فإنَّهُ لا يَطْلُبُ اختباراتٍ خارقةٍ للطَّبيعةِ] "ولا زياراتٍ مِنْ ملائِكَةٍ، ولا سَماواتٍ مَفتوحَةٍ" [أيْ إنَّهُ لا يَطْلُبُ أنْ يَزورَ السَّماءَ] "ولكِنْ أَزِلْ ظُلْمَةَ نَفْسي وساعِدني على رُؤيةِ الحَقِّ". ثُمَّ يقولُ في العددِ الأخير: "عَلِّمني أنْ أُحِبَّكَ كما تُحِبُّكَ مَلائِكَتُكَ، واعْطِني شَغَفًا مُقدَّسًا واحدًا يَملأُ كُلَّ كِياني، واضْرِمْ فِيَّ رُوحَكَ في هَيْئَةِ حَمامَةٍ نازِلَةٍ مِنَ السَّماءِ. واجعل قَلبي مَذبحًا، وأَعْطِني أنْ أُحِبَّ اللَّهيب". فالروحُ القدسُ يُريدُ أنْ يُضْرِمَ النَّارَ فيكَ لِكَيْ تُحِبَّهُ، وتُحِبَّ الابْنَ، وتُحِبَّ الآبَ. فلا مَجالَ للكلامِ الفارِغ. فهذا هُوَ العملُ الحقيقيُّ للرُّوحِ القدس. وسوفَ نُكْمِلُ لاحِقًا.

نَشْكُرُكَ، يا أبانا، على هذا الوقتِ الَّذي مَنَحْتَنا إيَّاه في هذا الصَّباح. ونَشكُركَ على ثَباتِ كَلِمَتِكَ الثَّمينةِ الَّتي نَفتَحُها. فأينَما ذَهَبنا فإنَّ صَوْتَ الحَقِّ يَصْدَحُ واضِحًا، وعاليًا، وحازِمًا، وجَلِيًّا. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ أعطيتنا هذا الإعلانَ الرائعَ عنْ كُلِّ الأشياءِ الَّتي نَحتاجُ إلى مَعْرِفَتِها. أَعْطِنا أنْ نُطَبِّقَ مَا تَعَلَّمناهُ، وأنْ نَستَخدِمَهُ في العبادةِ مِنْ خِلالِ إكرامِ وعبادةِ اللهِ المُثَلَّثِ الأقانيمِ: الآبِ، والابْنِ، والروحِ القُدُس. نُصَلِّي أنْ تَسْمَعَ وتَسْتَجيب. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize