Grace to You Resources
Grace to You - Resource

رُومية-الأصحاح الثَّالث. ونُتابِعُ مِنَ العدد 25. وقد رأينا في المَقطعِ الأولِ الَّذي تأملنا فيه أنَّ حاجَةَ كُلِّ خاطِئٍ قد أُشْبِعَت لأنَّ بِرَّ اللهِ صارَ مُتاحًا للخاطئِ مِنْ خلالِ الإيمانِ، وأنَّ البِرَّ صارَ مُتاحًا بسببِ ذبيحةِ المسيح. فعندما ماتَ المسيحُ على الصليب، دَفَعَ الفِدْيَة. وأوَدُّ هُنا أن أُوَضِّحَ نُقطةً لم أَذْكُرها في السَّابقِ وهيَ أنَّ الفِدْيَة دُفِعَتْ إلى الله. فهناكَ أُناسٌ يَعتقدونَ أنَّ يسوعَ دَفَعَ الثَّمَنَ للشَّيْطانِ. ولكنَّ هذا ليسَ صحيحًا. فَهُوَ دَفَعَ الثَّمَنَ للهِ. فالذي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ هُوَ ليسَ الشَّيطان. بل إنَّ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ هُوَ اللهُ. فاللهُ هُوَ الدَّيَّان. والخَطيئَةُ اقْتُرِفَتْ بِحَقِّ اللهِ. والقانونُ الَّذي انْتُهِكَ هُوَ قانونُ اللهِ. وذَنْبُ الخاطِئِ هُوَ أمْرٌ مُخْتَصٌّ باللهِ. فعدالةُ اللهِ هِيَ الَّتي يَنبغي أنْ تَتَحَقَّق. والمسيحُ قَدَّمَ الذَّبيحةَ الَّتي تُرْضي مَطالِبَ العدالةِ الإلهيَّة. لذلك، فإنَّ حاجةَ الخاطئِ قد أُشْبِعَتْ مِن خلالِ ذبيحةِ المسيحِ الَّتي صارَتْ ثَمَنَ الفِداءِ أو الفِدْيَة الَّتي دُفِعَتْ إلى اللهِ لإرْضاءِ عَدالَتِهِ مِن أجْلِ حُلولِ بِرِّهِ مِنَ السَّماءِ على الخاطئ. لذلكَ فإنَّ حاجَةَ الخاطئِ قَدْ أُشْبِعَتْ.

وفي الوقتِ نفسِه، فإنَّ بولُس يُوَضِّحُ نُقطةً مُهمَّةً ابتداءً مِنْ مُنتصفِ العدد 25 إلى نهايةِ الأصحاح، وهي أنَّ مَطالِبَ اللهِ قَدْ تَحَقَّقَتْ أيضًا. فحاجةُ الخاطئِ قد أُشْبِعَت إذْ إنَّ المسيحَ ماتَ عَنِ الخُطاة. ونحنُ نَعلمُ ذلك. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ ذلك. فالعهدُ الجديدُ يقولُ إنَّ المسيحَ ماتَ لأجْلِ الخُطاة. ولكنَّ الأمرَ الَّذي قد لا يُفَكِّرُ النَّاسُ فيهِ هو أنَّ المسيحَ ماتَ أيضًا لأجْلِ اللهِ ... أنَّهُ ماتَ لأجْلِ اللهِ. وهذه فكرةٌ عظيمةٌ لا يمكنُ لعقولِنا أن تَستوعبها تمامًا. فالمسيحُ ماتَ لأجلِ اللهِ. ففي رسالةِ رُومية 1: 5، يَضُمُّ بولسُ صَوْتَهُ إلى صَوْتِ الرُّسُلِ وَالوُعَّاظِ الآخَرينَ فَيُقَدِّمُ شهادَتَهُ الشَّخصيَّةَ قائلًا: "الَّذِي بِهِ، لأَجْلِ اسْمِهِ، قَبِلْنَا نِعْمَةً وَرِسَالَةً، لإِطَاعَةِ الإِيمَانِ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ". والعبارةُ المهمَّةُ هُنا هِيَ: "لأجْلِ اسْمِهِ" ... "لأجْلِ اسْمِهِ".

فالخلاصُ، في نهايةِ المَطافِ، هو لأجْلِ مَجْدِ اللهِ، وَجَلالِ اللهِ، وَرَفْعِ اسْمِ اللهِ عاليًا. لذلكَ فإنَّ يُوحنَّا يقولُ في العَدَدِ السَّابِعِ مِنْ رسالتهِ الثَّالثةِ إنَّ المُبَشِّرينَ خَرَجُوا "مِنْ أجْلِ اسْمِهِ" ... مِنْ أجْلِ اسْمِهِ. وهَلْ تَسْمَحونَ لي بتعريفِكُمْ بشيءٍ رُبَّما لم تُفَكِّروا فيهِ مِنْ قَبْل؟ إنَّ الغايَةَ مِنَ الخلاصِ هي ليسَتْ أَنْتُم في المقامِ الأوَّلِ، بل إنَّ الغايَةَ مِنْهُ هِيَ مَجْدُ الله. فنحنُ وَسيلَةٌ لِتَحْقيقِ غَايَة. ولكنَّنا لَسْنا الغَايَة. فاللهُ لا يُخَلِّصُ الخُطاةَ لأنَّهُمْ رائِعون. واللهُ لا تَسْتَحْوِذُ عليهِ المحبَّةُ غَيْرُ المَشروطَةِ للخُطاةِ بطريقةٍ سَلْبِيَّةٍ، بل إنَّ أولويَّتَهُ الأولى هِيَ مَجْدُهُ. وقد وَجَدَ في تَخليصِ الخُطاةِ وَسيلَةً لِتَمْجيدِ نَفْسِهِ إلى الأبَد أمامَ الملائِكَةِ وأمامَ جَميعِ المَفْدِيِّين.

وعندما يَصِلُ بولسُ إلى نهايةِ الأصحاحِ 11 مِن رِسالةِ رُومية (أرجو أن تَفتحوا على نِهايةِ الأصحاح 11)، فإنَّهُ يَصِلُ إلى نهايةِ هذا الموضوعِ الرَّائعِ عنِ الخلاصِ والذي ابتدأَ مِنَ الأصحاحِ الأوَّلِ واسْتَمَرَّ إلى نِهايةِ الأصحاحِ 11. وَعندما يَصِلُ إلى نِهايَتِهِ فإنَّهُ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ دائمًا في رسائِلِهِ إذْ إنَّهُ يَنْفَجِرُ حَمْدًا وتَسبيحًا. فقد ذَكَرَ كُلَّ البَراهينِ المَنطقيَّةِ، وكُلَّ الحُجَجِ العقلانيَّةِ الدَّالَّةِ على عَظَمَةِ الإنْجيل. وفي النِّهاية، فإنَّهُ يَنْفَجِرُ حَمْدًا وتَسبيحًا فيقول: "يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ!" فهو لا يَسَعُهُ إلَّا أنْ يُعْطي المَجدَ للهِ على حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ الظَّاهِرَيْنِ في الخلاص. "مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ! لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟" فلا يُوجدُ مُشيرونَ لَدى اللهِ. أتَعْلَمونَ هذا؟ لا يوجدُ مُشيرونَ لدى الله. "أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ؟" فَلا يُوْجَدُ مَنْ يَعْطيهِ أيَّ شيءٍ. فَهُوَ ليسَ مَدينًا لأيِّ شَخْصٍ بأيِّ شيءٍ. وَهُوَ لا يَحْصُلُ على المعلوماتِ مِنْ أحَد. "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ."

إنَّ الغايةَ الأسْمى للخلاصِ هي تَمجيدُ اللهِ. ففي الاجتِماعِ الأزَلِيِّ الَّذي عُقِدَ قَبْلَ خَلْقِ العالَمِ، والذي حَضَرَهُ الثَّالوثُ الأقْدَسُ، أَعْلَنَ الآبُ مَحَبَّتَهُ للابْنِ. وقد قالَ للابْنِ: "أُريدُ أنْ أُعْطيكَ بَشَرِيَّةً مَفْدِيَّةً. أُريدُ أنْ أُعطيكَ بَشَرِيَّةً مَفْديَّةً لأنِّي أُحِبُّكَ، وَلأنَّ المحبَّةَ مِعْطاءَةٌ، ولأنَّ المحبَّةَ الإلهيَّةَ تُعْطي إلى الأبَد دُوْنَ حُدود". وبِدافِعِ مَحَبَّةِ الآبِ للابْنِ، قَرَّرَ اللهُ أنْ يَخْلِقَ عالمًا، وَأنْ يَسْمَحَ لهذا العالمِ أنْ يَسْقُطَ في الخطيَّةِ. وقد كانَ عَازِمًا على تَخليصِ بَقِيَّةٍ مَفْدِيَّةٍ مِنْ هذا العالمِ، وعلى إعْطاءِ هذه البشريَّةِ المَفْدِيَّةِ كَعروسٍ لابْنِهِ لكي تَقومَ هذه البشريَّةُ المَفْدِيَّةُ بتَمْجيدِ ابْنِهِ دائِمًا وَأبَدًا وَإلى أبَدِ الآبِدين.

ويُخبرنا بولسُ في رسالةِ كورِنثوسَ الأولى أنَّهُ عندما يَكْتَمِلُ الفِداءُ، أيْ عِنْدَما يَكْتَمِلُ فِداء البشريَّة، فإنَّ اللهَ الآبَ سَيُقَدِّمُ المَفدِيِّينَ عَروسًا إلى الابْنِ. ووفقًا لما جاءَ في 1كورِنثوس 15، فإنَّ الابنَ سيأخُذُ البشريَّةَ المَفديَّةَ معهُ ويُقَدِّمُ نفسَهُ والبشرَ المَفديِّينَ إلى اللهِ تَعبيرًا عَنِ المحبَّةِ المُتبادَلَةِ. فأنْتُم، بطريقةٍ مِنَ الطُّرُقِ، جُزْءٌ عَرَضِيٌّ في هذهِ المحبَّةِ العظيمةِ المُتبادَلَةِ في إطارِ الثَّالوث. فكُلُّ شيءٍ هو لمجدِ اللهِ. وَكُلُّ شيءٍ، بِلا اسْتِثْناءٍ، يَؤولُ في النِّهايةِ إلى مجدِ الله. وكُلُّ شيءٍ يَصُبُّ في نِهايةِ المَطافِ في الغايَةِ الرَّئيسيَّةِ وهيَ تَمْجيدُ اللهِ. لذلكَ فإنَّ التَّسْبيحَ الوارِدَ في نهايةِ الأصحاحِ الحادي عَشَر هُوَ ذُرْوَةُ الرِّسالة. وابتداءً مِنَ الأصحاحِ الثَّاني عَشَر، يأتي حَرْفُ الفاء في الكلمة "فَأطْلُبُ" بِمَعْنى: "لِذَلِكَ". وبالمناسبة، فإنَّ بُنْيَةَ رِسالةِ رُومية تَقومُ على سِلْسِلَةٍ مِنْ حُروفِ الفاء بِمَعْنى: "لِذَلِكَ". ولكِن ابتداءً مِنَ الأصحاحِ الثَّاني عَشَر، فإنَّ ما يَطْلُبُهُ مِنْهُمْ مَنْطِقِيٌّ في ضَوْءِ هَذا الخلاصِ العَظيمِ وَالمَجيد.

لذلكَ، يَقتضي التَّنويهُ بصورةٍ عامَّةٍ إلى أنَّ الغايةَ الرَّئيسيَّةَ للخلاصِ هِيَ مَجْدُ اللهِ. وقد قالَ يسوعُ في الأصحاح 17 مِنْ إنجيلِ يوحنَّا (عندما صَلَّى تلكَ الصَّلاة بِصِفَتِهِ رَئيسَ الكَهَنَةِ العَظيم): "أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ". فالأمْرُ كُلُّهُ يَخْتَصُّ بمجدِ اللهِ. وخُطَّةُ الفداءِ بِرُمَّتِها تَخْتَصُّ بمجدِ اللهِ. وكُلُّ شخصٍ اهْتَدى للمسيحِ هُوَ تَقْدِمَةُ مَحَبَّة مِنَ الآبِ إلى الابْنِ. "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ". أليسَ كذلك؟ يُوحَنَّا 6: "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ ... لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا". لماذا؟ لأنَّ الآبَ يَخْتارُ، والآبُ يُعْطي، والابْنُ يَأخُذُ، والابْنُ يَحْفَظُ، والابْنُ يُقيمُ. لذلكَ فإنَّ البشريَّةَ المُمَجَّدَةَ تَصيرُ جُوْقَةَ التَّسْبيحِ الأبديَّةِ الَّتي تَرْفَعُ التَّسْبيحَ للهِ دائِمًا وَإلى أبدِ الآبِدين. وكما تَقولُ التَّرنيمةُ القديمَةُ فإنَّنا سَنَنْسى أنْفُسَنا في غَمْرَةِ الدَّهْشَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالتَّسبيح.

وقد كَتَبَ "ديفيد برينرد" (David Brainerd)، وَهُوَ مُرْسَلٌ عَظيمٌ خَدَمَ في وَسَطِ الهُنودِ في أمريكا وكانَ مُتأثِّرًا جِدًّا بالواعِظِ "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards)، كَتَبَ يَقول: "أنا لا أَرُومُ إلى الذَّهابِ إلى السَّماءِ لِكَيْ أَنالَ مَكانَةً أفْضَل. أنا لا أَرُومُ إلى الذَّهابِ إلى السَّماءِ لِكَيْ أَنالَ مَكانَةً أفْضَلَ، بل لكي أُعْطي المَجْدَ للهَ. فلا يَهُمُّني في أيِّ مَكانٍ سأكونُ في السَّماءِ، ولا يَهُمُّني إنْ كُنْتُ سَأَحْظَى بِمَقامٍ رَفيعٍ أوْ مُنْخَفِضٍ هُناكَ، بل ما يَهُمُّني هُوَ أنْ أَحْيا حَياةً تُرضي اللهَ وتُمَجِّدُهُ. إنَّ سَمائي هِيَ أنْ أُرْضي اللهَ، وأنْ أُمَجِّدَهُ، وَأنْ أَكونَ مُكَرَّسًا بالكامِلِ لِمَجْدِهِ إلى الأبد". وقد ماتَ "برينرد" وَهُوَ مُدْرِكٌ لأهميَّةِ ذلك. فالقصدُ الأزليُّ للخلاصِ هوَ أنْ يَجْعَلَنا قادرينَ على تَمْجيدِ اللهِ إلى الأبَد. ... إلى الأبد.

وبَعْدَ أنْ تحدَّثنا عن كيفَ أنَّ الخاطئَ يَتَبَرَّرُ بذبيحةِ المسيح، لنتحدَّث عن كيفَ يَرْضَى اللهُ بذبيحةِ المسيحِ، وكيفَ يَتَمَجَّدُ اللهُ. ورُبَّما سَأَذْكُرُ لكم أرْبَعَ نِقاطٍ لِتَتَأمَّلُوا فيها في هذا النَّصِّ. لذلكَ، لِنَرْجِعِ الآنَ إلى الأصحاحِ الثَّالثِ مِن رسالةِ رُومية. وسوفَ أقرأُ ابتداءً مِنْ مُنْتَصَفِ العَدَد 25 إلى النِّهاية. ولِتَذْكيرِكُمْ بِهذا النَّصِّ فإنَّ الحَديثَ هُنا هُوَ عَنْ هَذِهِ الكَفَّارَةِ مِنْ خِلالِ دَمِ المَسيحِ: "لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ. فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟ قَدِ انْتَفَى. بِأَيِّ نَامُوسٍ؟ أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ كَّلاَّ. بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ. إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ. أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ. أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟ حَاشَا! بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ". إذًا، كيفَ يَعْمَلُ مَوْتُ المَسيحِ على تَمْجيدِ اللهِ؟ وكَيْفَ يُرْضي اللهَ؟ وكيفَ يَضَعُ اللهَ في الصَّدارَةِ؟

أوَّلًا، إنَّ مَوْتَ المَسيحِ يُعْلِنُ بِرَّ اللهِ. إنَّهُ يُعْلِنُ بِرَّ اللهِ. فقد كانَ هُناكَ سُؤالٌ مَطروحٌ للنِّقاشِ قَبْلَ الصَّليب. لقد كانَ هُناكَ سُؤالٌ يطْرَحُ في العالمِ وَهُوَ الآتي: كيفَ يُمْكِنُ للهِ أنْ يَغْفِرَ للخُطاة؟ فنحنُ نَفهمُ رَحْمَتَهُ. ونحنُ نَفْهَمُ لُطْفَهُ. ولكِنْ على أيِّ أَساسٍ غَفَرَ اللهُ لإبراهيمَ مَثَلًا؟ وكيفَ يمكنُ للهِ أنْ يَحْسِبَ إيمانَ إبراهيمَ بِرًّا إلهيًّا؟ كيفَ يُمكنُ للهِ أنْ يَفعلَ ذلك؟ وكيفَ يُمكنُ للهِ أنْ يُعْلِنَ أنَّ نُوْحًا وعائلتَهُ أبرار؟ وكيفَ يَحْسِبُ بِرَّ اللهِ لهم؟ وكيفَ يُمْكنهُ أنْ يَفعلَ ذلكَ معَ أَخْنوخ حتَّى إنَّ أَخْنُوخَ سَارَ مَعَ اللهِ؟ وكيفَ يَفْعَلُ ذلكَ مَعَ إيليَّا الَّذي أُخِذَ إلى السَّماءِ في مَرْكَبَة؟ أو كَيْفَ يَفعلُ ذلكَ مَعَ أيِّ مُؤمِنٍ في العهدِ القديم؟ كيفَ يُمكنُ للهِ أنْ يَفعلَ ذلكَ دُوْنَ أنْ يُتَّهَمَ بِأنَّهُ غيرُ بارّ؟ هذا هُوَ السُّؤالُ المُهِمُّ؟ كيفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَغفرَ للخُطاةِ وأن يَمنحَهُم بِرَّهُ دونَ أنْ يُتَّهَمَ بأنَّهُ غَيْرُ بارّ؟

إنَّهُ سُؤالٌ شائِعٌ ومُهمٌّ. فَبِرُّ اللهِ قد يَصيرُ مَشكوكًا فيه. وبالمناسبة، فقد كانَ هذا واحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي أثارَتْ حَفيظَةَ الفَرِّيسيِّينَ وأثارَتْ حَفيظَةَ الأشخاصِ الَّذينَ كانُوا يَستمعونَ إلى الرَّسولِ بولُسَ مِنَ اليهودِ النَّاموسِيِّين. فَهُمْ لم يكونوا قادرينَ على التَّعايُشِ مَعَ حقيقةِ أنَّ اللهَ يُمْكِنُ أنْ يَحْسِبَ بِرَّهُ لخاطِئٍ مَا بواسطةِ الإيمانِ فقط. وَقد كانوا عاجِزينَ عنِ الاسْتِشْهادِ بالعهدِ القديمِ والقولِ إنَّ اللهَ أَعْلَنَ أنَّهُ قُدُّوسٌ، بل إنَّهُ قُدُّوسٌ جِدًّا حتَّى إنَّهُ لا يُطيقُ النَّظَرَ إلى الشَّرِّ وَلا يَحْتَمِلُ الإثْمَ. فعندما يَرى اللهُ إثْمًا في العهدِ القديمِ فإنَّهُ يَدينُهُ ويُعاقِبُهُ. فالوَثَنِيُّونَ لديهم آلهةٌ مُتَقَلِّبَة. وَالوثنيُّونَ لديهم آلِهَة غيرُ ثابِتَة على حَال. والوثنيُّونَ لديهم آلِهَة يُمكن إرضاؤُها مِن خلالِ الطُّقوسِ الدَّينيَّةِ، والتَّقْدماتِ الدينيَّة، والذَّبائحِ، ومِنْ خِلالِ سُلوكيَّاتٍ أخلاقيَّةٍ مُعَيَّنة. ولكِنْ كيفَ نَتوقَّعَ مِنَ الإلهِ الأزليِّ القُدُّوسِ أنْ يَحْسِبَ بِرَّهُ لإنسانٍ يَعْتَرِفُ أنَّهُ خاطِئ؟ أتَرَوْنَ؟ ففي اليهوديَّةِ، في الشَّكْلِ الأبْرَزِ مِنَ اليهوديَّةِ (وَهُوَ الشَّكْلُ الَّذي أَوْجَدَهُ الفَرِّيسيُّونَ)، فإنَّكَ تُقَدِّمُ للهِ بِرَّكَ. فأنْتَ لا تَسْجُدُ أمامَ اللهِ وَلا تَقْرَعُ صَدْرَكَ قائلًا: "ارْحَمْني على خَطاياي!" بل إنَّكَ تَقِفُ أمامَ اللهِ (كَما وَقَفَ ذلكَ الفَرِّيسيَّ في إنجيل لوقا 18) وتَقول: "اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. فأنا أُعَشِّرُ، وَأُصَلِّي، وَأصومُ، وَأُقَدِّمُ لَكَ بِرِّي". فقد كانَ ذلكَ الأمرُ قابلًا للفَهْمِ بالنِّسبةِ إليهم. ولكِنْ كيفَ يُعْقَلُ أنَّ يَسوعَ يَخْتَلِطُ بالزَّانياتِ، والمُجْرِمينَ، وَالعَشَّارينَ، واللُّصوصِ، وَجَميعِ أفرادِ الطَّبَقَةِ الوَضيعَةِ في المُجتمعِ – ولا سِيَّما مَعَ الأشخاصِ المَنبوذينَ، وَاليهودِ المَطرودينَ مِنَ المَجْمَعِ، والمُجَرَّدينَ مِنْ هُوِيَّتِهِم الاجْتِماعيَّةِ بسببِ آثامِهِم؟ كيفَ يُعْقَلُ أنْ يَشْعُرَ بالرَّاحَةِ في الوُجودِ في وَسَطِ هؤلاء؟

وقد اتُّهِمَ، إنْ كُنْتُمْ تَذكرونَ، أنَّهُ رَفيقٌ للخُطاةِ، والسَّكارَى، والأشرار. وذاتَ مَرَّة، كانَ يَسوعَ يَأكُلُ الطَّعامَ في بيْتِ أَحَدِ الفَرِّيسيِّينَ حينَ جَاءَتِ امرأةٌ (يَبْدو أنَّها كانَتْ تَتَمَتَّعُ بسُمْعَةٍ سَيِّئَةٍ) وابتدأتْ تَغْسِلُ رِجْلَي يَسوعَ بِشَعْرِها. ويبدو أنَّ الوليمةَ كانَتْ مُقامَةً في سَاحَةِ المنزلِ المَفْتوحة، فدَخَلَت، ورأتْ يَسوعَ، وأرادَتْ أنْ تُظْهِرَ مَحَبَّتَها له. وقدْ غَضِبَ الفَرِّيسيُّ المُضيفُ وقالَ في نَفْسِهِ: "لَوْ كَانَ يَسوعُ هُوَ الله لَعَرَفَ حَقيقَةَ هذِهِ المَرأة ولم يَسْمَحْ لها أنْ تَلْمِسَهُ". فقد كانَ ما يَحْدُثُ مُختلفًا كُلَّ الاختلافِ عن نَظرتهِم إلى البِرِّ أمامَ اللهِ. لذلك، لَمْ يَسْتَوْعِبوا ما حَدَثَ عندما جاءَ الإنْجيلُ وَعندما قالَ يَسوعُ لَهُمْ: "أنا أُقَدِّمُ الغُفرانَ لَكُمْ"، وَراحَ يَغْفِرُ الخطايا. أتَذكرونَ الرَّجُلَ الَّذي أَنْزَلَهُ أصْدقاؤُهُ مِنَ السَّقْفِ والذي قالَ لَهُ يَسوع: "مَغْفورَةٌ لَكَ خَطاياك"؟ وقد صُعِقُوا لذلكَ لأنَّ لاهوتَهُم يَقولُ إنَّ السَّبَبَ في مَرَضِ ذلكَ الرَّجُلِ هُوَ أنَّهُ كانَ خاطِئًا. وهكذا هي الحالُ أيضًا بالنِّسبةِ إلى الرَّجُلِ الَّذي وُلِدَ أَعْمى في إنجيل يوحنَّا 9. ولكِنْ كيفَ عَساهُ يَفْعَلُ ذلك؟ فقد كانَتْ تلكَ ضَرْبَة لِبِرِّ اللهِ وقداسَتِه.

لذلكَ فإنَّ السُّؤالَ الرَّئيسيَّ هو هذا. لقدِ احْتَمَلَ اللهُ الخطيَّةَ طَوالَ التَّاريخِ البشريِّ. وهذا أمْرٌ لم يَكُنْ بِمَقدورِهِمْ أنْ يُنْكِروه. فاللهُ احْتَمَلَ الخطيَّةَ طَوالَ التَّاريخ. وقد كانوا يَعلمونَ في قُلوبهم أنَّهُ احْتَمَلَ خَطاياهُم لأنَّهُمْ ما زالُوا يَتَنَفَّسون. وكان يبدو جَلِيًّا أنَّ الكَثيرَ مِنْ غيرِ الأبرارِ يَعيشونَ في رَخاءٍ مَادِّيٍّ. والحقيقةُ هي أنَّ القادةَ الدِّينيِّينَ اليهود لم يكونوا أبرارًا البَتَّة. وقد تَغاضَى اللهُ عَنْ خَطايا النَّاسِ طَوالَ التَّاريخِ البشريِّ. وَلَكِنْ كيفَ فَعَل ذلك؟ كيفَ غَفَرَ لإبراهيم؟ وكيفَ غَفَرَ لموسَى؟ وكيفَ غَفَرَ لأيِّ شخصٍ في الماضي؟ وعلى أساسِ ماذا؟ ثُمَّ يأتي الصَّليبُ. ثُمَّ يأتي الغِطاءُ، أو تَأتي الكَفَّارةُ بِدَمِ المسيحِ لإظْهارِ بِرِّهِ مِنْ خِلالِ الصَّفْحِ عَنِ الخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. أتَرَوْنَ الصُّورةَ الآن؟ فيجب عليكم أن تُفَسِّروا حقيقةَ أنَّهُ لم يَكُنْ هُناكَ يومًا أيُّ عِقابٍ عادلٍ عَنِ الخطايا السَّالِفَةِ الَّتي غُفِرَت. وقد تَقول: "وماذا عنِ الحَيَواناتِ؟" لا، إنَّ الحَيَواناتِ لم تَكُنْ ذبائِح تُكَفِّرُ عنِ الخطيَّة. بل كانتْ ذبائح تُشيرُ إلى الحاجةِ إلى التَّكفيرِ عنِ الخطيَّة، ولكنَّ أيًّا منها لم يُكَفِّر عنها. لذلكَ كانتِ الذَّبائحُ تُقَدَّمُ مِرارًا وتَكرارًا، والمَرَّةَ تلوَ الأُخرى، في كُلِّ صَباحٍ، وفي كُلِّ مَساءٍ، وفي كُلِّ وقتٍ. والسُّؤالُ هو: كيفَ تُفَسِّرُ إمْهالَ اللهِ، وَطُوْلَ أَناةِ اللهِ؟ وغُفْرانَ الخَطايا السَّالفةِ طَوالَ فترةِ العهدِ القديم؟ كيفَ تُفَسِّرُ ذلك؟ الخَطايا الَّتي حَدَثَتْ في الماضي، قَبلَ المَسيح؟

فَطَوالَ تاريخِ الإنسانِ المُلَوَّثِ بالخطيَّة، عَبَرَ اللهُ عَنْ خَطاياهُم، وغَفَرَ لهم، وأَشْفَقَ عليهم. وعندما كانوا يَتوبونَ ويَرجِعونَ إليه، نَقرأُ في أعْمالِ الرُّسُل 17: 30 أنَّهُ كانَ يَتَغاضَى "عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ". فَهُوَ لم يَتَدَخَّلْ تَدَخُّلًا فاعِلًا. وهُوَ لم يُنْزِلِ الدَّينونَةَ المَطلوبَة. والسُّؤالُ هُوَ: كَيْفَ يُمْكِنُ للهِ أنْ يَفعلَ ذلكَ وَأنْ يَبْقى قُدُّوسًا؟ والحقيقةُ هِيَ أنَّ اليهودَ في زَمَنِ مَلاخي اتَّهَمُوا اللهَ قائِلين: "كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الشَّرَّ فَهُوَ صَالِحٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَهُوَ يُسَرُّ بِهِمْ". فأيْنَ هُوَ إلَهُ العَدالَةِ؟ وكَما تَعلمونَ فإنَّ هَؤلاءِ النَّاموسِيِّينَ يَكْرَهونَ النِّعْمَة. إنَّهُمْ يَكْرَهونَها. لذلكَ فإنَّ الأخَ الأكْبَرَ غَضِبَ عندما سَامَحَ الأبُ أَخاهُ الأصْغَرَ في قِصَّةِ الابْنِ الضَّالّ. لماذا؟ لقد غضبَ لأنَّهُ كانَ نَاموسِيًّا. والنَّاموسِيُّونَ يَكرهونَ النِّعْمَةَ، وَيَكرهونَ الرَّحْمَة، ويَكرهونَ العَطْفَ، ويَكرهونَ الغُفْران. لذلكَ فقد قالوا في زَمَنِ مَلاخي: "كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الشَّرَّ فَهُوَ صَالِحٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ". فقد كانوا يَرَوْنَ غُفْرانَ اللهِ يُقَدَّمُ، وَيَظُنُّونَ أنَّهُ يُسَرُّ بِمَنْ يَفْعَلُ الشَّرَّ، وَيُسَرُّ بِتَقْديمِ الغُفرانِ لَهُمْ. لذلكَ كانُوا يَسألون: أيْنَ هُوَ إلَهُ العَدْلِ؟

في ضَوْءِ ذلك، في كُلِّ مَرَّةٍ تَعِظونَ فيها عَنِ النِّعْمَةِ في بيئَةٍ ناموسِيَّةٍ، تَوَقَّعُوا أنْ يَمْتَعِضَ النَّاسُ مِنْ ذلك. وقد كانتِ الحالُ كذلكَ عندما كانَ يَسوعُ يُعَلِّمُ، وعندما كانَ بُوْلُسُ يَكْرِزُ بذلك. ولكنِ اسْتَمِعُوا إلى ما جاءَ في المَزمور 78: 38: "أَمَّا هُوَ (اللهُ العَلِيُّ الَّذي فَداهُمْ) فَرَؤُوفٌ، يَغْفِرُ الإِثْمَ وَلاَ يُهْلِكُ. وَكَثِيرًا مَا رَدَّ غَضَبَهُ ..." (أوْ مَنَعَ غَضَبَهُ عَنْهُم) ... " وَكَثِيرًا مَا رَدَّ غَضَبَهُ وَلَمْ يُشْعِلْ كُلَّ سَخَطِهِ". وهل تَذكرونَ ما قالَهُ النَّبِيُّ مِيْخا؟ "مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ؟" (ميخا 7). "مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ؟" أنا لم أَسْمَعْ يومًا عَنْ إلَهٍ كَهَذا؟ وَمَنْ مِنْكُمْ سَمِعَ عن إلهٍ كهذا؟ فلا يوجدُ في كُلِّ تاريخِ دياناتِ العالمِ إلهٌ مِثْلُ اللهِ غَافِرٌ الإثْمَ، وَرَحيمٌ، وَمُشْفِقٌ. فلن تَجِدَ مَثيلًا لَهُ. فالآلِهَةُ مَشهورَةٌ بالغَضَبِ، وَالجَزاءِ، والدَّينونَةِ، والنَّقْمَةِ. ولكِنْ "مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ؟" أنا لم أَسْمَعْ يومًا عَنْ إلَهٍ كَهذا. والسُّؤالُ الَّذي يَتَرَدَّدُ صَداهُ على مَرِّ العُصورِ هو: كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَفعلَ ذلك؟ كيفَ يُمكنهُ أن يَفعلَ ذلك؟ والكلماتُ هُنا (في العدد 26) تَحْسِمُ الأمْرَ. فكيفَ يُمكنُ للهِ أنْ يكونَ عادلًا وأنْ يُبَرِّرَ الخُطاةَ الذينَ يُؤمِنونَ بيسوعَ المسيح؟ فكيفَ يكونُ البارَّ والمُبَرِّر؟ إنَّها مُعْضِلَةٌ. وكيفَ يُمكنهم أن يَفهموا أنَّ اللهَ مُنْعِمٌ وَرَحيمٌ، وأنَّهُ في الوقتِ نَفسِهِ قُدُّوسٌ وبارٌّ؟ إنَّ الغُفرانَ الرَّخيصَ ... كَما نَعْلَمُ جَميعًا ... إنَّ الغُفرانَ الرَّخيصَ هُوَ شَرٌّ أخلاقِيٌّ. فالقاضي يكونُ غيرَ عادِلٍ إنْ قامَ بِتَبْرِئَةِ مُجْرِمٍ يَعْلَمُ يَقينًا أنَّهُ مُذْنِبٌ. وَهُوَ لن يَبقى على كُرْسِيِّ القَضاءِ فترةً طويلةً إنْ كانَ يُطْلِقُ سَراحَ المُجرمينَ بسببِ تَعاطُفِهِ مَعَهُم. فمسؤوليَّةُ القاضي تُحَتِّمُ عليهِ أنْ يُنَفِّذَ القانون. أليسَ كذلك؟

لذلكَ يوجدُ في العهدِ القديمِ حِجابٌ سَميكٌ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ رُؤيَةِ عَدالَةِ اللهِ على حَقيقَتِها. ولكنَّهُ يُعْرَفُ بأنَّهُ إلَهٌ عَطوفٌ إذ نَقرأُ في سِفْرِ الخُروج 34: "أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ". وَهُوَ يُظْهِرُ رَحْمَتَهُ لألوفٍ مُؤلَّفَةٍ كما يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ. ولكِنْ كيفَ يُمكنهُ أنْ يَفعلَ ذلكَ وأنْ يَكونَ عادلًا؟ إنَّ مَوْتَ المسيحِ يُجيبُ عن ذلك. فموتُ المسيحِ يُشيرُ إلى بِرِّ اللهِ وَعَدالَةِ اللهِ إذْ إنَّهُ لا بُدَّ لشخصٍ ما أنْ يَموت.

وأنا أُعَبِّرُ عن ذلكَ غالبًا بالطَّريقةِ التَّالية: إنَّ كُلَّ خَطِيَّة اقْتُرِفَتْ بِحَقِّ اللهِ مِنْ قِبَلِ أيِّ شَخْصٍ عاشَ يومًا سَيُدْفَعُ ثَمَنُها ... كُلَّ خَطِيَّة. فلا تُوْجَدُ خَطِيَّةٌ لَنْ تُعاقَب. فَكُلُّ خَطِيَّةٍ سَيُدْفَعُ ثَمَنُها. فإمَّا أنْ يَقومَ مُرْتَكِبُها بِدَفْعِ ثَمَنِها مِنْ خِلالِ الدَّينونةِ الأبديَّةِ ولن يَتمكَّنَ يومًا مِنْ دَفْعِ ثَمَنِها كامِلًا، وَإمَّا أنْ يَكونَ ثَمَنُها قد دُفِعَ بالكامِلِ مِنْ خلالِ ذبيحةِ يَسوعَ المسيح. ولكنَّ كُلَّ خَطِيَّة يَنْبَغي أنْ يُدْفَعَ ثَمَنُها. فاللهُ مُلْتَزِمٌ جِدًّا بالرَّحْمَةِ حَتَّى إنَّهُ يَغْفِر. ولكنَّهُ مُلْتَزِمٌ أيضًا بالعَدالَةِ حَتَّى إنَّهُ بَذَلَ ابْنَهُ على الصَّليبِ كَذَبيحَةٍ كاملةٍ تَسْتَوفي مَطالِبَ عَدالَتِهِ.

لذلكَ فإنَّ بولسَ يَنظرُ إلى التَّاريخِ السَّابقِ وَيُصَحِّحَ هذا المَفهومَ: فالصَّليبُ يَصِلُ إلى الأزْمِنَةِ السَّحيقَةِ وَيُغَطِّي الخَطِيَّة. فالنَّاسُ يَقولون: "كيفَ سَيَخْلُصُ النَّاسُ في العهدِ القديم؟" لَقَدْ خَلَصُوا لأنَّهُم آمنوا بالإلهِ الحَقيقيِّ الحَيِّ. فقد كانُوا يَعلمونَ أنَّهُم خُطاة. وقد كانُوا مَسْحوقينَ تحتَ وَطْأةِ النَّاموسِ وَتَحْتَ وَطْأةِ عَجْزِهِمْ عَنِ العَمَلِ بِهِ. فَهُمْ لم يكونوا يَتَّكِلونَ على أعمالِهِم. بل كانُوا يَتَضَرَّعونَ مِنْ أجْلِ الرَّحمةِ، والغُفرانِ، والنِّعمةِ، والإحْسانِ مِنَ اللهِ. وقد كانَ اللهُ يَمْنَحَهُمْ ذلكَ على أساسِ الذَّبيحةِ الَّتي لم تَكُنْ قد قُدِّمَتْ بعد. ولكنْ تذكَّرُوا أنَّ المسيحَ هوَ الحَمَلُ المَذْبوحُ مُنْذُ تَأسيسِ العَالَم. ففي تَدْبيرِ اللهِ، ليسَ هُناكَ وَقْتٌ. لذلكَ فإنَّ ذبيحةَ المسيحِ تَمْتَدُّ إلى الماضي والمُستقبَل.

إذًا كيفَ يمكنُ للهِ أنْ يُبَرِّرَ الخاطئَ؟ إنَّ حِكمةَ الإنسانِ لم تَنْجَح البَتَّة في حَلِّ هذهِ المُعضلةِ ... البَتَّة! لذلكَ فإنَّ العَدَد 26 يَقول (ويُمكِنُكم أن تقرأوا مِنَ العدد 25 عَنِ إظْهارِ بِرِّهِ). ثُمَّ نَقرأُ في العدد 26: "لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ". والزَّمانُ الحاضِرُ يُشيرُ إلى زَمانِ العهدِ الجديد. فاللهُ أَخْفى هذا الأمْرَ في الماضي، ولكنَّهُ أَعْلَنَهُ في الزَّمانِ الحاضِرِ. لذلكَ فإنَّ بولسَ يَصِفُ الإنْجيلَ بأنَّهُ سِرٌّ. أليسَ كذلك؟ والكلمة "مستيريون" (musterion) لا تُشيرُ إلى سِرٍّ لا يُمكِنُ للمرءِ أنْ يَعْرِفَهُ، بل إنَّ السِّرَّ في لُغَةِ بولسَ يَعني شيئًا كانَ مَخْفِيًّا وَصارَ الآنَ مُعْلَنًا. لذلكَ عندما تَنظرونَ إلى الصَّليبِ، ما الَّذي تَرَوْنَهُ يَحْدُثُ على الصَّليب؟ لَقَدْ تَمَّ إعْلانُ قَداسَةِ اللهِ. وَتَمَّ إعْلانُ عَدْلِ اللهِ. وتَمَّ إعلانُ بِرِّ اللهِ. لذا فإنَّ الصَّليبَ كانَ لأجْلِ اللهِ. فقد كانَ يَرْمي إلى إظْهارِ بِرِّهِ. وقد حَدَثَ في ذلكَ الوقتِ لكي يكونَ عادلًا ولكي يُبَرِّرَ كُلَّ مَنْ يؤمِنُ بيسوع. لذلكَ فإنَّ الخلاصَ الَّذي أَكْمَلَهُ يَسوعُ على الصَّليبِ، وَتَدْبير الخلاصِ مِنْ خِلالِ الكَفَّارةِ وَالذَّبيحةِ وَالغِطاءِ، كانَ لأجْلِ اللهِ لِئَلًّا يُتَّهَمُ اللهُ بأنَّهُ غَيْرُ عَادِلٍ.

ولكِنْ كيفَ يُعْقَلُ أنْ يَتَّهِمَ أَحَدٌ اللهَ بأنَّهُ غيرُ عَادِلٍ مَعَ أنَّهُ فَعَلَ المُسْتَحيلَ إذْ إنَّهُ بَذَلَ ابْنَهُ الحَبيب؟ فَكُلُّ مَنْ يَفهمُ نِظامَ الذَّبائِحِ في العهدِ القديمِ (كَما رَأيْنا في لاوِيِّين 1) يُمكنهُ أنْ يَتَوَقَّع ذلكَ لأنَّ الذَّبائحَ الَّتي كانَتْ تُذْبَحُ بالمَلايين كانَتْ تَرْمِزُ إلى ضَرورةِ موتِ بَديلٍ بَريءٍ وإلى الحاجةِ إلى ذبيحةٍ أخيرةٍ يُقَدِّمُها بَديلٌ بِلا خَطِيَّة. وهكذا فإنَّ الصَّليبَ أَظْهَرَ بِرَّ اللهِ وَأعْلَنَ عدالةَ اللهِ مِن خلالِ إظْهارِ أنَّهُ لم يَكُنْ بمقدورِهِ أنْ يَتغاضَى عَنِ الخَطِيَّةِ، وأنَّهُ لم يَكُنْ بمقدورهِ أنْ يَتغاضى عَنْ إدانَةِ الخطيَّة بِعَدْلٍ.

كذلكَ فإنَّ الصليبَ يُمَجِّدُ اللهَ بطريقةٍ ثانية. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ بإسهابٍ أكْثَر يومَ غَدٍ صَباحًا. ثانيًا، الصَّليبُ يُمَجِّدُ اللهَ لا فَقَط مِنْ خلالِ تَمْجيدِ اللهِ، بل أيضًا مِن خلالِ إعلانِ بِرِّهِ. ... مِنْ خِلالِ إعلانِ بِرِّهِ. فنحنُ نَقرأُ في العَدَدَيْن 27 و 28: "فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟ قَدِ انْتَفَى. بِأَيِّ نَامُوسٍ؟ أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ كَّلاَّ. بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ. إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ". فلا مَجالَ للافتخار. ولا مجالَ للتَّباهي. ولا مجالَ لتَهْنِئَةِ النَّفْسِ. فاللهُ وَحْدُهُ القادِرُ أنْ يَفْعَلَ ذلك. ومِنَ المهمِّ والضَّروريِّ لفهمِ الإنجيلِ أنْ نَعلمَ أنَّ اللهَ الَّذي تَمَّ التَّعَدِّي على وَصَاياه هُوَ الَّذي وَضَعَ شُروطَ إزالَةِ هذا التَّعَدِّي. أليسَ كذلك؟ فاللهُ هوَ الَّذي تَمَّ التَّعَدِّي على وَصاياه. واللهُ هُوَ الَّذي وَضَعَ شُروطَ إزالَةِ هَذا التَّعَدِّي. فاللهُ هوَ الَّذي لَعَنَ هَذا العالَمَ. واللهُ هو الَّذي أَعْلَنَ أنَّنا خُطاة. واللهُ هو الَّذي انْتُهِكَتْ شَريعَتُهُ وَجُدِّفَ على اسْمِهِ. لذلكَ فإنَّ اللهَ هوَ الَّذي يَضَعُ الشُّروطَ الكَفيلَةَ بِعَكْسِ مَا حَدَث، وَبِمَحْوِ مَا حَدَث، وَبالتَّخَلُّصِ مِمَّا حَدَث. فَهُوَ الَّذي وَضَعَ الخُطَّةَ وَجَعَلَ الخلاصَ بالإيمان. فالإيمانُ هوَ الوسيلةُ الَّتي نَتَبَرَّرُ بها بِدونِ أعْمالِ النَّاموس. فَهُوَ أمْرٌ قائمٌ على النِّعْمَةِ فقط ... على النِّعْمةِ فقط.

وقد تحدَّثنا للتَّوِّ عن ذلكَ في النِّصفِ الأوَّلِ مِنْ هَذِهِ الآيَة. ولكِنْ هل تَعلمونَ أنَّنا بحاجةٍ إلى النَّظرِ إليها ثانيةً مِنْ زاوِيَةِ اللهِ؟ فالأمْرُ لا يَتوقَّفُ على رَوْعَةِ النِّعْمَةِ بالنِّسبةِ إلينا فقط لأنَّها تُشْبِعُ حاجَتَنا، بل يَجِبُ علينا أنْ نَرى رَوْعَتَها في ضَوْءِ مَعْرِفَتِنا بأنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ نِعْمَةٍ غَنِيَّةٍ. فنعمةُ اللهِ مُعْلَنَةٌ مِنْ فوقِ الصَّليب إذْ إنَّهُ بَذَلَ ابْنَهُ الوَحيدَ هُناك.

أَتَعْلَمونَ شيئًا؟ عندما كُنَّا نَتَأمَّلُ في إنجيلِ مَرْقُس، تَحَدَّثْنا عن أَهْوالِ أُسبوعِ الآلامِ في حياةِ رَبِّنا يسوعَ، وَعَايَشْنا جميعَ الأمورِ المختصَّةِ بالصَّليب. وَمَعَ أنِّي لا أفعلُ ذلكَ عادةً فإنَّي تأثَّرتُ جِدًّا، وتأثَّرتُ عميقًا بذبيحةِ الرَّبِّ يَسوعَ المسيحِ وبِهَوْلِ مَا حَدَث. فكما تَعلمونَ، عندما كانَ يُصَلِّي في البُستان، انْفَجَرَتْ أوْعِيَتُهُ الدَّمَوِيَّةُ الشَّعْرِيَّةُ فصارَ الدَّمُ يَقْطُرُ مِنَ غُدَدِهِ العَرَقِيَّةِ لأنَّ الضَّغْطَ النَّاجِمَ عَنْ حَمْلِ الخطيَّةِ، والانفصالِ عنِ اللهِ، وحَمْلِ العِقابِ، كانَ ضَغْطًا هائلًا حَتَّى إنَّهُ انْعَكَسَ على عَمَلِ وَظائِفِهِ الحَيَوِيَّةِ. ثُمَّ صَلَّى هذهِ الصَّلاة: "يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الكَأسُ". وقد قالَ أُناسٌ: "لقد كانَتْ تلكَ لحظة ضَعْفٍ". لا، لم تَكُن تلكَ لحظةُ ضَعْفٍ. فالعبارة "إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الكَأسُ" هي العبارة الوحيدة الَّتي يُمكنُ أنْ تَصْدُرَ عن شخصٍ لم يَعرِفْ خطيَّة. فلو أنَّهُ لم يَقُل هذه الكلمات لَشَكَكْنا بوجودِ عِلَّةٍ فيهِ. لذلكَ، لا يَقُلْ أَحَدٌ لي إنَّ تلكَ كانتْ لحظةُ ضَعْفٍ. فقد كانَ ما سَيَحْدُثُ له غريبًا جِدًّا عنهُ وأمرًا لا يُصَدِّقُهُ عَقْلٌ. هذا عَدا عَنْ أَهْوالِ ذلك. وأنا أعتقدُ أنَّهُ في تلكَ السَّاعاتِ المُظْلِمَةِ المُمتدَّةِ مِنَ الظَّهيرةِ إلى السَّاعةِ الثَّالثةِ بعدَ الظُّهْرِ، ... أنَّهُ حَمَلَ في تلكَ السَّاعاتِ الثَّلاثِ خَطايا جَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ آمَنُوا أوْ سَيُؤمِنونَ بِهِ ... في تلكَ السَّاعاتِ الثَّلاث.

وقد يَقولُ قائلٌ: "ولكِنْ كيفَ يُعْقَلُ أنْ يَحْمِلُ وَحْدَهُ، وَفي ثلاثِ ساعاتٍ، عِقابَ اللهِ الكامِلِ عَنْ خَطايا جَميعِ الذينَ آمَنُوا أوْ سَيُؤمنونَ بهِ، مَعَ أنَّ جميعَ هؤلاءِ النَّاسِ لا يَسْتَطيعونَ أنْ يَحْمِلوا ذلكَ العِقابَ بأنْفُسِهِمْ حَتَّى لو عاشُوا إلى الأبَد في حالِ أنَّهُمْ لم يُؤمِنوا؟ فكيفَ يُعْقَلُ أنْ يَتَمَكَّنَ يَسوعُ في ثلاثِ ساعاتٍ فقط مِنْ حَمْلِ عِقابِ ملايينِ النَّاسِ الذينَ لا يُمْكِنُهُمْ أنْ يَحْمِلوا ذلكَ العِقابَ لَوْ بَقُوا في الجَحيمِ إلى الأبَد؟" فَهَلْ مِنْ جَواب؟ إنَّ المسيحَ يَمتلكُ قُدرةً غيرَ مَحدودةٍ على حَمْلِ عِقابِ اللهِ لأنَّهُ غَيْرُ مَحدود. والنِّعمةُ الكامِنَةُ في هذا مُذهلة ... مُذهلة. وهذا يُعيدُ الذِّكرياتِ إلى أذهانِنا بالطَّبع، عندما أَلَّفْتُ كِتاب "قِصَّة ابْنَيْن" (The Tale of Two Sons)، ووَعَظْتُ في تلكَ السِّلسلةِ عنِ الأبِ الَّذي رَكَضَ وعَانَقَ ابْنَهُ الخاطِئَ. فهذا تَعَطُّفٌ وَتَنازَلٌ مُذْهِلٌ بِكُلِّ تأكيد.

لذلكَ، عندما تَنظرونَ إلى الصَّليب، سَتَرَوْنَ لا فقط أنَّهُ يُشْبِعُ حاجةَ الإنسانِ، بل أيضًا يُشْبِعُ اللهَ لأنَّهُ يُعْلِنُ بِرَّهُ. والحقيقةُ هي أنَّهُ مِنْ خِلالِ جَعْلِ هذا البِرِّ مُتاحًا بالإيمانِ، وليسَ مِنْ خلالِ النَّاموسِ أوِ الأعمالِ، فإنَّهُ يُظْهِرُ نِعْمَتَهُ.

ثالثًا، إنَّ الصَّليبَ يُعْلِنُ ثَباتَ اللهِ ... ثَباتَ اللهِ. وقد تَحَدَّثنا قليلًا عن هذا الموضوعِ، ولكنَّ بولسَ يَعودُ إليهِ مُعْلِنًا هذهِ الحقائقَ العَظيمَة. فالصَّليبُ يُشيرُ إلى بِرِّ اللهِ، وَيُشيرُ إلى نِعْمَةِ اللهِ، وَيُشيرُ إلى ثَباتِ اللهِ. فالعدد 29، بَلِ بالحَرِيِّ العَدَد 28 يَقول: "إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 29: أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ". إذًا هل هناكَ طَريقانِ للخلاص؟ فهل هُناكَ طَريقٌ لليهودِ وَطَريقٌ للأُمَم؟ وهل كانَ اليهودُ يَتَبَرَّرونَ بالنَّاموسِ، في حينِ أنَّ الأُمَمَ يَتبرَّرونَ بالإيمان؟ هناكَ أُناسٌ كَثيرونَ يَقولونَ ذلك. فإنْ كنتَ قد جِئْتَ مِنْ خَلفيَّةٍ تَدبيريَّةِ تَقليديَّةٍ، رُبَّما تَكونُ قَدْ تَعَلَّمتَ ذلك. ولكِنَّ هذا العَدَدَ (أي العَدَد 29) يَقولُ إنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ جَميعِ النَّاسِ، يهودًا وأُمَمًا. ونقرأُ في إشَعْياء 54: 5: "إِلهَ كُلِّ الأَرْضِ يُدْعَى". ونَقرأُ في إرْميا 16: 19: "إِلَيْكَ تَأتِي الأُمَمُ مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ". ... وَ "وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ" و "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ في المسيح". ونحنُ جميعًا نَعلمُ ذلك. فاللهُ هُوَ إلهُ الكُلِّ. وَهُوَ اللهُ الوَحيدُ. و "أنا لستُ أسْتَحي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ".

لذلكَ فإنَّ العدد 30 يَقول: "لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ". والكلامُ الَّذي يأتي بَعدَ العِبارةِ الأولى توضيحيٌّ. ولكنَّ اللهَ واحدٌ. ووجودُ إلَهٍ واحدٍ يَعني أنَّهُ إلَهُ الكُلِّ. فلا يوجدُ إلهٌ آخَرَ سِواه. فنحنُ نُؤمِنُ بإلهٍ واحِدٍ، كما جاءَ في سِفْرِ التَّثنية 6: 4. أليسَ كذلك؟ "الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ". وَهُوَ سيُخَلِّصُ جميعَ النَّاسِ بالإيمانِ مِنْ خلالِ النِّعمَة. وهُوَ سيُبَرِّرُ جميعَ الذينَ يُؤمِنونَ، يهودًا كانُوا أو أُمَمًا. وَهُوَ كانَ وَما يَزالُ يُخَلِّصُ الجميعَ بنفسِ الطَّريقَةِ طَوالَ التَّاريخِ البشريِّ. ولا أدري ما هو رأيكُم في ما يُسَمَّى بـ "التَّدبيريَّة". ولكِنْ إذا كُنْتُمْ عالِقينَ في هذا التَّعليمِ في الماضي، يجب أن تَفْهموا أنَّهُ في جميعِ فَتَراتِ التَّاريخِ البشريِّ فإنَّ الإلهَ نَفْسَهُ، الإلَهَ الواحِدَ، كانَ وما يَزالُ يُخَلِّصُ النَّاسَ بطريقةٍ واحدةٍ ألا وَهِيَ بالنِّعْمَةِ مِنْ خلالِ الإيمان. فالخلاصُ دائمًا بالإيمان. وهو دائمًا بِمَعْزِلٍ عنِ الأعمال. وهو دائمًا يَتِمُّ بالنِّعْمَة. وَهُوَ دائمًا يَتِمُّ مِنْ خِلال حُسْبانِ بِرِّ اللهِ للخُطاةِ بالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ استحقاقِهِمْ لَهُ إذْ إنَّهُ عَطِيَّةُ نِعْمَةً.

وحَتَّى قبلَ وُجودِ إسرائيلَ كأُمَّة، نَقرأُ: "وَأَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ". ونَقرأُ أنَّ مُوسى "وَجَدَ نِعْمَةً"، وأنَّ "إبراهيمَ نالَ نِعْمَةَ الخلاصِ بالإيمان. لذلكَ، فقد كانَتْ هذهِ وما تَزالُ طريقةَ اللهِ. ولا يُمكنُ لأحدٍ أنْ يَتَّهِمَ اللهَ بأنَّهُ قد تَغَيَّر: "لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ". أليسَ كذلك؟ فهذا هو ثَباتُ اللهِ، وَهُوَ أَمْرٌ يَصُحُّ على كُلِّ مَا يَقومُ بِهِ.

وَقَدْ بَقِيَتْ هُناكَ نُقْطَةٌ أخيرة. فقد قُلنا إنَّ الصَّليبَ يُشْبِعُ اللهِ. فالمسيحُ ماتَ لأجْلِ اللهِ بِمَعْنى أنَّ الصَّليبَ يُؤكِّدُ عَدالَةَ اللهِ، ونِعمةَ اللهِ، وَثَباتَ اللهِ. وَهُوَ يُؤكِّدُ أيضًا شَريعةَ اللهِ. إنَّهُ يُؤكِّدُ شريعةَ اللهِ. فلو أنَّ اللهَ قال: "أتَدْرونَ ماذا؟ أنا أشْعُرُ بالشَّفَقَةِ الشَّديدةِ عليكُم. لذلكَ سوفَ أُسامِحُكُم". أتَسْمَعونَ أُناسًا يَقولونَ إنَّ اللهَ يُحِبُّكُمْ مَحَبَّةً غَيْرَ مَشروطَة؟ حَقًّا؟ لا أعتقدُ ذلك. ولكنْ كما تَعلمون، فإنَّ أُناسًا كَثيرينَ يُرَوِّجونَ للإنجيلِ اليومَ قائِلينَ إنَّكَ إنْ صَلَّيْتَ هذهِ الصَّلاةَ القصيرةَ، فإنَّكَ تَخْلُص. ولكِنْ ماذا عنْ شَريعةِ اللهِ؟ فَإذا كَسَرْتَ شريعةَ اللهِ فإنَّكَ تَموت. أليسَ كذلك؟ "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ ..." ماذا؟ "... مَوْتٌ". وأيضًا: "اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ". ونقرأُ في غلاطيَّة 3، كَما تَعلمون: "مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ". فماذا عن ذلك؟ فعندما نَقولُ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ بالنِّعْمَةِ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يُؤمِنونَ، وَأنَّهُ يَحْسِبُ بِرَّهُ لَهُمْ، فإنَّ العَدَدَ 31 يَقول: "أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بالإيمان؟" فماذا عنِ الشَّريعَةِ؟ وماذا عَنْ هذا المَطْلَبِ؟ وماذا عنِ العِقابِ العَادِلِ؟ "حَاشَا! بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ". فَنَحْنُ نُثَبِّتُ النَّاموسَ.

عندما تَنظرونَ إلى الإنجيلِ فإنَّكُم تُدركونَ أنَّكُمْ لا تَستطيعونَ أنْ تَكْسِروا شريعةَ اللهِ دونَ أنْ تَجْلِبُوا على أنْفُسِكُمْ العَدالَةَ المُقَدَّسَةَ. وهذهِ العدالةُ إمَّا أنْ تَسْقُطَ عليكُم أو أنْ تَسْقُطَ على المسيح. وقد قالَ كاتِبُ التَّرنيمةِ القديمةِ: "يا لِرَوْعَةِ مُخَلِّصي الَّذي اجْتَمَعَتْ فيهِ مَراحِمُ اللهِ". وأنا أُحِبُّ أنْ أَنْظُرَ إلى الصَّليبِ مِنْ زاويةِ الخاطئِ. ولكنِّي أعتقدُ أنِّي أُحِبُّ أكثر أنْ أنْظُرَ إلى الصَّليبِ مِنْ زاويةِ اللهِ. فصليبُ المسيحِ يُظْهِرُ بِرَّ اللهِ، وَيُظْهِرُ نِعمةَ اللهِ، ويُظْهِرُ ثَباتَ اللهِ، ويُظْهِرُ قَداسَةَ نَاموسِ اللهِ. وهذا هوَ الإنجيلُ الَّذي نادى بِهِ بولُس. هذا هُوَ إنجيلُهُ. وهذا هُوَ جمالُهُ ورَوْعَتُهُ. وَهُوَ لا يُنْشِئُ تَجاوُبًا سَطْحِيًّا. أليسَ كذلك؟ فكما تَعلمونَ، عندما أتَيْتُمْ ليلةَ البارِحَةِ وابتدأتُم تَستمعونَ إلى التَّرانيمِ، مِنَ المؤكَّدِ أنَّكُم أدركتُم أنَّها تَسبيحاتُ للهِ. أليسَ كذلك؟ فلم تكُنْ تَرانيم تُمَجِّدُ أشْخاصًا، بل كانَتْ تَسبيحاتٌ للهِ بأرْقى صُوْرَةٍ مُمْكِنَةٍ، وبأعلى صَوْتٍ مُمْكِنٍ - لأنَّ اللهَ يَستحقُّ التَّسبيحَ على هَذا الخَلاص.

نَشكُرُكَ، يا أبانا، على كَلِمَتِكَ الَّتي أَنْعَشَتْ قُلوبَنا مَرَّةً أُخرى في هذا الصَّباح. فنحنُ نُريدُ فقط أنْ نُكْرِمَكَ، وَأنْ نَعْبُدَكَ، وَأنْ نُحِبَّكَ، وَأنْ نُسَبِّحَكَ. نَشْكُرُكَ على كُلِّ هِباتِكَ الصَّالِحَةِ لَنا. أعْطِنا يَوْمًا رَائِعًا وَجميلًا. نُصَلِّي هذا باسْمِ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize